من «الازدهار فيما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
الازدهار فيما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
هذا جزء جمعت فيه الأشعار التي عُقد فيها شيء من الأحاديث والآثار، سميته بالازدهار. وله فوائد: منها الاستدلال به على شهرة الحديث في الصدر الأول وصحتها، وقد وقع ذلك لجماعة من المحدّثين. ومنها إيراده في مجالس الإملاء. ومنها الاستشهاد به في فن البديع: في أنواع العقد والاقتباس والانسجام.
قال المعافى بن زكريا في كتاب الجليس والأنيس: حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا محمد بن سعيد، حدثني أبو ثمامة القيسي، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، قال: رأيت أبا نواس عند روح ابن القاسم، فتحدث روح عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال ﷺ: القلوب جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. قال يزيد: فقال أبو نواس: أنت لا تأنس بي، وسأجعل هذا الحديث منظوماً بشعر. قلت: فإن قلت ذلك فجئني به، فجاءني فأنشدني:
يا قلب رفقاً أجِدّاً منك ذا الكلفُومن كلفتُ به جافٍ كما تصفُ
وكانَ في الحقّ أن يهواك مجتهداًبذاك خبَّرَ منا الغابر السلف
إنَّ القلوب لأجنادٌ مجنَّدةٌلله في الأرض بالأهواء تعترف
فما تناكر منها فهو مختلفوما تعارفَ منها فهو مؤتلف
أخرجه ابن عساكر.
وأخرج الشيرازي في الألقاب، والحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد، والحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق عن محمد ابن شجاع الأحمر، قال: دخلت على أمير المؤمنين المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي، فجعل نصر يحضّ المتوكل على الرفق، ويمدح الرفق ويوصي به، فالتفت المتوكل إلى يحيى بن أكثم القاضي فقال له: أنت يا يحيى حدثتني عن محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن الأعمش، عن موسى بن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه قال: من حُرِم الرفق حُرِم الخير. ثمَّ أنشأ يقول:
الرفق يمنٌ والأناةُ سعادةٌفاستأنِ في رفقٍ تلاقِ نجاحا
لا خير في حزمٍ بغير رويّةٍوالشّكُّ وهنٌ إن أردتَ سراحا
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن النضر بن شميل قال: كنا نأتي يونس بن حبيب النحوي فنسأله عن غريب الحديث، فحدثته بهذا الحديث، فقلت: حدثنا طلحة بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة، زُر غبّاً تزدد حُبّاً. فأنشدنا يونس بن حبيب في هذا المعنى:
أغْبِبْ زيارتك الصَّديق يراك كالثوب استجدّه
إنَّ الصَّديق يملّهألاّ يزالَ يراك عنده
وقال:
أقلَّ زيارة الأحباب تزدد عندهم قربا
فإنَّ المصطفى قد قال زر غبّاً تزدد حبّا
وأخرج الشيرازي في الألقاب من طريق أبي محمد بن عبد الرحمن بن حمزة بن عمرو بن أعين الخزاعي قال: حدثني أبي عن جدي أنه سمع قتيبة بن مسلم الباهلي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: زر غبّاً تزدد حبّاً. قال أبو محمد: قال جدي عمرو بن أعين بيتاً في هذا المعنى:
إذا شئت أن تقلى فزر متواتراًوإن شئت أن تزداد حبّاً فزر غبّا
وأنشد ثعلب في أماليه:
رأيت النَّاس من ألقىعليهم نفسه هانا
فزر غبّا ولا تَرْشُنوإن ذُرِّعت أحزانا
وقال آخر:
تثقّلُ بالزّيارة كلّ يومٍوتحسب أن شخصك لا يُملّ
وقال العسكري في الأمثال: قد أخذ هذا الحديث غير واحد من الشعراء فقالوا في معناه، أنشدنا أبو بكر بن دريد:
عليك بإغباب الزيارة إنهاإذا كثرت كانت إلى البحر مسلكا
فإنِّي رأيت الغيثَ يُسأمُ دائماًويُسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
وقال آخر:
وقد قالَ النَّبيّ وكانَ بَرّاًإذا زرت الحبيب فزره غبّا
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عدي بن حاتم الطائي قال: كنت عند علي بن أبي طالب، إذ وردت عليه رقعة من عثمان بن عفان بخطّه:
تجنَّى عليَّ يقارضَني ذنباوأبدي عتاباً فامتلأت له عُتبى
فلو لي قلوب العالمين بأسرهالما تركت لي من معاتبةٍ قلبا
معاتبة السِّلْفَين تحسنُ مرّةًفإن أكثرا إدمانَها أفسدا الحبّا
وقد قالَ في بعض الأقاويل قائلٌأراد به العُتبى ولم يرد العَتْبا
إذا شئت أن تُقْلى فزُر متتابعاًوإنْ شئت أن تزداد حبّاً فزُرْ غبّا
وأخرج ابن عساكر من طريق عمر بن أبي الصهباء قال: مررت بأبي هريرة وهو مستلقٍ واضع ثوبه تحت رأسه وإحدى رجليه على الأخرى وهو يتغنى:
لمَّا رأيتُك لي مُحِبّاوإليَّ حينَ أغيبُ صَبّا
أعرضت لا لملالةٍحدثت ولا استحدثْت ذنبا
إلاَّ لقول نبيِّنازوروا على الأيَّام غِبّا
ولقوله من زار غبّامنكم يزداد حُبّا
وقال الخطيب في تاريخه: حدثني الأزهري سمعت عيسى بن علي بن عيسى الوزير يقول: أنشدني أبو بكر بن مجاهد عن محمد بن الجهم:
لا تُضْجِرنَّ مريضاً جئت عائدهإنَّ العيادةَ يومٌ إثر يوميْنِ
بلْ سلْهُ عن حاله وادع الإله لهواقعدْ بقدر فواقٍ بين حلبينِ
من زار غبّا أخاً دامتْ مودّتُهوكانَ ذاك صلاحاً للخليلين
وأخرج أبو محمد عبد الله بن علي التكريتي في كتاب اللباب في مناقب الألباب بسند ضعيف عن الشعبي أن رسول الله ﷺ قال لحيّ من الأنصار: من سيّدكم يا بني سلمة؟ قالوا: الجدّ ابن قيس علي بُخل فيه. فقال رسول الله ﷺ: وأي دواء أدوى من البخل! بل سيدكم عمرو بن الجموح. فسمع حسان بن ثابت مقالة رسول الله ﷺ فقال:
يقول رسول الله والحقُّ قولهفقالَ لنا من ذا تعدُّون سيّدا
فقلنا له جدُّ بن قيس على التينُبَخِّلُه فينا وقد نال سُؤددا
فقالَ فأي الداء أدوى من التيرميتم بها جدّاً وعلَّى بها يدا
وسوّد عمرو بن الجموح لجودهوحُقَّ لعمرو ذي النَّدى أن يُسَوَّدا
إذا جاءه السُّؤال أنهب مالهوقالَ خذوه إنَّه عائد غدا
فلو كنتَ يا جدّ بن قيس على التيعلى مثلها عمرو لكنت المسوَّدا
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: إن من الشعر لحكما.
وأخرج الخطيب في كتاب البخلاء، وابن عساكر في تاريخه، عن محمد بن مسعر قال: لما حدّث ابن عيينة بحديث جدّ بن قيس أنشدنا لحسان بن ثابت:
وقالَ رسول الله والحق لازمٌلمن سال منَّا من تسمّون سيّدا
فقلنا له جدّ بن قيس على الذينبخّله فينا وقد نال سؤددا
فقالَ وأي الداء أدوى من التيرميتم بها جدّاً وأعلى بها يدا
فسوّدَ بشرَ بن البراء لجودهوحُقَّ لبشر بن البرا أنْ يُسوَّدا
فليس بخاط خطوة لدنيَّةٍولا باسط يوماً إلى سوأةٍ يدا
إذا جاءه السُّؤال أنهبَ مالَهوقالَ خُذوه إنَّه عائدٌ غدا
فلو كنت يا جدّ بن قيس على التيعلى مثلها بشر لكنت المسوَّدا
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سلمة بن عاصم قال: دخلت على الفراء أعوده، فأطلت وألحفت في السؤال، فقال لي: ادنُ، فدنوت، فأنشدني:
حقّ العبادة يوم بين يومَيْنوجِلسةٌ مثلُ لحظِ الطَّرفِ بالعَيْنِ
لا تُبْرِمَنَّ مريضاً في مسائلةٍيكفيك من ذاك تسأل بحرفَيْنِ
وقال ابن النجار في تاريخه: أنبأنا يوسف بن المبارك ابن كامل أنشدنا والدي، أنشدني أحمد بن أبي سعيد القزويني، أنشدني أبو الفرج عبد الغفار بن غريب القرميسيني:
حقُّ العيادة يوم إثرَ يومينِاقعُد قليلاً كمثل اللّحظ بالعين
فقد روى مندل عن عامر خبراًأن لا تُطيل جلوساً فعل ذي الزَّين
بل سَلْه عن حاله وادعُ الإله لهيكفيك عن ذاك تسْآل بحرفين
وقال بعضهم:
تعلَّمْ وكن واعياً للعلوموما قد نبا علمُه عنك سَلْ
فإنَّ السؤال شفاءُ العييّوكم حيرةٍ نتجت عن كَسَلْ
وقال ابن عساكر في تاريخه: أنبأنا أبو المعالي أسعد بن صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد، أنبأنا جدي منصور، أنبأنا أبو عبد الرحمن السّلمي، أنبأنا عبد الله بن الحسين بن محمد الكاتب، حدثنا عبد الله بن نصر، حدثنا أحمد بن يحيى المصاحفي، حدثنا علي بن أحمد بن عمران الخنسي، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا الهيثم ابن عديّ عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: لو لم يكن لابن آدم إلاَّ الصحة والسلامة لكفاه بهما داء قاتلاً. قال الهيثم: فأخذه حميد بن ثور الهلالي ﵁ فقال:
أرى بصري قد رابني بعد صحةٍوحسبُك داءٌ أن تَصِحَّ وتسلما
ولن يلبث العضوان يوماً وليلةًإذا اخْتَلفا أن يُدركا ما تيمّما
وقال الخطيب في تاريخه: أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي، حدثنا أبو القاسم علي الحسين العرزمي المقرئ، حدثنا أبو العباس محمد بن عمر بن الحسين بن الخطاب البغدادي، حدثنا جعفر بن علي الحافظ البغدادي، حدثنا أحمد بن محمد الحماني، حدثنا محمد بن سماعة القاضي، حدثنا أبو يوسف عن أبي حنيفة قال: حَجَجْت مع أبي سنة ست وتسعين، فرأيت رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يقال له عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، فسمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: من تفقّه في دين الله رزقه الله من حيث لا يحتسب وكفاه همّه. وأنشد أبو حنيفة من قوله:
مَنْ طلبَ العلم للمعادفاز بفضل من الرشادِ
ونال خُسران من أتاهلنيل فضل من العبادِ
وأخرج ابن النجار عن ابن عائشة قال: سَمِعني رجلٌ وأنا أقول: قال رسول الله ﷺ: لو عُزِّي المرءُ في حياته من الأسقام لأفناه الليل والنهار. فقال: هذا عن رسول الله ﷺ؟ فقلت: قاتل الله حميد بن ثور إذ يقول:
أرى بصري قد رابني بعدَ صحّةٍوحسبُك داءً أن تَصِحَّ وتسلما
وقال ابن أبي حاتم في كتاب الزهد له، حدثنا محمد ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة حدثنا ابن عياش عن عبد الله بن عبد العزيز عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان قاعداً وحوله المهاجرون والأنصار، فقال: أيها الناس، إنما مثل أحدكم ومثلُ أهله وماله وعمله كرجل له ثلاثة أخوة، فقال لأخيه الذي هو ماله حين حضرته الوفاة ونزل به الموت: ماذا عندك في نفعي وفي الدفع عني وقد ترى ما بي؟ فقال: عندي أن أطيعك ما دمت حيّاً، وانصرف حيث صرفْتَني، ومالك عندي نفعٌ إلاَّ ما دمت حيّاً، فإذا متَّ ذُهب بي إلى غير مذهبك، واتّخذني غيرُك. فالتفت النبي ﷺ فقال: هذا أخوه الذي هو ماله، فأي أخٍ ترونه؟ قالوا: لا نسمع طائلاً يا رسول الله.
ثم قال لأخيه الذي هو أهله: قد نزل بي من الموت ما نزل، فما عندك من الغناء في منفعتي والدفع عني؟ فقال: عندي أن أمرِّضَك وأقوم عليك، فإذا متّ غسَّلتك ثم كفَّنتك وحنَّطتك، وأبكيك وأتّبعك مشيّعاً إلى حفرتك، وأثني عليك خيراً. فقال رسول الله ﷺ: أيّ أخٍ هذا؟ قالوا: أخ غير طائل.
ثم قال لأخيه الذي هو عمله: ماذا عندك وماذا لديك في منفعتي والدفع عني؟ قال: أشيّعك إلى قبرك، وأونس وحشتك، وأذهب غمّك، وأجادل عنك في القبر، وأوسّع عليك جهدي، فأي أخ ترون هذا؟ قالوا: خير أخ يا رسول الله. قال: والأمر هكذا. قالت عائشة: فقام عبد الله بن كرز الليثي فقال: أتأذن لي أن أقول في هذا شعراً؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم فغدا عبد الله واجتمع المسلمون فقال رسول الله ﷺ: هات يا ابن كرز فقال:
وأهلي ومالي والذي قدَّمَتْ يديكداعٍ إليه صَحْبهُ ثم قائلِ
لإخوته إذ هم ثلاثةُ إخوةأعينوا عليّ اليوم أمري بنازلِ
فراق طويل غير ذي مَثْنويّةٍفماذا لديكم في الذي هو غائلي
فقالَ امرؤ منهم أنا الصاحب الذييطيعك في محياك قبل النزائلِ
فأما إذا جدَّ الفراق فإنّنيلما بيننا من خُلّةٍ غيرُ واصلِ
فخذ ما أردتَ اليومَ منّي فإننيسبيلك لي في منهل غير طائلِ
غنائي أنّي جاهدٌ لك ناصحٌإذا جدَّ جِدّ الكرب غير مقاتل
ولكنني باكٍ عليك ومُعْوِلومثنٍ بخير عند من هو سائلي
ومتّبع الماشين أمشي مُشيّعاًأعين برفقٍ عُقبةً كلَّ حاملِ
إلى بيت مثواك الذي أنت مُدخلوأرجع مهتماً بما هو شاغلي
وقالَ امرؤ منهم أنا الأخ لا ترىأخاً لك مثلي عندَ جَهدِ الزلازلِ
لدى القبر تلقاني هنالك قاعداًأجادل عنكم في رجال التجادل
وأقعدُ يومَ الوزن في الكفة التيتكون عليها جاهداً في التثاقلِ
فلا تَنْسني واعلم مكاني فإنّنيعليك شفيقٌ ناصحٌ غيرُ خاذلِ
وذلك ما قدَّمت من كل صالحتلاقيه إن أحسنت يوم التفاضلِ
أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هذا منكر من حديث الزهري، لا يشبه أن يكون حقّاً. قلت لأبي: ممّن هذا؟ قال من عبد الله بن عبد العزيز.
وأخرج ابن عساكر من طريق صدقة بن سابق عن محمد بن إسحاق قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ فيما يذكرون والله أعلم في دخوله الغار مع رسول الله ﷺ:
قالَ النبيُّ ولم أجْزَعْ يوقِّرُنيونحن في سُدْفةٍ من ظلمة الغار
لا تَخش شيئاً فإن الله ثالثناوقد توكَّلَ لي منه بإظهارِ
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن أبي عبد الله ابن جعفر بن محمد المقرئ قال:
إذا أراد الله أمراً بامرئوكانَ ذا رأي وعلم وبَصَرْ
وحيلة يعملها في كل مايأتي به مكروه أسباب القدر
أغراه بالجهل وأعمى قلبهوسله عن رأيه سلَّ الشّعر
حتَّى إذا أنفذ فيه حُكْمهردّ عليه عقله ليعتبر
أخرج الخطيب وابن عساكر عن محمد بن مظهر الكوفي قال: قال أبو العتاهية: قد قلت عشرين ألف بيت في الزهد، وودت أن لي مكانها الأبيات الثلاثة التي قالها أبو نواس:
يا نُواسُّ توقَّرْوتعزّى وتَصَبَّرْ
إنْ يكنْ ساءَل دهرٌفلما سرَّك أكثرْ
يا كثير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر
وأخرج ابن الأنباري في أماليه والمعافى وابن عساكر عن ابن صفوان قال: لما حجَّ أبو نواس لبّى فقال:
إلهنا ما أعْدَلكمليكَ كلِّ منْ ملك
لبّيك قد لبَّيْت لكلبَّيْك إنّ الحمد له
والملك لا شريك له
وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن سعيد بن مسلم بن بانك قال: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير يقول: حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ قال: يا عائشة، إياك ومحقِّرات الذنوب، فإن لها من الله طالباً. قال سعيد بن مسلم: فحدّثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد، لقد حدّثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنباً فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له: يا سليمان:
لا تحقِرَنَّ من الذنوب صغيراإن الصغير غداً يعودُ كبيرا
إنّ الصغير وإن تقادم عهدُهعند الإله مسطّرٌ تسطيرا
فازجُرْ هواك عن البطالة لا تكنْصعب القياد وشمّرنْ تشميرا
إنّ المحبَّ إذا أحبَّ إلههُطار الفؤادُ وأُلهم التفكيرا
فاسأل هدايتك الإله بنيّةٍفكفى بربّك هادياً ونصيرا
وقال ابن النجار في تاريخه: أنبأنا أبو الفتوح القرشي عن أبي منصور عبد الخالق بن زاهر النيسابوري، أنشدنا أبو تراب عبد الباقي بن يوسف المراغي، أنشدنا أبو محمد بن أبي علي القاضي التنوخي:
الرفقُ يُمنٌ وخيرُ القولِ أصدقُهوكثرةُ المزح مفتاحُ العداواتِ
الصدقُ بِرٌّ وقول الزورِ صاحبُهيومَ المعادِ حريٌّ بالعقوباتِ
وقال الخطيب في تاريخه: أخبرني محمد بن الحسن بن أحمد الأهوازي قال: أنشدنا الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: أنشدني أحمد بن القاسم المعروف بأخي أبي الليث الفرائضي.
لا تترك الحزمَ في أمرٍ هَمَمْت بهفإنْ سَلِمْتَ فما بالحزم من باس
العجزُ ضُرُّ وما بالحزم من ضَررٍوأحْزَمُ الحزمِ سوءُ الظنِّ بالناس
وقال أبو بكر بن عبد الله بن أحمد بن محمد ابن روزبه الفارسي في كتاب التبصر والتذكر أنشدنا أبو القاسم إبراهيم ابن إسحاق بن محمد بن هاشم البغدادي الديباجي بهمدان، أنشدنا أبو عصمة محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن خلف بن المهلّب السختياني بالبصرة لنفسه:
أنْبَأنا خيرُ بني آدمٍوما على أحمد إلاَّ البلاغْ
الناسُ مغبونون في نعمتَيْصحة أبدانهم والفراغْ
أخرجه ابن النجّار في تاريخ بغداد من طريق ابن روزبة أنه قرئ عليه هذا في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان أنبأنا أبو محمد بن يوسف الأصبهاني، أنبأنا عبد الله بن أحمد بن محمد الفقيه بهمدان، أنشدنا أبو القاسم إبراهيم بن إسحاق الديباجي أنشدنا أبو عصمة محمد بن أحمد السختياني لنفسه، فذكرهما.
وقال شمس الدين محمد بن محمد بن الموصلي:
ومنكرٌ قتلُ شهيدِ الهوىووجهُه يُنبئ عن حالِ
اللونُ لونُ الدمِ في خدّهوالريحُ ريحُ المسك في خاله
وقال أبو الصدر سليمان الحنفي:
دمُ الشهيد يحكيورداً نجدا لتركي
اللونُ لون دمٍوالريحُ ريحُ مسكِ
وقال شمس الدين بن العفيف التلمساني:
مثل الغزال نظرةً ولفتةًمن ذا رآه مُقبلاً ولا افتَتَنْ
أعذب خلقِ الله ثغراً وفماًإن لم يكنْ أحقَّ بالحُسْنِ فَمَنْ
في ثغره وخدّه وصدغهالماءُ والخضرة والوجه الحَسَنْ
وقال الجمال بن نباتة:
عن خدّه منع الرقيب وبعده داجي عذاره
واهاً لها من جنّةٍحُفَّتْ بأنواع المكارِه
وقال محمد بن إبراهيم التجاني:
قطعت باللحْظ من بُستان وجنتهتفاحةً ضرّجتها حُمرةُ الخفَرِ
وقلت هذا أمان من قطيعتهفالشرع قد نصَّ أن لا قطع في ثَمرِ
وقال محمد بن مسعود العشامي الأصبهاني، المعروف بالفخر النحوي:
ولمّا أنْ تولَّيْتَ القضاياوفاض الجودُ من كفَّيْك فيضا
ذُبِحْتَ بغير سكِّين وإنّالنرجو الذَّبح بالسكِّين أيضا
وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن حشيشة المقدسي:
طول اللحى زينُ القضاة وفخرُهموتميّزٌ عن غاغةٍ سفهاء
لو كانَ في قصرٍ لها فخرٌ بهالم يُرْوَ فيها سُنّةُ الإعفاء
وقال الإمام أبو محمد عبد الحق الإشبيلي، الحافظ، مصنف الأحكام والجمع بين الصحيحين وغير ذلك:
إنَّ في الموت والمعاد لشُغْلاًوادّكاراً لذي النُّهى وبلاغا
فاغتنمْ خطَّتين قبل المناياصحّة الجسم يا أخي والفراغا
وقال أبو المعالي رجب بن قحطان الأنصاري الحنبلي المقرئ:
إنَّما المرء خِلاصٌ جائزفإذا جرّبْتَه فهو شَبَهْ
وتراه راقداً في غفلةوهو حيٌّ فإذا مات انتبهْ
وقال عتاهية بن أبي العتاهية:
قد أفلح الصامت الصّموتُكلام راعي الكلام قوتُ
ما كلُّ نطق له جوابٌجواب ما تكره السكوتُ
وقال أبو الجوائز الحسن بن علي الواسطي:
دَعِ النّاس طُرّاً واصرف الوُدَّ عنهُمإذا كنتَ في أخلاقهم لا تُسامِحُ
ولا تبغِ من دهرٍ تظاهرَ رَنْقُهصفاء بنيه فالطباع جوامحُ
وشيئان معدومان في الأرض درهمٌحلال وخِلُّ في المودَّة ناصحُ
وقال شرف الدين الحسين بن علي بن مصدق الواسطي:
دمشق في أوصافهاجنّةُ خُلدٍ راضيه
أما ترى أبوابهاقد جُعِلتْ ثمانيه
وقال أبو العلاء صاعد بن الحسن اللغوي:
ومهفهفٍ أبهى من القمرقمر الفؤاد بفاتن النظرِ
خالسْتُه تفاح وجْنتهفأخذْتها منه على غَررِ
فأخافني قومٌ فقلت لهملا قطعَ في ثمرٍ ولا كثرِ
وقال أبو الحسن صدقة بن الحسين الواعظ:
أُوصيك يا عمّ خيراً ما استطعت فمايبقى عليك سوى ما أنت عاملُهُ
لا المال يدفعُ بأساً إن أتاك ولايردّ عنك الرَّدى إن أنت فاعلهُ
فامهَدْ لنفسِك قبل الموت مُجتهداًفعاجل الموتِ في التحقيق آجلهُ
هداك ربُّك للتقوى وبصَّرك الرشاد وانزاح عن معناك باطِلهُ
ولستُ أعدِلُ عن قومٍ وإن عدَلواعنّي وشرُّ فريق الحيّ عادلهُ
وإنَّما عدلُهم عنّي لجهلهموفي الحديث عدوُّ الشيء جاهلهُ
وقال أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف الكاتب البغدادي:
أتيهُ على الخليفة في نوالهويمنعني التعفّفُ عن سؤالهْ
واعلم أنّ رزقَ المرءِ يأتيكما تأتي المنيّة لاغتيالهْ
وقال الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداودي البوشنحي الشافعي:
إنْ شئت عيشاً طيباًصفواً بلا مُنازع
فاقنع بما أُوتيتهفالعيش عيشُ القانعِ
وقال هبة الله علي بن عرام:
إذا حصل القوت فاقنع بهفإنّ القناعة للمرء كنزُ
وصُنْ ماء وجهك عن بذلهفإنّ الصيانةَ للوجه عزُّ
وقال أبو الحكم عبيد الله بن علي بن غلندة الكاتب السرقسطي:
آهُ والبينُ قد أجدَّ بصحبيلو أفاد العزاء نُكراً رآها
يا لُوات الدّيون من غير عُسْرٍإنّ مطل الغنيّ ظلمٌ تناهى
وقال بعضهم:
إن جهلاً سؤالك الشرع عمّاليس يوماً به عليك خفاءُ
ليس للعاشق المحبّ من العشق سوى لذّة الجماع دواء
وقال الوداعي:
إذا رأيتَ عارضاً مسلسلاًفي وجنةٍ كجنة يا عاذلي
فاعلم يقيناً أنني من أمةٍتُقاد للجنّة بالسلاسل
وأورد أسامة بن منقذ في كتاب نقد الشعر لبعضهم:
طُفيليٌّ يَؤُمّ الخبز أنَّىرآه ولو رآه على يَفاعِ
ولا يروي من الأخبار إلاَّأُجيبُ ولو دُعيتُ إلى كُراعِ
وقال بعضهم:
بُليتُ به فقيهاً ذا جداليجادل بالدليل وبالدلال
طلبت وصاله والوصل حلوفقالَ: نهى النَّبيّ عن الوصال
وقال الشهاب أحمد بن موسى بن يغمور بن جلدك:
إنّ حشر العبد فإذلالهيوجبه رقّ عبوديّتهْ
وإنْ يقصّر كانَ تقصيرهُبالودّ محمولاً على نيّتهْ
وقال عز الدين بن غانم الواعظ:
كن زاهداً فيما حَوَتْ أيدي الورىتَضْحى إلى كلِّ الأنام حبيبا
أو ما ترى الخطّاف حرّم زادهمفغدا ربيباً في الحجور قريبا
وقال بعضهم:
ليت شعري كيف الخلاص من النّاس وقد أصبحوا ذئاب اعتداء
قلت لما بلاهم صدق خبريرضي الله عن أبي الدرداء
وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق محمد بن سعيد بن راشد، حدثنا أبو مسهر، حدثنا صدقة بن خالد عن ابن جابر عن مكحول قال: قدم على رسول الله ﷺ وفد من الأشعريين فقال لهم: أمنكم وحرة؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإن الله أدخلها ببرّها أمها وهي كافرة الجنة، أغير على حيّها في الجاهلية فتركوها وأمها، فحملتها على ظهرها، وجعلت تسير بها، فإذا اشتدّ عليها الحرّ جعلتها في حجرها وحَنت عليها، فلم تزل كذلك حتَّى استنقذتها من الفداء. قال أبو مسهر: وقال في ذلك بعض الأشعريين شعراً:
ألا أبْلِغَنْ أيها المفتديبنيَّ جميعاً وبلَّغْ بناتي
بأن وصاتي تقوى الإلهألا فاحفظوا ما حييتم وصاتي
وكونوا كوحرة في برهاتنالوا الكرامة بعد الممات
وَقَتْ أمَّها بشواة الرميضِوقد أوقد القيظ نار الفلاة
لِتُرضيَ ربّاً شديد القوىوتظفر من ناره بالعلاة
وأخرج الخطيب وابن عساكر من طريق محمد بن إسحاق الرملي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كن لما لم ترج أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس ناراً فرجع بالنبوة.
وأخرج ابن عساكر من طريق الحسن بن أحمد التنوخي قال: أنشدني وهب بن ناجية المري:
كن لما لا ترجو من الأمر أرجىمنك يوماً لما له أنت راجي
إن موسى مضى ليقْبِسَ ناراًمن ضياء رآه والليل داجي
فأتى أهله وقد كلم اللهـ وناجاه وهو خير مناجي
وكذا الأمر ربّما ضاق بالمرء فيتلوه سرعة الانفراج
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن أبي عبد الله محمد بن محمد ابن أحمد بن الهيتمي، أنشدنا أبو علي محمد بن الحسين بن الشبل لنفسه:
وإذا استَخرْتَ الله فاسْتَسْلم لهإن المسلِّمَ عنده المستسلمُ
واعلم بأنّك ما ابتليتَ بحادثٍإلاَّ به دفعُ الذي هو أعظمُ
قال ابن حبّان في كتاب روضة العقلاء: حدثني أبو طلحة محمد بن محمد البغدادي، حدثنا محمد بن الوليد بن أبان، حدثنا نعيم بن حماد قال: أنشدنا ابن المبارك:
ما ذاقَ طعمَ الغنى من لا قنوع لهولن ترى قانعاً ما عاش مُفْتَقرا
العرف من يأتِه يحمدْ عواقبهما ضاع عرفُ ولو أوليته حَجرا
وقال القاضي أبو الحسن هبة الله بن عبد الله السني، أسنده ابن النجار:
سألت الثمانين من خالقيلما جاء فيها عن المصطفى
فبلَّغَنيها وشكراً لهوزاد عليها وقد نَيّفا
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أبي الفرج علي ابن الحسين الأصبهاني الكاتب، قال: أنشدنا علي بن سليمان الأخفش لأيمن بن خريم، قال: وأخذ معناه من قول ابن عباس: إذا بلغ المرء أربعين سنة ولم يتب أخذ إبليس بناصيته وقال: حبّذا من لا يُفلح أبداً:
إذا المرءُ وفّى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حياء ولا سترُ
فَدَعْه ولا تنفس عليه الذي أتىولو مدّ أسباب الحياة له العمرُ
وقال ابن النجار: أنبأنا أبو القاسم الأزجي عن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن عمر السمرقندي قال: أنشدنا الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف صاحب التنبيه الفيروز أبادي لنفسه:
يحذِّرنا قومٌ حدوثَ شدائدفقلت لهم مهلاً فذلك لا يدرى
فلا تجزعوا مما يقال فإنّهإذا أنزل الله البلا أنزل الصبرا
وأخرج ابن النجار من طريق الصولي قال: حدثني الحسين بن علي الباقطابي قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن إسرائيل الأنباري الكاتب ينشد:
لا يكون السريُّ مثل الدنيّلا ولا ذو الذكاء مثل الغبيِّ
قيمة المرء مثل ما يحسن المرء قضاء من الإمام عليِّ
وقال بعضهم أورده الخطيب:
الناسُ في صورة التمثال أكفاءُأبوهم آدمٌ والأمّ حواءُ
فإنْ يكن منهمُ في أصله شرفيفاخرون به فالطين والماءُ
ما الفضل إلاَّ لأهل العلم إنهمعلى الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقدر كلّ امرئٍ ما كانَ يحسنهوالجاهلون لأهل العلم أعداءُ
وقال بعضهم، أورده ابن النجار:
من شاء عيشاً رخيّاً يستفيد بهفي دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرن إلى من فوقه أدباًولينظرن إلى من دونه مالا
وأخرج ابن النجار عن أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي قال أنشدنا ابن الوراق النحوي ببغداد:
وإذا تكامل للفتى من عمرهخمسون وهو إلى التُّقى لا يَجنَحُ
عَكَفتْ عليه المخزيات فما لهمتأخّرٌ عنها ولا مُتزَحزحُ
وإذا رأى الشيطان غرّةَ وجههحيّا وقالَ فديت من لا يفلحُ
وقال سهل بن حنظلة الغنوي، أورده ابن النجار:
ولو أن رزق العبد في رأس صخرةٍمن الصمّ في طود من الشمّ صاقبِ
إذن لأتاه العبد حتَّى ينالهولو كانَ مِضياعاً له غير طالبِ
وقال بعضهم، أورده ابن النجار:
ولو كانت الدُّنيا ثواباً لمحسنإذن لم يكن فيها معاشٌ لظالمِ
لقد جاع فيها الأنبياء كرامةًوقد شبعت فيها بطون البهائمِ
وقال ابن عساكر: أنشدني الأكفاني عن ابن الكتاني عن أحمد بن يحيى بن سهل المنبجي، أنشدني أحمد بن فارس الأديب، أنشدني القاسم بن محمد بن القاسم الشريف الحسني المعروف بابن طباطبا الأديب الشاعر:
حسود مريض القلب يُخفي أنينهويُضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغباًأجمّع من عند الرواة فنونه
وأعرفُ أبكارَ الكلام وعونهوأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أنّ العلمَ لا يجلب الغنىويَحسنُ بالجهل الذميم فنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتيفقيمةُ كلِّ الناس ما يحسنونه
قال بعضهم: حضرت مجلس كافور، فدخل رجل ودعا له وقال: أدام الله أيام مولانا، فكسر الميم من أيام، فتحدّث الحاضرون في ذلك وعابوه عليه، فقال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حشيش اللغوي، وكان حاضراً، ارتجالاً:
لا غرو أن لَحَن الداعي لسيِّدناوغُصَّ من دهش بالريق والبَهَرِ
فتلك هيبتُه حالت جلالتهابين الأديب وبين القول بالحصر
وإن يكن خفض الأيَّام من غلطٍمن موضع النَّصب لا عن قلّة النظرِ
فقد تفاءلت من هذا لسيّدناوالفألُ نأثُره عن سيّد البشرِ
بأن أيَّامه خفضٌ بلا نصبٍوأنّ أوقاتَه صفوٌ بلا كدرِ
وقال محمود الورّاق:
لبستُ صروفَ الدَّهر كهْلاً وناشئاًوجرّبتُ خالية على العُسر واليُسرِ
فلم أرَ بعد الدّين خيراً من الغنىولم أرَ بعد الكفر شراً من الفقر
وقال القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل بن قادوس صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية:
وفاتر النيّة عرنينهايكرّر الرعدة والهزه
مكبراً سبعين في مرةٍكأنّما صلّى على حمزه
وقال:
من عاذري من عاذلٍيلومُ في حبِّ رشا
إذا جحدت حبّهقالَ كفى بالدمع شا
وقال:
وربَّ أنفٍ لصديقٍ لناتحديده ليس بمعلومِ
ليس عن العرش له حاجبٌكأنه دعوة مظلومِ
وقال القاضي شمس الدين بن خلكان:
انظرْ إلى عارضه فوقهلحاظُه تُرسل منها الحتوفْ
تشاهد الجنّة في وجههلكنّها تحت ظلال السيوف
نقل من خط الذهبي:
حضرت يوماً سماع جزءٍعالٍ وتحصيله ضروره
عَشقتُ من شقوتي غزالاًبديع قدٍّ مليح صوره
أحلَّ قلبي هواه عِشْقاًمن غير إذنٍ ولا مشوره
فلم يكن مالكي مغيثاًبل صار في هجره بريره
وقال بعضهم:
أول الحكم في الدماء إذا ماوقف الناس للمليك الجليل
قالَ ذاك النَّبيّ صلَّى عليهأبدَ الدَّهر مُنْزلُ التنزيل
قال آخر:
توكَّلْ على الرحمن في كلِّ حالةٍوأعْدِدْ لكلّ النائبات توكُّلا
فإنَّ جنانَ الخُلدِ يدخلها غداًبغير حساب كلُّ عبدٍ توكَّلا
وقال آخر:
يا غافلاً عن بردْ ماءِ الكوثرِعند اشتداد الحرِّ يومَ المحشرِ
حوض النَّبيّ محمدٍ حصباؤهمن لؤلؤٍ وزَبْرجدٍ مع جوهرِ
من تحت عرش الله ميزابانشخّابان فيه بمائة المتفجّرِ
فيه أباريق اللّجين وأوّلُ الشّراب منه كلُّ أشعثِ أغبرِ
والله لو بعث الحياة بشُربةتروي بها من مائة لم تخسرِ
وقال آخر:
سبحان ذي الكرم العميم على الورىأفما ترى ذا اللُّطْف بالإنسانِ
يُدني أخا الذَّنْب الموحّد ثم يذكره به ويُقرُّ بالعصيانِ
فإذا أقرَّ به وقد رجعتْ بهشفتاه عند الحاكم الدَّيانِ
ناداه في الدُّنيا عليك سترتهاواليومَ أشفع ذاك بالغُفران
وقال الخطيب البغدادي في كتاب البخلاء: أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن أحمد الأهوازي قال: أنشدنا وليد بن معن الموصلي:
يقول إذا جاءه زائرٌفديْتُك إنّ العشا مَتخمهْ
وإنْ زارُهوْ قالَ نفسي الفداءُتعشَّ فترك العشا مَهْرمهْ
وقال الأديب البارع النحوي أبو بكر محمد ابن يوسف بن حبيش، بفتح الحاء، أورده ابن مكتوم في تذكرته عن أبي حيان عنه:
إنّي لأعسرُ أحياناً فيدركنيبُشرى من الله أنّ العسر قد زالا
يقول خير الورى في سنّة ثبتتأنفقْ ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن عيسى الشلبي الأندلسي الأنصاري المحدّث الحافظ الأديب:
قد غدا مستأنساً بالعلم منْخالطته زوعة إلهامهِ
لا ينال العلم جسم رائحٌحفَّت الجنّة بالمكاره
وقال أبو جعفر أحمد بن يوسف الغرناطي البصير رفيق محمد بن جابر الأعمى:
لا تعادِ الناسَ في أوطانهمُقلّ ما يُرعى غريبُ الوطنِ
وإذا ما عشت عيشاً بينهمخالقِ الناسَ بخلقٍ حسنِ
قال السلفي: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن مرشد المقري المزي بمصر، قال: أنشدني أبو القاسم خلف بن فرج بالمدينة لنفسه:
ما جاء نصّاً فخذهولا تكنْ تتخطَّى
ولا تقل بقياسإبليس قاس فأخطا
وقال الحافظ زكي الدين المنذري: أنشدني الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي، قال: أنشدني أبو خالد بن محمد ابن أبي بكر بن عمر لنفسه:
رزقت قناعة فجنيت وفراًوأغنى الناسِ من رُزق القنوعا
وقال الحافظ قطب الدين الحلبي: أنشدني الأديب النحوي زين الدين محمد بن رضوان المحلي المعروف بابن الرعّاد لنفسه:
قالوا وقد شاهدوا نحوليإلام في ذا الغرام تَشْقى
فنيتَ أو كدتَ فيه تفنىوأنت لا تستفيقُ عِشقا
فقلتُ لا تعجبوا لهذاما كانَ لله فهو يبقى
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة: أنشدني أحمد بن يحيى:
مفتاح باب الفرجِ الصبرُوكلّ عسر معه يُسرُ
والدَّهرُ لا يبقى على حالهوالأمرُ يأتي بعده الأمرُ
وقال: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
إذا لم تُسامحْ في الأمور تعسَّرتعليك فسامح وامزج العسر باليُسرِ
فلم أرَ أوفى للبلاء من التُّقىولم أرَ للمكروه أشفى من الصبرِ
وقال القالي في أماليه: أنشدني ابن دريد: قال: أنشدني الحسن بن خضر قال: أنشدني رجل من أهل البصرة، قال أنشدني أبو هلال:
هذا الزَّمان الذي كنا نُخبِّرُهفيما يُحدِّثُ كعبٌ وابن مسعود
إن دام ذا العيش لم يُحزن على أحدٍممّن يموت ولم يفرح بمولود
وقال أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي:
القبر أخفى سترةٍ للبناتِودفنها يُروى من المكرمات
أما رأيت الله سبحانهقد وضع النعش بجنب البنات
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر، رواه عنه ابن السمعاني:
وصاحبٍ خانَ ما استودعته وأتىمالا يليق بأرباب الدّيانات
وأظهر السرَّ مختالاً بلا سببوذاك والله من أوفى الجنايات
أما أتاه عن المختار في خبرأنّ المجالس تُغْشى بالأمانات
وقال الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
أرقتَ دمَ الرّاووق حلاً لأننيرأيت صليباً فوقه فهو مشركُ
وزوّجت بنت الكرم بابن غمامةفصحّ على التعليق والشرط أملك
وقال شمس الدين محمد بن دانيال فيما ينقش على مشراط حجّام:
أنا لا أكلّم واصباًإلاَّ بإذن منه تملك
شرطي شفاء الهالكين من الأذى والشرط أملك
وقال بعضهم:
الغنى في النفوس والفقر فيهاولعمري القلي ما يجزيها
قنِّعِ النَّفسَ في الكفاف وإلاّطلبت منك فوق ما يكفيها
إنَّما أنت طول عُمْرك ماعشت في السَّاعة التي أنت فيها
وقال الأبله، الشاعر البغدادي، واسمه محمد بن بختيار:
دارك يا بدر الدُّجى جَنَّةبغيرها نفسي ما تلهو
وقد روي في خبر أنَّهأكثرُ أهل الجنَّة البلْهُ
وقال مهذب الدين محمد بن محمد الحاسب الطبري، قال اليغموري: أنشدنيه لنفسه:
لا تَعبْ قطُّ طعاماًإنَّما العيب آثامُ
كُلْ كما تهوى وما تَكره دَعْه والسَّلامُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع