من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني (٣)
ثم قال: ولا بد للقلب من إقدام وجراة، وجلد وشدة، ورأي راجح، وإدراك ثاقب، يدفعان الصفا بقوتهما، وينفذان فيهما بصحة نيتهما.
ثم قال: وكل طريق يأتيه الفتى ويسلكه، ويحتمل عليه ويركبه، على قدر ثبات رجله فيه وتمكنها، تتصل خطاه عند تنقلها. وهذا مثل ضربه لنفسه، وأعرب فيه عن نفاذ فعله، واخبر أن الإنسان إنما يكون تصرفه في قصده بمقدار ما يثبت عليه من صحة عقده.
وَنَامَ الخُوَيدِمُ عَنْ لَيلِنَاوَقَد نَامَ قَبلُ عَمىً لا كَرَى
وَكَانَ على قُربِنَا بَينَنامَهَامِهُ مِن جَهلِهِ والعَمَى
الخويدم: تصغير خادم، وهو العبد المحبوب، والكرى: النوم، والمهامة: القفار، الواحد مهمه.
(فيقول) مشيرا إلى كافور، وصغر أسمه على سبيل الاحتقار له: ونام الخويدم عما أنفذناه في ليلنا، وأحكمناه من امرنا، في خروجنا عن ارضه، ونقصنا لما
حاوله في جهتنا من مكره، وقد نام قبل ذلك جهلا بما نديره، وعمى عن معرفة ما نقصده، لا نوم حقيقة تغلبه على عقله، وتمنعه من التبيين لأمره.
ثم قال: وكان مع قربنا منه في رأي العين، واتصالنا به على ظاهر الحال، يبعد عنا بجهله، ويعمى عما يديره بقصر عقله، حتى كان بيننا وبينه مهامه لا تسلك، لبعد غايتها، وفلوات لا تعبر، لطول مسافتها.
لَقَدْ كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيَّ أَنَّالرُّؤُوسَ مَقَرُّ النُّهى
فَلَمَّا نَظَرْتُ إلى عَقلِهِرَأيتُ النُّهَى كُلَّها في الخُصَى
النهى: العقل، وهو جمع نهية، والنهية: ما ينتهي في الأمور.
فيقول، وهو يشير إلى كافور: ولقد كنت أحسب قبل مشاهدة الخصي، أن الرؤوس تضم العقول وتجمعها، وتشتمل عليها وتتضمنها.
ثم قال: فلما خبرت كافورا في جملة أمره، وتبينت ما هو عليه من قصر عقله، علمت أن الخصى معدن العقول، وأن عليها مدار التحصيل، فمن عدمها فلا تحصيل له، ومن فقدها فلا يظن شيء من العقل به.
وَمَاذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ وَلكِنَّهُضَحِكٌ كَالبُكَا
بِهَا نَبطِيٌّ مِنْ أهلِ السَّوادِيُدَرِّسُ أَنسَابَ أهلِ الفَلاَ
وَأسوَدُ مِشفَرُهُ نِصفُهُ يُقالُلَهُ أنتَ بَدرُ الدُّجَى
النبط: صنف ن العجم ينزلون سواد العراق، واحدهم نبطي، وأراد ها هنا الوزير ابن حنزابة، وهو جعفر بن الفضل بن الفرات، وكان على بنت الإخشيد مولى كافور، فعرض به، ونسبه إلى أصله، بنو الفرات من أعقاب من أسلم من النبط. والفلا: جمع فلاة، وهي الأرض المقفرة، والمشفر: الشفة الضخمة، استعارها لكافور من الجمل؛ لأن المشفر من الجمل كالشفة من الرجل.
فيقول: وماذا بمصر من الأمور المضحكة، والأعاجيب المستغربة، وأن كان ذلك
الضحك كالبكاء عند النظر والتبين، والإحتمال على حقيقة التأمل.
ثم قال، وهو يريد ابن حنزابة، وكان مولعا بتتبع أنساب العرب: بها نبطي من أرض السواد قد جعل مطالعة أنساب العرب علمه، وقصر على الاعتناء بها نفسه، فهو يدرس أنساب أهل البادية ويتعلمها، ويبحث عنها بجهده ويتفقدها، والعرب ليسوا من صنفه، والاعتناء بأنسابهم ليس من شأن مثله.
ثم قال: وبها من كافور مدبر أمرها، ومصرف ملكها، أسود، مشفره لعظمه نصف جسمه، وبصر الناظر إليه تقذى لقبحه، وهو مع ذلك يغالط في امره، ويكذب عن نفسه، ويقال له: أنه إنما يماثل البدر في الحسن والبهجة، ويساويه في العلو والرفعة.
وَشَعرٍ مَدَحتُ بِهِ الكَركَدَنَبَينَ القَريضِ وَبَينَ الرُّقَى
فَمَا كَانَ ذلِكَ مَدحَاً لَهُوَلكِنَّهُ كان هَجوَ الوَرَى
وَمَنْ جَهِلَتْ نَفسُهُ قَدرَهُرَأى غَيرُهُ مِنهُ ما لا يَرَى
الكركدن: دابة تكون بأرض الهندن مستشنعة الصورة، متفاوتة الخلق، شبه بها كافورا في اضطراب خلقه، وتناهي قبحه، والقريض: الشعر، والرقى: جمع رقية، وهي المعاذة.
فيقول: ومن أعاجيب مصر شعر مدحت به كافورا، الذي هو كالكركدن في قبح صورته، واستكراه العيون لطلعته، وكان ذلك الشعر بين القريض فيما ظاهرت به من مدحه، وبين الرقى فيما استدفعت به من شره.
ثم قال: فما كان ذلك مدحا خلصته له، ولا ثناء أعتد به، ولكنه كان هجوا للورى بجملتهم، واستهجانا لهم بكليتهم، إذ صار مثله فيهم ملكا يغتنم قصده، ومرجوا يؤمل رفده.
ثم قال على سبيل المثل، مشيرا إلى ما كافور عليه بن الجهل لنفسه، والغلط في
مبلغ قدره: ومن جهل نفسه، وتعدى طوره، رأى الناس من أمره ما لا يراه ولا يدركه، وبدا لهم فيه ما لا يبين لهم فيه ولا يعرفه، وكذلك كافور يجهل محله من الدناءة والخسة، ويظن أنه بموضع من الجلالة والرفعة، والناس بما يجهله عالمون، وهم لما يظنه مكذبون.
وقال أيضاً:
وأَسْوَدٌ أَمَّا القَلبُ مِنهُ فَضَيِّقنَخِيبٌ وَأَمَّا بَطنُهُ فَرَحِيبُ
يَمُوتُ بِهِ غَيظَاً على الدَّهرِ أَهلُهُكَمَا مَاتَ غَيظَاً فَاتِكٌ وَشَبِيبُ
النخيب: الضعيف، وهو فعيل بمعنى مفعول، وفاتك: هو فاتك الإخشيدي الذي رثاه أبو الطيب وامتدحه، وشبيب (هو) ابن جرير العقيلي الذي خرج في الشام على كافور، وهلك بدمشق في خروجه ذلك، ونظم في أمره أبو الطيب قصيدة.
فيقول، وهو يريد كافورا: (وأسود أما القلب منه فضيق)، بعدم حلمه، نخيب لتمكن جبنه، إلا أن بطنه رحيب، لا تكاد يده تشبعه، ولا الكثير من الأكل يقنعه.
ثم قال: يموت أهل الدهر غيظا به وكمدا، وتنقطع أنفسهم استكراها له وأسفا، كما مات من ذلك شبيب وفاتك، مع موضعهما من الكرم، ورغبتهما في إسداء النعم.
أَعَدْتُ على مَخصَاهُ ثُمَّ تَرَكتُهُيُتَبِّعُ مِنِّي الشَّمسَ وَهِيَ تَغِيبُ
إذا ما عِدِمتَ العَقلَ والأَصلَ والنَّدَىفما لِحَيَاةٍ فِي جَنَابِكَ طِيبُ
الجناب: الناحية.
فيقول: أعدت الخصاء عليه؛ لنقضي لأمره، وإبطالي لمكره، واجتنابي لأرضه، وتركته فيما عاناه من طلبي، وحاوله من توجيه خيله على أثري، كمن يتبع الشمس عند غروبها، ويريد أن يلحقها في حين مغيبها.
ثم قال يخاطبه: إذا ما عدمت بعبوديتك كرم الأصل، وبعدت بجهالتك عن وفور العقل، ولؤمت بطبيعتك، وكرهت كل جميل بخليقتك، فما للحياة في جنابك طيب تسكن النفوس إلى موضعه، وتستلذ ما تباشر من تطعمه.
وقال، وأراد بها سيف الدولة:
فَارَقتُكُمْ فإذا ما كَانَ عِندَكُمُقَبلَ الفِرَاقِ أَذَّى بَعدَ الفِراق يَدُ
إذا تَذَكَّرْتُ ما بَيِني وَبَينَكُمُأَعَانَ قَلبِي على الشَّوقِ الذي أَجِدُ
فيقول لسيف الدولة: فارقتكم فإذا ما كان أذى عندكم، ومكروها في حين إلمامي بكم، قد صار يدا بعد مفارقتكم، وإنعاما في حين مباعدتكم، فإذا تذكرت عقوقكم الذي كنت أتألمه، وتقصيركم بي الذي كنت أتكرهه، أعان ذلك قلبي على الوجد الذي أجده في التباعد منكم، والأسف الذي أضمره على الانفصال عنكم.
نزل أبو الطيب في سفره إلى الكوفة بحسمي، وطابت له فأقام بها شهرا، وكان بطيف به رجل من طيّء يقال له وردان، فأفسد عليه غلمانه، وكانوا ينقطعون إلى بيته، فوافق غلاما منهم كان أشدهم، على أن يحتال على أبي الطيب، ويسرق سيفا له كان عليه حلية ذهب، فوافق الغلام رفيقا له وأعطاه السيف، واستوى على ظهر فرسه، وأراد الغلام أن يأخذ فرس أبي الطيب، وكان نائما على مقوده، فأنتبه أبو الطيب وأنكر أمر الغلام، فضرب وجهه بالسيف، فرمى برأسه، وأفلت الغلام الآخر بالسيف على الفرس في جوف الليل، فقال أبو الطيب:
لَحَا اللَّهُ وَردَانَاً وَأُمَّاً أَتَتْ بِهِلَهُ كَسبُ خِنزيرٍ وَخُرطُومُ ثَعلَبِ
فَمَا كَانً مِنهُ الغَدرُ إلاَّ دَلاَلَةًعَلى أَنَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمِّ والأَبِ
إذا كَسَبَ الإنسَانُ مِنْ هَنِ عِرسِهِفَيا لُؤمَ إنسَانٍ ويا لُؤمَ مَكسَبِ
لحا الله: بمعنى أهان وأبعد، والهن: كلمة تستعمل في الكناية، وأراد بها ها هنا الفرج، وكسب الخنزير العذرة، لأنه يتقوت بها ويحرص عليها، حكى ذلك المؤلفون في الحيوان، وخرطوم الثعلب: ما يتناول به مأكوله، والخراطيم للسباع كالمشافر للإبل والجحافل للخيل.
فيقول: لحا الله وردان وأمحقه، وأهانه وأبعده، ولحا أما ولدته، وحاملة وضعته، فإنه لا يرتفع عن الخنزير في لؤم كسبه، ولا عن الثعلب في دناءة مطعمه، وأشار إلى ما استجازه وردان من سرقته، وما رضي به من الدناءة في وجهته.
ثم قال: فما كان ما عاملني من غدره، وما أشرفت عليه من مذموم فعله، إلا دلالة قاطعة، وشهادة صادقة على أن ذلك اللؤم أورثته إياه أمه بقبح اتصالها بأبيه، وبعدها عن الولادة الصالحة فيه.
ثم قال مشيرا إليه، وإلى ما تقدم من إفساد وردان لغلمانه عليه: إذا كسب الإنسان من هن عرسه، وسهل مثل هذه الفعلة المذمومة على نفسه، فيا لؤم ذلك الإنسان، وأبعد إليه مثله، ولا مرحبا به، وقبح الله فعله.
أَهذا اللُّذَيَا بِنتُ وَردَانَ بِنتُهُهُما الطَّالِبانِ الرَّزقَ مِن شَرِّ مَطلَبِ
لَقَدْ كُنتُ أَنفِي الغَدرَ عَنْ تُوسِ طَييءٍفَلا تَعذُلاني رُبَّ صِدقٍ مُكَذَّبِ
اللذيا: تصغير الذي، والتوس: الأصل.
فيقول، وهو يشير إلى وردان، ويخبر عن أبنته: أهذا وردان الذي بنت وردان بنته، وهي الموصوفة بأقبح الصفة، المشهورة بقلة العفة، التي تطلب مع أبيها الرزق من أخبث مطالبه، ويسلكان إليه الأم طرائقه.
ثم قال: لقد كنت قبل ما خبرته من وردان أنفي اللؤم عن طييء هذه القبيلة وأصلها، وأظن الجميل بها في أوائلها ونسلها، فأنا الآن أوجب ما نفيته، وأصدق ما كذبته، ورب صدق لم يتبينه السامع فأنكره، ولا وقف على حقيقته فدافعه.
وقال أيضا:
فَإنْ تَكُ طَيِّيءٌ كانَتْ لِئَامَاًفَألأَمُها رَبيعَةُ أَوْ بَنُوهُ
وإِنْ تَكُ طَيِّيءُ كانَتْ كِرَامَاًفَوَردَانُ لِغَيرِهِمُ أَبُوهُ
بنو ربيعة بن جرول: قبيلة من قبائل طييء، كان منهم وردان الذي هجاه أبو الطيب.
فيقول: أن طيئا، هذه القبيلة، أن كانوا لئاما متحققين باللؤم، أدنياء مقصودين بالذم، فألأمهم ربيعة الذي وردان منهم، ومن نسله أو بنوه الذين شركهم وردان في أصله.
ثم قال: وأن كانت طييء كراما لا ينكر فضلهم، خيارا لا ينتقص مثلهم، فوردان كاذب فيما يدعيه من ولادتهم، مبطل فيما ينسب إليه من قرابتهم.
مَرَرَنا مِنهُ حِسمَى بِعَبدٍ يَمُجُّاللُّؤمَ مَنخِرُهُ وَفُوهُ
أَشَذَّ بِعرسِهِ عَنِّي عَبيدْيفَأَتْلَفَهُمْ وَمالي أَتْلَفُوهُ
فَإنْ شَقِيَتْ بِأَيدِيِهِمْ جِيَادِيلَقَدْ شَقِيَتْ بِمُنصُلِيَ الوجُوهُ
حسمى: موضع معروف، ومج الرجل الشراب: إذا رماه من فيه، وأشذ: فرق، والعرس: الزوج، والجياد: الخيل، والمنصل: السيف.
فيقول، وهو يريد وردان: مررنا منه في حسمى، هذا الموضع، بعبد، فيما شاهدناه من فعله، دنيء لا تحسن العروبية بمثله، يمج منخره وفوه اللؤم، لقبح خليقتهما، ويشهدان به عليه لما يظهرانه من هجنتهما.
ثم قال مشيرا إليه: أشذ عني عبيدي بما أباحهم من عرسه، وأتلفهم وأتلف مالي بما استجازه من قلة الصيانة لنفسه.
ثم قال: فإن شقيت جيادي بإباق عبيدي بها، وعدمتها بما حملهم وردان عليه من الانتهاب لها، لقد شقيت بسيفي من العبيد وجوههم، ولقد فللت بمن قتلت منهم عديدهم.
وقال في العبد الذي قتله:
أَعْدَدتُ لِلغادِرِينَ أَسيَافاً أَجدَعُمِنهُمْ بهنَّ آنافَا
لا يَرحَمُ اللَّهُ أَرؤُسَاً لَهُمُأطرنَ عَنْ هَامِهنَّ أَقحَافا
ما يَنقِمُ السَّيفُ غَيرَ قِلَّتهِمْوأَنْ تضكُونَ المِئُونَ آلافَا
الجدع قطع الأنف والأذن، والهام: الرؤوس، الواحد هامة، والأقحاف: أعالي الجماجم، الواحد قحف، ونقم: بمعنى أنكر.
فيقول مشيرا إلى قتله العبد الذي حاول الغدر به: أعددت لمن أراد الغدر بي أسيافا صارمة، وعزائم قوية نافذة، وأجدع بتلك السيوف أنوفهم، وأقرب بتلك العزائم حتوفهم.
ثم قال داعيا عليهم: لا يرحم الله أرؤسا لهم اعتقدت الغدر، وأساءت الفعل، فأوجبت بذلك إطارة أقحافها، وتعرضت لما أفضت إليه من إهلاكها وإتلافها.
ثم قال: ما ينكر السيف إلا أنهم قليل لا يدرك بهم رغبة، يسير لا يلحقهم بمثلهم بغية، وبوده أن المئين منهم آلاف متكاثرة، وجماعات مترادفة.
يا شَرَّ لَحمٍ فَجعتُهُ بِدَمٍ وَزَارَلِلخَامِعَاتِ أَجوافَا
قَدْ كُنتَ أُغنِيْتَ عَنْ سُؤالِكَ بيمَنْ زَجَرَ الطَّيرَ لي وَمَنْ عَافَا
وَعَدْتُ ذَا النَّصلَ مَن تَعرَّضَهُوَخِفْتُ لَمَّا اعتَرَضْتَ إخلافَا
الخمع: العرج، والخوامع: الضباع، وهي توصف بالعرج، وزجر الطير: التفاؤل بها، والعيافة: التكهن على سبيل الزجر، والنصل: السيف.
فيقول مشيرا إلى العبد الذي قتله. يا شر لحم فجعته بسيفك دمه، وإعدام نفسه، فزار أجواف الضباع، وأصبح من أقوات السباع.
ثم قال، وهو يريده: قد كنت أغنيت عن أن تسأل بي غيرك، وأن تغالط في نفسك بما سلف لك معي من طول الصحبة، وما توليته لي من قديم الخدمة، ثم رجع إلى الاستفهام على سبيل التعجب، فقال: من زجر الطير لي مع ما كان عليه في جهتي
من ثابت المعرفة، ومن تولى العيافة في أمري مع ما سلف له من قديم التجربة.
ثم قال: وعدت سيفي بأعماله فيم ن تعرض له، وإمكانه ممن تمرس به، ووجلت لما اعترضني هذا العبد أن أخالف السيف فيما وعدته، ولا أنفذ له ما قد شرطته.
لا يُذْكَرُ الخَيرُ إن ذُكِرتَ ولاتُتبِعُكَ المُقلَتَانِ تَذرافَا
إذا أمرُؤٌ راعَنِي بِغَدرِتَهِأَورَدْتُهُ الغَايَةَ التي خَافَا
التذراف: انحدار الدمع من العين.
فيقول، وهو يريد العبد الذي قتله: لا يذكر الخير عندما يعن من ذكرك، ولا يتأخر الذم عنك بما قدمته من غدرك، ولا تتبعك المقلتان تذراف الدمع، ولا تظهر عليك شيئا من الحزن.
ثم قال: إذا امرؤ فاجأني وحاولني بمكروه فعله، لقيته القتل فصار إلى ما كان يتخوفه، وجاريته به فأفضى إلى ما كان يتوقعه.
وقال في طريقه:
بُسَيطَةُ مَهلاً سُقِيتِ القِطارَاتَرَكْتِ عُيونَ عَبِيدي حَيَارَى
فَظَنُّوا النَّعَامَ عَلَيكِ النَّخيلَوَظَنُّوا الصِّوارَ عَلَيكِ المَنَارَا
فَأمسَكَ صَحبِي بِأكوَارِهموَقَدْ قَصَدَ الضِّحكُ فِيهمْ وَجَارَا
بسيطة: فلاة معروفة، والقطار: جمع قطر، والصوار: القطيع من بقر الوحش، والمنار: الصوامع، واحدتها منارة، والأكوار: الرحال، والقصد: الاستقامة في الشيء، والجور: الخروج فيه عن الواجب.
فيقول مخاطبا للفلاة: بسيطة مهلا! فيما كلفتنا من السير، ولازمتنا به من قلة النوم، فقد تركت عيون عبيدي حيارى في نظرها، غير متحققات للمرئيات عند تأملها.
ثم قال: فظن عبيدي عليك (أن) النعام نخيل؛ بما توالى عليهم من السير، وأن بقر الوحش صوامع؛ بما أتصل لهم من طول السفر. وأشار إلى أنهم يتمنون الخروج من تلك الفلاة إلى القرى المعمورة، لتطاولها عليهم، فكانوا يظنون نعامها نخيلا، وبقرها الوحشية منارا.
ثم قال: فأمسك صحبي بأكوارهم معتصمين بها، وعولوا عليها ملتزمين لها، وقد أخذ الضحك فيهم بحظه، وتجاوزوا فيه إلى أكثر مما عهد من أمره، وأشار بما ذكر إلى أنهم كاد أن يسقطهم الضحك عن رواحلهم، وأن يخرجهم بغلبته عن مواضعهم.
ونجم ناجم من بني كلاب، وسار إلى الكوفة، فخرج إليه أهلها، وكان فيمن خرج إليه أبو الطيب، وجرى بينهم طراد، فانهزم الخارجي ومن معه من بني كلاب، وجرد الديلمي دلير بن يشكروز إلى الكوفة ومعه جيش، فصادف القوم وقد انهزموا، فواصل أبا الطيب وأنفذ إليه ثيابا من الديباج الرومي والخز والدبيقي، وقاد إليه فرسا بمركب ثقيل، فقال أبو الطيب يمدحه، أنشده في سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة.
كَدَعواكِ كُلٌّ يَدَّعِي صِحَّةَ العَقلِوَمَنْ ذَا الَّذي يَدري بِمَا فِيهِ مِنْ جَهلِ
لَهِنّضكِ أَولَى لاَئِمٍ بِمَلامَةٍوَأَحوَجُ مِمَّنْ تَعذِلِينَ إلى العَذلِ
تَقُولِينَ ما في النَّاسِ مِثلَكَ عَاشِقٌجِدِى مِثلَ مَنْ أَحبَبتُهُ تجِدِي مِثلِي
لهنك: كلمة إضمار ومخاطبة معناها: لأنك، فأبدلوا الهاء من الهمزة، كما قالوا: هراق وهم يريدون أراق، وأدخلت لام الإخبار على ذلك.
فيقول مخاطبا لعاذلته، ومشيرا إلى لائمته: مثل الذي تدعينه أيتها العاذلة من صحة العقل، وتظنينه في عذلك من صواب الفعل، يدعيه كل ذي رأي سواك ويعتقده، وكل ذي مذهب يتخيره ويلتزمه، ومن ذا الذي يشعر بمقدار جهله، وينظر بعين الحقيقة من نفسه؟!.
ثم قال: لهنك أيتها العاذلة أحق اللائمين بالملامة، وأبعدهم عن طرق الإصابة، وأحوج إلى العذل من الذي تقصدينه بعد ذلك وتعتمدينه بلومك.
ثم قال مشيرا إليها: تقولين لي ما في الناس عاشق على مثل بصيرتك، ولا محب يحتمل على طريقتك، وقولك في ذلك لا يدفع عن الصدق، ورأيك لا يعدل عن الحق، فجدي مثل من أحببته في جلالة القدر، تجدي مثلي فيما بلغته من الحب.
مُحِبٌّ كَنَى بالبِيضِ عَنْ مُرهَفَاتِهِوَبالحُسنِ في أَجسَامِهِنَّ عَنِ الصَّقلِ
وَبِالسُّمرِ عَنْ سُمرِ القَنَا غَيرَ أَنَّنيجَنَاهَا أَحبَّائِي وَأَطرَافُهَا رُسلي
المرهفات: السيوف، والقنا: الرماح، وجنى الشجرة: (اجتنى) ثمرتها، ويستعار
ذلك في كل ما ترتقب فائدته.
فيقول لعاذلته: والمثل الذي أشير لك إليه؛ هو محب يكنى بالبيض عن مرهفات سيوفه عند ذكرها، وبالحسن في أجسامهن عما يعجب به من صنيعها وصقلها.
ثم قال: ويكني بالسمر عن سمر رماحه كلفا بها، ويجعل ما يظهره من الشغف خالصا لها، ويعتقد أن ما يجتنيه بتلك الرماح، كالأحباب الذين ينحو نحوهم، ويجعل أطرافها إليهم، الرسل الذين يستحفظهم أمرهم.
عَدِمتُ فُؤادَاً لَم تَبِتْ فيهِ فَضلَةٌلِغَيرِ الثَّنَايَا الغُرِّ والحَدَقِ النُّجلِ
فَمَا حَرَمَتْ حَسنَاءُ بالهَجرِ غِبطَةًوَلا بَلَّغَتها مَنْ شَكَا الهَجرَ بالوَصلِ
الثنايا من الأسنان: معروفة، والغر: البيض، والأعين النجل: الواسعة.
فيقول: أعدمني الله قلبا (لا) تكون فيه فضلة عن الاشتغال بالحب، والتصرف في أسباب لعشق، والكلف بحسان النساء، ذوات الثنايا الغر الواضحة، والعيون النجل الفاترة، ولا مرحبا بقلب ينزع من الأمور إلى أرفعها، ويحن من منازل الشرف إلى أجلها وأكرمها.
ثم أكد ما دقمه، فقال: فما حرمت حسناء بهجرها غبطة يتشرف المحروم بنيلها، ولا منعته كرامة ترتفع منزلته بإدراك مثلها، ولا بلغت إلى ذلك من شكا هجرها بما تبذله من الوصل، ولا من ألم لبعدها بما تسمح له به من القرب.
ذَرِينِي أَنَلْ ما لا يُنَالُ مِنَ العُلاَفَصَعبُ العُلاَ في الصَّعبِ والسَّهلُ بالسَّهلِ
تُريِدينَ لُقيَانَ المَعَالِي رَخيصَةًولا بُدَّ دُونَ الشَّهدِ مِنْ إبَرِ النَّحلِ
حَذَرْتِ عَلَينَا المَوتَ والخَيلُ تَدَّعِيولم تَعلَمِي عَنْ أَيِّ عَاقِبَةٍ تُجلِي
اللقيان: لغة في اللقاء، وإبرة النحل: التي تلدغ بها، وكذلك إبرة العقرب، وجمعها: إبر، والإدعاء في الحرب: الانتساب على طريق الافتخار وطلب الاشتهار، والإجلاء: الكشف.
فيقول مشيرا إلى عاذلته: ذريني لأنال من العلا ما يصعب نيله، وأدرك منها ما لا يقرب مثله، فليس يدرك من المعالي ما تجل قيمته، إلا بتكلف ما تعظم مشقته، وما كان منها يقرب تناوله، فبحسب ذلك يكون تسافله.
ثم قال مخاطبا لها: تريدين أن ألقى المعالي وادعا غير متمون، وأدركها ريحا غير متكلف، ولابد دون الشهد والتلذذ بتطعمه من لدغ إبر النحل، والتحمل لألمه.
ثم قال، وهو يريد عاذلته، وأشار إلى الوقعة التي شهدها عند وروده الكوفة، حذرت علينا الموت، والحرب تسعر، والفرسان في غمراتها تدعي وتفتخر، ولم تعلمي ما أجلت عنه من الظهور والغبطة، وما أعقبت به من الكرامة والرفعة. وأشار إلى تشكره له دلير بن يشكروز من اشتهاره في تلك الحروب، وما قارضه به من الإحسان والبر.
وَلَسْتُ غَبِينَاً لَو شَرَبْتُ مَنِيَّتيبإكرامِ دِلِّيرَ بنِ يَشكَرَوَزَ لِي
تَمُرُّ الأَنَابِيبُ الخواطِرُ بَينَنَاوَنَذكُرُ إقبَالَ الأَميرِ فَتَحْلَو لِي
وَلَو كُنتُ أَدرِي أَنَّها سَبَبُ لَهُلَزَادَ سُرورِي بالزِّيَادَةِ في القَتْلِ
الغبين: المغبون، وهو فعيل بمعنى مفعول، كما يقال قتيل بمعنى مقتول، وشريت الشيء، بعته، وشريته: ابتعته، وأراد هاهنا الابتياع، والأنابيب: ما بين كعوب القناة، واحدها: أنبوب، وأشار بها إلى الرماح.
فيقول: ولست مغبونا لو ابتعت المنية مغتبطا بها، ولقيتها غير متكره لها، جزاء بما أولاني دلير بن يشكروز من كرامته، ومقارضة لما خصني به من ملاطفته.
ثم قال مشيرا إلى الوقعة التي شهدها بالكوفة، وكانت سبب قدوم دلير بن يشكروز على الناحية: تمر بيننا أنابيب الرماح التي استعملناها في المطاعنة، وضربناها فيما عانيناه من المقاتلة، ونذكر ما يدعو ذلك إليه من قدوم الأمير دلير بن يشكروز، فيحلو لي لنا من ذلك ما مر طعمه، ويحسن عندنا منه ما يستكره أمره.
ثم قال: ولو كنت أدري دراية تيقن أن ما باشرته في تلك الوقعة سبب إلى قربه، وموجب للنظر إلى وجهه، لزاد سروري بوفور حظي من القتل الذي كنت أحذره، واقتحامي على الهلاك الذي كنت أتوقعه.
فَلا عَدِمَتْ أَرضُ العِراقَينِ فِتنَةًدَعَتكَ إليها كاشِفَ الخَوفِ والمَحْلِ
ظَلِلْنَا إذا أَنبَى الحَدِيدُ نُصولَنَانُجَرِّدُ ذِكرَاً مِنكَ أَمضَى مِنَ النَّصلِ
وَنَرمي نَواصِيهَا مِنِ أسمِكِ في الوَغَىبِأَنفَذَ مِنْ نُشَّابِنَا وَمِنَ النَّبلِ
المحل: الجدب، والعرقان: الكوفة والبصرة، والعراق: شاطئ، ولذلك سميتا، والنصول: السيوف، ونبوها: تأخرها عن النفاذ في القطع، والوغى: أصوات المقاتلين في الحرب.
فيقول مخاطبا لدلير: فلا أعدم الله العراق فتنة قدمت بك إلى أرضها، وصيرتك مدبرا لأمور أهلها، فأنت كاشف الخوف عنها بهيبتك، وبركة سياستك، وصارف المحل بكرمك وجود راحتك.
ثم قال يخاطبه: ظللنا في الوقعة التي قدمت على أثرها إذا نبت السيوف بأيدينا عند المجالدة، وعليها كثرة (جنن) أعدائنا المتظاهرة، نجرد فيهم من ذكرك ما هو أنفذ من السيوف الصارمة، وأشد عليهم من النصول الماضية.
ثم قال، وهو يريده: ونرمي من أسمك نواصي الخيل التي نستقبلنا، ونراكب الفرسان التي تعترض لنا، بأنفذ من نشابنا، وأمضى ما نستعمله من سلاحنا. يريد أنه كان تداعيهم في تلك الحرب باسمه، وإجلابهم على المقاتلين لهم بذكره، أنفذ مما رموه من النشاب عن القسي العجمية، ومما رموا به من نبلهم عن القسي العربية، والنبل: سهام العرب، وصاحبها نابل ونبال، وسائر سهام العرب النشاب. قال الأعشى وهو يذكر عجم الفرس في يوم ذي قار:
لَمَّا أَمالوا إلى النُّشاب أَيدِيَهُمْمِلْنَا بِبِيضٍ فَظَلَّ الهَامُ يُختَطَفُ
وقال الفند الزماني:
وَنَبلي وقفاها كعراقيبِقَطىً طِحِلِ
وقال أمرؤ القيس:
وَلَيسَ بِذي سَيفٍ وَلَيسِ بِنَبَّالِ
هذا المعروف الغالب، وإليه أشار أبو الطيب حين فرق بين النشاب والنبل.
فَإنْ تَكُ مِنْ بَعدِ القِتَالِ أَتَيتَنافَقَدْ هَزَمَ الأَعدَاَء ذِكرُكَ مِنْ قَبلِ
وما زِلْتُ أَطوَي القَلْبَ قَبلَ اجتمَاعِنَاعَلَى حاجَةٍ بَينَ السَّنَابِكِ والسُّبلِ
ولو لم تَسِرْ سِرْنَا إليكَ بأَنفُسٍغَرائِبَ يُؤثِرونَ الجِيادَ على الأَهلِ
وَخَيلٍ إذا مَرَّتْ بِوَحشٍ وَرَوضَةٍأبَتْ رَعيَها إلاَّ وَمِرجَلُنَا يَغلِي
السنابك: مقادم حوافر الخيل، واحدها: سنبك، والسبل: الطرق، واحدها سبيل، والجياد: الكرام، والمرجل: القدر.
فيقول مخاطبا لدلير: فأن كنت أتيتنا على عقب وقعتنا، ولم تشهد ما قصدت له من نصرتنا، فلم نهزم أعداءك قبل ورودك إلا بذكرك، ولا أظهرنا إلا ما أحاط بنا من سعدك.
ثم قال: وما زلت قبل اجتماعي بك، وما حصلت عليه من المشاهد لك، أطوي القلب على نية في قصدك، وحاجة من النهوض إلى أرضك، قضاؤها والوفاء بها مكتسب بين سنابك الخيل التي تستعمل ركضها، ومناهج الطرق التي تستأنف قطعها.
ثم قال: ولو لم تسر نحونا لبادرنا إليك مسرعين، وليممنا أرضك متسابقين، بأنفس غرائب تؤثر الجياد على الأهل، ولا تأنس إلا بما يوفر حظها من الفضل.
ثم قال: وكنا نقصدك بخيل كرام لا يستنكر سبقها، عتاق لا يستكره خلقها، إذا عنت لها سوانح الوحش، وأحاطت بها خمائل الروض، أبت أن تطمئن راتعة،
وتستقر وادعة، حتى تدرك بها ما تحاوله من الوحش، فنخضب فيما نعفره بعدوها، كإخضابها فيما تستقبله من رعيها.
وَلَكِنْ رَأَيتَ الفَضْلَ في القَصدِ شِركَةًفكانَ لَكَ الفَضلانِ بِالقَصدِ والفَضلِ
وَلَيسَ الذي يَتَّبَّعُ الوَبلَ رائِداًكَمَنْ جَاَءهُ في دارِهِ رائِدُ الوَبلِ
وَما أَنا مِمَّنْ يَدَّعِي الشَّوقَ قَلبُهُوَيَحتَجُّ في تَركِ الزِّيارَةِ بالشُّغلِ
الشركة: لغة في الشركة، والوبل: المطر، والرائد: الذي يرسله القوم ليطلب لهم الكلأ.
فيقول مشيرا إلى دلير: ولكنك رأيت القصد لمن يعتقد قصدك، ومن أجمع على الرحلة نحوك، تشريكا بين ضربين من الفضل، واستكمالا لنوعين مشكورين من الفعل، فكان لك الفضل لما تكلفته من قصدك، وأكدت ذلك بما قرنته من إنعامك وفضلك.
ثم قال: وليس الذي يتبع الوبل مقتفيا لأثره، متكلفا للرحلة إلى كلأه، كمن جاءه الوبل وهو ناظر في منزله، وأحاط به الخصب وهو متودع في موضعه، أن فضل دلير كان مضاعفا؛ لأنه كفاه مؤونة الرحلة، وأعتمده بأوفر النعمة.
ثم قال: وما أنا ممن يدعي الشوق ولا يصدق ذلك بظاهر فعله، ويحتج في ترك الزيارة بما يترادف عليه من شغله. يشير إلى أنه لو تأخر عنه دلير، لم يقصر هو عن قصده، ولا كان ممن يقدر التأخر عنه على مثله.
أرادَتْ كِلابُ أَنْ تقومَ بِدَولَةٍلِمَنْ تَرَكَتْ رَعيَ الشُّوَيهاتِ والإبِلِ؟!
أَبَى رَبُّها أَن يَترُكَ الوَحشَ وَحدَهاوَأَن يُؤمِنَ الضَّبَّ الخَبيثَ من الأَكلِ
كلاب: قبيلة معروفة من قيس بن عيلان، كان الخارجي الذي قاتله أبو الطيب قبل إقبال دلير منهم، والضب: دابة تأكلها الأعراب.
فيقول: أرادت كلاب، هذه القبيلة الضعيفة الحال، المتأخرة القليلة المال، أن تقوم
بسلطان ودولة، وتتسور على ملك وإمرة، فلمن كانت تترك رعي شويهاتها وإبلها، وما هي عليه من إقلالها وجهدها؟!.
ثم قال: أبى ربها أن يظفرها من ذلك بما طلبته، ويعنيها على ما حاولته ورغبته، وأن يترك الوحش في القفر من مجاورتها، عادما لما هو بسبيله من مساكنتها، وأن يؤمن الضب الخبيث من تصيدها، وما هي عليه من استعمالها للتفوت بها. فأشار إلى أن الله قد حكم على بني كلاب بسكنى القفار، والتقوت بالضباب، فكيف لهم مع ذلك بالتسمي بالإمرة، والتعاطي لمنازل الرفعة؟!.
وَقَادَ لَها دِلَّيرُ كُلَّ طِمرَّةٍتُنيفُ بِخَدَّيهَا سَحُوقُ مِنَ النَّخلِ
وَكُلَّ جَوادٍ تَلطِمُ الأرضَ كَفُّهُبِأَغنَى عَنِ النَّعلِ الجَديدِ مِنَ النَّعلِ
الطمرة: الفرس الكريمة السريعة، والسحوق: النخلة الطويلة.
فيقول، وهو يريد بني كلاب؛ هذه القبيلة: وقاد لها دلير كل فرس طمرة سريعة الجري، كريمة عظيمة الخلق، كأن ما يشرف برأسها من عنقها، سحوق ترفعه، وجذع ينيف به على من تأمله. وأشار بالخدين إلى الرأس؛ لأنهما منه غير منفصلين عنه.
ثم قال: وقاد لها كل حصان جواد، قوي أسره، شديد خلقه، تلطم الأرض كفه لصلابتها وقوتها، وسلامتها وصحتها، بما هو أغنى من نعل الحديد من ذلك النعل عن نفسه، وما هو أثبت منه في حقيقة جنسه.
فَمَرَّتْ تُريغُ الغَيثَ والغَيثَ خَلَّفَتْوَتَطلُبُ ما قد كانَ في اليَدِ بالرِّجلِ
تُحَاذِرُ هَزْلَ المَالِ وهِي ذَليلَةٌوأَشهَدُ أَنَّ الذُّلَّ شَرٌّ مِنَ الهَزْلِ
وأَهدَتْ إلينَا غَيرَ قاصِدَةٍ بِهِكَريمَ السَّجايا يَسْبِقُ القولَ بالفِعْلِ
الإراغة: الارتياد والمحاولة، والغيث معروف، وأشار به إلى ما يكون من الخصب والكلأ، والمال: السائمة من الإبل وغيرها، وهزل ذلك: إضاعته حتى
يغلب الضعف عليه، يقال: هزل فلان إبله يهزلها هزلا، إذا أضاعها حتى تهزل، روى ذلك أبو حاتم عن شيوخه، والسجايا: الخلائق، الواحد سجية.
فيقول، وهو يريد بني كلاب، هذه القبيلة: فمرت تريغ الغيث، وتطلب الخصب، وقد خلقت ذلك في البلاد التي نفاها عنها دلير، بخلافها على السلطان الذي جرده نحوها، وقلد مناصبتها وحربها، فصارت تطلب ما كان في أييدها وملكها وهي وادعة آمنة، بالانتقال والرجل وهي متوقعة خائفة. وأشار باليد والرجل إلى هاتين الحالين، وكنى بهما عن هاتين الطريقتين.
ثم قال: تحاذر على مالها الضياع والهزل، وتستسهل لأنفسها الصغار والذل، وأشهد أن الذل أشد من الهزل، وأن الصغار أوجع لقلوب الحرار من الفقر.
ثم قال: وأهدت إلينا بنو كلاب، بما أظهرته من العصيان، وما عملت به من خلاف السلطان، غير عامدة إلى ما أهدته، ولا قاصدة لما أوجبته من (قدوم) الأمير دلير، كريم الخلائق، مشكور المذاهب، يسبق في الإفضال فعله قوله، ويتقدم في الإحسان إنجازه وعده.
تَتَبَّعَ آثارَ الرَّزايا بِجُودِهِتَتَبُّعَ آثارِ الأَسِنَّةِ بالفُتلِ
شَفَى كُلَّ شَاكٍ سَيفُهُ ونَوالُهُمِنَ الدَّاءِ حَتَّى الثَّاكلاتِ مِنَ الثُّكلِ
عَفِيفٌ تَرُوقُ الشَّمسَ صُورَةَ وَجهِهِفَلَو نَزَلَتْ شَوقَاً لَحادَ إلى الظِّلِّ
الرزايا: الفجائع، وآثار الأسنة: الجراح التي تحدثها، والفتل: معروف، واحدها فتيل، والنوال: العطاء، والثاكلات: المفجعات، والثكل: المصاب.
فيقول مشيرا إلى دلير: تتبع آثار الفجائع فسلى عنها بجوده، وتقصى بقايا المكاره فعزى عنها بفضله، وتلافى ذلك كما تتلافى جراح الأسنة بالفتل، التي تجبر خللها، وترفع عواديها وألمها.
ثم قال، وهو يريده: شفى من الداء كل من يتشكاه؛ فأذهب الآجال بسيفه، وقرب
الآمال بجوده، حتى انه أجار الثواكل من الثكل، وأعداهن على مؤونة الحرب. يشير إلى أنه عم بالإحسان والفضل، وأجار بكرمه من نوائب الدهر.
ثم قال، وهو يشير إليه: عفيف يروق الشمس بحسن صورته، ويبهرها بجماله وبهجته، فلو نزلت إليه مشتاقة إلى قربه، لحاد عنها إلى الظل، غير مسعد لها بوصله.
شُجَاعٌ كَأَنَّ الحَربَ عَاشِقَةٌ لَهُإذا زارَها فَدَّتهُ بالخَيلِ والرَّجلِ
وَرَيَّانُ لا تَصدَى إلى الخَمرِ نَفسُهُوَعَطشَانُ لا تَروَى يَداهُ مِنَ البَذلِ
وتَملِيكُ دِلَّيرٍ وتَعظِيمُ شَأنِهِشَهِيدٌ بِوَحدَانيَّةِ اللَّهِ والعَدلِ
الريان: الذي قد بلغ غاية الري، والصدى: العطش، والبذل: العطاء.
فيقول، وهو يريده: شجاع كأن الحرب تصبو إليه، وتعشقه وتعجب به، فهو عند زيارته لها، وما يتسرع إليه من الإلمام بها، تفديه من الخيل والرجل بما يطلبه، وتمكن له من الصنع أفضل الذي يرغبه.
ثم قال: وهو ريان الجوانج بما هو عليه من صيانته، مترفع عن المحارم بما يؤثره من توفير مروءته، فنفسه لا تعطش إلى الخمر، ورأيه لا يعدل به إلى الباطل واللهو، ولكنه عطشان من الكرم، فيداه لا تروى منه، ورغبته تتأكد فيه، ورأيه لا ينصرف عنه.
ثم قال: فتمليك دلير، وتمكين الله لأمره، وتأييده على ما يوجب له تعظيم قدره، مع ما هو عليه من إيثار الإحسان، وما يعتقده من مواصلة التطول والإنعام، شهيد بوحدانية الله وعدله، وما جدد به من لطائفه وصنعه.
وما دَامَ دِلَّيرٌ يَهُزُّ حُسَامَهُفلا نَابَ في الدُّنيا لِلَيثٍ ولا شِبلِ
وما دامَ دِلَّيرٌ يُقَلِّبُ كَفَّهُفلا خَلقَ مِن دَعوى المكارِمِ في حِلِّ
الناب: السن الذي يلي الرباعية، وبه تكون غاية السبع، والليث: الأسد.
فيقول: أن دلير مادام يهز سيفه في وقائعه، ويمضيه على الأعداء في ملاحمه، فالليوث وأشبالها مستسلمة لا يخاف عاديتها، وأنيابها كليلة لا تتوقع مضرتها.
ثم قال: وما دام يقلب كفه بما يستعملها فيه من الكرم، وما يمطر بها من سحائب النعم، فلا أحد في حل من دعوى المكارم، والانتساب إلى ما انفرد به من الفضائل؛ لأنه المستولي على ذلك، والمنفرد فيه بجميل الذكر، والمشهور به، والمتقدم فيه لأنباء الدهر.
فَتىً لا يُرجِّى أَن تَتِمَّ طَهَارَةٌلِمَنْ لَم يُطَهِّرْ راحَتَيهِ مِنَ البُخلِ
فلا قَطَعَ الرَّحمنُ أَصلاً أَتى بِهِفَإنِّي رَأيتُ الطَّيِّبَ الأَصلِ
الطهارة: التبرؤ من الدنس.
فيقول: أن دلير مستبصر في أصل الفضل، محبول على الكرم والبذل، يكره البخل وينافره، ويبغضه ويخالفه، ولا يعد الدنس إلا في الالتباس به، ولا الطهارة إلا في المجانبة (له).
ثم قال: فلا قطع الرحمن أصلا أنجب مثله، وحرس النسل الذي نشر علينا فضله، فأني رأيت الفروع إنما تطيب بحسب طيب أصولها، وتكرم بمقدار كرم من إليه يكون مصيرها.
وسأله أشراف أهل الكوفة أن يهجو ضبة بن يزيد، وكان فيمن كان مع الخارجي الذي كان في بني كلاب، فقال هذه القصيدة في الميدان وهو على ظهر فرسه.
ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّهْوأُمَّهُ الطُّرطُبَّهْ
رَمَوا بِرَأسِ أَبيهِونُاكوا الأُمَّ غُلُبَّهْ
فَلاَ بِمَنْ مَاتَ فَخرٌولا بِمَنْ نِيكَ رَغبَهْ
وإنَّما قُلتُ ما قُلتُرَحْمَةً ولا مَحَبَّهْ
وَحِيلَةً لك حَتَّىعُذِرت لو كُنتَ تَيْبَهْ
وما عَلَيكَ مِنَ القَتلِإنَّما هِي ضَربَهْ
الطرطبة: طويلة الثديين، والغلبة: لغة في الغلبة، ونيك: بمعنى نكح، يقال بالباء والنون، وتيبه: بمعنى تشعر.
وما عَلَيكَ مِنَ الغَدْرِ،إنَّما هِي سُبَّهْ
وما عَلَيكَ مِنَ العارِأَنَّ أُمَّكَ قَحبَهْ
وما يَشُقُّ على الكَلبِأَنْ يكونَ ابن كَلْبَهْ
ما ضَرَّهَا مَنْ أَتَاهاوإنَّما ضَرَّ صُلبَهْ
ولم يَنِكْهَا ولكِنْعِجَانُها نَاكَ زُبَّهْ
وقَلبُهُ يَتَشَهَّىويُلزِمُ الجِسمَ ذَنبَهُ
لو أَبصَرَ الجِذْعَ فِعلاًأَحَبَّ في الجِذْعِ صَلبَهْ
يَلُومُ ضَبَّةَ قَومٌولا يَلُومُونَ قَلبَهْ
السبة: ما يسب الرجل به، والقحبة: المرأة الفاجرة، والعجان: السوءة من المرأة والرجل، والزب: الذكر، والجذع: عمود النخلة.
يا أَطيَبَ النَّاسِ نَفَسَاًوأَلبَنَ النَّاسِ رُكبَهْ
وأَخبَثَ النَّاسِ أَصلاًفي أَخبَثِ الأرضِ تُربَهْ
وأَرخَصَ النَّاسِ أُمَّاًتَبِيعُ أَلفاً بِحَبَّهْ
كُلُّ الفُعولِ سِهامٌلِمَريَمٍ وهِيَ جَعبَهْ
وما عَلَى مَن بِهِ الدَّاءُمِنْ لِقاءِ الأَطِبَّهْ
ولَيسَ بَينَ هَلُوكٍوَحُرَّةٍ غَيرُ خِطبَهْ
الجعبة: كنانة النشاب، والهلوك: المرأة الفاجرة، والخطبة (والخطبة) لغتان في خطبة المرأة إلى نفسها.
يا قاتِلاً كُلَّ ضَيفٍ غِنَاهُضَيحُ وعُلبَهْ
وخَوفَ كُلِّ رَفِيقٍأَباتَكَ اللَّيلُ جَنبَهْ
كَذا خُلِقْتَ ومَنْ ذَا الَّذِييُغالِبُ رَبَّهْ
وَمَنْ يُبَالِي بِذَمٍّإذا تَعَوَّدَ كَسبَهْ
أَما تَرَى الخَيلَ في النَّخلِسُربَةً بَعدَ سُربَهْ
على نِسَائِكَ تَجلوفُعُولَها مُنذُ سَنبَهْ
الضيح: اللبن يخالطه الماء، والعلبة: قدح ضخم، والسربة: القطعة من الخيل والوحش والنساء وما أشبه ذلك، والسنبة: الدهر.
وَهُنَّ حَولَكَ يَنظُرْنَوالأُحَيراحُ رَطبَهْ
وَكُلُّ غُرمُولِ بَغلٍيَرَينَ يَحسُدْنَ قُنبَهْ
فَسَلْ فُؤادَكَ يا ضَبْبَأَينَ خَلَّفَ عُجبَهْ
وإن يَخُنكَ فَعَمرِيلَطَالَما خَانَ صَحبَهْ
وكَيفَ تَرغَبُ فِيهِوقَدْ تَبَيَّنْتَ رُعبَهْ
ما كُنتَ إلاَّ ذُبَابَاًنَفَتْكَ عَنهُ مَذَبَّهْ
الغرمول: الذكر الضخم، والقنب من الفرس والبغل والحمار: وعاء القضيب، والعجب: الزهو والكبر.
وكُنْتَ تَنخُرُ تِيَهاًفَصِرتَ تَضْرِطُ رَهبَهْ
وإنْ بَعُدنا قَليلاًحَمَلتَ رُمحَاً وحَربَهْ
وَقُلْتَ لَيثٌ بِكَفِّيعَنانَ جَردَاَء شَطبَهْ
إنْ أَوحَشتْكَ المَعَاليفإنَّها دارُ غُربَهْ
أو آنسَتْكَ المَخَازِيفإنَّها لَكَ نِسبَهْ
وإنْ جَهِلتَ مُرَاديفإنَّهُ بِكَ أَشبَهْ
الليث: الأسد، والجرداء: الفرس القصيرة شعر الجلد، وذلك يدل على كرمها، والشطبة: الطويلة الحسنة، والرهبة: المخافة، والحربة: أقصر من الرمح.
هذا جميع ما قاله أبو الطيب بالكوفة من الشعر.
-
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع