من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
فاصبرْ لها غيرَ محتالٍ ولا ضَجِرٍ ... في حادثِ الدهرِ ما يُغني عن الحِيَلِ
اللغة: [محتال]: اسم فاعل، مَنْ تعمَّد الحِيَل، والضجر: القلق، والحيل: جمع حيلة.
الإعراب: اصبر: فعل أمر، لها: اللام هنا للتعدية، والضجر: يرجع إلى معهود في النفس لم يُذكر، وهو المقادير، أو الأيام، غير محتال: غير منصوب على الحال، أي مسلِّما أمورك إلى الله تعالى، ولا ضجر: الواو عاطفة، عطفت النفي على النفي، في حادث الدهر: في هنا ظرفية، وحادث: مجرور بالإضافة، ما يغني: ما هذه نكرة [ ب] موصوفة بما بعدها، ومعنى البيت فاصبر للحوادث مسلَِّما أمورك إلى الله، ففي حادث الدهر ما يغنيك عن الحِيَل.
المعنى: اصبر للنوائب صبر مَنْ لا يقلق، ولا يحتال، فإنّ في حوادث الدهر ووقائعه ما يغنيك عن الحيل، ويأتيك بما لا تقدر عليه، قال ﵊: انتظار الفرج بالصبر عبادة، وروى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله، وقالت عائشة ﵂: لو كان الصبر رجلا لكان كريما، وقيل لعليّ كرم الله وجهه: أي شيء أقرب إلى الكفر، قال ذو فاقة لا صبر له، وقال المحاسبي ﵁: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان عقله، وجوهر العقل الصبر، ومن كلامهم: الصبر مُرٌّ لا يتجرعه إلاّ حرٌّ، وقال:
صَبِّرِ النَفسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّإِنَّ في الصَبرِ حيلَةَ المُحتالِ
لا تَضيقَنَّ في الأُمورِ فَقَد يُكـشَفُ عنها الردى بِغَيرِ اِحتِيالِ
رُبَّما تَجزَعُ النُفوسُ مِنَ الأَمـرِ لَهُ فُرجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ
ولهذه الأبيات حكاية، وهي أنّ الحجاج كان أنكر على مَنْ يقرأ [إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ] وقال له: إن لم تأتني بدليل، وإلاّ ضربت عنقك، وأجّله على ذلك أجلا، فأخذ يطوف في أحياء العرب، فبينما هو في بعض الأسحار وإذا هو براكب ينشد هذه الأبيات، قال: قلت ما ذاك، قال: مات الحجاج، قال: فوالله ما أدري بإيهما أُسرُّ فرحا، بقوله مات الحجاج، أو بقوله: فُرجة، انتهى.
قال ابن حجاج:
دعها سماوية تجري على قدرٍلا تُفْسِدَ نْها برأيٍ منكَ أرضيّ
/ وقال آخر:[ أ]
الدهر لا ينفك عن حدثانهوالمرء منقاد لحكم زمانه
فدع الزمان فانه لم يعتمدلجلالة أحداً ولا لهوانه!
كالمزن لم يخصص بنافع صوبهأفقا ولم يخش أذى طوفانه
لكن لباريه بواطن حكمةٍفي ظاهر الأضداد من أكوانه
وقال [أبو] الخوارزمي:
ما أثقل الدهر على من ركبهحدثني عنه لسان التجربهْ!
لا تحمدن الدهر لشيء سببهفانه لم يتعمّد بالهِبهْ
وإنّما أخطأ فيك مذهبهكالسيل إذ يَسقي مكاناً أخربه!
وقال إبراهيم بن العباس الصولي:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ بها الفَتىذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
كَمُلَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُهافُرِجَت وَكُان أيظُنُّها لا تُفرَجُ
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان: يقال: ما رددها من نزلت به نازلة إلاّ فرّج الله عنه، وقال آخر:
كن عن همومك معرضاًوكِلِ الأمورَ إلى القضا
وابشِرْ بخيرٍ عاجلٍتنسى به ما قد مضى
فلرُبَّ أمرٍ مُسْخِطٍلك في عواقِبه رضا
الله يفعل ما يشاءفلا تكن متعرضا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع