من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
أعدى عدوِّكَ أدنى من وَثِقْتَ به ... فحاذرِ الناسَ واصحبهمْ على دَخَلِ
[اللغة] العدو: معروف، أدنى: أقرب، وثقت: ائتمنت، والمحاذرة: التحرُّز، والدخل: المكر والخديعة، قال تعالى: [وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ].
الإعراب: أعدى: في موضع رفع بالابتداء، عدوك: مجرور بالإضافة، أدنى: أفعل تفضيل من الدنو، وهو خبر المبتدأ، مَنْ: موضعها خبر لإضافتها إلى أدنى، وهو نكرة موصوفة، والجار والمجرور على دخل في موضع الحال، أي اصحبهم مخادعاً. [ ب]
المعنى: أشد عداوة لك رجل وثقت به، فخذ حذرك من الناس، واصحبهم بالخديعة، والمكر، ولا تركن إلى أحد ممن وثقت، أو ظننت أنه صديقك، إنه أشد عداوة لك من كل عدو، وروى الشارح بسنده عن المزي إلى النبي ﷺ أنه كان يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشْرَهُ ولا خُلُقَه. وعن ربيعة بن ماجد: قيل لمعاوية بن أبي سفيان: ما بلغ من عقلك؟ قال: ما وَثِقْتُ بأحدٍ قطّ. ولله در القائل:
من أحسن الظن بأعدائهتجرع الهم بلا كاس
وكان ينبغي لهذا الناظم أن يقول بأحبابه بدل بأعدائه، يقال: كان رجل في عهد كسرى يقول: مَنْ يشتري ثلاث كلمات بألف دينار، فكل من سمعه سخر به إلى أنْ اتّصل بكسرى، فقال: ما هنّ، فقال: ليس في الناس كلهم خير، قال: صدقت، قال: ثم ماذا، قال: ولا بدّ منهم، قال: صدقت، ثم ماذا، قال: فألبسهم على قدر ذلك، قال كسرى: قد استوجبت المال فخذه.
قال أبو العلاء المعري:
جَرّبْتُ دَهْري وأهلِيه فما تَرَكتْليَ التّجارِبُ في وُدّ امرِئٍ غَرَضا
وقال أيضا:
فظُنّ بسائِرِ الإخْوانِ شَرّاًولا تأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا
فلو خَبَرَتْهُمُ الجَوزاءُ خُبْريلَما طَلَعَتْ مَخافَةَ أن تُكادا
فأيّ النّاسِ أجْعَلُهُ صَديقاوأيّ الأرضِ أسْلُكُهُ ارْتِيادا
وقال ابن الرومي:
عدوُّكَ من صديقك مستفادٌفلا تستكثرنَّ من الصِّحابَ
فإن الداءَ أكثرَ ما تراهُيكونُ من الطعام أو الشرابِ
/ وقال مجير الدين محمد بن تميم:[ أ]
من كان يرغبُ في حياةِ فؤادِهَوصفائِه فلينأَ عن هذا الوَرى
فالماء يصفو إن نأى فإذا دنامنهم تغيَّر لونُهُ وتَكَدَّرا
وقال أبو الطيب:
كَلامُ أَكثَرِ مَن تَلقى وَمَنظَرُهُمِمّا يَشُقُّ عَلى الآذانِ وَالحَدَقِ
وقال أيضا:
وَمِن نَكَدِ الدُنيا عَلى الحُرِّ أَن يَرىعَدُوّاً لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ
وقيل: إنّ المتنبي لمَّا ادّعى النبوة قيل له: ما معجزتك؟ قال: قولي: ومن نكد الدنيا .... البيت، وأمَّا المعري فإنه سلّى نفسه بالعمى بقوله:
قالوا العَمى مَنظَرٌ قَبيحٌقُلت بِفَقدانكم يَهونُ
واللَهِ ما في الوجودِِ حُرٌّتَأَسى عَلى فَقدِهِ العُيونُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع