من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
أربع نسوة وأربعة غربان
أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس ابن حَيُّوَيْهِ الخزاز قال: حدَّثنا محمد بن خلف بن المَرْزُبان، قال: حدَّثني محمد بن عبد الله الأهوازي، قال: أخبرني بعض أهل الأدب أن بعض البصريِّين أخبره، قال: كُنَّا لُمَّة نجتمع ولا يفارقُ بعضُنا بعضًا، وكُنَّا على عدد أيام عند أحدنا، فضجرنا من المقام في المنازل، فقال بعضنا: لو عزمتم فخرجنا إلى بعض البساتين، فخرجنا إلى بُستان قريبٍ مِنَّا، فبينا نحن فيه إذ سمعنا ضجَّة راعتنا، فقلت للبستاني: ما هذا؟ فقال: هؤلاء نسوةٌ لهنَّ قِصَّة. فقلت له أنا دون أصحابي: وما هي؟ قال: العِيان أبرُّ من الخبر، فقُم حتى أريك وحدك. قلت لأصحابي: أقسمت ألا يبرح أحدٌ منكم حتى أعود. فنهضت وحدي، فصعدتُ إلى موضع أُشرف عليهن وأراهن، ولا يرينني، فرأيت نسوة أربعًا كأحسن ما يكون من النساء وأشكلهن، ومعهنَّ خدم لهنَّ وأشياء قد أُصلحت من طعام وشرابٍ وآلةٍ، فلما اطمأن بهنَّ المجلس جاء خادمٌ لهن ومعه خمسة أجزاء من القرآن، فدفع إلى كل واحدة منهن جزءًا، ووضع الخامس بينهنَّ، فقرأنَ أحسن قراءة، ثمَّ أخذن الجزء الخامس فقرأت كل واحدة منهن ربع الجزء، ثمَّ أخرجت صورة معهنَّ في ثوب ديبقي فبسطنها بينهن فبكين عليها ودعونَ لها، ثمَّ أخذن في النوح، فقالت الأولى:
خلسَ الزمان أعزَّ مختَلَسِويدُ الزمان كثيرة الخَلَسِ
لله هالكةٌ فُجعتُ بهاما كان أبعدَها من الدنَسِ
أتتِ البشارة والنعيُّ بهايا قُرْبَ مأتَمِها من العُرُسِ
ثمَّ قالت الثانية:
ذهَبَ الزمان بأنسِ نفسٍ عَنوَةًوبقيت فردًا ليس لي من مؤنِس
أودى بمَلْكَ ولو تُفادَى نفسُهالفَديتُها ممَّن أُعِز بأنفُسِ
ظلَّت تُكلِّمني كلامًا مُطمِعًالم أسترِبْ فيه بشيءٍ مؤيس
حتى إذا فترَ اللسان وأصبحَتللموت قد ذبُلَت ذُبولَ النَّرجِسِ
وتسهَّلتْ منها محاسنُ وَجهِهاوعلا الأنينُ تحثُّه بتنفُّسِ
جعَلَ الرجاء مَطامعي يأسًا كماقطَعَ الرجاء صحيفة المُتلَّمِّسِ
ثمَّ قالت الثالثة:
جرَتْ على عهدِها اللياليوأُحدثت بعدها أمورُ
فاعتضْتُ باليأس منكِ صَبرًافاعتدلَ اليأس والسرورُ
فلستُ أرجو ولستُ أخشىما أحدَثَتْ بعدكِ الدهورُ
فليبلُغ الدهرُ في مساتيفما عسى جهده يضيرُ
ثمَّ قالت الرابعة:
عِلْقٌ نفيسٌ من الدنيا فُجِعتُ بهأفضى إليه الرَّدى في حومة القدَرِ
ويحَ المنايا أما تنفكُّ أسُهمُهامعلَّقاتٍ بصدرِ القوسِ والوترِ
يَبلى الجديدان، والأيام باليةٌوالدهرُ يَبلى، وتَبلى جِدَّة الحَجَرِ
ثمَّ قُمن فقُلن بصوتٍ واحدٍ:
كُنَّا من المساعِدةنحيا بنفسٍ واحدة
فماتَ نصف نفسيحين ثوى في الرَّمسِ
فما بقائي بعدهوشطر نفسي عنده
فهل سمعتم قبليفي من مضى بمثلي
عاشَ بنصف روحِفي بدنٍ صحيحِ
ثمَّ تنحَّين وقُلن لبعض الخدم: كم عندك منهنَّ؟ قال: أربعة. قلن: ائتِ بهن. فلم ألبث إلا قليلًا حتى طلَع بقفص فيه أربعة غِربان مُكتَّفة، فوَضَع القفص بين أيديهن، فدعون بِعيدان، فأخذت كل واحدةٍ منهن عودًا، فغنَت:
لعمري! لقد صاح الغُراب ببَينِهمفأوجَعَ قلبي بالحديث الذي يُبدي
فقلتُ له: أفصحتَ لا طِرْتَ بعدهابريشٍ، فهل للقلبِ ويحَكَ من ردِّ!
ثمَّ أخذنَ واحدًا من الغربان، فنتفن ريشه حتى تركْنَه كأن لم يكن عليه ريش قط، ثمَّ ضربنه بقُضبانٍ معهن لا أدري ما هي حتى قتَلنه، ثمَّ غنَّت:
أشاقَك والليل ملقي الجِرانغُرابٌ ينوح على غُصنِ بان
أحصَّ الجناح شديد الصياحيبكي بعينَين ما تُهملان
وفي نعَبات الغراب اغترابٌوفي البانِ بينٌ بعيدُ التداني
ثمَّ أخذن الثاني فشدَدْن في رجليه خيطَين وباعدن بينهما وجعلن يقلن له: أتبكي بلا دمعٍ وتُفرِّق بين الآلاف، فمَن أحق بالقتل منك؟ ثمَّ فعلن به ما فعلن بصاحبه. ثمَّ غنت الثالثة:
ألا يا غرابَ البَيْنِ لونُكَ شاحبٌوأنت بلوعات الفراق جديرُ
فبيِّن لنا ما قلتَ إذ أنتَ واقعٌوبيِّن لنا ما قلتَ حين تطير
فإن يكُ حقًّا ما تقولُ فأصبحتهمومُك شتَّى والجناح كسير
ولا زلتَ مكسورًا عديمًا لناصرٍكما ليس لي من ظالميَّ نصيرُ
ثمَّ قالت: أما الدعوى فقد استُجيبت، ثمَّ كسرت جناحيه، وأمرت ففُعل به ذلك. ثمَّ غنت الرابعة:
عشية ما لي حيلةٌ غير أننيبلَقطِ الحصى والخط في الدار مولع
أخُطُّ وأمحو كلَّ ما قد خططتهبدمعيَ والغربان في الدار وَقَّعُ
ثمَّ قالت لأخواتها: أي قتلةٍ أقتله؟ فقلن لها: علِّقيه برجليه وشدي في رأسه شيئًا ثقيلًا حتى يموت. ففعلت به ذلك، ثمَّ وضعن عيدانهن، ودعَون بالغداء فأكلن، ودعون بالشراب فشربن، وجعلن كلَّما شربْنَ قدحًا شربن للصورة مثله، وأخذنَ عيدانهن فغنين، فغنت الأولى كأنها تودِّع به:
أبكى فراقَكُم عيني فأرَّقهاإن المحب على الأحباب بكَّاءُ
ما زال يعدو عليهم رَيبُ دهرهمحتى تفانوا، وريب الدهر عدَّاء
ثمَّ غنت الثانية:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا، والذي أمرُه الأمرُ
لقد تركتْني أحسُدُ الوحش أن أرىأليفَين منها لا يَروعهما الذعرُ
ثمَّ غنت الثالثة:
سأَبكي على ما فات من صبابةًوأندُبُ أيام الأماني الذواهبِ
أحينَ دنَنَا من كنتُ أرُو دُنوَّهرمَتْني عيونُ الناس من كل جانبِ
فأصبحتُ مرحومًا وكنت مُحَسَّدًافصبرًا على مكروه مرَّ العَوَاقِبِ
ثمَّ غنت الرابعة:
سأُفني بك الأيام حتى يَسُرَّنيبك الدهرُ أو تَفنى حياتي مع الدهرِ
عزاءً وصبرًا! أسعداني على الهوىوأحمدُ ما جرَّبت عاقبةُ الصبرِ
نعب الغراب برؤية الأحبابفلذاكَ صِرت أحبُّ كل غُرابِ
قالت: صحَّفتَ وأحلتَ المعنى، إنما قال: بفرقة الأحباب، فلذاك صِرت عدوَّ كل غاب. فقلت لهن: فبالذي خصَّكُن بهذا المجلس، وبحقِّ صاحبة الصورة، لما خبرتني بخبركن؟ قلن: لولا أنك أقسمت علينا بحق من يجبُ علينا حقه ما أخبرناك.
كنَّا صواحب مجتمعات على الأُلفة، لا تشرب مِنَّا واحدة البارد دون صاحبتها، فاختُرِمَت صاحبة الصورة من بيننا، فنحن نصنعُ في كل موضع نجتمع فيه مثل الذي رأيت، وأقسمنا أن نقتل في كل يوم نجتمِعُ فيه ما وجدنا من الغربان لعلة كانت. قلت: وما تلك العلة؟ قلن: فرَّق بينها وبين أُنسٍ كان لها، ففارَقت الحياة، فكانت تذمُّهنَّ عندنا وتأمر بقتلهن، فأقلَّ ما لها عندنا أن نمتثل ما أمرت به، ولو كان فيك شيء من السواد لفَعلنا بك فِعلنا بالغربان.
ثمَّ نهضنَ فمضين، ورجعتُ إلى أصحابي فأخبرتهم بما رأيت، ثمَّ طلبتهنَّ بعد ذلك، فما وقعت لهنَّ على خبر ولا رأيت لهنَّ أثرًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع