من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة الحارث بن حلزة (٢)
(ومَن يُردْ فيه بإلحادٍ بظُلْم)، أراد: ومن يرد فيه إلحادا. وقال الفراء: سمعت أعرابيا من ربيعة وسألته
عن شيء فقال: أرجو بذاك، يريد: ذاك. وأنشدني أبو الجراح:
فلما رجَتْ بالشرب هَزَّ لها العصاشحيحٌ له عند الإزاء نَهيمُ
أراد: رجت الشرب. وقال امرؤ القيس:
ألاَ هل أتاها والحوادثُ جَمَّةٌبأنّ امرأ القيس بن تَمِلكَ بَيْقَرا
أراد: هل أتاها أن امرأ القيس. وقال قيس بن زهير:
ألم يأتيك والأنْباء تَنمىبما لاقتْ لبَونُ بني زيادِ
أراد: ألم يأتك ما لاقت. وأنشد أبو عبيد:
ضَمنتْ برزق عيالنا أرماحُناملءَ المراجل والصَّريحَ الأجردَا
أراد: ضمنت رزق عيالنا. وقوله (فيها تعيط معناه فيها ارتفاع وامتناع، أي في عزتنا. والإباء معناه
أنها تأبى الضيم. ومن التعيط قولهم: اعتاطت الناقة واعتاصت، إذا امتنعت من الحمل فلم تحمل
أعواما. ويقال: ناقة عائط، وفي الجمع نوق عوط وعيط. وحكى الفراء عوطط في الجمع، وهو على
غير القياس.
وقبل نصب ببيضت، وما صلة اليوم مختفض بقبل، والتعيط رفع بفي، والإباء نسق عليه.
وكأَنَّ المَنُونَ بنا أَرْعَنَ جَوْناً يَنْجابُ عَنه العَمَاءُ
(المنون): المنية. وقال الأصمعي: المنون أيضا: الدهر، لأنه يذهب بمنة كل شيء. والمنة: القوة.
وسمعت أبا العباس يقول: حبل منين، إذا كان ضعيفا قد ذهبت منته. ويقال: قد منه السفر، إذا
أضعفه. قال ذو الرمة:
إذا الأروع المشبوبُ أضحى كأنَّهعلى الرحْل مما منَّه السَّير عاصِدُ
أي لوى عنقهوقال أبو ذؤيب:
أمن المنونِ وريبها تتوجَّعُوالدهر ليس بمعتبٍ مَن يجزَعُ
فأنث المنون لأنه أراد المنية. وقال أبو العباس: (وريبه) على معنى الدهر. وقال الفرزدق:
إن الرزيَّة لا رزية مثلهافي الناس موتُ محمدٍ ومحمدِ
ملكانِ عُرِّيت المنابر منهماأخَذ المنونُ عليهما بالمرِصد
أراد المنية: وقوله (يردى) يقال ردى يردى رديا ورديانا، إذا رمى. وردى يردى ردى، إذا هلك.
وقوله (أرعن) الأرعن: الجبل الذي له أنف يتقدم منه. ويقال للجيش العظيم أرعن لأنه يشبه بالجبل.
قال النابغة الجعدي في وصف جيش:
بأرعنَ مثلِ الطَّودِ تَحسب أنهموُقُوفٌ لحاجٍ والركاب تهملجُ
والجون في هذا البيت: الأسود؛ وهو من الأضداد يكون الأبيض ويكون الأسود. قال الشاعر:
غيَّرَ يا بنتَ الحُلَيسِ لونىكرُّ الليالي واختلافُ الجَوْنَ
وسفرٌ كانَ قليلَ الأون
أراد بالجون النهار. والأون: الدعة والرفق. وقال الفرزدق يصف قصرا أبيض:
وجَونٍ عليه الجصُّ فيه مريضةتَطلَّعُ منه النفسُ والموت حاضرُه
أراد بالجون قصرا أبيض. وقوله (فيه مريضة): امرأة فاترة الطرف. وقوله:
(تطلع منه النفس) معناه: تكاد النفس تخرج من اجله لهوله وصعوبته.
وقال الأصمعي: دخل أنيس الجرمي على الحجاج - وكان فصيحا - يعرض عليه درعا من حديد
صافية، فلم يتبين الحجاج صفاءها فقال: ليست بصافية. فقال له أنيس: أصلح الله تعالى الأمير، أن
الشمس جونة. يريد: أن شدة شعاع الشمس أذهب صفاء الدرع.
وقوله (ينجاب عنه) معناه ينشق عنه الغيم ويتفرق عن هذا الجبل لطوله وارتفاعه. قال الله عز
وجل: (الذينَ جابوا الصَّخْر بالوادِ)، أراد شقوا الصخر وبنوا فيه. قال سابق:
فلم ينجُ منهم في البحور ملجِّجٌولم يُنج مَن جابَ الصُّخورَ اجتيابُها
ويقال: جبت الفلاة، إذا دخلت فيها. قال معن بن أوس:
إليك سعيدَ الخيرِ جابَتْ مطيَّتيفُروجَ الفيافي وهي عوجاء عَبْهلُ
و (العماء): الغيم الرقيق، ومثله الضباب، والطخاء، والطهاء. ويروى: (وكأن المنون ترمى بنا
أصحم عصم). والأصحم: الوعل الذي يعلو بياضه سواده. أتنشدنا الأصمعي بن أبي عائذ الهذلي:
أوَ أصحمَ حام جراميزَهحَزابيةٍ حَيَدَى بالدِّحالِ
الأصحم هاهنا: الحمار. وقوله: حام جراميزه، معناه حام نفسه من الرماة والصيادين. وحزابية معناه
ضخم ممتلئ. والحيدى: الذي يحيد. والدحال: جمع دحل، وهو خرق في الارض. والوعل: تيس في
الجبل. و (العصم): جمع أعصم. و (الأصحم): الوعل الذي في يديه بياض. ويروى: (وكأن المنون
ترمي بنا على أعصم صم) معناه على أعصم جبال صم. ويروى: (على أعصم جون)، أي أعصم
جبل جون.
ومعنى البيت: وكأن المنون ترمى بنا جبلا فلا تضرنا ولا تؤثر فينا كما لا تضر الجبل.
والمنون اسم كأن، وتردى خبره، وينجاب موضعه رفع، ونصب في التأويل على معنى منجابا عنه
العَماء.
مُكْفَهِرَّاً علَى الحَوَادثِ لا تَرْتُوُ للدَّهرِ مُؤْيِدٌ صَمَّاءُ
مكفهر، معناه هذا الجبل متراكم بعضه على بعض ممتنع مارد على الحوادث، فنحن لا تضرنا ولا
نباليها. يقال وجه فلان مكفهر، إذا كان قاطبا. وقوله (لا ترتوه) الرتو: القصر من الشيء والنقصان
له؛ وهو من قولك: رتوت من القوس، إذا كان بوترها استرخاء فشددته وقصرت منه؛ وأصل الرتو
الشد والجمع، من ذلك قول النبي ﷺ في الحساء: (إنه يرتو فؤاد الحزين، ويسرو
عن فؤاد السقيم)، أي يشد فؤاد الحزين ويقويه. وقوله (ويسرو) معناه ويكشف عن فؤاده؛ ومنه قولهم:
سريت الثوب عن الرجل، إذا كشفته عنه. ويقال سروت وسريت في هذا بمعنى. و (مؤيد) معناه
داهية قوية شديدة تغلب كل من تعرض لها. يقال: رجل ذو أيد وآد، أي ذو قوة. قال الله ﷿:
(والسَّمَاءَ بنَيناها بأيْد)، أراد بقوة. وقال عز من قائل: (وأيَّدْناه بروح القُدْس)، أراد: قويناه. ويقال
أيضا: آدنى الشيء يئودني، إذا أثقلني. قال حسان:
وقامت ترائيك مُغْدوجناًإذا ما تنوءُ به آدَها
أراد أثقلها. وأنشد أبو عبيدة:
إنّ القدَاح إذا اجتمعنَ فرامَهابالكَسر ذو حَنَقٍ وبطشٍ أيدِ
عزّتْ ولم تُكسَر وإن هي بدِّدتفالوَهن والتكسير للمتبدِّدِ
أراد: وبطش قوي. وأنشد العجاج:
من أن تبدّلت بآدى آدا
ويروى: (موئد) بتقديم الواو على الهمزة على إنه مفعل من الوأد. والوأد: الثقل. وقوله (صماء)
معناه لا جهة لها لشدتها وامتناعها. وقال بعضهم: الصماء: التي لا يسمع الصوت فيها لاشتباك
الأصوات.
ونصب (مكفهرا) على النعت لأرعن. ومن رواه بالخفض جعله نعتا للأعصم على رواية الذين
يرون: (وكأن المنون ترمى على أعصم صم). والمؤيد رفع بترتوه. ويروى: (ما ترتوه). وصماء
نعت المؤيد، واللام صلة ترتوه.
أَيَّما خُطَّةٍ أَردتُم فأَدُّوها إِلينا تَمشِي بها الأَمْلاءُ
قوله: (فأدوها إلينا) معناه فابعثوا ببيان ذلك إلينا مع السفراء. والسفير: المصلح بيننا وبينكم يمشون
به إلينا وتشهد به الاملاء، فان شهدوا وعرفوا ما ادعيتم كان ذلك لكم، وإن ادعيتم ما لا تعرفه الاملاء
فليس بشيء. ويروى: (أيما خطة أخذتم). و (الأملاء): الجماعات، واحدهم ملأ؛ ولا يكون الملأ إلا
رجالا لا امرأة فيهم. وهو مقصور مهموز، وربما ترك همزه في الشعر. قال حسان:
ودونك فاعلمْ أن نَقْضَ عُهودناأبَاه المَلاَ منَّا الذين تبايعوا
أبَاه البَراء وابن عمرو كلاهماوأسعدُ يأباه عليك ورافعُ
وقال أبو عبيدة: الملأ الرؤساء والأشداء. قال الله ﷿: (ألم تَرَ إلى الملإ من بني إسرائيلَ).
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ سمع رجلا من الأنصار يقول بعد انصرافه من بدر:
(إنما قتلنا عجائز ثلعا)، فقال النبي ﷺ: (أولئك أملاء قريش لو احتضرت فعالهم
احتقرت فعالك مع فعالهم). والملأ: الخلق، مقصور مهموز. ويقال: (أحسنوا أملاءكم)، أي أخلاقكم.
قال الشاعر:
تنادوا يالَ بُهثَةَ إذْ رأونَافقلنا أحسنوا مَلأ جُهَينا
يريد: خلقا. ويروى: (أحسنى). ويقال تمالوا، من قولك: تمالوا عليه، أي اجتمعوا عليه وتظافروا.
قال الشاعر:
فإن تك خيراً تحسبوا مَلأً بهوإن يك شراًّ تشربوه تحاسيا
والملا: ما اتسع من الارض واستوى، مقصور غير مهموز، ويكتب بالألف والياء، والالف أجود.
قال الشاعر:
ألا غنّياني وارفعا الصَّوت بالملافإنّ الملا عندي يَزِيدُ المَدَى بُعْدا
وقال تأبط شرا:
ولكنني أروِى من الخَمر هامتيوأمضِى المَلاَ بالصاحب المتبدّلِ
وأيما نصب بأردتم، وما صلة، كأنه قال: أي خطة أردتم. ومعنى أي الجزاء، والفاء جواب الجزاء،
وتمشى مرتفع في اللفظ بالياء، ومنتصب في التأويل على الحال من الهاء، والأملاء رفع بتمشي.
إِنْ نَبَشْتُمْ ما بينَ مِلْحَةَ فالصَّاقِبِ فيه الأَمواتُ والأَحياءُ
قوله (إن نبشتم) معناه أن أثرتم ما كان بيننا وبينكم من القتل في الوقَعات التي كانت بين ملحة
فالصاقبِ، ظهرَ عليكم ما تكرهون من قتلَى قتَلْنا لم تدركوا بثأرهم. والتقدير فيه: أن نبشتم ما بين
أهل ملحة فأهل الصاقب، فحذف الأهل وأقام ملحة والصاقب مقامهم. وملحة: مكان. والصَّاقب: جبل.
والصاقب في غير هذا الموضع: الملاصِق. قال النبي ﷺ: (الجار أحقَّ بصَقبَه)، أي
مُلاصِقيه. وقال الشاعر في حَمَام:
يَهجْن على ذي الشَّوق مكنونَ عَبرةٍفدمعُ الهوى يستنُّ بالخيب ساكبه
وما ذاك إلاّ من جميعٍ تقرّقتْبهم نيَّةٌ هاجتْ هوىً ما يصاقبُه
قوله (فيه الأموات والأحياء) معناه: في هذا النَّبش والأمر الذي يثيرونه موتى قد ذهبوا ونسوا ومات
امرهم، وفيه أحياء قد بقوا حديث أمرهم، ففي إثارة ذلك ما يعرف فضلنا عليكم وادعاءكم علينا
الباطل. وأراد بقوله (فيه الأموات)، أي ملحة والصاقب، فاكتفى بإعادة الذكر على أحدهما. وأنشد أبو
العباس عن ابن الأعرابي:
يا ابن التي ادعى أنها عكل تقفلتعلمن اليومَ أن لم تنصرفْ
أن اللئيمَ والكريمَ مختلفْ
أراد: مختلفان، فاكتفى بأحدهما.
ويروى: (والصاقب) بالرفع، والرافع له عود الهاء عليه، وهو حينئذ مستأنف والواو التي فيه واو
الحال. ومن خفضه أضمر الواو مع في وأراد: وفيه الأموات، أي وهذه حاله، كما تقول: لقيت عبد
الله والشمس طالعة عليه، ولقيته الشمس طالعة عليه. وكذلك تقول: ما رأيت عالما إلا وأبوك أفضل
منه، وإن شئت قلت: إلا أبوك أفضل منه. أنشد الفراء في إظهار الواو:
أما قريش فلن تلقاهم أبداًإلا وهمْ خيرُ من يَحفَى وينتعلُ
وأنشد أيضا في إظهارها:
إذا ما ستورُ البيت أرخِينَ لم يكنْسراجٌ لنا إلاّ ووجهُك أنوَرُ
وأنشد في إضمارها:
وما مسَّ كفىِّ من يدٍ طاب ريحُهامن الناس إلاّ ريحُ كفك أطيبُ
أراد: ألا وريح كفك أطيب. وأنشدنا أيضا الأصمعي في إضمارها:
لقد علمتْ لا أبعَثُ العَبْد بالقِرىإلى القوم إلاّ أكرمُ القوم حاملهُ
أراد: وإلا أكرم القوم، فأضمر الواو.
وما ينتصب بنبشتم، وتأويله: أن أثرتم الأمر الذي بين ملحة. وجواب الجزاء محذوف لوضوح
معناه. كأنه قال: أن نبشتم هذا هلكتم. وإن شئت كان الجواب الفاء التي في البيت الثاني، لأن النقش
يضارع معنى النبش. وملحة خفض ببين، إلا أنها
لا تُجرى. والصاقب نسق عليها، والأموات رفع بفي.
أَوْ نقَشْتُمْ فالنَّقْشُ تَجشَمُه الناسُ وفيه الصَّلاَحُ والإِبراءُ
ويروى: (وفيه السقام) ويروى: (وفيه الضجاج، ويروى: (وفيه الضجلج)، ويروى: (وفيه
الإصلاح). ويروى: (إن نقشتم). والتأويل أن استقصيتم فالاستقصاء يتجشمه الناس ويتكلفونه. يقال:
قد جشمتك لقاء فلان؛ أي كلفتكه. قال الشاعر:
فما أجشمتُ من إتيان قومٍهم الأعداءُ والأكباد سُودُ
وفي الاستقصاء صلاح، أي انكشاف للأمر. يقول: أن استقصيتم صرتم من ذلك إلى ما تكرهون.
ومن روى: (وفيه السقام)، أراد: وفي الناس سقام وبراءة، أي لا تأمنوا أن استقصيتم أن يكون السقام
فيكم - وسقمهم أن يكونوا قتلوا أو قهروا فلم يثأر بهم ولم يطلب بثأرهم - وعسى أن يكون الإبراء
منا فيستبين ذلك للناس ويصير عاره عليكم في الاستقصاء والنقش، فتركه خير فما راحتكم فيه. وقال
أبو عبيد: لا أحسب نقش الشوكة من الرجل إلا من هذا، وهو استخراجها حتى لا يترك في الجسد
منها شيء. قال الشاعر:
لا تنقُشَنَّ برجلِ غيرِك شوكةًفتقَي برجلك رجلَ مَن قد شاكَها
يريد: رجل من قد دخل في الشوك. يقال: شكت الشوك فأنا أشاكه، إذا دخلت فيه. فإذا أردت إنه
أصابك قلت: قد شاكني فهو يشوكني شوكا. وإنما سمى المنقاش منقاشا لأنه ينقش به، أي يستخرج به
الشوك. ويقال: انتقشت من الرجل جميع حقي، أي استخرجته منه. وقال النبي ﷺ:
(من
نوقش في الحساب عذب)، أي من استقصى عليه.
والنقش رفع بما عاد من الهاء، والناس مرتفعون بفعلهم، والواو في الصلاح واو حال، والصلاح
رفع بفي، والأبراء نسق عليه.
أَوْ سَكَتُّم عنَّا فكنَّا كمَنْ أَغْمَضَ عَيْناً في جَفْنها أَقذاءُ
معناه: أن نبشتم على أنفسكم ما قد غاب عن الناس بادعائكم غير الحق خرج عليكم من ذلك ما
تكرهون، وان سكتم عنا فلم تستقصوا كنا نحن وانتم عند الناس في علمهم بنا سواء، وكان أسلم لنا
ولكم، على أنا نسكت ونغمض عينا على ما فيها منكم. وهذا مثل. و (القذى): شيء يسقط في العين.
ويقال: عين قذية. ويروى:
فكنَّا جميعاًمثلَ عينٍ في جفنْها أقذاء
ويروى:
أبعدوا في المَدَى وكونوا كمن أغمض عيناً
أي ابلغوا غايتكم. أنشدنا أبو العباس لأبي صخر:
فيا حبَّ ليلى قد بلغتً بَي المدَىوزدتَ على ما ليسَ يبلغُه الهجرُ
أراد: الغاية. و (الأجفان): أغطية العينين. والأشفار: حروف الأجفان التي فيها الشعر، والشعر يقال
له الهدب.
والكاف خبر الكون، وأغمض عينا صلة من، وفي جفنها أقذاء صلة العين، والهاء تعود على العين،
والأقذاء رفع بالصلة.
أَو مَنَعتم ما تُسأَلُونَ فَمَنْ حُدِّثتموهُ لَهُ عَلينا العَلاَءُ
معناه: أو منعتم ما تسألون من النصفة فيما كان بيننا وبينكم، فلأي شيء كان ذلك منكم مع ما
تعرفون عن عزنا وامتناعنا. ثم قال: فمن حدثتموه له علينا العلاء، يقول: فمن بلغكم إنه اعتلانا في
قديم الدهر فتطمعوا في ذلك منا.
والعلاء من العلو والرفعة، بالعين غير معجمة. ويروى: (الغلاء) بالغين معجمة وهو الارتفاع أيضا،
من قوله ﷿: (لا تَغْلُوا في دينكم غيرَ الحقّ).
وما نصب بمنعتم، وتسألون صلتها، والهاء المضمرة تعود عليها، ومن رفع بما عاد من الهاء في
حدثتموه، والهاء الأولى اسم حدثتم، وما عاد من الهاء الثانية خبرها، والعلاء رفع باللام، وعلينا صلة
العلاء وحدثتم وأنبئتم مشبه بظننتم، تنصب الاسم والخبر، فكأنه قال: فمن ظننتموه له علينا العلاء.
هَلْ عَلِمتمْ أَيّامَ يُنْتَهَبُ النَّاسُ غِواراً لكلِّ حَيٍّ عُوَاءُ
قال الأصمعي: كانت العرب من نزار تملكهم الأكاسرة، وهم ملوك فارس، وتملَّك عليهم من شاءت،
وكانت غسان تملكهم ملوك الروم، فلما غلب كسرى على بعض ما في يديه - وكان الذين غلبوه بني
جفنة - غزا بنفسه قيصر، فضعف أمر كسرى، وغزا بعض العرب بعضا.
و (الغوار): مصدر غاور القوم مغاورة وغوارا، إذا غار بعضهم على بعض. قوله (لكل حي عواء)،
أي صياح، مما ينزل بهم من الإغارة عليهم. قال الشاعر:
فإن يكُ شاعرٌ يَعوي فإنيرأيتُ الكلبَ يقتلُه العُواءُ
أي الصياح. يقول: فنحن حين كان الناس هكذا لم يطمع فينا أحد من العرب
لأنا أعزهم، وكنا يومئذ أمنع العرب، فلا تطمعوا انتم في ظلمنا وضررنا، فان لنا عزا دائما ثابتا.
وقال أبو عبيدة في قوله (أيام ينتهب الناس) قال: هي أيام غزا فيروز الترك فأسروه، فضعف أمر
ملك العرب، فجعلت بكر بن وائل تغير على القبائل، حتى أغارت على تميم فأصابت منهم أسرى
وسبايا.
والأيام نصب بعلمتم، وهي مضافة إلى ينتهب، وغواراُ نصب على المصدر، وعواء رفع باللام.
ويروى: (لكل حي لواء).
إِذْ رفَعْنا الجِمالَ من سَعَفِ البَحرَينِ سَيراً حتَّى نَهَاها الحِسَاءُ
قوله (اذ رفعنا الجمال)، يخبر عن مغازيهم، أي قد أغرنا على من لقينا من الناس حتى انتهينا إلى
النخل فاكتفى بالسعف من النخل، لأنه كما قال الجعدي:
كأنّ فاها إذا تُوُسِّنَ منطِيب مَشَمٍّ وحُسنِ مبتَسَمِ
ركِّب في السامِ والزَّبيب أقاحيُّ كثيب تَنْدَى من الرّهَم
أراد: ركب في السام والخمر، واكتفى بالزبيب من الخمر لأنه من سببها والسام: عرق المعدن، وهو
يضرب إلى السواد، فشبه اللثة به، يريد: هو يضرب إلى السواد. وشبه طيب ريقها بالخمر ثم مضينا
نغير وننتهب، حتى انتهينا إلى الحستء. ومعنى (نهاها) كفها وحبسها. والحساء: جمع حسى البحر.
والحسى: الماء الجاري. يقول: فلما بلغنا الحساء لم يكن وراءها مغار. ويروى: (إذ ركبنا الجمال).
وإذ من صلة علمتم، والسير نصب على المصدر، والحساء رفع بفعلها.
ثُمَّ مِلْنا عَلى تميمٍ فأَحرَمْنا وفينا بَنَاتُ مُرٍّ إِماءُ
معناه: بلغنا الحساء ثم ملنا على تميم، فلما صرنا إلى بلادهم أحرمنا: دخلنا في الأشهر الحرم، فكففنا
عن قتالهم. وفينا بنات مر إماء، يريد: قد سبيناهن قبل دخول الأشهر الحرم. ويروى: (وفينا بنات
قوم إماء). يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الشهر الحرام. وقال ابن الأعرابي: تميم هو ابن مر،
فأحرمنا معناه عففنا عنهم وفينا إماء لو شئنا وطئناهن، فكففنا عن قتالهم وفينا بناتهم إماء. ويقال:
أحرم الرجل الشيء، إذا جعله على نفسه حراما. وحرمت الشيء أحرمه حرمانا. قال عبيد:
مَن يسألِ الناس يَحرِموهُوسائلُ الله لا يخيبُ
وقال الآخر:
وأنبئتُها أحرمَتْ قومَهالتَنكِحَ في معشرٍ آخَرينا
أراد: حرمت قومها على نفسها.
والبنات رفع بإماء، والإماء رفع بالبنات، والواو واو حال، كأنه قال: وبنات مر إماء فينا.
لا يُقيمُ العَزيزُ في البَلَدِ السَّهْلِ ولا يَنْفَعُ الذَّليلَ النَّجاءُ
يقول: لم يكن العزيز الممتنع يقدر أن يقيم بالبلد السهل؛ لما فيه الناس من المغاورة والحيف والجهد،
ولا ينفع الذليل النجاء، أي الهرب. يقول: إن هرب
الذليل لم ينتفع بذلك. والرواية المعروفة:
(النَّجاء) بفتح النون، ويروى (النِّجاء) بكسر النون على إنه جمع نجوة، فتجري مجرى قولهم نسوة
ونساء، وركوة وركاء. و (العزيز): القاهر الغالب. قال جرير:
يَعُزُّ على الطَّريقِ بمنَكِبَيهِكما ابتركَ الخَليعُ على القِداحِ
أراد: يغلب على الطريق. ويقال رجل ذليل بين الذل والذلة والمذلة. ودابة ذلول بينة الذل. قال الله
﷿: (واخفضْ لهما جناحَ الذِّلِّ من الرحمة) بكسر الذال. قال الشاعر:
منه الحِباء سَديد هَدُيه حسنعند المصائب منه الذِّلُّ والنُّبُلُ
والعزيز رفع بيقيم، والنجاء رفع بينفع، والذليل نصب بوقوع الفعل عليه.
ليس يُنْجِي مُوائلاً مِنْ حِذارٍرأسُ طَودٍ وحَرَّةٌ رَجْلاءُ
الموائل: الهارب طلبا للنجاة. يقال: وأل الرجل يئل، إذا نجا. قال الله ﷿: (بل لهم مَوعدٌ لن
يَجِدوا من دونه مَوئلاً)، أراد: منجي. قال الشاعر:
فإنْ لم أعوِّد نفسِيَ الكرَّ بعدَهافلا وألتْ نفسٌ عليك تحاذرُ
معناه: فلا نجت. وقال الآخر:
كانوا جَمالاً للجميع وموئلاًللخائفين وسادةً في النادي
و (الحذار): ما يخاف ويحاذر، وهو مصدر حاذر حذارا. قال حاتم طي:
ولست بحازنٍ لغدٍ طعاماحِذارَ غدٍ لكلِّ غدٍ طعامُ
و (الحرة) من الأرض: التي جبالها وحجارتها سود. و (الرجلاء) فيها قولان: قال بعضهم: هي
حجارة سود وما يلي الجبل أبيض، وهي مع ذلك صعبية شديدة. وقال آخرون: الرجلاء التي يرتجل
الناس فيها لشدتها.
واسم ليس مضمر فيها مجهول كأنه قال: ليس الأمر وليس الشأن، والجملة التي بعد ليس خبرها.
ويجوز أن يكون رأس طود اسم ليس وينجي خبرها. ويجوز أن تكون ليس في مذهب (ما) فتستغني
عن الاسم والخبر، ويرتفع رأس طود بينجي. ويحكى عن العرب: ليس الطيب إلا المسك، معناه ما
الطيب إلا المسك. وقال الشاعر:
هي الشفاءُ لدائي لو تَجودُ بهوليس منها شفاءُ الدَّاء مبذولُ
فيجوز أن يكون في ليس مجهول، ويجوز أن يكون ليس في معنى ما. والشفاء رفع بمبذول،
ومبذول به.
والحرة نسق على رأس، ورجلاء نعتها. ويروى:
ليس يُنجى الذي يُوائل منَّا
فمَلَكْنا بذلِكَ النَّاسَ حتَّىمَلَك المنذِرُ بنُ ماءِ السَّماءِ
قال أبو محمد التوزي: سمعت الأصمعي يروي هذا البيت سنة ثمانين ومائة، قال:
وأنا سألته عنه وقال الأصمعي: أنشدني هذا البيت حرد بن المسمعي وقال: لا يضره إقواؤه، قد أقوى النابغة في
قصيدته الدالية وعاب ذلك عليه أهل المدينة فلم يغيره، وإنما هذه القصيدة كانت شبيها بالخطبة، قام
بها الحارث مرتجلا. والارتجال: الاقتراح والابتداء من ساعته.
وأراد بإقواء النابغة قوله في:
زعمَ البوارحُ أن رحلتنا غدٌوبذاك خبَّرنا الغرابُ الأسودُ
والقصيدة مخفوضة:
عجلانَ ذا زادٍ وغير مزوَّدِ
وأقوى في موضع آخر فقال:
يكاد من اللَّطافة يُعقَدُ
وقال أبو الحسن الأثرم ويعقوب بن السكيت: لا يتم معنى (وهو الرب والشهيد) إلا بهذا البيت الذي
أقوى فيه.
والناس نصب بملكنا، والمنذر رفع بملك، والابن نعته.
وإنما قيل له ماء السماء لأنه شبه عموم نفعه بعموم ماء المطر.
وهو الرَّبُّ والشَّهِيدُ على يَوْمِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ
والرب عني به المنذر بن ماء السماء. يخبر إنه قد شهدهم في هذين اليومين فعلم فيه صنيعهم
وبلاءهم الذي أبلوا. وكان المنذر بن ماء السماء غزا أهل الحيارين ومعه بنو يشكر فأبلوا بلاء حسنا.
و (البلاء بلاء) معناه: والبلاء شديد. فيجوز أن يكون البلاء من البلية، ويجوز أن يكون البلاء من
الإبلاء والإنعام، كما قال:
فما من بلاءٍ صالحٍ أو تكرُّمِولا سُودَدٍ إلاّ له عندنا أصلُ
والرب في هذا الموضع: السيد. قال الله جل ذكره: (فيَسقي ربَّه خَمْراً) أراد: فيسقى سيده. والرب:
المالك، يقال ربني فلان يربني ربا، أي ملكني. والرب أيضا: الإصلاح، من قولهم: أديم مربوب، أي
مصلح. وفي الرب لغتان: رب بتشديد الباء، ورب بتخفيفها. أنشد الفراء:
وقد علم الأقوامُ أن ليس فوقهربٌ غير من يُعطى الحظوظ ويَخلُقُ
والحياران: بلدان. ورواه ابن الأعرابي: (يوم الحوارين).
والرب رفع بهو، والشهيد نسق عليه، ومعناه الشاهد، كما تقول عليم وعالم. وعلى صلة شهيد،
والبلاء الأول رفع.
مَلِكٌ أَضلَعُ البِريَّةِ لا يُوجَدُ فيها لِمَا لدَيْهِ كِفاءُ
معناه: ليس في البرية أحد يضطلع من الأمور بمثل ما يضطلع، أي يحتمل مثل الذي يحتمل المنذر
من الأمور الثقيلة. ويقال رجل ضليع، إذا كان كثير اللحم عظيم الجسم. وقوله (لا يوجد فيها لما لديه
كفاء)، معناه ليس في البرية أحد يكافئه ولا يستطيع أن يصنع مثل ما يصنع من الخير. يقال: كافأت
الرجل أكافئه مكافأة وكفاء.
والملك يرتفع بإضمار هو. وأضلع البرية نعته. والبرية فيها لغتان: الهمز وترك الهمز، فمن همزها
أخذها من برأ الله تعالى الخلق، أي خلقهم، كما قال الشاعر:
وكلُّ نفسٍ على سلامتهايميتُها اللهُ ثم يُبرئُها
فبنى فعيلة من ذلك. ومن لم يهمزها كان له مذهبان: أحدهما أن يقول: هي فعيلة من بريت أبرى.
والوجه الآخر أن يقول: هي فعيلة من برأ الله الخلق، بنيت على ترك الهمز، كما بنيت الخابية على
ذلك، وهي من خبأت.
والكفاء رفع بيوجد وهو اسم ما لم يسم فاعله، وفي صلة يوجد وكذلك اللام، ولديه صلة ما، وما فيها
يعود على ما.
فَاتْرُكُوا البَغْيَ والتَّعدِّي وإِمّاتَتعَاشَوْا ففي التَّعاشِي الدَّاءُ
ويروى: (الطيخ). والطيخ: الكلام القبيح. ويقال رجل طيلخة، إذا كان مستعملا ذلك. ويقال: الطيخ:
الكبر والعظمة. ويقال: طاخ يطيخ طيخا. و (التعاشى): التعامي. يقال: تعاشى يتعاشى تعاشيا. وقد
عشى يعشى عشىً. ويقال: أوطأتك العِشوة والعَشوة والعُشوة، إذا خبَّرتك بما لم يكن. ويقال: عشوت
أعشو عشوا، إذا نظرت نظرا ضعيفا. قال الله ﷿: (ومن يَعْشُ عن ذِكر الرحمن). وأنشدنا
الفراء:
متَى تأتِه تَعْشُو إلى ضوءِ نارِهتجدْ خير نار عندها خيرُ مُوقدِ
ومعنى البيت: أن تتجاهلوا ففي ذلك الهلاك. أي اتركوا القول القبيح والتعامي عن أيامنا، فإنكم أن
تعاميتم وألجأتمونا إلى الإخبار صرتم إلى ما تكرهون، وذلك إلزامكم.
والتعدي منصوب لأنه نسق على الطيخ، وأسكنت الياء، وحقها أن تفتح، على لغة
الذين يقولون رأيت قاضيك بإسكان الياء. والتعدي وزنه من الفعل التفعل، أصله التعدو، فلما وقعت الواو طرفا
وانضم ما قبلها ردت إلى الياء، والضمة التي قبلها إلى الكسرة. وأما حرف جزاء، وما صلة، والفاء
جواب الجزاء، والداء رفع بقوله ففي التعاشي. ويروى: (فاتركوا الطيخ والضلال وإما).
واذكُروا حِلْفَ ذي المَجَازِ وماقُدِّمَ فيه العُهودُ والكُفلاءُ
و (ذو المجاز): موضع بمكة المكرمة. قالبشر بن أبي خازم:
وكان مَقامُنا ندعُو عليهمبأبطح ذي المجاز له أثامُ
وهو الموضع الذي أخذ عمرو بن هند الملك على تغلب وبكر العهود والمواثيق، وأصلح فيه بين
الحيين وأخذ منهم رهنا من أبنائهم، من كل حي ثمانين رجلا، فلذلك قوله (وما قدم فيه العهود).
وواحد الكفلاء كفيل وكافل. ويقال: كفلت الرجل وكفلته وكفلت بالرجل. قال الله ﷿: (وكفَلها
زكريَّا)، وقرأ بعضهم: (وكَفِلَها) بالكسر.
وموضع ما نصب بالنسق على الحلف، والعهود رفع بقدم، والكفلاء نسق عليها.
حَذَرَ الخَوْنِ والتَّعدِّي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهَارقِ الأَهواءُ
ويروى: (حذر الجور). والخون من الخيانة، والتعدي من الاعتداء. والمهارق: الصحف، واحدها
مهرق. قال الأصمعي: المهرق فارسي في الأصل، وهو في
كلام الفرس (مهره كرد)، أي المصقول.
وقوله (وهل ينقض ما في المهارق الأهواء)، معناه: فإن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر والخيانة
بعدما تحالفنا وتعاقدنا فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوب عليكم، من العهود والمواثيق والبينات،
فيما علينا وعليكم؛ وذلك لا ينقضه شيء. ويروى: (ولن ينقض). وكذلك معنى هل الجحد.
والحذر نصب على المصدر، والأهواء رفع بينقض، وما نصب بينقض، وفي صلة ما.
واعْلمُوا أَنَّنا وإِيّاكمُ فيمَا اشْتَرَطْنا يومَ اخْتلَفْنا سَواءُ
ويروى: (يوم اختلفنا فيما اشترطنا سواء). والمعنى: كان من أشراطنا وتحالفنا إنه لا يجنى أحد من
العرب اليكم جناية ولا إلى غيركم إلا كانت تلك الجناية علينا ونحن المأخوذون بها دون أصحابها،
واشترطتم علينا مثل ذلك. يقول: فنحن وأنتم في هذه العهود والمواثيق سواء. وان كفت من اسم العلم
وخبره.
أَعَلَيْنا جُناحُ كِنْدَةَ أن يَغْنَم غَازِيهمُ ومِنَّا الجزاءُ
قال الأصمعي: كانت كندة كسرت خراجها على الملك، فبعث إليهم رجالا من بني تغلب فقتلوا فيهم
وأسروا. فيقول: أن كانت كندة فعلت هذا بكم فلم تقدروا أن تمنعوا وتأخذوا بثأركم منهم، فعلينا
تريدون أن تحملوا ذنبهم وجنايتهم إليكم. أي أتغنم كندة فيكم ويكون جناح ما صنعوا علينا.
و (الجناح): الإثم، وهو رفع، وكندة نصب وهو في موضع خفض، وإن نصب بفقد الخافض، والغازي
رفع بيغنم، والجزاء رفع بمن.
أَم عَلَينا جَرَّى حِنيفةَ أو ماجمَّعَتْ من مُحاربٍ غَبْراءُ
معناه: هل علينا في العهود والمواثيق التي أخذتموها علينا أن تأخذونا بذنوب حنيفة وما أذنبت
لصوص محارب. و (الغبراء): الصعاليك، وهم الفقراء. قال طرفة:
رأيتُ بني غبراءَ لا يُنكروننيولا أهلُ هذاكَ الطرافِ الممدّدِ
وجاء في الحديث: (كان النبي ﷺ ليستفتح بصعاليك المجاهدين)، أي يفتتح القتال
بهم تيمنا.
وكان من حديث حنيفة التي ذكرها: أن شمر بن عمرو الحنفي، وهو أحد بني سحيم، لما غزا المنذر
بن ماء السماء غسان، وكان أم شمر غسانية، فخرج يتوصل بجيش المنذر بن ماء السماء، يريد أن
يلحق بالحارث بن جبلة الغساني، فلما دنا من الشام سار حتى لحق بالحارث بن جبلة، فقال له شمر
بن عمرو: أتاك مالا تطيق! فندب الحارث بن جبلة مائة رجل من أصحابه، وجعلهم تحت لواء شمر
بن عمرو الحنفي، ثم قال: سر حتى تلحق بالمنذر بن ماء السماء وتقول: إنا معطوه ما يريد
وينصرف عنا. فإذا وجدتم منه غرة فاحملوا عليه. فخرج شمر ابن عمرو يسير في أصحابه حتى
أتى عسكر المنذر، فدخل عليه فأخبره برسالة الحارث بن جبلة، فركن إلى قوله، واستبشر أهل
العسكر وغفلوا بعض الغفلة، فحمل الحنفي عليه بالسيف فضرب يافوخه وسال دماغه، ومات من
الضربة مكانه، وقتلوا بعض من كان حول القبة، وتفرق أصحاب المقتول، فقال أوس بن حجر في
ذلك:
نبّئت أن بني سُحيمٍ أدخلواأبْياتَهمْ تامورَ نفْسِ المُنذرِ
والتامور: دم القلب.
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم غبراء لأنهم أخلاط من كل ضرب. وقال
آخرون: الغبراء: قوم يجتمعون فيتناهدون. ويقال إنما قيل للفقراء بني غبراء، لأن الفقر ألصقهم بالأرض. والغبراء:
الأرض، ويقال: الغبراء: السنة الشديدة، وهو يرجع إلى معنى الفقر.
وجرى رفع بعلى، وما نسق على جرى، وغبراء رفع بفعلها.
أَمْ جَنَايا بَنى عَتيقٍ فَمنْ يَغْدِرْ فإِنّا مِن حَربِهِمْ بُرآءُ
ويروى: (إنا من حربهم لبراء). ومن العرب من يقول: فلان براء منك، ولا يثنيه ولا يجمعه ولا
يؤنقه. قال الله ﷿: (إني براءٌ مما تعبدون). ومنهم من يقول: القوم براء منكم، ومنهم من يكسر
الباء فيقول: القوم براء، على مثال ظراف. قال الشاعر:
فإنّ أباكم الأدنى أبوكموإنَّ صدورهم لكم بِراءُ
والجنايا رفع بالنسق على جرى، ومن رفع بما في يغدر، وبراء خبر إن، ومن صلة برآء، ويروى:
(فإنا من غدرهم بُرآء).
أَم عَلينا جَرَّى العِبادِ كما نِيطَ بجَوْزِ المحمَّلِ الأَعباءُ
معناه: أن بعض العباد، وهم العباديون، أصابوا في بني تغلب دماء فلم يدرك بنو تغلب بثأرهم منهم،
فيقول: تريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء وتعلقوها عليما كما عُلَّق بوسط البعير الأثقال. و (نيط)
معناه علِّق. و (الجوز): الوسط، وجمعه أجواز. أنشد الفراء:
فهي تنوشُ الحوضَ نَوشاً مِن عَلانَوشاً به تقطع أجوازَ الفلا
و (المحمل): البعير. و (الأعباء): جمع عبء، وهو الثقل.
والكاف في موضع نصب، والأعباء اسم ما لم يسم فاعله.
أَم عَلَينا جَرَّى قُضاعةَ أَمْ لَيْسَ علينا ممَّا جنوْا أَنداءُ
هذا تعبير منه لبنى تغلب لما فعلت قضاعة. يقول: أفعلينا ما جنت قضاعة؟ وذلك أن قضاعة غزت
بني تغلب فقتلوا فيهم وسبوا. فيقول: أفتريدون أن تحملوا علينا ذنوب هؤلاء الذين أذنبوها إليكم،
وليس علينا فيما جنوا أنداء. يريد: ليس يندانا مما جنوا شيء
هذا كله تعيير منه لبني تغلب، وعمرو بن كلثوم يسمع.
والأنداء اسم ليس، واحدها ندى، وعلينا خبر.
لَيْسَ مِنَّا المضرَّبُونَ ولا قَيْسٌ ولاَ جَنْدَلٌ ولا الحَدَّاءُ
هؤلاء قوم من بني تغلب ضربوا بالسيوف فعيرهم بهم. والحداء: قبيلة من ربيعة، ويقال: هو رجل
من ربيعة.
والمضربون اسم ما لم يسم فاعله، والأسماء التي بعدهم نسَق عليهم.
أَم عَلينا جرَّى إِيادِ كما قِيلَ بطَسْمٍ أَخوكمُ الأَبَّاءُ
معناه: أم علينا في العهد الذي كان بيننا وبينكم أن نؤاخذ بما جرت إياد. وقال هشام بن محمد الكلبي:
كانت إياد بن نزار تنزل سنداد، وسنداد: نهر فيما بين الحيرة إلى الابلة، وكان عليه قصر يحج
العرب اليه، وهو القصر الذي ذكره الأسود بن يعفر:
أرضُ الخورنق والسَّدير وبارقٍوالقصرُ ذو الشرفات من سِندادِ
قال: ولم يكن في نزار حي أكثر من إياد ولا أحسن وجوها ولا أمد أجساما، ولا أشد امتناعا. وكانوا
لا يعطون الإتاوة - وهي الخراج - وكان من قوتهم أنهم أغاروا على امرأة لكسرى أنوشروان،
فأخذوها وأموالاً لهم كثيرة، فجهز لهم كسرى الجيوش مرتين، كل ذلك تهزمهم إياد. ثم إنهم ارتحلوا
حتى نزلوا الجزيرة، فوجه إليهم كسرى ستين ألفا، وكان لقيط بن معمر الإيادي ينزل الحيرة، فكتبَ
إلى أياد وهو بالجزيرة:
سلامٌ في الصحيفة من لَقِيطٍإلى مَنْ بالجزيرة من إيادِ
بأنَّ الليثَ كسرى قد أتاكمفلا يشغَلْكمُ سَوْقُ النِّقادِ
أتاكم منهمُ ستُّون ألفاًيزجُّون الكتائب كالجرادِ
على حَنَقٍ أتينَكمُ فهذاأوانُ هلاككم كهلاك عاد
فلما بلغ كتاب لقيط إيادا استعدوا لمحاربة الجنود الذي بعث بهم كسرى، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا،
حتى رجعت الخيل وقد أصيب من الفريقين. ثم إنهم بعد ذلك اختلفوا فيما بينهم، وتفرقت جماعتهم،
فلحقت طائفة منهم بالشام، وأقام الباقون بالحيرة.
وقال الأصمعي: كان جديس وطسم أخوين، فكسرت جديس على الملك
خراجها، فأخذت طسم بذنب جديس.
يقول: فتريدون أن تحملوا علينا ذنوب الناس كما قيل لطسم: أن أخاكم كسر الخراج فنحن نأخذكم
بذنبه.
والأخ رفع بالأباء، وجملة الكلام اسم ما لم يسم فاعله.
عَنَناً باطلاً وظُلماً كما تُعتَرُ عن حَجرِة الرَّبيِض الظِّباءُ
(عننا) معناه اعتراضا. يقول: انتم تعترضون بنا اعترضا وتدعون الذنوب علينا، ظلما وميلا علينا.
يقال عن يعن عنونا، إذا اعترض. وقوله (تعتر)، العتر: الذبح. والعتيرة: الذبيحة، وهي ذبيحة كانوا
يذبحونها في رجب لآلهتهم، يسمونها الرجبية. قال النبي ﷺ: (لا فرعة ولا عتيرة).
فالفرعة: أول ولد تلدة الناقة، كانوا يذبحونها لآلهتهم. وجمعه فرع. ويقال: قد أفرع القوم، إذا فعلت
إبلهم ذلك. ويقال: قد عتر يعتر عترا، إذا ذبح العتيرة. قال: زهير:
ثمّ استمرّ فأوفى رأسَ مرَقبةكصاحب العِتر دميَّ رأسَهُ النسُك
و (الحجرة): الحظيرة تتخذ للغنم. و (الربيض): جماعة الغنم. وكان الرجل من العرب ينذر نذرا
على شائه إذا بلغت مائة أن يذبح عن كل عشرة منها شاة، وكانت تلك الذبائح تذبح في رجب، وكان
ذلك واجبا عليهم في دينهم، فكان الرجل منهم إذا دخل رجب وقد بلغت شاؤه مائة، وبخل أن يذبح من
غنمه شيئا، صاد الظباء وذبحها عن غنمه؛ ليوفى بها نذره. فقال الحارث: أنتم تأخذوننا بذنوب غيرنا
كما ذبح أولئك الظباء عن غنمهم. والحجرة: الناحية. يقال في المثل:
(تأكل وسطا وتربض حجرة).
والعتر نصب على المصدر، والكاف نصب له على النعت، وما مصدر. ويروى: (عبثا باطلا
شدوخا)، أي يشدخ الناس بشدته.
وثَمانُونَ مِن تميمٍ بأَيدِيهمْ رِماحٌ صُدورهُنَّ القَضاءُ
وثمانون من تميم، معناه أن عمرا أحد بني سعد بن زيد مناة بن تميم، خرج في ثمانين رجلا من بني
تميم غازين، فأغار على ناس من بني تغلب يقال لهم بنو رزاح، كانوا ينزلون أرضا يقال لها نطاع،
قريبة من اليمن، فقتل فيهم وأخذ أموالا كثيرة. وقوله (صدورهن القضاء) معناه الموت.
والثمانون رفع بما عاد من الهاء والميم، والرماح رفع بالباء وما بعدها صلتها، والقضاء رفع
بالصدور.
لم يُخَلُّوا بني رِزاحٍ ببَرقاءِ نِطاعٍ لهمْ عليهمْ دُعاءُ
ورواه أبو العباس: (ببرقاء). نصب برقاء لأنها لا تجري لمدة التأنيث. ونطاع، نعت برقاء. ومن
رواه ببرقاء نطاع، قال: كل ما لا يجرى إذا أضيف جرى. (لهم عليهم دعاء): يدعون الله تعالى
عليهم.
تَرَكُوهمْ مُلحَّبِينَ فَآبُوابِنِهابٍ يَصَمُّ فيه الحُدَاءُ
ويروى: (يصم منه الحداء). قوله (ملحبين): مقطعين بالسيوف. و (آبوا): رجعوا. وقوله (بنهاب)،
معناه ما انتهبوا من أموال بني رزاح. وقوله (يصم فيه الحداء) معناه أن الإبل والمواشي التي أخذت
من بني رزاح لها جلبة
ورغاء، فجلبتها أكثر من أن يسمع فيها الحداء.
وملحبين نصب على الحال من الهاء والميم، والحداء رفع بيصم. ويروى: (يُصم) أي يصادف قوما
صما. يقال أصممتهم، إذا صادفتهم صما.
وأَتَوهُمْ يَسترَجعون فلم تَرجِعْ لهُمْ شامَةٌ ولا زَهراءُ
ويروى: (ثم آبوا يسترجعون)، أي رجعت بنو رزاح وقد اجتمعوا إلى بني تميم يسترجعون ما أخذوا
منهم. فلم يرجع لهم شامة ولا زهراء، أي رجعوا خائبين ولم يرجعوا بناقة سوداء ولا بيضاء. ويكون
في الغنم وغير الغنم. والشامة سوداء والزهراء بيضاء. ويروى: (ولا غبراء)، أي ما ليس بخالص
البياض.
والشامة رفع بيرجع، والزهراء نسق عليها.
ثُمَّ فاءُوا مِنهمْ بقاصِمَة الظَّهرِ ولا يَبْرُدُ الغليلَ الماءُ
ثم فاءوا: رجعوا، يعنى بني رزاح ومن حشد معهم من بني تغلب وغيرهم. فرجعوا بقاصمة الظهر،
أي قصمت بنو تميم ظهورهم، حيث ساقوا أموالهم وتبعوهم فلم يصلوا إلى شيء مما أخذ منهم،
فرجعوا خائبين. وقوله (ولا يبرد الغليل الماء) معناه الذي في صدورهم من الحزن والبلاء الذي نزل
بهم لا يبرده الماء، أي لا يسكنه. والغليل: الحرارة التي تكون في الصدر. ويروى: (ولا يبرد
الصدور الماء)، أي لما فيها من عظيم الحرارة. والقاصمة: الكاسرة. والتأويل: رجعوا بداهية تكسر
الظهر.
والباء صلة فاءوا، والماء رفع بيبرد، والغليل نصب به.
ثُمَّ خيلٌ من بَعْدِ ذاك مع الغَلاّقِ لا رأْفةٌ ولا إِبقاءُ
يريد: غزتكم بعد بني تميم خيل من الغلاق. (لا رأفة)، يقول: ليس لأصحاب الغلاق رأفة بكم ولا
إبقاء عليكم. والغلاق: رجل من بني يربوع بن حنظلة، من تميم، كان على هجائن النعمان بن المنذر
الأكبر، وكان أغار على بني تغلب فقتل فيهم.
والخيل رفع بما عاد من المضمر، معناه: لا عندهم رأفة، والرأفة رفع بالصفة.
ما أَصَابُوا مِن تَغْلَبيٍّ فمطْلُولٌ، عَلْيهِ إذا توَلَّى العَفَاءُ
ويروى: (إذا أصبنا العفاء). يقول جاءكم الغلاق ومن معه بحرد وغيظ وأصابوا فيكم، فكل من
أصابوا من بني تغلب فقد طل دمه، أي أهدر دمه ليس له من ينتصر له. قال أبو عبيد: كان أبو
عبيدة يقول: فيه ثلاث لغات: طل دمه طلا وطلولا، وطل دمه، وأطل دمه إطلالا. وقال أبو زيد: قد
طل دم فلان الحاكم، إذا أبطله. وقوله (عليه إذا تولى العفاء) هذا دعاء عليه. يريد: فعلى دمه العفاء.
والعفاء: الدروس في هذا الموضع. يقال: عفا الله أثرك يعفوه، أي محاه. ويقال: قد عفا الرسم، إذا
درس. وهذا كله تعيير لبني تغلب.
وموضع ما نصب بأصابوا، ومعناها الجزاء، والفاء جواب الجزاء، ومطلول رفع بإضمار هو،
والعفاء رفع بعليه.
كتَكالِيفِ قَومِنَا إِذْ غَزَا المنْذِرُ هَلْ لابنِ هِندٍ رِعاءُ
التكاليف من التكلُّف، يعير بني تغلب. وذلك إنه لما قتل المنذر بن ماء السماء انحازت طائفة من
بني تغلب عنه، وقالوا: لا نعطي أحدا من ولده طاعة! فلما ولي عمرو بن هند - وهو عمرو بن
المنذر بن ماء السماء، وكانت أمه هند بنت عمرو
بن حجر بن الحارث آكل المرار - بعث إلى
الذين انحازوا عن أبيه من بني تغلب يدعوهم إلى الرجوع إلى طاعته والى الغزو معه، فأبوا أن
يجيبوه وقالوا: مالنا نغزو معك، أرعاء نحن لك! فإنما حكى الحارث في قوله (هل نحن لابن هند
رعاء) قول بني تغلب. فغضب عمرو بن هند عند ذلك، وأراد أن يغزو غسان يطلب دم أبيه، فبعث
في أهل مملكته فاستنفرهم، فنفر معه من كل حي جماعة، وبكر بن وائل، وقوم من بني تغلب، فلما
اجتمع له ما أراد من عشائر العرب رأس عليهم أخاه النعمان بن المنذر، وأمره أن يغزو غسان
ويجعل أول غزوته على الذين خالفوه من بني تغلب.
وقال بعض الرواة: كان عمرو بن هند غزا واستخلف أخاه النعمان، فمر ببني تغلب فقتل قوما ممن
خالفه، فلذلك قال الحارث بن حازة في البيت الأول:
ما أصابوا من تغلبي فمطلولٌ، عليه إذا تولَّى العَفاءُ
ثم قال: (كتكاليف قومنا) يقول: كما كلفوا أن يرجعوا إلى عمرو بن هند فقالوا: لا نرجع. فجعل أول
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع