من «شرح لامية العجم» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُونِي فلا عَجَبٌ ... لي أُسوةٌ بانحطاطِ الشمس عن زُحَلِ
اللغة: علا: ارتفع، دوني: أي أنقص منه رتبة، والعجب: استغراب النفس الشيء، والأسوة: ما يتأسّى به الحزين، انحطاط: النقص، والشمس: معروفة، وزحل: كذلك.
الإعراب: إنْ: حرف شرط، علاني: هو الشرط، مَنْ: اسم ناقص يحتاج إلى صلة وعائد، دوني: اسم مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هو هو دوني، وفي فلا الفاء: جواب الشرط، ولا النافية للجنس، عجب: اسم لا، أسوة: مبتدأ، وإنما تأخّر لأنه نكرة.
المعنى: أخذ يسلِّي نفسه، ويتأسى بما ضربه من المثل في انحطاط الشمس عن زحل، فقال: وإن علاني هؤلاء الذين ذممت دولتهم، وأيامهم، وهم دوني في كل شيء، لي أسوة بكون الشمس منحطة عن زحل، وهو مَثَل حسن، وهذا فيه من البديع إرسال المثل، والإيضاح، وقد تقدّم الكلام في ذلك، وهذا البيت قد أخذ بمجامع الحسن، ودار به على قطب الفصاحة فلكه الدائر، وسار في الأقطار مثله السائر، وأضاءت به الشموس في أيام الطروس، وأسفرت به البدور في ليالي السطور،
وأمَّا تمثيله بالشمس وزحل، فهو تمثيل مطابق لمن يكون بحالته التي ذكرها، وشرحها من ارتفاع السفل، وانحطاط الكرام، لأن الشمس في الفلك الرابع، وزحل في السابع، وإنما حكموا بأن زحل في السابع، والشمس في الرابع؛ لأن ذلك أمر يشاهده الحسّ، ويحكم به العقل، وهو أنهم وجدوا زحل يدور [ ب] في فلكه في كلّ ثلاثين سنة دورة، والشمس يدور فلكها في كل سنة مرة، والزهرة مثل الشمس، ولكن تارة تُسرع؛ فتكون أمامها، وتارة تكون الشمس أمامها، وفلك البروج محيط بفلك زحل، والفلك الأطلس محيط بفلك البروج، والأطلس يدور بما فيه في اليوم والليلة من المشرق إلى المغرب مرة واحدة دورة كاملة، فتبارك الله أحسن الخالقين.
قال الأرجاني مشيرا إلى قول الطغرائي:
ودَعِ التّناهيَ في طلابك للعُلاواقنعْ فلم أرَ مثْلَ عِزِّ القانع
فبسابعِ الأَفْلاكِ لم يَحْلُلْ سِوىزُحَلٍ ومجرى الشمسِ وسطَ الرابعِ
وهذا المعنى أخذه الأرجاني من الطغرائي؛ لأن الأرجاني [توفي] في سنة أربع وأربعين وخمسمائة، والطغرائي في سنة خمسمائة وخمس عشرة، ولكن بيت الطغرائي أبدع وأطرب، وأهزّ للأعطاف، قال ابن الساعاتي:
أتظُنُّ يا خيرَ الأَنامِ نقيصَةً والنقصُ للأطرافِ لا الأشرافِ
أَوَما ترى أنَّ الكواكبَ سبعةٌ والشمسُ رابعةٌ بغير خلافِ
والشمس هي الكوكب النَّيِّر الذي يمد سائر الكواكب بالنور على بعض الآراء، وإلى ذلك أشار التهامي في قوله يمدح الشريف الزيدي لمَّا حُبس بالقاهرة في خزانة البنود، فقال:
بَثَّ الفَضائِل خلفه وَأَمامهفَفَناء مُهجَتِهِ كَمِثلِ خُلودِها
كالشَمسِ تُوَدِع في الكَواكِب نورهافَتَنوب للسارين عَن مَفقودِها
وأجمع أهل الهيئة على أنّ القمر يستمد النور من الشمس، وزيادة النور فيه ونقصانه بحسب البعد منها والقرب؛ لأن جُرم القمر كثيف حديدي مستخصف، قابل لانطباع النور فيه كالمرآة، واعلم أن بيت الطغرائي هذا يصدع الفؤاد، ويرضّ الأكباد؛ لأن الدهر [ أ] مولع بخفض الكامل، ورفع الناقص، وسعد الجاهل، وشقاء الفاضل، وبؤس الكريم، ونعيم اللئيم:
شِيَمٌ مرّت الليالي عليهاوالليالي قليلةُ الإنْصافِ
ومن الكلم النوابغ: ولا غرو أنْ يرتفع الجاهل، وينحط العالم، فقد يتدلّى سهيل، وتستعلى النعائم، والطغرائي قد اختلس بيته هذا من أبي الطيب:
وَلَو لَم يَعلُ إِلّا ذو مَحَلٍّتَعالى الجَيشُ وَاِنحَطَّ القَتامُ
بل أخذه صريحا من أبي الفتح البستي، حيث قال:
لا تَعْجَبَنَّ لدَهرٍ ظَلَّ في صَبَبٍأشرافُهُ وعَلا في أوجِهِ السَّفِلُ
وانقَدْ لأحكامِه أنَّى يُقادُ بِهافالمُشتري السَّعْدُ يعلو فوقَهُ زُحَلُ
وقال ابن نفادة:
الدهرُ يرفعُ مخفوضا ويخفض مر فوعاً من الناس عمداً فهو لحَّانُ
فالفضلُ ينحطُّ والنّقصان مرتفعٌ كأنما صرفهُ في الحكمِ ميزانُ
قال ابن الرومي:
قالتْ علا الناسُ إلاّ أنتَ قلتُ لها كذاكَ يسفلُ في الميزانِ مّنْ رَجَحا
وقال آخر:
الدهرُ كالميزانِ يرفعُ ناقصاًأبداً ويخفضُ زائدَ المقدار
وإذا انتحى الإنصافُ ساوى كونُهلإفي الوزنِ بينَ حديدةِ ونُضارِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع