تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

الجزء الثاني (٢)

ثم قال: أكلما رمت جيشاً من جيوش الروم، فغر منك، وولى هارباً عنك، تصرفت بك هممك في آثاره، فلم يرضك انهزامهم دون أن ينالهم القتل، ولا فرارهم دون أن يتحكم فيهم السيف.

عَلَيْكَ هَزْمُهُم في كُلَّ مُعْتركٍوَمَا عَلَيْكَ بِهِمْ عَارُ إذا انَهَزمُوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم يقول لسيف الدولة: عليك أن تهزم الروم في كل معترك يتعاطون فيه لقاءك، ولا عار عليك في أن يغلبهم خوفك، فينهزموا دون قتال، توقعا لك، ويفروا دون لقاء، إشفاقاً منك.

أَماَ تَرَى ظَفَراً حُلْواً سِوَى ظَفَرتَصَافَحتْ فِيهِ بْيِضُ الهِنْدِ واللَّمَمِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم قال: أليس يحلو لك ظفر تناله، وأمل في عدوك تبلغه، ما لا يكون ذلك بعد قتل وقتال، ومجالدة ونزال، وبعد أن تصافح سيوفك رؤوسهم، وتباشر سلاحك جسومهم. وأشار بمصافحة السيوف للمم إلى هذا التعبير.

يَا أَعْدلَ النَّاسِ إلاَّ في مُعَامَلتيفِيكَ الخِصَامُ وَأَنْتَ الخَصْمُ والحَكَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول لسيف الدولة: يا أعدل الناس في أحكامه، وأكرمهم في أفعاله، إلا في

معاملتي، فإنه يخرجني عن عدله، ويضيق علي ما قد بسطه من فضله، فيك خصامي وتعبتي، وأنت خصمي وحكمي، فأنا أخاصمك إلى نفسك، واستعدي عليك حكمك.

أُعيذُهَا نَظَراتٍ مِنْكَ صَادِقةًأَنْ تَحْسِبَ الشَّحْمَ في مَنْ شَحُمُه وَرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم قال: أعيذ نظراتك الصادقة، وظنونك المصيبة، من أن تحسب ما

أشكوه من الضرورة سعة، وما أظهر من التجمل حقيقة، فتكون كمن يحسب السقم صحة، والورم سمناً وقوة.

وما انتِفاعُ أخي الدُّنيا بناظِرِهِإِذا استَوَتْ عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم ضرب في ذلك مثلاً، فقال: وما ينتفع أخو الدنيا بنظره، ولا تعود عليه فائدة بصره، إذا استوى عنده الصحة والسقم، والأنوار والظلم.

أَنَا الذي نَظَر الأَعْمَى إلى أَدَبيوَأَسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بِهِ صَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: أنا الذي استذاع أدبي، واستبان موضعي فيه، فثبت ذلك في العقول، وتمكن في القلوب، ورآه الأعمى وإن كان لا يبصر، وأسمعت كلماتي فيه ذا الصمم وإن كان لا يسمع.

أَنَامُ مِلَء جُفُوني عن شَوارِدِهاوَيَسْهَر الخلقُ جَرَّاها وَيَخْتَصمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

تقول العرب: فعلت هذا من جرى فلان، أي: من أجله.

ثم قال: أنام ساكن النفس، متمكن النوم، لا أعجب بشوارد ما أبدع، ولا أحفل بنوادر ما أنظم، ويسهر الخلق في تحفظ ذلك وتعلمه، ويختصمون في تعرفه وتفهمه، فاستقل منه ما يستكثرونه، وأغفل عما يغتنمونه.

وَجَاهلٍ مَدَّهُ في جَهْلهِ ضَحكيحَتَّى أَتَتهُ يَدُ فَرَّاسَةُ وفم الفرس: دق العنق،

فيقول: ورب جاهل اغتر بمجاملتي له، ومساحتي إياه، وضحكي على جهلة، حتى سطوت به ففرسته، وعضضت عليه فأهلكته.

إذا رأيت نيوب الليث بارزةفلا يغرنك أَنَّ اللَّيْثَ مُبْتَسُم

الناب: الضرس الذي بين الرباعية والطواحن، وجمعه نيوب.

ثم قال، زارياً علي المغتر بضحكة: إذا رأيت الليث قد أبرز أنيابه، فلا يغرنك تبسمه، فإن ذلك أقرب لبطشه، وأدل على ما يحذر من فعله، وكذلك كان ضحكي للمخدوع به سبباً قاده إلى صرعته، وأداه إلى هلكته.

وَمُهْجَةٍ مُهْجَتي مِنْ هَمَّ صَاحِبِهاأَدْرَكْتُها بِجوادٍ ظَهْرُهُ حَرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الحرم: الموضع الذي يؤمن فيه، ويمتنع بحرمته.

فيقول: ورب مهجة مقاتل لي، كانت مهجتي من هم ذلك

المقاتل وبغيته، فأدركت منه ما كان يحاوله مني، يشير إلى قتله له، وظفره به، بفرس جواد، ظهره حرم لصاحبه، وجريه أمان لراكبه.

رِجْلاَهُ في الرَّكضِ رِجْلُ والْيَدَانِ يَدُوَفِعْلُهُ ما تُريدُ الكَفُ والقَدمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم وصف ذلك الجواد فقال: رجلاه لسرعة ركضه، وخفة وقعه، وما هو عليه من تأتي أمره، كالرجل الواحدة، ويداه كاليد المفردة، لا تختلف في وقعها، ولا تتخاذل في نقلها، وفعله في السرعة ما تريده القدم التي بها تستعجل، وفي المواتاة والموافقة ما تريده الكف التي بها يستوقف.

ومُرْهَفٍ سِرْتُ بَيْنَ المَوْجَتَيْنِ بِهِحَتَّى ضَرَبْتُ وَمَوْجُ المْوتِ مُلْتَطُم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الموج: ما ارتفع واضطرب من الماء، واستعار ذلك في كتائب الحرب.

فيقول: ورب سيف مرهف، سرت به بين الفئتين المتقابلتين، والطائفتين المتزاحفتين، حتى ضربت وجالدت، واقتحمت وتقدمت، والموت يلتطم موجه، ويزخر بحره.

فَالخْيَلُ واللَّيْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنيوالحَرْبُ والضَّرْبُ والقِرَطاسُ والقَلمُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: فالخيل تعرفني لتقدمي في فروستها، وحذقي بركوبها، والليل يعرفني

لسراي فيه، وطول ادراعي له، والبيداء تعرفني بمداومتي لقطعها، واستسهالي لأمرها، والحرب والضرب يشهدان بحذقي بهما، وتقدمي فيهما، والقراطيس شاهدة، لإحاطتي بمعرفة ما تتضمنه، والقلم (عالم) لإبداعي فيما يقيده.

صَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ مُنْفَرَداًحَتَّى تَعَجَّبَ مِنّي القُوْرُ والأكمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

القور: صغار الجبال، والأكم: جمع أكمة، وهي التل المشرف.

ثم قال: صحبت الوحش في الفلوات منفرداً بقطعها، مستأنساً بصحبة حيوانها، حتى تعجب مني سهلها وجبلها، وقورها وأكمها.

يَا مَنْ يَعِزُّ عَلَينا أَنْ نُفَارقَهُمْوِجْدَانُنَا كُلَّ شَيء بَعْدكمُ عَدمُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قاضي القضاة بيمنى حكمه القلم»

ثم يقول مشيراً إلى سيف الدولة: يا من يعز علينا أن نفارقه، لما أسلف إلينا من فضله، واستوفرناه من الحظ بقربه، وجداننا كل طائل بعدكم، عدم لا نسر به، ومحتقر لا نبتهج له.

مَا كَانَ أَخْلَقَنا مِنْكُمْ بِتَكْرِمَةٍلو أَنَّ أَمْرَكُمُ مِنْ أَمْرِنا أَمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الأمم: القريب.

ثم قال: ما كان أخلقنا ببركم وتكرمتكم، وإيثاركم وتقدمتكم، لو أن أمركم في الاعتقاد لنا على نحو أمرنا في الاعتقاد لكم، وما نحن عليه من الثقة بكم.

إنْ كَانَ سَرَّكُمُ مَا قَالَ حَاسِدُنَافَما لُحرْحٍ إذا أَرْضَاكُمُ أَلَمُ
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «قل للحبيب الذي عزت محبته»

ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة: إن كان ما نقله الحاسد لنا، واختلقه الواشي بنا، مرضياً لكم، مستحسناً عندكم، فما نتشكى الجرح إذا أرضاكم مع شدة وجعه، ولا نتكرهه مع استحكام ألمه، حرصاً على موافقتكم، وإسراعاً إلى إرادتكم.

وَبَيْنناَ لَوْ رَعَيتُمْ ذَاكَ مَعْرفةُإنَّ المَعَارفَ في أَهْلِ النُّهى ذِمَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الذمم: العهود، واحدها ذمة، والمعارف: جمع معرفة، والنهى: جمع نهية، وهي العقل.

ثم قال: وبيننا وصائل المعرفة، ولنا إليكم شوافع الخالصة، إن أحسنتم المراعاة لذلك، والمحافظة عليه، والمعارف عند أمثالكم من ذوي العقول الراجحة، والأحلام الوافرة، ذمم لا يضيع حفظها، ووسائل لا يستجاز ردها.

كَمْ تَطْلُبونَ لَنَا عَيْبَاً فَيُعْجِزُكُمْوَيَكْرَهُ اللَّهُ ما تَأْتُونَ والكَرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ثم يقول، مشيراً إلى سيف الدولة، ومعنفاً له في إصغائه إلى الطاعنين عليه: كم تطلبون لنا عيباً تغضون به منا، وتصغون إليه فيما ينقل إليكم، فيعجزكم ذلك وييئسكم، ويبعد عليكم ولا يمكنكم، ويكره الله من ذلك ما تأتونه، ويسخطه ما تحاولونه، ويكرهه الكرم الذي يلزمكم الإنصاف والعدل، ويوجب عليكم المحافظة والفضل.

ما أَبْعَدَ والنُّقْصَانَ مِنْ شَرَفيأَنَا الثُّرَيَّا وّذَانِ الشَّيْبُ والهَرَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الخيل والليل والبيداءُ تعرفني»

ثم قال، فاخرا بنفسه، ومشيراً إلى سلامة عرضه: ما أبعد العيب

والنقصان من شرفي ورفعته، وعرضي وسلامته، أنا في ذلك الثريا، والعيب والنقصان كالشيب والهرم، لا يعلقان بي، كما لا يعلق الشيب والهرم بها، ولا يعرضان لي كما لا يعرض الشيب والهرم لها.

لَيْتَ الغَمَام الذي عندي صواعِقُهُيُزيلُهنَّ إلى من عِندهُ الدَّيَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الغمام: السحاب، والصاعقة: قطعة من نار تسقط بأثر الرعد الشديد، والجمع صواعق، والديمة: مطر يدوم مع سكون، والجمع ديم.

ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة: ليت هذا الملك الذي يشبه الغمام بجوده، ويخلفه بفضله، وعندي منه صواعقه، وتسرع إلى مكارهه، يزيل بيني وبين الحاسدين لي، فينقل تلك الصواعق إليهم، وينجي بتلك المكاره عليهم، فأشاركهم في بؤسه، كما شاركوني في فضله.

أرى النَّوى تَقْتَضِيني كُلَّ مَرْحَلةٍلا تَسْتَقلُّ بها الوَخَّادَةُ الرُّسْمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

النوى: البعد، والاقتضاء: معروف، والوخد والرسم: ضربان من سير الإبل، والوخادة من الإبل: التي تسير بالوخد، واحدتها واخدة، والرسم منها: التي تسير بالرسم، واحدتها رسوم.

فيقول، معرضاً بما اعتقده من الرحيل عن سيف الدولة، لما تشكاه من

قلة إنصافه له: أرى النوى التي أريدها، والرحلة التي أعتقدها، تقتضيني تجشم كل مرحلة نائية، وشقة بعيدة، لا تستقل بها الوخادة الرسم من الإبل؛ لبعد منالها، ولا تطيقها لشدة مآلها.

لَئِنْ تَرَكْنَ ضُمَيْراً عَنْ مَيَامِننالَيحْدُثَنَّ لَمِنْ وَدَّعْتُهُمْ نَدَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

ضمير: اسم جبل.

ثم قال: لئن تركن ضميراً؛ هذا الجبل، يمنة منهن، يريد: رواحله، ليحدثن لمن ودعتهم ندم، على مفارقتي لهم، وأسف على رحيلي عنهم، يشير بذلك إلى سيف الدولة.

إذا تَرَحَّلْتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرواألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

رحل الرجل: إذا تحول عن منزله، ورحلته أنت، إذا فعلت ذلك به.

ثم قال، موجباً على سيف الدولة الملامة في رحلته، وقائماً في ذلك عن نفسه بحجته: إذا رحل الراحل عن قوم وهم قادرون على إزاحة

علته، واستقرا به بإسعاف رغبته، وأغفلوه حتى يرحل عنهم، وينقطع بالزوال منهم، فهم الذين رحلوه وأزعجوه، وحركوه وأخرجوه.

شَرُّ البِلادِ مكانُ لا صَديقَ بِهِوَشَرُّ ما يَكْسِبُ الإنْسانُ ما يَصِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الشيء يصم الشيء: إذا عابه، والوصم: الصدع، وشبه العيب في الحسب بذلك.

فيقول: شر البلاد بلاد لا يوجد فيها من يؤنس بوده، ويسكن إلى كرم فعله، وشر ما كسبه الإنسان ما عابه ووصمة، وأذله وانتقصه. يريد: أن هبات سيف الدولة

مع كثرتها، وجلالتها، وسعتها، لا تعادل تقصيره به، وإيثاره لحساده عليه.

وَشَرُّ ما قَنَصتْهُ رَاحَتي قَنَصُشُهْبُ البُزَاةِ سَوَاءُ فِيهِ والرَّخَمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الاقتناص: التصيد، والشيء المصيد قنص.

ثم قال: وشر ما ظفر به القانص، قنص يشترك فيه البزاة الشهب مع رفعتها، والرخم الساقطة مع دناءتها وضعتها، يشير إلى أن ما أولاه سيف الدولة من بره، وأظهره عليه من إحسانه وفضله، شاركه فيه من حساده أهل الغباوة، ونازعه إياه أهل العجز والجهالة.

بِأيَّ لَفْظٍ تَقُولُ الشَّعْرَ زِعْنِفَةُتَجُوزُ عِنْدكَ لا عُرْبُ ولا عَجمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الزعنفة: السقاط من الناس، وهذا الاسم مأخوذ من زعانف الجلد، وهي أطرافه وسواقطه.

فيقول لسيف الدولة: بأي لفظ تقول الشعر زعنفة، أرذال يجوزون عندك، ليسوا عرباً فصحاء فتحمدهم، ولا عجماً لكنا فتعذرهم، يترفعون عن العجم ولا يفوتونهم، ويتشبهون بالعرب ولا يلحقونهم. وهذه العبارة وإن لم تكن في لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.

هَذا عِتابُكَ إلاَّ أَنَّهُ مِقَةُقَدْ ضُمَّنَ الدُّرَّ إلاَّ أَنَّه كَلِمُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

المقة: المحبة، والكلم: جمع كلمة.

ثم قال لسيف الدولة: هذا عتابك، وهو وإن أمضك، مقه خالصة، ومودة صادقة، فباطنة غير ظاهره، كما أنه قد ضمن الدر بحسنه، وإن كان كلما معهوداً في ظاهر لفظه.

ولما أنشد هذه القصيدة وانصرف، كان في المجلس رجل يعاديه، فكتب إلى أبي العشائر على لسان سيف الدولة كتاباً إلى إنطاكية، يشرح له فيه ذكر القصيدة وأغراه به، فوجه أبو العشائر عشرة من غلمانه، فتوقفوا قريباً من باب سيف الدولة في الليل، وأنفدوا إليه رسولا على لسان سيف الدولة، وسار إليه، فلما قرب منهم، ضرب راجل بين أيديهم بيده إلى عنان فرسه، فسل أبو الطيب السيف، فوثب الراجل عنه، وتقدمت فرسه به الخيل فعبر قنطرة كانت بين يديه، فأصاب أحدهم نحرة فرسه بسهم فانتزعه، واستقلت الفرس به، وتباعد بهم ليقطعهم من مدد أن كان لهم، ورجع عليهم بعد أن فني النشاب، فضرب أحدهم بالسيف فقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف في ذراعه، فوقفوا عليه، وسار وتركهم، فلما يئسوا منه قال له أحدهم: نحن غلمان أبي العشائر، فلذلك قال:

ومُنْتَسِبٍ عِنْدي إلى مَنْ أُحِبُّهُوَلِلَّنْبلِ حَوْلي من يَديْهِ حَفيفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ومنتسب عندي إلى من أحبه»

هي خمسة أبيات قد تقدمت، وألحقت بمدح أبي العشائر، وقد كنا شرطنا على رأسها أن نشرحها هاهنا.

وعاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفياً وأقام عند صديق له، والمراسلة بينه وبين سيف الدولة، وسيف الدولة ينكر أن يكون فعل ذلك، أو أمر به، فعند ذلك قال أبو الطيب هذه الأبيات، وكتب بها إليه.

أَلاَ ما لِسَيْفِ الدَّوْلةِ اليَوْمَ عَاتباًفَدَاهُ الوَرَى أَمْضى السُّيوفِ مَضَارِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

مضارب السيف: ما تشتمل عليه حداه.

فيقول: ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتباً على، مع تأميلي له، معرضاً عني، مع استحكام ثقتي به، فداه الورى مما يكرهه، ووقاه جميعهم ما يحذره، فإنه أمضى السيوف وأنفذها، وأقطعها وأصرمها.

وَمَالي إذا مَا اشْتَقْتُ أَبْصَرتُ دُونَهُتَنائفَ لا أَشْتَاقُها وسَبَاسِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

التنائف: القفار، والسباسب: نحو ذلك.

ثم قال: ومالي إذا ما اشتقت إليه، ألفيت دونه من حجب المخافة، وعوائق المهابة، تنائف لا أشتاق مثلها، وسباسب لا أريد قطعها، وسمي تلك العوائق تنائف وسباسب، على سبيل الاستعارة، وحذف إليه من الكلام وهو ينوي ذكره، لما في الكلام من قوة الدلالة عليه.

وَقَدْ كَانَ يُدْني مَجْلسي مِنْ سَمَائهِأُحَدَّثُ فِيهِ بَدْرِها وَالكَوَاكِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

ثم قال: وقد كان قبل موجدته علي، يدني مجلسي من حضرته، التي هي السماء في رفعتها، فأحدث منه البدر بهاء وجلالة، وأحدث من جلسائه الكواكب علوا ورئاسة، وجرى على نحو ما قدمناه من الاستعارة.

حَنَانَيْكَ مَسْئُولاً وَلَبَّيْكَ دَلعياًوحَسْبي مَوْهوباً وحَسْبُك وَاهَبا

الحنان: الرحمة، وحنانيك مصدر بمعنى التحنن، ثني على سبيل المبالغة، كأن المتكلم يقول للمخاطب: تحننا بعد تحنن منك، ولبيك مصدر ثني بمعنى المبالغة أيضاً، وتأويله: مداومة على طاعتك، وهو مأخوذ من قولهم: ألب بالمكان: إذا أقام به.

فيقول لسيف الدولة: حنانيك مسئولاً صفحك، ولبيك مرجواً عفوك، وحسبي موهوباً ذلك منك، وحسبك واهباً له، ومتطولاً به.

أَهَذا جَزَاءُ الصَّدقِ إنْ كُنْتُ صَادقاًأَهَذا جَزَاءُ الكِذْبِ إنْ كُنتُ كاذباً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

الكذب: الكذب.

ثم قال لسيف الدولة: أهذا الإعراض منك جزاء الصدق إن كنت صادقاً فيما أدلى به من المعذرة، أو جزاء الكذب مع ما أظهره من استدعاء العفو والرحمة.

وإنْ كَانَ ذَنْبي كُلَّ ذَنْبٍ فَإنَّهُمَحَا الذَّنْبَ كُلَّ المَحْو مَنْ جَاَء تَائبِا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ألا ما لسيف الدولة اليوم عاتبا»

ثم قال: وإن كنت غير صادق في العذر، ومتقلداً حقيقة الذنب.

ففي ما التزمته من التوبة، واستدعيته من المغفرة، ما يمحو الذنب ويذهبه، وينسيه

ويسقطه، فالذنوب ممحوة بالتوبة، مغفورة بالإنابة والرجعة. وهذا الكلام وإن كان فيه زيادة على لفظه، فهو مفهوم من حقيقة قصده.

ودخل على سيف الدولة بعد تسع عشرة ليلة، فتلقاه الغلمان، وأدخلوه إلى خزانة الكسوة، فخلع عليه وطيب، ثم دخل على سيف الدولة، فسأله عن حاله وهو مستحيي، فقال له أبو الطيب: رأيت الموت عندك خير من الحياة بعدك، فقال له سيف الدولة: بل يطيل الله بقاءك، ودعا له، ثم ركب أبو الطيب، فأتبعه سيف الدولة خلعاً وطيباً كثيراً وهدية، فقال أبو الطيب يمدحه، ويعتذر إليه:

وأنشدها في شعبان سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.

أَجَابَ دَمْعي وَمَا الدَّاعي سِوَى طَلَلَدَعَا فَلبَّاهُ قَبْلَ الرَّكْبِ والإبْل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الطلل: ما أشرف من آثار الديار، والتلبية: الإقامة على الإجابة.

فيقول: إنه وقف بدار محبوبته، فأشجاه ما شاهده من دروس

رسومها، وتغير طلولها، واستثار ذلك حزنه، واستدعى بكاءه، فأجاب دمعه تلك الدعوة، وأسعد على تلك النية، قبل أن يجيب ذلك بعض الركب بالتأسف. وأشار إلى نفسه وبعض الإبل بالحنين، وأشار إلى ناقته، والشعراء يصفون مطاياهم بالحنين إلى ديار الأحبة، كما يصفون بذلك أنفسهم. وقد كشف أبو الطيب هذا المعنى حيث يقول:

أثْلثْ فإنّا أَيُّها الطَّلَلُنَبْكي وتُرْزَمُ تَحْتَنَا الإبلُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
ظَلِلْتُ بَيْنَ أُصَيْحابي أَكَفْكِفُهُوَظَلَّ يَسْفَحُ بَيْنَ العُذْرِ وَالْعَذَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ظللت أفعل الشيء ظلولاً: إذا أخذت فيه وأقبلت عليه. وكفكفت الدمع وغيره: إذا حاولت إمساك ذلك وصرفه، وسفح الدمع يسفح سفحاً وسفوحاً: إذا سال.

ثم قال: يصف انسكاب دمعه، واستكفافه له متستراً بوجده: ظللت أكف الدمع بين أصحابي، وصغرهم مظهراً للإعجاب بهم، والعرب تفعل ذلك، ثم قال: وظل الدمع يسفح بين ما أبسطه عندهم من العذر، وما يهدونه إلي من العذل.

أَشْكُو النَّوَى وَلَهُمْ مِنْ عَبْرَتي عَجَبُكَذاكَ كَانتْ وما أشكو سوى الكلل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النوى: البعد، والعبرة: الدمع.

فيقول: إنه يشكو نوى محبوبته وانتزاح دارها، وما يبعث ذلك من وجده بها،

وأصحابه يعجبون من عبرته، ومن بكائه وكثرته، فاستغرب عجبهم، فقال: قد كانت عبرتي على هذا الحال، ولست أشكو مانعاً دون من أحبه، إلا الكلل التي تتضمنه، والستور التي تحجبه، والدار واحد، والمنازل متجاورة، فكيف ظنكم بي، وأنا أشكو النوى التي تمنع منه، والبعد الذي يؤيس عنه؟

وَمَا صَبَابَهُّ مُشْتَاقٍ عَلَى أَمِلٍمنَ اللَّقاءِ كَمُشْتَاقِ بلا أَمِل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: وما صبابة مشتاق على أمل من لقاء من يحبه، بقرب الدار، ودنو المحل، كصبابة مشتاق لا أمل له في ذلك، لتباعد محبوبته، و، نأي داره، وانتزاح محله.

مَتَى تَزُرْ قَوْمَ مَنْ تَهْوى زِيَارَتهالا يُتْحِفُوكَ بِغَير البِيْضِ والأَسَل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

البيض هاهنا: السيوف، والأسل: الرماح، والإتحاف: الإطراف بالهدية.

ثم يقول: متى تزر قوم محبوبتك التي استقرارها فيهم، لا يتحفوك إلا بالسيوف والرماح، منتهزين لغرتك، وطالبين لمهجتك، ومستريبين لزيارتك. فدل على تعذر زيارة محبوبته، مما هي بسبيله من المنعة، وموضعها من الاعتزاز والرفعة.

والْهَجْرُ أَقْتَلُ لي مَّمِن أُرَاقُبهُأناَ الغَريقُ فَمَا خَوْفي من البَللِ

ثم قال: وهجر من أحبه أقتل لي من سلاح من أراقبه، وموقع ما أحذره من الرقيب، في جنب ما أشكوه من هجران الحبيب، كموقع البلل عند الغريق، الذي هو أقل ما يحذره، وأهون ما يخافه ويتوقعه.

ما بَاُل كُلَّ فُؤَادٍ في عَشيرتِهابِهِ الّذي بي وَمَا بي غَيْرُ مُنْتَقلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم يقول: إن محبوبته بارعة الحسن، معشوقة الدل، كل قلب في عشيرتها به الذي بأبي الطيب من حبها، فما بال ذلك لا يخفف عنه من الكلف بها؟ وما بال حبها في قلبه ثابت لا ينتقل، ومقيم لا يرتحل؟

مُطَاعةُ اللَّحْظِ في الألَحاظِ مَالكِةُلُمِقْلَتْيها عظِيمُ المُلْكَ في المُقَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم وصف موضع محبوبته من الحسن، فقال: إن ألحاظها مطاعة في الألحاظ

المعشوقة، وأنها في الحسان مالكه لا تماثل، ومقدمة لا تشاكل، وأن لمقلتيها في المقل عظيم الملك، ورفيع المنزلة والقدر.

تَشَبَّهُ الخَفراتُ الآنِساتُ بهافي حُسْنِها فَيَنْلنَ الحُسْنَ بَالحِيَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الخفرات: الحييات، والواحدة خفرة، والآنسات: الحسان الحديث، الواحدة آنسة.

ثم قال: إن الخفرات الآنسات يتشبهن بها في مشيها، ويرمن حكايتها في دلها، فيكسبهن ذلك نيل الحسن بالتحيل، والوصول إليه بالتعمل.

قَدْ ذُقْتُ شِدَّةَ أَيَّامي وّلَذَّتهافمَا حَصَلْتُ عَلَى صَابٍ وَلاَ عَسَل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الصاب: شجر مر

فيقول: قد ذقت شدة أيامي وصعوبتها، ولذتها ورفاهيتها، فما حصلت على صاب من مرها، ولا عسل من حلوها؛ لأن لذات الأيام ومكارهها منتقلة فانية، ومستحيلة زائلة، تتعاقب ولا تدوم، وتنتقل ولا

تقيم، وما كان كذلك، فليس يقطع على استكراه مرة، ولا يحتم على استعذاب حلوه.

وَقَدْ أَرَاني الشَّبابُ الرُّوح في بَدَنيوَقَدْ أَراني المَشِيبُ الرُّوح في بَدَلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: وقد صحبت الشباب مسروراً به، وأراني الروح في بدني مرتاحاً له، ثم صحبت المشيب مستكرها لصحبته، وأراني الروح في بدلي؛ بتغير أحوالي في مدته، فأشار إلى أن حقيقة أمور الإنسان أيام شبيبته وقوته، ثم يتبدل بالانتقال إلى مشيبه وكبرته.

وقد طَرَقْتُ فَتَاة الحيَّ مُرْتديابِصاحبٍ غَيْر عِزْهَاة ولا غَزلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

العزهاة: الذي لا يطرب للسماع، والغزل: الذي يحب اللهو والغزل.

فيقول: وقد طرقت فتاة الحي مرتديا بالسيف، وأشار إليه بما وصفه، فقال: إنه صاحب غير عزهاة، لا يطرب للسماع، ولا غزل يحن إلى اللهو.

فَبَاتَ بَيْنَ تَراقِينا نُدَفَّعُهُوَلَيْسَ يَعْلَمُ بالشَّكوى وَلاَ القُبَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الترقوة: العظم الذي بين المنكب وبين ثغرة النحر، وجمعه تراق.

ثم قال: فبات بين تراقينا، يشير إلى ما كان عليه من الحذر والرقبة، والتوقع والمخافة، وأنه لم يخلع السيف عن نفسه حين معانقته لمحبوبته، وأنهما كانا يدفعانه، وهو لا يعلم بالشكوى المتواصفة بينهما، وما كان يتصل بذلك من الغزل والتجميش والقبل.

ثُمَّ اغْتَدَى وَبِهِ مِنْ رَدْعِها أَثَرُعَلَى ذُؤابَتِهِ والجْفنِ وَالخِلَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الردع: أثر الخلوق، وذؤابة السيف: رأس قائمه، وذؤابة كل شيء أعلاه، وجفن السيف: غمده، والخلل: جلود منقوشة على أغماد السيوف، واحدها خلة.

ثم اغتدى، يريد: السيف، وبه آثار من طيبها ظاهرة على ذؤابته، وعلى جفنه وخلله، وهذه المواضع منه هي التي وليتها محبوبته في حين دفعها له، وإزاحتها إياه.

لا أَكْسِبُ الذَّكْرَ إلاَّ مِنْ مَضَاربهِأو منْ سِنان أَصَمَّ الكَعْبِ مُعْتَدلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

كعوب: الرمح: العقد الناشزة بين أنابيبه، والرمح الأصم الكعب: هو الذي تصلب تلك الكعوب منه وتكتنز، وتتداخل ولا تنتشر، وبذلك يعتدل خلقه، ويشتد أسره.

فيقول: لا أكسب جميل الذكر إلا من مضارب هذا السيف الذي وصفه، أو من سنان رمح أصم الكعب، معتدل المتن؛ يريد: أنه لا يكتسب الحمد إلا بجرأة نفسه، وشدة بطشه، ومشهور بأسه.

جَادَ الأَمِيرُ بِهِ لي في مَوَاهبهِفَزَاتها وَكَساني الدَّرْعَ في الحُللِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم خرج إلى مدح سيف الدولة، وذكر الهبة التي وهب له، فقال: جاد الأمير لي بالسيف في مواهبه فزانها بموضعه، وكساني الدرع في حلله، وحصني بها في خلعه فحسنها بشرفه، فأشار إلى أن ذلك لعلمه بحال أبي الطيب في الشجاعة، ومنزلته في الإقدام والصرامة.

ومن علي بن عبد الله معرفتيبجمله من كعبد الله أو كعلي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم يقول: ومن علي ومن علي بن عبد الله؛ يريد: سيف الدولة، معرفتي بحمل الرمح والطعن به، لأني لما صحبته، احتذيت حذوه في الحرب،

وامتثلت أفعاله في الطعن والضرب، ومن كعبد الله أو كعلي ابنه في شدة بأسهما، وشهرة مجدهما؟

مُعْطي الكَواعِبِ والجُرْدِ السَّلاَهب وَالْبِيِضِ القَوَاضب والْعَسَّالةِ الذُّبلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الكواعب من النساء: اللواتي نبتت ثديهن، والجرد من الخيل: التي يقصر شعر جلودها، وذلك من شواهد كرمها، والسلاهب منها الطوال، والقواضب من السيوف: القواطع الماضية، والعسالة من الرماح، المنعطفة عند هزها، والذبل: اليابسة منها.

ثم قال، يريد: سيف الدولة، معطي الكواعب المصيبات بحسنهن، والجرد المعجبات بعتقهن، وقواضب السيوف، وطوال الرماح، وأشار بوصفه، بالإكثار من هبة هذه الأصناف، إلى أنه يستصحب كماة الفرسان، وأعلام الشجعان فيعتمدهم في هباته بما يوافقهم، ويقصدهم بما شاكلهم.

ضَاقَ الزَّمَانُ وَوَجهُ الأَرْضِ عَنْ مَلِكٍمِلءِ الزَّمانِ وملءِ السَّهْلِ والجَبلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم يقول: إن سيف الدولة لغرابة أفعاله، وانفراده بالفضل في

جميع أحواله، وما يتابعه من كثرة وقائعه، ويخلده من جليل مكارمه، وظفره في جميع مقاصده؛ يحمل الزمان من ذلك ما لا يضبطه، ويكلفه ما لا يعهده، فيضيق عن فخامة قدره، ويقصر عن جلالة مجده، وكذلك تضيق الأرض عما يحملها من جيوشه، ويسير فيها من جموعه، فقد ملأ الزمان بمكارمه ومجده، وملأ السهل والجبل بكتائبه وجمعه.

فَنَحْنَ في جَذلٍ والرُّومُ في وَجَلٍوالبَرُّ في شُغُلٍ وَالْبَحْرُ في خَجَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: فنحن من الاعتزاز به في جذل دائم، والروم من التوقع له في وجل لازم،

والبر في شغل لتضايقه بجيشه، والبحر في خجل لتقصيره عن جوده.

مِنْ تَغْلبَ الغَالبينَ النَّاسَ مَنْصِبُهُوَمِنْ عَديَّ أَعادي الجُبْنِ والبَخَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

المنصب: الأصل

ثم يقول: إن سيف الدولة أصله من تغلب، هذه القبيلة التي غلبت الناس بعزها، وانقادوا في الجاهلية والإسلام لأمرها، مع أنه منها،

(هو) من بني أطواد فخرها، ومعادن مجدها؛ أعادي الجبن والبخل، والمشهورين بالبأس والفضل، وجانس بين تغلب والغالبين، وبين عدي، وأعادي الجبن، والمجانسة اتفاق اللفظ مع اختلاف المعنى، وذلك من أبواب البديع، وقد بيناه فيما تقدم.

والمَدْحُ لابِن أَبي الهَيْجاءِ تُنْجدهُبالجَاهليةِ عَيْنُ العِيَّ والخَطلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الخطل: عجلة تبعث على الخطأ، والإنجاد: التأييد والعون.

ثم قال، يريد: سيف الدولة، ويخاطب نفسه: والمدح لأبن أبي الهيجاء تنجده بأخبار الجاهلية، وما سلف له من كرم الأولية؛ عي بين، وخطل ظاهر؛ لأنه غني عن التشرف بغيره ومحرز لغاية ما يبلغه المدح بنفسه، والكرماء بجملتهم يقصرون عن أقل مكارمه، ولا يبلغون أيسر فضائله.

لَيْتَ المَدائَحَ تَسْتَوْفي مَنَاقِبَهُفَما كُلَيْبُ وَأَهْلُ الأَعْصُر الأُوَل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

كليب بن ربيعة: هو رئيس بني تغلب وسيدهم في الجاهلية، وضربت العرب المثل بعزه، فكانوا يقولون: أعز من كليب بن وائل.

فيقول: ليت المدائح تستوفي مناقيب سيف الدولة، وتأتي على ذكر مكارمه، فما كليب وسائر الملوك الأولين عند ما خلده من الفخر، وأبقاه من المكارم على وجه الدهر؟

خُذْ مَا تَراهُ وَدَعْ شَيْئاً سَمِعْتَ بَهَفي طَلْعَةَ ما يُغْنِيكَ عَنْ زُحِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال، يخاطب نفسه: خذ ما تراه من فضله، وصف ما تشاهده من مجده، ودع

شيئاً سمعت له ولم تشهده، وأخبرت به عنه ولم تبصره، ففضل سيف الدولة على الملوك كفضل الشمس على سائر النجوم، وفيه ما يغني عنهم، وهو أكرم بدل منهم، كما أن الشمس تغني عن زحل، وفيها منه كرم بدل.

وَقَدْ وَجَدْت مَكَانَ القَوْلِ ذَا سَعَةٍفإنْ وَجَدتَ لِسَلناً قائلاً فَقُلِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثم قال: وقد وجدت في سيف الدولة وما يبديه من مجده، ويتابعه من فضله، مكاناً للقول، ومجالاً واسعاً للوصف، فإن كنت ذا لسان قائل، فحسبك وصف فضائله، وذكر ما يخلده من مكارمه.

إنَّ الهُمامَ الذي فَخْرُ الأَنَام بِهِخَيْرُ السُّيوفِ بِكَفَّي خَيْرهِ الدُّولِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

خيرة: تأنيث خير، قال الله ﷿ (فيهن خيرات حسان). الواحد خيرة.

فيقول مشيراً إلى سيف الدولة: إن الهمام الذي يفخر به الفاخرون، ويلهج بذكره الذاكرون، خير السيوف المسلولة بكفي خيرة الدول المعلومة.

تُمْسيِ الأَمَانيُّ صَرْعَى دُونَ مَبْلغِهِفَمَا يَقُولُ لِشيءٍ لَيتْ ذَلَك لي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: تقصر الأماني عن بلوغ قدره، وتصغر عند جلالة أمره، وتصبح صرعى دون إدراك مجده، فما يتمنى في الرفعة أكثر مما يبلغه، ولا يحاول في الفضل ما يزيد على ما يفعله. وهذه العبارة وإن لم يأت عليها لفظه، فهي مفهومة منه، وغير خارجة عنه.

انْظُر إِذَا اجْتَمَعَ السَّيْفَانِ في رَهَجٍإِلى اخِتلافهما في الفَضْلِ والعَمَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

يقول: انظر إذا اجتمع سيف الدولة والسيف المعهود في رهج حرب، ومساجله جلاد وضرب، إلى تقصير السيف عن فعله، وتأخره عما يستبين من فضله، ومخالفته له في خلقه وعمله، وزيادته عليه في غنائه وأثره.

هَذا المُعَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ مُنْصَلِتاًأَعِدَّ هَذا لرأَسِ الفَارسِ البْطلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة: هذا المعد لريب الدهر منصلتا على خطوبه،

متجردا لكف صروفه، أعد ذلك، يريد: يريد: السيف المعهود، لرأس الفارس البطل، يضرب به ويصرفه، ويمضيه ويستعمله، ويتخذه آلة يدبرها، ويبطش على حسب إرادته بها، فأبان أن السيف وإن وافقه في الاسم، فهو مقصر عنه في حقيقة الحكم.

فالعُرْبُ مٍنْهُ مَعَ الكُدْريَّ طَائرةُوالرُّومُ طَائرةُ مِنْهُ مَعَ الحَجَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الكدري: ضرب من القطا.

فيقول: إن عصاة الأعراب لفرقهم من سيف الدولة، يعتصمون منه بما غمض من الرمال، وبعد من المهامه والقفار، وهناك تستقر القطا وتأمن، وتفرخ وتسكن، وكذلك الروم تعتصم منه بالأوعار وقنن الجبال، وتلك مواضع الحجل ومساكنها. وأشار بجمعه بين العرب والكدري، وبين الروم والحجل، إلى مستقر الطائفتين، وما إليه غاية فرار الصنفين، ودل على أن سيف الدولة لا تتعرض الأعداء لحربه، ولا يقاومون شدة بأسه، وإنما يفزعون إلى الاعتصام منه بالفوات النائية، ورؤوس الجبال الشامخة.

وما الفِرارُ إلى الأَجبالِ مِنْ أَسَدٍتَمْشي النَّعَامُ بِهِ في مَعْقلِ الوَعلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الوعول: شياهُ الجبال، واحدها وعل، ومعقلها: ما ارتفع من الأوعار.

ثم قال، مشيراً إلى الروم: وكيف ينجي الفرار إلى الأجبال من أَسد، شديد بأسه، وملك نافذ أمره، تسهل سعادته للنعام التوقل في معاقل الأوعال، حتى كأنها رمال مبسوطة، وسهول موصولة. فدل على أن سيف الدولة في قوة سعده، وتمكن أمره، لا يفوته من طلبه، ولا يمتنع عليه من قصده.

جَازَ الدُّرُوبَ إلى مَا خَلْفَ خَرْشَنَةٍوَزَالَ عَنْهما وَذَاكَ الرَّوْعُ لم يَزُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الدروب: المسالك التي تكون في الجبال الحاجزة بين بلاد المسلمين وبلاد الروم، وخرشنة: مدينة من مدائن الروم.

فيقول في سيف الدولة: إنه اقتحم بلاد الروم، وجاز إليها الدروب، وحصر خرشنة، ورحل عنها متوغلاً في بلاد الروم، فزال عنها والفزع مقيم بها، وفارقها والتوقع ملازم لها؛ لأن أهلها كانوا يحذرون سطوته، ولا يأمنون كرته.

فَكُلَّمَا حَلَمَتْ عَذْراءُ عِنْدهمُفإنَّما حَلَمتْ بالسَّبي والجَملِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: فكلما حلمت عذراء من خرائدهم، ومحجوبة من كرائمهم، فإنما تحلم بالسبي الذي تحذر وقوعه، وبالجمل الذي تتوقع ركوبه، والجمال إنما يحمل عليها العرب، ولا تعرفها الروم. فأشار إلى أن كثرة ما اجتلبه سيف الدولة على الجمال من سبيهم، ذعر محجبات نسائهم، فاشتغلت بذلك أنفسهن، ومثلته لهن أحلامهن.

إنْ كُنْتَ تَرْضى بأَنْ يُعْطُو الجِزيَ بَذَلُوامِنْها رِضَاكَ ومَنْ لِلْعُورِ بالَحَوَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال، مخاطباً لسيف الدولة: إن كنت ترضى من الروم بجزيتهم، وتتقبل ما يبذلونه لك من طاعتهم، بادروا في ذلك إلى أمرك، واحتملوا على رأيك، وأني لهم بهذه الحظة، والبلوغ إلى تلك الرتبة، مع أحاط بهم من القتل، واتصل فيهم من السبي؟ والجزية عند ذلك، كالحول. عند العور، والآفة المحتملة عند ذهاب البصر.

نَاديْتُ مَجْدَكَ في شعْري وَقَدْ صَدَرَايا غَيْرَ مُنْتَحل في غَيْر مُنْتَحلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الانتحال: الادعاء، والمنتحل من الشعر والمجد: ما ادعي فيه على غير حقيقته.

فيقول لسيف الدولة: ناديت ما خلدته من مجدك، وقيدت ذكره من مدحك، وقد تيقنت أنهما يسيران مسير الشمس، ويبقيان بقاء الدهر، يا خالصاً غير منتحل، في صادق غير منتحل.

بالشَّرقِ والغَرْبِ أَقْوامُ نُحِبُهمُفَطَالِعاهُمْ وَكْونَا أَبْلغَ الرُّسُلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: بالشرق والغرب من أحبتنا وخلصائنا وأعزتنا، من نسر بمشاركته في حالنا، ومطالعته بجملة أمرنا، فطالعاهم، وكونا في ذلك أكرم المرسلين، وأعدل

الشاهدين.

وَعَرَّفاهُم بأَنَّي في مَكَارمهِأُقَلَّبُ الطَّرفَ بَيْنَ الخَيلِ والخَوَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الخول: العبيد والحاشية.

ثم قال: وعرفاهم بأني مغمور في مكارم سيف الدولة، متصرف في فواضله، أقلب الطرف بين الخيل الرائعة، والحاشية الحافلة.

يأَيُّها المُحِسنُ المشكورُ مِنْ جِهَتيوالشُّكْرُ مِنْ قبلِ الإحسانِ لا قِبَلي

ثم يقول لسيف الدولة: يأيها المحسن بطبعه، المشكور من جهتي بما حملني من فضله، والشكر من قبل إحسانه ورفده، لا من قبلي فيما أهديه من مدحه.

مَاكانَ نَوْمي إلاَّ فوقَ مَعْرفَتيبأَنَّ رأَيكَ لا يُؤْتَي من الزّللِ

يقول: ما كان نومي في حين موجدتك، وطمأنينتي في مدة عتبك وتسخطك، إلا فوق ما كنت أتيقنه من معرفتي، بأن رأيك لا يستزله الساعون ببغيهم، ولا يحيلونه بكذبهم، وكنى بالنوم عن سكون نفسه، وتمهده لمعرفته بسيف الدولة عن حسن ظنه. فأشار إلى ما قصده ألطف إشارة، وعبر عنه أحسن عبارة.

أقِلْ أَنِلْ أَطِعْ أحِمْلْ عَلَّ سَلَّ أَعِدْزِدْ هَشَّ بَشَّ تَفَضلْ أَدْنِ سُرَّ صِلِ

ثم يقول لسيف الدولة: أقل من استنهضك من عثرته، وأنل من استعان بفضلك على قلته، وأقطع المنازل والضياع من أملك، واحمل على سوابق الخيل من استحملك، وعل وارفع قدر من اعتلق بك، وسل عن كل مفقود بما تجدده من برك، وتسبغه من فضلك، وتابع ذلك وأعده، وأدمه وجددهن وزد في غدك على ما تسلفه في يومك، وهش ورحب بمن قصدك، وأظهر البشاشة لمن اعتمدك، ودم على ما عهد من تفضيلك، وأدن الوافد عليك، وسره بمتابعة إحسانك، وصل الجميع بتطولك وإنعامك.

لعلَّ عَتْبكَ مَحْمودُ عَواقِبُهُفَرُبَّما صَحَّتِ الأَجْسامُ بِالْعِللِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: لعل ما أوجبه الواشون من عتبك، وأحدثوه من موجدتك، محمود العاقبة، مشكور الخاتمة، يفضي إلي السعادة بحسن رأيك، ويعقب الحظوة بكريم اختصاصك، فرب علة انقادت بعد شدة، وكانت سبباً لسلامة وصحة.

وَمَا سَمِعْتُ ولا غَيْري بِمُقْتدرٍأَذَبَّ مِنْكَ لِزُورِ القَوْلِ عَنْ رَجُل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

الزور: الكذب.

فيقول لسيف الدولة: وما سمعت، ولا سمع غيري، بملك مثلك، ومقتدر قبلك، يبلغ مبلغك في دفع الزور عن رجل يمتحن به، ورد الكذب عن مطالب يختلق عليه.

لأَنَّ حِلْمَكَ حِلْمُ لا تَكَلَّفُهُليس التَّكَحُّلُ في الْعَيْنينِ كالكَحَلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

ثم قال: وذلك لأن حلمك حلم قد طبعت عليه فما تتكلفه، وخصصت به، فما تتكسبه، وحسن التكحل غير حسن الكحل، وحلم التكلف غير حلم الطبع.

وما ثَنَاكَ كَلاَمُ النَّاسِ عَنْ كَرَمٍومَنْ يَسُدُّ طَرْيقَ العَارضِ الهَطِلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

العارض: السحاب، والهطل منه: الكثير المطر.

فيقول لسيف الدولة: وما ثناك عذل الناس لك، على كثرة العطاء، عن كرمك، ولا أخرجوك، بتكثيرهم عليك عن خلقك، وكيف لهم بذلك وجودك كالسحاب الهطل، الذي لا يرد وبله، ولا تسد طرقه؟

أَنْتَ الجَوَادُ بلا مَنَّ ولا كَدَرٍولا مِطَالٍ وَلا وَعدٍ ولا مَذلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

المذل: الفترة.

ثم قال له: أنت الجواد بلا من ينقص جودك، ولا كدر يعارض فضلك، ولا مطال ينازع ذلك، ولا عدة ولا تأخير ولا فترة.

أَنْتَ الشُّجَاعُ إذا ما لم يَطَأْ فَرَسُغَيْرَ السَّنوَّرِ والأَشْلاَءِ والقُللِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

السنور: السلاح، والأشلاء: بقية أجساد القتلى، واحدها شلو. والقلل: الرؤوس، واحدها قلة.

فيقول لسيف الدولة: أنت الشجاع عند اشتداد القتال، وتجالد الأبطال، وسقوط القتلى عن خيولهم، وانفصالهم عن سلاحهم، والخيل لا تطأ غير أشلائهم ورؤوسهم، وسلاحهم وجسومهم.

وَرَدَّ بَعْضُ القَنَا بَعْضَنا مُقَارَعَةًكَأَنَّهُ مِنْ نُفُوسِ القَوْمِ في جَدَلِ

ثم قال: والقنا يرد بعضه بعضاً بتخالف الطعان، وتقارع الأقران، حتى كأنه لشدة تلك المعارضة، واتصال تلك المقاومة، في جدل لا يقلع، وخصام لا ينقطع.

لاَزِلْتَ تَضْرِبُ مَنْ عَادَاكَ عن عُرُضٍبِعَاجلِ النَّصرِ في مُسْتَأْخِرِ الأَجَلِ

العرض: الاعتراض من جانب.

ثم دعا لسيف الدولة، فقال: لا زلت تضرب أعداءك معترضا لهم، وتعتمدهم مقدماً عليهم، مكنوفاً بنصر يقدمك، معصوماً بأجلِ يستأخر بك.

وأنشد أبو الطيب هذه القصيدة سيف الدولة بحضرة جماعة، فلما بلغ إلى قول أقل أنل... البيت، رأى من حضر يعد حروفه ويستكثرها، فأنشده:

أَقِلْ، أَنْل، أُنْ، صُنِ، آحمِلْ، عَلَّ، سَلَّ، أَعِدْزِدْ هَشَّ، بَشَّ، هب، اغفر، ْ أَدْنَ،
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أقل أنل أن صن احمل عل سل أعد»

سُرَّ، صِلِ

أن: بمعنى ارفق، فيقول: ارفق فيما تبدر إليه من فضلك، وصن بكرمك من يقصدك عن قصد غيرك، وتفسير سائر البيت على ما تقدم.

فرآهم يستكثرون الحروف، ويستعظمون سرعة خاطره، فقال:

عِشِ، آبْقَ، آسْمُ، سُدْ، قُدْ، جُدْمُرِ، آنْهَ، رِهْ، فِهْ، آسْرِ، نَلْ
غظ، ارم، صبِ، آحْمِ، آغْزُ، آسْبِ،رُعْ، زُع، دِ، لِ، آثْنِ، بِلْ

وريت الرجل: إذا أصبت رئته، وصب: بمعنى أصب، يقال: صاب

وأصاب بمعنى، ورع: بمعنى أخف، يقال: راع يروع، بمعنى أفزع وأخاف، وزع: بمعنى كف، وبل: بمعنى أمطر.

فيقول لسيف الدولة: عش منسياً عمرك، وآبق قريرة عينك، واسم بمكارمك، وسد بفضائلك، وقد الجيوش إلى أعدائك، وجد بعطائك على أوليائك، ومر مسموعاً أمرك، وأنه غير مخالف نهيك، وره أعداءك بظهورك عليهم؛ أي أصب رئاتهم بإيجاعك لهم، وفه لأوليائك بإحسانك إليهم، واسر إلى أعدائك بجيشك، ونل ما تبغيه بسعدك، وغظ بظهورك من يحسدك، وارم ببأسك من يخالفك، وصب من تعتمده برميك، واحم ذمارك بهيبتك، واغز الروم بجموعك، واسب بجيوشك ذراريهم، ورع بمخافتك آمنهم، وزع بوقائعك متسلطهم، وأحمل الديات متفضلا بذلك، ول الأمصار مشكوراً في ولايتك، وآثن الأعداء عنها بحمايتك، ونل عفاتك بجودك، وأمطر عليهم سحائب فضلك.

وهذا دُعَاءُ لو سَكَتُّ كُفِيتُهُلأَني سَأَلْتُ اللَّهَ فيكَ وقد فَعَلْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عش ابق اسم سد قد جد مر انه رف اسر نل»

يريد: أن جميع ما دعا به لسيف الدولة معهود منه، مضمون له، معلوم فيه، فلو

أمسك عما دعا به لكان قد كفى ذلك؛ لأنه إنما سأل الله ما قد فعله، وأعمل الرغبة إليه فيما قد مكنه.

فقال له سيف الدولة: أيمكن أكثر من هذا، فقال: نعم، ولكنه يغمض، فاستحسن سيف الدولة ومن حضر القصيدة وما جرى، وأطنبوا في ذكره ووصفه، فقال:

إنَّ هذَا الشَّعْرَ في الشَّعْرِ مَلِكْسَارَ فَهْوَ الشَّمسُ والدُّنيا فَلَكْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن هذا الشعر في الشعر ملك»

الفلك: مدار الشمس والنجوم.

فيقول: إن شعره في سائر الأشعار كالملك في الرعية؛ يعلو عليها وتتواضع له، ويكبر عنها وتصغر عنه، وإنه لحسنه وبراعة وصفه، يسير مسير الشمس، ويبقى بقاء الدهر، والدنيا له كالفلك للشمس، تشتمل على سيره، وتستنير ببراعته وحسنه.

عَدَلَ الرَّحْمنُ فيه بَيْنَنافَقَضَى باللَّفظِ لي والمَدْحِ لَكْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن هذا الشعر في الشعر ملك»

ثم قال لسيف الدولة: عدل الرحمن فيه بيني وبينك، فقضي لي بالإبداع في نظمه، وقضى لك بما تخلد من المجد في لفظه.

فإذا مَرَّ بِأْذْنَيْ حَاسِدٍصَارَ ممن كَانَ حَيَّاً فَهَلَكْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن هذا الشعر في الشعر ملك»

ثم قال: فإذا مر بأذني شاعر يحسدني، أو ملك يحسدك، صار ذلك الحاسد ممن كان حياً فأهلكه الحسد؛ لأنه لا يقوم للملك أمل في أن يدرك ما خلده لك مدحه، ولا يقوم للشاعر أمل في أن يدرك ما خلده لي نظمه.

وحضر مجلس سيف الدولة في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وبين يديه نارنج وطلع، وهو يمتحن الفرسان، فقال سيف الدولة لابن جش، رئيس المصيصة الكاتب: لا تتوهم هذا للشرب، فقال أبو الطيب ارتجالاً:

شَديدُ البُعْدِ من شُرْب الشَّمُولِتُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «شديد البعد من شرب الشمول»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.