من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة طرفة بن العبد (٤)
يخضد): لم يثن. شبه ساقيها وعضديها به في نعمته. يقال خضدت الغصن اخضده خضدا، إذا ثنيته
لتكسره.
والبرين اسم كأن، وخبر كأن ما عاج من علقت، ولم يخضد صلة الخروع.
ذَريني أُرَوِّي هامتي في حيَاتهامَخافة شِربٍ في الحياة مُصرَّدِ
(الشِّرب) بكسر الشين، والشرب بضمها: اسمان للمشروب. والشَّرب بفتح الشين: مصدر شربت
شربا. والشَّرب أيضا بفتح الشين: جمع شارب. وقد يقال الشَّرب والشِّرب والشُّرب لغات معناهن
واحد، يراد بكلهن المصدر. و (المصرد): المقلل. وقال أبو جعفر: لا أعرف هذا البيت في قصيدة
طرفة.
كريمٌ يُرَوِّي نفسَه في حَياتهِسَتعْلَمُ أن مُتنَا غَداً أَيُّنا الصَّدِي
يقال رويت من الشراب فأنا أروى منه ريا. ويقال شراب رواء وروى، المد مع فتح الراء، والقصر
مع كسر الراء. قال الراجز:
تَبَشَّري بالرِّفْه والماء الرِّوَيوفَرَجٍ منكِ قريبٍ قد أتى
و (النفس): واحدة النفوس. والنفس: قدر دبغة من الدباغ. ويقال: أن لي في هذا الأمر لنفسا، أي
لمتسعا. وقوله (ستعلم أن متنا غدا أينا الصدى)
كان أهل الجاهلية يزعمون إذا مات الميت خرجت
من قبره هامة تزقو عليه، وكانوا يسمون الصوت الصدى، فأبطل النبي ﷺ هذا
وقال: (لا عدوى ولا هامة ولا صفر). ويقال في جمع الهامة هام، وفي جمع الصدى أصداء. وقال
لبيد يرثي أخاه أربد:
فليس الناسُ بعدَك في نقيرٍولا همْ غير أصداءٍ وهامِ
وقال الآخر:
فإن تك هامةً بهراةَ تزقوفقد أزقيتَ بالمَرْوَين هاما
ويقال: الصدى: جسم الرجل بعد موته. والصدى في غير هذا: العطش. و (الصدى) بكسر الدال:
العطشان. ويروى: (صدى أينا الصدى) بخفض أي بإضافة الصدى إليها. وموضع صدى رفع
بالصدى، والتقدير صدى أينا العطشان. ويروى: (صدى - بالتنوين - أينا الصد) بالرفع، وأي على
هذه الرواية يرتفع بالصدى.
أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بخيلٍ بمالِهكقَبْر غَوىٍّ في البَطَالة مُفْسِدِ
(النحام): الزحار عند السؤال البخيل. يقال نحم ينحم نحْما ونحَما. والنحيم والنحمان: شبيه بالزحير.
قال رؤبة:
بَيّضَ عينيه العَمَى المعَمِّىمِن نَحَمان الحَسَد النِّحَمِّ
فيقول: أن الشحيح بماله، وهذا الفاتك المبذر؛ يصيران إلى الموت، ولا ينفع الشحيح شحه.
ويقال بخل يبخل بخلا.
والقبر اسم أرى. والكاف منصوبة على خبر أرى، ومفسد نعت الغوى، وفي البطالة صلة مفسد.
تَرَى جُثْوَتَينَ مِنْ تُرابٍ عَلَيهمِاصفائحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
ويروى: (في صفيح). وروى التوزي والطوسي: (أرى جثوين من تراب عليهما). والجثوة: التراب
المجموع. ويقال للرجل: إنما هو جثوة اليوم أو غد. وقال الطوسي: يقال جُثوة وجِثوة، والكسر أكثر،
وهو التراب المجموع. ويقال: تراب وتورب وتيرب وتوراب وتراء. ويقال في جمع الترباء ترب.
ويقال في جمع التراب: أتربة وتِربان وتُربان. والصفائح: صخور عراض صم صلاب. ويروى:
(من صفيح منضد). والصفيح: الحجارة العراض. والمنضد: الذي ند على القبر.
والجثوتان منصوبتان بترى، والصفائح ترتفع بعلى، وصم نعت الصفائح.
أَرَى الموتَ يَعتامُ الكِرام ويَصْطَفيعَقِيلةَ مالِ الفاحشِ المتشَدِّدِ
(يعتام): يختار. ويقال إعتامه واعتماه، إذا اختاروه. و (عقيلة) كل شيء: خيرته وأنفسه عند أهله.
ويقال للمرأة: هي عقيلة قومها. و (يصطفي): يختار، أخذ من الصفوة من الشيء، وهي خياره.
ويقال: هي صفوة الماء، وصفوة المال، وصفوته. و (المتشدد): البخيل الممسك.
والموت منصوب بأرى، وخبر أرى ما عاد من يعتام، ويصطفي نسق على يعتام. ويروى: (أرى
الموت يعتاد النفوس).
أَرى العَيَش كَنْزاً ناقصاً كُلَّ ليلةٍوما تنقُصِ الأَيَّامُ والدَّهُر يَنفَدِ
معناه: وما نقصاه الأيام والدهر ذهب.
وموضع ما نصب بتنقص، والأيام مرتفعة به. ويجوز أن تضمر هاء يرتفع ما بعودتها. ويجوز ينفد
على جواب الجزاء. ويكون التقدير: وما تنقصه الأيام والدهر ينفد.
لَعَمْرُكَ أن الموتَ ما أَخطأَ الفَتَىلكَالطِّوَلِ المُرْخَى وثِتْياهُ في اليدِ
قوله (لعمرك) معناه وحياتك. وفيه ثلاث لغات: يقال لعمرك إني لمحسن، باللام والرفع، وهي اللغة
المختارة، قال الله ﷿: (لَعَمْرك إنَّهمْ لَفي سَكْرتِهِم يَعْمَهُون). ويقال عمرك بالنصب وإسقاط
اللام. وأنشد الفراء:
عَمْرَكِ اللهَ ساعةً حدّثيناودَعِينا مِنْ ذكر ما يُؤذينا
ويقال عمرك بالرفع وإسقاط اللام، انشد الفراء:
أجِدَّكَ هذا عَمْرُك اللهَ بعدمابَرَاك الهوى بَرحٌ بِعينيكَ بارحُ
والمعنى: أن الموت في حال إخطائه الفتى كالطول، أي كالحبل المرخى وهو بيد الإنسان إذا شاء
جذبه. ويقال: الفرس يرعى في طوله، أي في حبل قد طول له فيه. والطول: حبل طويل تربط به
الدابة يطول لها في الكلأ حتى ترعاه. فيقول: الإنسان قد مد له في أجله، وهو آتيه لا محالة، وهو في
يدي من يملك قبض روحه كما أن صاحب الفرس الذي قد طول له إذا شاء اجتذبه وثناه إليه.
و (ثنياه): ما انثنى على يده وعطفه إليه.
وموضع ما نصب، وهي في تقدير المصدر، والتقدير: لعمرك أن الموت في اخطائه الفتى، فلما
أسقطت الخافض نصبت ما. والكاف في موضع رفع على خبر إن.
فَمالي أَرانب وابنَ عمِّىَ مالكاًمتى أَدْنُ منه يَنْأَ عَنِّي ويبعُدِ
معناه: إذا أردت دنوه تباعد عني. يقال: قد نأي فلان، وقد ناء فلان، إذا بعد. ونسق يبعد على ينأ،
ومعناهما واحد لما اختلف اللفظان، كما قال الآخر:
ألا حبّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُوهندٌ أتى مِن دونها النَّأي والبُعدُ
فنسق النأي على البعد لما اختلف اللفظان.
يَلُوم وما أَدرِي عَلاَمَ يَلُومُنيكما لاَمَنِي في الحيِّ قُرطُ بنُ أَعْبَد
قرط بن أعبد: رجل منهم. وقوله: (علام يلومني) معناه على أي شيء يلومني؛
فحذف الألف من ما اكتفاء بفتحة الميم فيها؛ لأنها مع على بمنزلة الشيء الواحد. ومن العرب من يُثبت الألف فيقول:
على ما؟ انشد الفراء:
على ما قامَ يشتُمني لئيمٌكخنزيرٍ تَمرَّغَ في رَمادِ
وإنما يجوز حذف الألف من ما في الاستفهام خاصة إذا اتصلت بالخافض.
وأَيأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيرٍ طَلَبتُهُكأَنّا وضَعناهُ إلى رَمْسِ مُلْحَدِ
يقال: يئست من الشيء أيأس، وأيست منه آيس. وقال بعض أهل اللغة: يقال يئس من الشيء ييأس
وييئس، ونعِم وينعَم وينعِم، ويبس ييبَس وييبِس. فيقول: قد يئست من خيره حتى كأنه قد مات
ودفنته. و (الرمس): القبر. يقال: ارمس هذا الحديث، أي ادفنه. والروامس: الرياح الدوافن. قال
حسان:
ديارٌ من بني الحسحاس قفَرٌيعفِّيها الرَّوامِس والسَّماءُ
و (اللحد): ما يشق في جانب القبر: يقال لحد يلحد لحدا. ويقال لحدته وألحدته، فهو ملحد وملحود.
واللحد جمعه لحود.
على غَيرِ ذَنْبٍ قُلتُهُ غيْرَ أَنَّنينَشَدْتُ فَلم أُغفِلْ حَمُولةَ مَعْبدِ
ويروى: (فلم اغفل) بفتح الألف. وقوله (نشدت) معناه أنشدت بذكرها. ويقال: نشدت الضالة، إذا
طلبتها؛ وأنشدتها، إذا عرفتها. و (الحمولة): الإبل التي يحمل عليها. والفرش: الإبل الصغار التي لم
تبلغ أن يحمل عليها. قال الله ﷿: (ومِن الأنعام حَمولةً وفرشاً). قال الشاعر:
له إبلٌ فَرْشٌ أسنَّةٍصُهابيّةٌ ضاقت عليها حقوقُها
و (معبد): أخو طرفة. قال ابن الأعرابي: هذه إبل كانت له ولأخيه معبد، كانا يرعيانها يوما ويوما،
فلما غبها طرفة قال له أخوه معبد: لم لا تسرح في إبلك، كأنك ترى إنها أن أخذت يردها شعرك هذا!
قال: فإني لا أخرج فيها ابد حتى تعلم أن شعري سيردها أن أخذت. فتركها فأخذها ناس من مضر،
فادعى جوار عمرو وقابوس، ورجل من اليمن يقال له بشر بن قيس، فقال طرفة في ذلك:
أعمرو بن هندٍ ما ترى رأيَ صِرمَةٍ
ومن روى: (فلم أغفل) بضم الألف أراد نشدت حمولة معبد فلم أغفل ذلك. ومن روى: (فلم أغفل)
أراد: فلم أغفل عن ذلك.
وقرَّبتُ بالقُربَى وجَدِّكَ إِنَّهُمَتَى يَكُ أَمرٌ للنَّكيثةِ أَشْهَدِ
قوله (وقربت بالقربى) يقول: أدللت على مالك بالقربى، أي أدللت على ابن عمي بالقرابة. وقوله:
(للنكيثة) يقول: متى يجيء أمر نبلغ فيه أقصى المجهود من النفس أشهده. يقال: بلغت نكيثة البعير،
إذا جهدته في السير فلم يبق من سيره شيء. والجمع نكائث، قال الراعي:
تُضحي إذا العيِسُ أدركْنا نكائثها
وقال الطوسي: النكيثة: شدة النفس. يقال: بلغت نكيثة البعير، إذا بلغ جهده في السير. قال أبو
جعفر: الرواية الجيدة: (إنني متى يك أمر). وقال غيره: وجدك مخفوض على القسم، ومعناه الحظ،
أي وحظك.
ويك موضعه جزم بمتى، والأصل فيه يكن، فذهبت النون لكثرة الاستعمال، وشبهت بالياء والواو
والألف. والهاء اسم إن، وجملة الكلام خبر أن، وتقدير الهاء: أن الشأن وأن الأمر. وأشهد مجزوم
على جواب الجزاء، ومن روى: (إنني متى يك أمر) قال: النون والياء اسم إن، وخبر أن ما عاد من
أشهد، والتقدير: إنني أشهد متى يك أمر، فلما وقع خبر أن في موضع جواب الجزاء جزم وتأويله
الرفع والتقديم.
وإِنْ أُدْعَ في الجُلَّى أَكُنْ من حُمَاتهاوإِنْ يَأْتِكَ الأَعداءُ بِالجَهْدِ أَجْهَدِ
وروى الطوسي: (وإن أدع للجلى). قال: والجلى: الأمر الجليل العظيم. وقال يعقوب: الجلى فعلى
من الأجل، كما تقول: الأعظم والعظمى. وقال
غيره: الجُلى بضم الجيم مقصورة، وإذا فتحت جيمها
مدت فقيل الجَلاء. و (حماتها): الذين يقومون بها.
وأدع مجزوم بإنْ، وأكن جواب الجزاء.
وإِنْ يَقْذِفوا بالقَدْعِ عِرْضَكَ أَسقِهمْبشُربِ حِياضِ الموتِ قَبْلَ التَّنجُّدِ
(القدع) والقذع: اللفظ القبيح والشتم. يقال: أقذع له. قال أبو جعفر: القذع الاسم. وقال: (يقذفوا)
يرمونه بذلك ويؤنبونه به. و (العرض): موضع المدح والذم من الرجل. والعرض: ريح الجسد.
يقال: إنه لطيب العرض ومنتن العرض. وقال أبو جعفر: العرض رائحة الجسد. ويقال: امرأة حسنة
العرض. وقل غيره: العرض النفس. وانشد لحسان يقول لأبي سفيان بن الحارث:
فإنّ أبي ووالده وعرضيلعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ
أراد بلعرض النفس. وروى الطوسي: (وأن يقذفوا بالقذع) بالدال والذال. فالقذع: الشتم، والقدع:
الزجر والكف: يقال: قدعته عني، أي كففته. والعرض: الجسد. والعرض: أفاصل. وقال غيره: يقال
شربت أشرب شَربا وشُربا وشِربا. و (الحياض): جمع حوض. وهذا مثل، أي أوردهم حياض
المهالك. ويقال: قد احتاض الرجل وحوض، إذا اتخذ حوضا. و (التنجد): الاجتهاد. وروى ابن
الاعرابي: (قبل التهدد)، أي أقتلهم قبل أن أتهددهم. وقال أبو جعفر: معناه لست صاحب تهدد، أنا
صاحب قتل ولست بمهذار.
وموضع أسقهم جزم على جواب الجزاء.
بِلا حدَثٍ أَحدثتُه وكَمُحْدِثٍهِجائي وقَذْفي بالشَّكَاة ومُطرَدي
وروى الأصمعي: (كمحدَث) بفتح الدال، أي فعل بي ما فعل بلا حدث ولا جرم كان مني، وكمحدث
مني أتى ذلك إلي. وقال الطوسي: معناه هجيت وشكيت وكمحدث مني أتى ذلك إلي. وقال أبو جعفر:
من روى (كمحدِث) بكسر الدال أراد الرجل الذي هجاني كرجل احدث حدثا عظيما، ومن فتح الدال
أراد: وهجائي كمحدَث: أمر عظيم. قال الأصمعي: هجا غرثه وأهجاه، أي كسره. ويقال: فلانة تهجو
زوجها، أي تذم صحبته. ويروى عن الأصمعي في قوله: (وكمحدث) بفتح الدال، معناه كإحداثي
شكايته إياي. و (مطردي) أي اطرادي. ويقال: أطردته، إذا صيرته طريدا؛ وطردته عني، إذا نحيته.
والمحدث مصدر، يقال أحدثته إحداثا ومحدثا.
والحدث مخفوض بالباء، والهجاء مرفوع بالكاف، والقذف والمطرد منسوقان على الهجاء.
فلو كانَ مَولايَ امرأً هو غَيرُهُلفرَّجَ كَربى أو لأَنظَرَنِي غَدِي
ويروى: (فلو كان مولاي ابن أصرم مسهر). ومن روى الرواية الأولى قال: مولاي في موضع رفع
على اسم الكون، وامرأ خبر الكون. ومن روى الرواية الثانية قال: مولاي في موضع نصب على
خبر الكون، وابن أصرم اسم الكون، ومسهر مترجم عن الابن.
و (المولى) هنا: ابن العم: قال الله ﵎: (يَومَ لا يُغْني مَولىً عن مَولىً شيئاً)، معناه لا
يعنى ابن عم عن ابن عمه. قال الشاعر:
فأبقُوا لا أبا لكُم عليهمْفإنَ مَلامة المولى شَقاءُ
معناه فان ملامة ابن العم. قوله (لأنظرني غدي) معناه: تأن في أمري ولا تعجل عليَّ حتى أصير
إلى ما تحب. ويقال أنظره غده، أي دعه حتى يرجع إليه حلمه ويحسن رأيه. ويقال نظرت الرجل
أنظره، إذا انتظرته؛ وأنظرته أنظره، إذا أخرته. وقال الطوسي. لفرج كربي، معناه أعانني على ما
نزل بي من الغم.
ولكنَّ مَولايَ امرُؤٌ هو خانِقيعلى الشُّكْرِ والتَّسْآلِ أو أَنا مُفْتَدِ
معناه يسألني أن أشكره وأفتدي منه بمالي. قال الأصمعي: أو أنا مفتد منه. وقال أبو جعفر في قوله
أو أنا مفتد: يقول: أو أنا هارب منه أفتدى نفسي منه بغيري. وقال أبو عبيدة: (هو خانقي على غير
ما أذنبت أو أنا معتد)، أي معتد عليه. وفي رواية أبي عبيدة أو بمعنى أم، وعلى رواية العامة أو
بمعنى بل، كأنه قال: بل أنا مفتد منه. وقال الله ﷿: (إلى مائةِ ألف أو يزَيدون). وأنشد الفراء:
بدتْ مثلَ قرن الشَّمسِ في رَونق الضُّحىوصُورِتها أو أنتِ في العين أملَحُ
معناه بل أنت. ويقال أو بمعنى الواو، والتقدير: وأنا مفتد. قال الله ﷿: (ولا تُطعْ منهمْ آثماً أو
كَفوراً)، معناه آثما وكفورا. وأو بمعنى أم قليل في الكلام. وروى الرستمي وغيره بعد هذا البيت الذي
مضى بيتا:
وظُلمُ ذَوِى القُرْبى أَشَدُّ مَضَاضةعَلَى المرءِ من وقع الحُسام المُهَنّدِ
وقال أبو جعفر: ليس هذا البيت من قصيدة طرفة، إنما هو لعدي بن زيد العبادي. وأصل (الظلم)
وضع الشيء في غير موضعه، من ذلك قولهم: (من أشبه أباه فما ظلم)، معناه: ما وضع الشبه في
غير موضعه. ويقال: ظلمت السقاء، إذا سقيت اللبن منه قبل أن يخرج زبده. والمظلومة: الأرض
يحفر فيها في غير موضع حفر. يقال ظلمه ظلما بفتح الظاء؛ والظُّلم بالضم الاسم. يقال سيف هند
وأني و (مهند)، وهو منسوب إلى الهند. و (الحسام): القاطع.
والظلم يرتفع بأشد، والمضاضة منصوبة على التفسير.
فذَرْني وخُلْقي إِنَّني لكَ شاكرٌولو حَلَّ بَيْتِي نائياً عند ضَرغَدِ
ويروى: (فذرني وعرضي). و (ضرغد): حرة بأرض غطفان. ويقال: قد نأى فلان عنا وناء، إذا
بعد؛ والنأي: البعد.
فلو شاءَ رَبِّي كنتُ قَيْسَ بنَ خالدٍولو شاءَ ربِّي كنتُ عَمْرَو بنَ مَرثَدِ
ورواه أبو عبيدة:
أرى كلَّ ذي جَدّ ينوءُ بجَدّهفلو شاء ربِّي كنت عَمرو بنَ مَرثد
وقيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين من بني شيبان. وعمرو بن مرثد: ابن عم طرفة. ومن روى:
(أرى كل ذي جد ينوء بجده) أراد: أرى كل ذي حظ ينهض بحظه. يقال نؤت بالحمل أنوء به، إذا
نهضت به. وقال أبو عبيدة: قال عمرو بن بن مرثد لما سمع قول طرفة: ابعثوا إلى طرفة. فأتاه
طرفة فقال له: أما الولد فليس ذاك إلي فالله تعالى يعطيكم، وأما المال فمحلوفه لا تبرح حتى تكون
أوسطنا مالاً! ثم دعا بنيه وهم سبعة: بشر بن عمرو، ومرثد والفيض، وذهل بنو عمرو، وأمهم
زهيرة بنت عائذ بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان؛ وشرحبيل بن عمرو، ومحمود بن
عمرو، وحسان بن عمرو، وأمهم ماوية بنت جوى بن سفيان بن مجاشع بن دارم. فقال: يا بشر
أعطه. فأعطاه عشرا من الإبل، حتى أعطاه بنو عمرو سبعين بعيرا. ثم قال لثلاثة من بني الأبناء:
أعطوه عشرا عشرا، فكان أحد الثلاثة عبد عمرو بن بشر، والآخر عمارة بن مرثد، وآخر صعصعة
بن محمود، فكان بنو الأبناء الذين أعطوا طرفة يفخرون على سائر الأبناء الذين لم يعطوا طرفة،
يقولون: جعلنا جدنا مثل بنيه.
وكنت جواب لو، وقيس بن خالد خبر الكون، وما بعد الواو نسق على ما قبلها.
فأَصْبحتُ ذا مالٍ كثيرٍ وعادَنيبنُونَ كرامٌ سادَةٌ لمسَوَّدِ
قوله (وعادني) معناه واعتادني. وقال بعضهم: معناه آتوني وعضدوني. وروى يعقوب: (وزارني).
ويقال: (عادني) فلان واعتادني، وزارني وازدارني ويقال قد تعود إتياننا واعتاد إتياننا. قال الراجز:
واعتاد أرباضاً لها آريُّ
يقال فرس عتد وعتيد، أي معد للجري. يقال: عاده عيد، إذا أتاه ما كان يعتاده من فرح أو حزن.
قال الشاعر:
عادَ قلبي من الطَّويلة عيدُواعتراني من حبها تسهيدُ
وقال تأبط شرا:
يا عِيدُ مالكُ مِن شوقٍ وإيراقِومّرِّ طيفٍ على الأهوالِ طَرَّاقِ
يقال: فلان زور فلان، وبنو فلان زور فلان، أي زواره. قال الراجز:
كأنَّهنّ فَتَياتٌ زَوْرُأو بَقَراتٌ بينهنَّ ثَورُ
وقوله (سادة لمسود). قال يعقوب: هذا كما تقول: شريف لشريف. ويقال: ساد فلان بني فلان،
واستادهم. ويقال: قد استدت فلانة، أي تزوجتها من سادة قومها. قال الشاعر:
أراد ابنُ كُوز والسَّفاهةُ كاسمهاليستادَ مِنَّا أن شَتَوْنا لياليا
تَبغَّ ابنَ كُوز في سِوَانا فإنَّهإذا النَّاسُ مذْ قام النبيُّ الجواريا
معناه: أراد ابن كوز أن يسود فينا بتزوج بناتنا وليس هو بكفو لهن؛ من اجل ما لحقنا من الدب.
الشتاء عند العرب وقت الشدة. وقال الشاعر:
إذا نزلَ الشتاءُ بأرض قومٍتجنَّبَ جارَ بيتِهم الشِّتاءُ
يقول له: تبغ ابن كوز في سوانا، أي أخطب غير بناتنا؛ فإنه قد حرم على الناس قتل البنات مذ جاء
النبي ﷺ.
وموضع ذا مال نصب على خبر الإصباح. والبنون يرتفعون بفعلهم، والكرام والسادة نعتان لبنين.
ويجوز نصب سادة على الحال، ولم يرو النصب أحد.
أَنا الرَّجُلُ الجعْدُ الذي تَعرفونهخَشَاشٌ كرأْس الحيَّة المتوقْدِ
(الرجل): ضد الأنثى. والرجل: الشديد الشجاع. والرجل: الراجل. و (الجعد) من الرجال: الخفيف.
قال الراجز:
إني أراك والداً كذاكاجَعْدَ القَفَا قصيرةً رجلاكا
قد طال هذا الظلُّ مِن عصاكا
قال أبو جعفر: وروى الأصمعي: (أنا الرجل الضرب). والضرب: الخفيف. ومن روى (الجعد) أراد
المجتمع الشديد. والضرب في غير هذا الموضع: مصدر ضربت الرجل ضربا. والضرب: الجنس
من الشيء: يقال: هذا من ضرب كذا وكذا، أي من جنسه. والضرب: العسل الأبيض، بفتح الراء.
ويقال: عرفت الشيء معرفة وعرفانا. والمعارف: الوجوه. ومعارف الدار: معالمها. و (الخشاش)
الرجل الذي ينخش في الأمور ذكاء ومضاء. وروى الأصمعي: (خِشاش) بالكسر وقال: كل شيء
خشاش بالكسر إلا خشاش الطير. وقوله (كرأس الحية)، معناه هو خفيف الروح ذكي. ويقال حية
وحيات. وأرض محياة ومحواة، إذا كانت كثيرة الحيات. وقال بعض أهل اللغة: إنما سميت الحية
حية لأنها تحوت، أي اجتمعت وتقبضت. وقال أبو عبيدة: الحوايا: ما تحوى من البطن واستدار.
وقال المفسرون: (الحوايا): المباعر، واحدها حاوياء وحاوية. و (المتوقد): الذكي. يقال: توقدت النار
توقدا، ووقدت تقد وقدانا ووقدا.
وأنا رفع بالرجل، والجعد نعته، وخشاش يرتفع على التكرير، كأنه قال: أنا خشاش. والكاف في
موضع رفع على النعت لخشاش.
فآليْتُ لا ينفَكُّ كَشْحي بِطانَةًلأَبيض عضْبِ الشَّفْرتين مهنَّدِ
قوله (فآليت) معناه حلفت. والإيلاء: مصدر آليت. ويقال هي الألية، والأُلوة، والإلوة، والألوة.
ويقال: يا فلان أبل فلانا يمينا، أي احلف له يمينا تطيب بها نفسه. قال اوس بن حجر:
كأنَّ جديدَ الأرض يُبْليلك عنهمتقيُّ اليمينِ بعدَ عهدِك حالفُ
معناه: كأن جديد الأرض يحلف لك. وقال الآخر:
تسائلُ أسماءُ الرّفاقَ وتبْتلىومن دون ما تَهوينَ بابٌ وحاجبُ
يقول: تستحلفهم بالله هل رأيتم فلانا. ومن دون ما تهوين باب وحاجب، معناه أن الرجل الذي تطلبه
كان محبوسا. وقال كثيِّر:
فإنِّي لأُبْلِى من نساءٍ سَوائهافأمَّا على ليلى فإنِّيَ لا أُبْلى
معناه: لا أحلف. ويروى:
فأقسمت لا ينفكُّ كَشحِي بِطلنةًلعَضْب رقيق الشَّفْرتين مُهَنَّدِ
فقوله: لا ينفك، معناه لا يزال. و (العضب): السيف القاطع. و (الكشح): الخاصرة وما اضطمت
عليه الأضالع. ويروى (أضلاع). وشفرتا السيف: حداه. و (مهند): منسوب إلى الهند، وهي نسبة
على غير قياس. وقال أبو عمرو: التهنيد: شحذ السيف.
والبطانة منصوبة على خبر لا ينفك، وكشحي في موضع رفع لأنه هو لاسم.
حُسَامٍ إذا ما قُمْتُ مُنتصرا بهكفَى العوْد منه البَدْءُ ليس بمِعْضدِ
(الحسام): القاطع من السيوف. ويقال للرجل الماض: إنه لحسام. ويقال للرجل إذا انكسر عند
جرأته: كل حسامه. ويقال: قد حسمته عن كذا وكذا وفطمته وقطعته بمعنى. ويقال: قد حسم قطعه،
بمعنى كواه لينقطع عنه الدم. وقوله (منتصرا) معناه متابعا للضرب. ويقال: قد تناصر القوم على
رؤية الهلال، إذا تتابعوا. ويقال: قد نصر الله تعالى أرض بني فلان، إذا جادها بالمطر. قال الراعي:
إذا انسلَخَ الشَّهرُ الحرامُ فودٍّعِيبلادَ تميمٍ وانصري أرضَ عامِرِ
ويقال منتصرا معناه ناصرا. وقال أبو جعفر: منتصرا معناه انتصر من ظلمي. وقوله: (كفى العود
منه البدء)، يقول: كفت الضربة الأولى التي بدأ بها أن يعود ثانية. و (المعضد): الردى من السيوف
التي تمتهن في قطع الشجر. وما قطع من الشجر فهو عضد. وقال بعضهم: المعضد، والددان،
والكهام، والمنثنى من السيوف: الكليل.
ونصب (منتصرا) على الحال من التاء. والبدء يرتفع بكفي، واسم ليس مضمر فيها
أَخي ثِقَةٍ لا ينْثَني عَنْ ضريبةٍإِذا قيلَ مَهْلاً قال حاجزُه قَدِ
قوله (لا ينثني عن ضريبة) معناه إذا ضرب به لم يرجع. و (الضريبة): المضروبة. ومضرب
السيف ومضربه. والمضرب من الاسم، والمضرب المصدر. ويقال:
المضرب على رأس شبر من ظبته. وقوله (إذا قيل مهلا).
قال الذي يحجزه، قد فرغ. وقال الطوسي: حاجزه الهاء للسيف،
و (حاجزه) هاهنا: حده. وقوله (قد) معناه حسب، أي قد فرغ. ويقال: قد عبد الله درهم، أي حسب عبد
الله درهم. ويقال: قدي درهم، وقدني درهم.
وأخي ثقة نعت لما تقدم قبله. ويجوز في النحو: أخا ثقة، نصب لما تقدم قبله وعلى المدح أيضا.
والرواة مجمعة على الخفض. ومهلا منصوب على تقدير المصدر، وهو مما يكون للواحد والاثنين
والجمع والمؤنث بلفظ واحد.
إِذا ابتَدَرَ القَوم السِّلاحَ وَجدْتَنيمَنيعاً إذا بَلَّتْ بقائمِهِ يَدِي
قوله (إذا ابتدر القوم)، معناه إذا عجلوا إليه وتبادروا. ويقال: ناقة بدرية، إذا كانت تبكر اللقاح وتنتج
قبل الإبل، وذلك من فضل قوتها. قال الراجز:
لسالم أن سَكَت العَشِيةعن البكاء ناقةٌ بدريَّهْ
وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (إسرافاً وبداراً) معناه مبادرة قبل أن يدرك ويونس منه الرشد. ومن
ذلك سمى البدر بدرا، لأنه بادر غيبوبة الشمس فطلع قبل أن تغيب. ويقال: سمى بدرا لامتلائه
واستدارته. ويقال غلام بدر وجارية بدرة، إذا كانا ممتلئين سمنا. وسميت البدرة بدرة لامتلائها.
ويقال: بدرة وبدر، وبدر جمع الجمع. و (السلاح) يذكر ويؤنث. قال الفراء: قالت امرأة من بني أسد:
إنما سمي
جدنا دبيرا لأن السلاح أدبرته. يقال: وجدت الذي ضاع أجده وجدانا، ووجدا، ووجدانا أكثر
في كلامهم. وأنشدنا أبو العباس:
أنشِدوا الباغي يُحبُّ الوِجدانْقلائصاً مختلفاتِ الألوانْ
منها ثلاثٌ قُلُصٌ وبَكْرانْ
وأضل رجل بعيرا له فجعل ينشده ويقال: من وجده فهو له، فقيل له: فما تصنع به؟ فقال: أين فرحة
الوجدان! وقال أبو جعفر: معنى قوله إذا ابتدر القوم السلاح، إذا فوجئوا بالغارة فدهشوا كنت منيعا.
وقوله (إذا بلت بقائمه يدي)، معناه إذا علقت بقائمه يدي وظفرت به. ويقال: بللت بكذا وكذا، إذا
ظفرت به. ويقال: لئن بللت به لتجدنه رجل سوء. قال ابن أحمر:
فبَلِّى أن بَلِلْتِ بأريحيٍّمن الفِتيان لا يمُسِي بطينا
يَلُوم ولا يُلاَم ولا يُباليأغَثاًّ كان لحمُك أم سمينا
وقائم السيف: مقبضه. وقلته: قبيعته. ويقال: سيف مقلل؛ أي متمم. قال الكميت:
فدونكموها آلَ أحمد إنَّهامقَّللةٌ لم يألُ فيها المقلِّلُ
ويروى: لم يأل فيها المتمم، والمتمم هو الكميت نفسه. وقال أبو جعفر في قوله مقللة: معناه قليلة
لكم. قال: ويقال مقللة معناه مزينة، من قللة السيف.
ويدي في موضع رفع ببلتْ.
وبَركٍ هُجُودٍ قد أَثارتْ مَخَافتينَوَادِيه أَمشِي بعضْبٍ مجرَّدِ
قال الأصمعي: البرك: جماعة إبل أهل الحواء. وقال أبو عبيدة: البرك يقع على جميع ما يبرك من
الجمال والنوق على الماء وبالفلاة، من حر الشمس أو الشبع، الواحد بارك والأنثى باركة. قال متمم:
ولا شارفٍ جَشَّاءَ هاجَتْ فرجّعتْحنيناً فأبكى شجوُها البَرْك أجمعا
والبرك في غير هذا: الصدر. ويقال برك وبركة، إذا أدخلت الهاء كسرت أوله، وإذا سقطت الهاء
فتحت. ويقال لزياد: الأشعر بركا، أي الأشعر صدرا. وذلك أن صدره كان فيه شعر كثير. ومثل
البَرك والبِركة صفو الماء وصفوته. و (الهجود): النِّيام. ويقال: قد تهجّد الرجل، إذا سهر. وقال
الأصمعي ذكر أعرابي امرأته فقال: عليها لعنة المتهجدين! أي الساهرين بذكر الله ﷻ. وقوله
(قد أثارت مخافتي) معناه خوفُها إياي. يقال خفتُ الشيء مخافة وخوفاً وخيفة. قال الشاعر:
فلا تقعُدنَّ على زخَّةٍوتُضمِرَ في القلب وجداً وخِيِفَا
وخيف: جمع خيفة. ويقال: ما خفته، أي ما رجوته وما أمّلته. قال الأعشى يذكر الخمرَ وبيت
الخمّار:
ومِزهرُنا مُعمَلٌ دائبٌفأيُّ أولئك أزْرى بها
ترى الصَّنْجَ يَبْكى له شَجْوَهمَخافةَ أن سوفَ يُدعَى بها
معناه رجاء أن يُدعى بها. قال أبو جعفر: الهاء للخمر، وذلك أن الخمارين إذا أتاهم الذين يشربون
أسمعوهم الغناء ليطربوا ويشتهوا الخمر. وقال في قوله (فأي أولئك أزرى بها) عنى بأولئك الصّنج
والعود والملاهي. يقول: أي هذه الملاهي أزرى بالخمر؛ أي هذه تزيد فيها وتحرّض المشتري على
الشّرى. وقال غيره: معنى قوله مخافة أن سوف، خوف أن سوف يُدعى بها. و (نواديه): أوائله وما
سبق منه. ويروى (نواديها). ونوادي الخيل والإبل والحُمر: ما سبق منها وأوائلها. ومعنى (أثارت
مخافتي)، أي أثار ما شذ منها خوفها مني أن أعقرها وأنحرها للأضياف. وإنما خص النوادي لأنه لا
يُفلت من عقري ما شذّ فند. وأمشي حال، أي قد أثارت مخافتي نوادي هذا البَرك في حال مشي إليه
بالسيف. ويقال مشى يمشي مشياً، وإنه لحسن المشية. و (العضب): القاطع. و (المجرّد): المسلول
من غمده، وهو المُصلت أيضاً. ويقال: أن فلانة لحسنة المجرد والتجريد والجُردة، إذا كانت حسنة إذا
تجرّدت من ثيابها.
والبرك مخفوض بإضمار ربّ، والمخافة ترتفع بأثارت، والنوادي تنتصب بأثارت. وموضع أمشى
رفع في اللفظ بالألف وموضعه في التأويل نصب على الحال
فمرَّت كَهَاةٌ ذاتٌ خَيْفٍ جُلاَلةٌعَقيلةُ شيخٍ كالوبيلِ يَلَنْدَدِ
يقال مر يمر مروراَ ومرّاً، إذا تقدّم وأسرع. ويقال مرّة ومرات، ومرور ومرّ. قال ذو الرّمة:
ومَرّاً بارحٌ تَرِبُ
ويقال: مر الشيء يمر مرارةً، وأمر يمر إمراراً، إذا صار مُراً. ويقال: أمررت الحبلَ، إذا أنعمت
فتله وأحكمته. والحبل ممر والرجل ممر. وقال يعقوب: الكَهاة: الضّخمة المسنة. وقوله: (ذات
خيف)، الخيف: جلد الضّرع. وبقال: ناقة خيفاء، إذا كانت عظيمة الخَيف. وبعير أخيف، إذا كان
واسعَ جلد الثّيل. وقال الطوسي: الخيف: جراب الضرع، وهو جلدته العُليا. و (الجُلالة) والجليل:
وهو الجُلال أيضاً. قال القُطامي:
جُلالٌ هيكلٌ يَصِف القِطارا
وقال أبو جعفر: يصف القطار، معناه إنه إذا كان في قطار وصف ذلك القطار به. و (العقيلة): خير
ماله؛ وكذلك عقيلة النساء: خيرتهن. وقال أبو جعفر: الشيخ هاهنا يعني أباه، أي إنه كان يشفق عليها
ويحوطها. و (الوبيل): العصا، ويقال هي العصا الطويلة الغليظة، أي قد يبس هذا الشيخ حتى صار
مثل
هذه العصا. والوبيل أيضاً: الحزمة من الحطب، وهي الإبالة أيضاً والايبالة. ويقال: (ضغث
على إيبالة) و (ضغث يزيد على إبالة) أيضاً. قال الشاعر:
لي كلَّ يومٍ من ذُؤالهضغثٌ يَزِيد على إبَاله
و (الألندد) واليلندد: الشديد الخصومة، يبدل الياء من الهمزة كما قالوا: الأرندج واليرندج، والأرقان
واليرقان.
والكهاة مرتفعة بفعلها، وذات والعقيلة نعتان لها، والكاف والألندد مخفوضان على النعت للشيخ.
تَقُولُ وقَد تَرَّ الوَظيفُ وساقُهاأَلسْتَ تَرى أن قَدْ أَتَيتَ بمؤْيِدِ
قوله: (وقد تر) معناه ندر. يقال ترّت يده وأتررتُ يده، إذا أندرتها. و (الوظيف): العظم الذي بين
الرسغ والساق، وفي اليد: ما بين الرسغ والذراع، والجميع أوظفة. ويقال ساق وأسوق وسيقان.
ويقال: رجل أسوق وامرأة سوقاء، إذا كانا حسني الأسوق. ويقال: قد سُقته بالعصا، إذا ضربت ساقه
بها. وقوله (بمؤيد) معناه بالداهية. وقال الطوسي: في الرجل خمسة أعظم من الجمل والفرس:
الرسغ، والوظيف، والساق، والفخذ، والورك. وفي اليد خمسة أعظم: الرسغ، والوظيف، والذراع،
والعضد، والكتف.
وقال: أَلاَ ماذا تَرَوْن بشاربٍشَديدٍ عليكْم بَغيُهُ متعمِّدِ
ويروى:
إلاَ ماذا ترونَ بشاربٍشديد عليها سخطُه متعيِّد
المتعيد: الظلوم. قال الشاعر:
يَرَى المتعيِّدون عليّ دونيأسودَ خفيةَ الغُلْبَ الرّقابا
و (ألا) افتتاح للكلام، وموضع ماذا نصب بترون. ويجوز أن يجعل ما في موضع رفع ويكون
التقدير: ما الذي ترونه بشارب. وشديد مخفوض على النعت لشارب، والبغي يرتفع بمعنى شديد.
وقالَ ذَرُوهُ إنما نَفْعُها لهوإِلاَّ ترُدُّوا قاصَى البَرْك يْزدَدِ
يقال ذره ولا تذره وإنما أذره. ولا يقال وذرته. ويقال: نفعته منفعة ونفعا. وروى التوزي والطوسي:
(فقال ذروها إنما نفعها له). وقوله: (يزدد) معناه يزد في عقرها. ويروى: (تزدد) أي تزد في نفارها
وتذهب. و (البرك): الإبل. و (قاصيها): ما تقصى منها وتنحى.
وإنما حرف واحد، والنفع مرتفع باللام، وترد وا جزم بإلا، ويزدد جواب الجزاء.
ووزن يزدد يفتعل، أذله يزتيد، فأبدلوا من التاء دالا لأنها أشبه بالزاي، وأسكنوا الدال الثانية للجزم،
وجعلوا الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم أسقطوها لسكونها وسكون الدال الثانية، وكسرت الدال
الثانية للقافية.
وقال أبو جعفر: معنى البيت: ذروه لا تلتفتوا إليه، واطلبوا قاصى البرك لا يذهب على وجهه، وإلا
تردوه يذهب نفارا.
فظلَّ الإِماءُ يَمْتَلِلْنَ حِوَارهاويُسعَى علينا بالسَّديف المسَرْهَدِ
يقال: ظللت افعل ذلك، وظللت أفعله، وظلت افعله، إذا كنت تفعله نهارا. و (الإماء): جمع أمة،
ويقال في جمعها إمام وآم. أنشدنا أبو العباس في جمعها:
يا صاحبيَّ ألاّ لا حيَّ بالواديإلاَّ عبيدٌ وآمٍ بين أذوادِ
ويقال في جمعها إموان. أنشدنا أبو العباس:
أمَّا الإماء فلا يدعُونني ولداًإذا ترامَى بنو الإمْوانِ بالعارِ
وقوله (يمتللن) معناه يشتوين في الملة، وهي الرماد الحار، والجمر، وموضع النار. ويقال: قد مل
خبزته يملها ملا، إذا حورها ودفنها في الجمر. ويقال: أطعمنا خبز ملة وخبزة مليلا، ولا يقال أطعمنا
ملة، لأن الملة الرماد الحار والجمر. ويقال للحفرة التي يكون فيها النار: الإرة والبؤرة. وقال يعقوب:
يقال خبز مليل. وأنشد:
لا أشتُم الضَّيفَ إلاّ أن أقول لهأباتَك الله في أبياتِ عمَّارِ
أباتَك الله في أبياتِ مُنتزِحٍعن المكارم لا عفٍّ ولا قارِ
يأبى النَّدى زاهدٌ في كل مكرُمةٍكأنما ضيْفُه في مَلَّة النَّارِ
و (الحوار): ولد الناقة، والحوار أيضا، وجمعه أحورة وحيران. أنشد يعقوب لشاعر يصف امرأة:
تبادُر الأحورة الفُوَاقادأدأةً صمعاءَ وافتلاقا
دأدأة: عدوا كعدو البعير. وصمعاء يعني المرأة جادة في فعلها. وافتلاقا: ما تأتي بالفليقة، وهي
الداهية. وقال غيره في قوله (ويسعى علينا بالسديف) معناه ينقل إلينا الأطعمة ويختلف بها علينا.
يقال سعى يسعى، إذا عدا وإذا مشى. قال الله ﷿: (إذا نُوديَ للصَّلاة مِن يَومِ الجُمُعَة فاسْعَوْا إلى
ذِكْرِ الله)، معناه: فامضوا إلى ذكر الله ﵎. وقال الشاعر:
أسعَى على جُلِّ بني مالككلُّ امرئٍ في شأنه ساعِ
يقال: قد سعى على الصدقة يسعى عليها، إذا وليها. و (السديف): شطائب السنام، وهي قطعه.
و (المسرهد): الحسن الغذاء، ومثله المسرعف، والمخرفج، والمعذلج. قال الطوسي: المسرهد: السمين.
وقال أبو جعفر: كانوا يأنفون أن يأكلوا الأحورة.
والإماء اسم ظل، وخبر ظل ما في يمتللن، والباء في السديف اسم ما لم يسم فاعله.
فإِن مُتُّ فانْعِيني بما أَنا أَهْلُهُوشُقِّل علىَّ الجيبَ يا ابنةَ مَعَبدِ
قوله: (فانعيني) معناه فاذكريني واذكري من أفعالي ما أنا أهله. يقال: ينعى على فلان ذنوبه فلان،
إذا كان يعددها عليه ويأخذه بها. قال الشاعر:
خَيلانِ من قومي ومن أشياعهمخفضوا أسنَّتَهم وكُلٌّ ناع
أي ينعى على صاحبه ذنوبه ويعددها عليه. وفيه معنى آخر، وهو أن يكون أراد: وكل نائع، أي
عطشان إلى دم صاحبه، فقلبه فجعل الياء بعد العين. ويكون هذا من قولهم: جائع نائع، أي عطشان.
ويقال النائع تابع للجائع في مثل معناه، كما يقال حسن بسن. وروى التوزي والطوسي: (فانعيني لما
أنا أهله). ويقال شققت الشيء شقا. والشق: نصف الشيء. والشق أيضا: المشقة. قال الله ﷿:
(لم تكونوا بالغِيهِ إلاّ بشِقِّ الأنفس)، أي إلا بالمشقة على الأنفس. ويقال جيب وجيوب، وقد جبت
القميص وجيبته، أي قطعت جيبه. وقطعت الجيب. إنما خص الجيب لأن الشق من الجيب أمكن.
والفاء جواب الجزاء، وما في معنى الذي، وأنا مرفوع بالأهل، والتقدير: فانعيني بالذي أنا مستأهله.
و (لا تجعليني كامرئ ليس همه كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي)، معناه لا تسوى بيني وبين من لا
يشبهني في شجاعتي وكرمي. وموضع الكاف نصب بليس، وموضع غنائي نصب والتقدير فيه: ولا
يغني مثل غنائي.
والغناء إذا فتحت عينه مد، وإذا كسرت فصر وكان مضادا للفقر. وربما اضطر الشاعر إلى مده،
وهو مما لا يقاس عليه. أنشد الفراء:
سيُغنيني الذي أغناكَ عنيفلا فَقرٌ يدوم ولا غِناءُ
بَطيءٍ عَن الجُلَّي سَريعٍ إلى الخَناذَلولٍ بأَجْماعِ الرِّجال مُلَهَّدِ
ويروى: (بطيء عن الداعي). يقال بطؤ يبطؤ بطئا وبطأة وبطاء. و (الجلي): الأمر العظيم، إذا
ضمت الجيم منه قصر وإذا فتحت مد فقيل
الجلاء يا فتى. و (الذلول): ضد الصعب. ويروى: (ذليل
بإجماع الرجال)، روى ذلك التوزي والطوسي وغيرهما. والذليل: ضد العزيز. والذل: ضد العز
والذل: ضد الصعوبة. قال الله ﵎: (واخفِضْ لهما جَناحَ الذُّلِّ من الرِّحمة). وقرأ سعيد بن
جبير، وعاصم الجحدري: (جَناحَ الذِّلِّ) بكسر الذال. و (الإجماع): جمع جُمع وجِمع، وهو قبض
الرجل أصابعه وشده إياها للكز. يقال: ضربه بجمع كفه بجمع كفه، إذا جمع أصابعه ثم لكزه. قال:
لقد أشمتَتْ بي أهلَ فَيدَ وغادرتْبجسميَ حِبْراً بنتُ مَصَّانَ باديا
وما فعلَتْ بي ذاكَ حتَّى تركتُهاتقلّبُ رأساً مثل جُمْعيَ عاريا
ويقال: ماتت المرأة بجُمع وجِمع، إذا ماتت وولدها في بطنها. ويقال لها إذا ماتت وهي بكر لم
تزوج: هي بجُمع وبجِمع. و (الملهد) والملهز واحد، وأصله الغمز. يقال: لهده، إذا ضغطه وغمزه.
ويقال: لكزه ووكزه، ولهذه، ولهزه، ووهزه. وقال أبو عبيد: لا يقال لكزه، إنما يقال وكزه وبهزه.
وقال غيره: في قراءة عبد الله بن مسعود: (فنكَزَه مُوسى فقضَى عليه). وقال رؤبة:
دعْ ذا فقد يُقرَع للأضَزّصَكِّي حجاجَيْ رأسِه وبَهْزِي
قال الطوسي: الملهد: المدفع. وقال أبو جعفر: ملهد: لا ينهض بحمل، إذا حمل حمالة أو أمر لا
ينهض به ولم يطقه، فلهده الحمل.
والبطيء، والذلول، والملهد، نعوت لامرئٍ.
ولو كُنْتُ وَغلاً في الرِّجال لَضَرَّنيعَداوةُ ذِي الأصحاب والمتوحَّدِ
و (الوغل): الضعيف من الرجال. والواغل. الداخل على القوم في شرابهم من غير أن يدعى.
والوارش: الذي يدخل في طعامهم من غير أن يُدعى، مثل الطفيلي. والوغل: الشراب الذي يشربه
الطفيلي. قال الشاعر:
إن أكُ مسكيناً فلا أشرب الوَغْلَ ولا يَسلم منِّي البَعيرْ
الوغل: الضعيف في القوم وليس منهم. يقال: قد أوغل في الأرض، إذا أبعد في الذهاب. وقد وغل
يغل وغولا. ويقال (ضره) يضره ضرا ومضرة وضارورة، وقد ذاره يضيره ضيرا، وضاره يضوره
ضورا لاهل العالية. ويقال: ليس عليك في ذلك الأمر مضرة ولا ضارورة. والضر: ضد النفع.
والضر: الهزال. ويقال: عاداه معاداة وعداوة. ويقال: رجل عدو، وامرأة عدوة وعدو، وقوم عدو.
ويقال قوم أعداء بالمد، وعِدِّى بالكسر والقصر وعُداة بضم العين وإدخال الهاء. والاختيار إذا ضممت
العين أن تدخل الهاء، وقد يجوز أن تسقطها؛ فإذا كسرت العين لم يجز إدخال الهاء. وأنشدنا أبو
العباس:
معاذَةَ وجهِ الله أن أُشمِتَ العِدَىبليلي وإن لم تَجزني ما أدينها
وقوله (عداوة ذي الأصحاب) أي عداوة من كان معه جماعة. ويقال صاحب وأصحاب وصحبان
وصحب، والصحاب والأصحاب، وهم الصحب. و (المتوحد) الفرد من الرجال الذي ليس معه أحد.
ويقال متوحد، ووحد، وأحد. والأصل في أحد وحد، فأبدلوا من الواو المفتوحة همزة، وهذا قليل في
المفتوحة، إنما يحسن في المضمومة
والمكسورة، كقولهم: وُجوه وأُجوه، وإسادة ووسادة، وإنما ذكر
الفعل وقال: (لضرني عداوة)، ولم يقل ضرتني، لأنه حمله على معنى لضرني بُغض ذي الأصحاب.
ولكنْ نَفَى عَنِّى الأَعادي جُرأَتيعَليهمْ وإِقدامي وصِدْقي ومَحْتِدي
ويروى: (ولكن نفى عني الرجال جراءتي). ويروى: (ولكن نفى الأعداء عني جراءتي). فيقول:
محتدى وصدقي وجرأتي نفين عني إقدام الرجال وتسرع الأعداء إلى أن يقدموا عليَّ بالمساءة.
ويقال: نفيت الشيء أنفيه نفيا، ونفاية، إذا نحيته عنك. والنفي: ما تطاير من الرشاء عن يد المستقى
من الماء. قال الراجز:
كأن مَتنَيه من النفيِّمواقعُ الطَّيرِ على الصُّفِيّ
ويقال: جرؤ الرجل جرأة وجراءة. ويقال: أقدم يقدم إقداما، واستقدم استقداما. ويقال: إنه لجريء
المقدم، أي جريء عند الإقدام. ويقال: نحر فلان مقدمة ابله، وهي التي تبكر في اللقاح. والمحتد.
والمنصب، والضئضئ، والحنج، والبنج، والبؤبؤ، والإص، والقبص، والسنخ، والنِّجار، والنُّجار،
والنَّجر: الأصل.
والجرأة موضعها رفع بفعلها، وهو نفي. والإقدام والصدق والمحتد منسوقات على الجرأة.
لعَمْرُكَ ما أَمرِي عَلَّى بغُمَّةٍنهاري ولا ليلِي عليَّ بِسَرْمَدِ
(الغمة): الغم. والغمة أيضا: الأمر المبهم الذي لا يهتدي له. قال الله ﵎: (ثُمَّ لا يكُنْ
أمرُكمْ عليكم غُمَّةً). وقول طرفة (بغمة) معناه إذا هممت بشيء أمضيته ولم يشتبه على الوجه فيه.
و (سرمد): دائم. يقول: ليس ليلي عليَّ بالدائم غير المنقطع، إذا نزل بي هم لا أتوجه فيه، ولكن ماض
في أمري. قال الفراء: يقولون سرمدا سمدا. قال: فيجعلون سمدا تابعا لسرمد كما يقولون حسن بسن.
والعمر مرفوع بجواب القسم، والأمر موضعه رفع بغمة؛ ونهاري موضعه نصب على الوقت.
ويَوْمَ حبَسْتُ النَّفسَ عِنْدَ عِرَاكِهِحِفَاظاً على عَوْراتهِ والتَّهدُّدِ
معناه: ورب يوم حبست نفسي عند عراك اليوم، وهو علاجه. يقال اعتركت الإبل على الحوض،
إذا ازدحمت عليه. ويقال: أرسل ابله عراكا، إذا أرسلها على الحوض جميعا. وإذا ازدحم الناس في
ورد أو حرب قيل: هم في عراك. والمعترك: المزدحم. قال الشاعر:
قَذَفوا صاحبَهم في ورطةٍقَذْفَكَ المقْلَةَ وسْطَ المعَتَركْ
وقال الطوسي: (ويوم حبست النفس عند عراكها). وقال: عراكها اعتراك
القتال والحرب. وقوله (حفاظا)، معناه محافظة. ويروى: (على روعاته). والروعات جمع روعة، وهي الفزعة: يقال:
راعني الأمر يروعني روعا، إذا أفزعك. ويقال: وقع ذلك في روعي، أي في خلدي. فيقول: صبرت
نفسي على روعات اليوم وتهدد الأعداء إياي، حفاظا على روعات ذلك اليوم. و (العورة): موضع
المخافة، وهي الفرج أيضا.
علَى مَوطنٍ يَخشَى الفتى عِندَه الرَّدَىمَتَى تَعترِكْ فيه الفرائصً تُرعَدِ
(الفرائص): جمع فريصة، وهي المضغة التي تحت الثدي مما يلي الجنب عند مرجع الكتف، وهي
أول ما يرعد من الإنسان ومن كل شيء عند الفزع. و (الردى): الهلاك. ويقال: ردِى يردى ردى
ومردى. قال الشاعر:
وإنّ لي يوماً إليه موئليمتى أنَلْهُ أرْدَ مَردَى أوَّلي
فيقول: حبست نفسي في موطن يخشى الردى عنده ذو الفتوة؛ حفاظا على عوراته، وصبرا مني
لنفسي على روعاته.
وعلى صلة حبست. والتقدير: حبست النفس في عراكها على موطن. وتعترك جزم بمتى، وترعد
جواب الجزاء.
وروى أبو عمرو الشيباني هاهنا بيتا لم يروه الأصمعي ولا ابن الأعرابي، وهو:
وأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظَرتُ حِوَارَهعلى النَّار واستَوْدعُتُه كفَّ مًجْمِدِ
قال أبو عمرو: يعنى بالأصفر قدحا، وإنما صفره لأنه من نبع أو سدر.
والأصفر في غير هذا الموضع: الأسود. قال الله ﷿: (صَفْراءُ فاقعٌ لونُها)، فمعناه سوداء.
وقال الأعشى:
تَلك خيَلي منه وتلك ركابيهُنَّ صُفْرٌ ألوانُها كالزَّبيبِ
وقوله (مضبوح): ضبحته النار وضبته، إذا غيرت منه. وقوله (نظرت حواره) معناه انتظرت فوزه
وخروجه. والحوار: مصدر حاورته محاورة وحوارا. وقوله (على النار) معناه عند النار، وذلك في
شدة البرد، كانوا يوقدون النار وينحرون الجزور ويضربون بالقداح، واكثر ما يفعلون ذلك بالعشي
في وقت مجيء الضيف. قال النمر:
ولقد شهدتُ إذا القداحُ توحدتوشهدتُ عند اللَّيلِ مُوقِدَ نارِها
عن ذاتِ أوْليَةٍ أساودُ ربَّهاوكأنّ لونَ المِلح فوق شفارها
قال أبو جعفر: اساود رب هذه الناقة، أي أخادعه عنها. و (توحدت): أبى كل أحد أن يأخذ إلا الفذ
من صعوبة الزمان.
وقوله (واستودعته كف مجمد)، قال يعقوب: المجمد، الذي يأخذ بكلتا يديه ولا يخرج من يديه شيء.
وقال أبو جعفر: يقال أجمد الرجل، إذا لم يكن عنده خير ولا فضل.
وأصفر مخفوض بإضمار رب، ومضبوح نعته.
سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ ما كُنْتَ جاهلاًويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ
قوله (سَتُبْدِي لكَ الأَيَّامُ)، معناه ستظهر لك ما كنت جاهله. وقوله (ويأَتِيكَ بالأَخبارِ مَن لمْ تُزَوِّدِ)،
معناه يأتيك بالخبر من لم تسأله عن ذلك.
قال الأصمعي: حدثني رجل من أهل الصلاح، وهو من أضاخ قال: قدم علينا رجل لم نعرفه فقلت
له: من أنت؟ قال: أنا جرير. فلما عرفناه قلنا له: من أشعر الناس؟ قال: الذي يقول: (غد غد ما
أقرب اليوم من غد).
سيأَتيك بالأَخبار من لم تَبِعْ لهبَتاتاً ولم تَضرِبْ له وقتَ مَوعدِ
تمت قصيدة طرفة بغريبها وأخبارها، وهي مائة بيت وبيتان
الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله أجمعين
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع