من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٩)
وأصبحت لا نزقا للحاء ولا للحوم صديقى أكولا
ولا سابقي كاشح نازح بذحل إذا ما طلبت الذحولا
وأصبحت أعددت للنائبات عرضا بريئا وعضبا صقيلا
ووقع لسان كحد السنان ورمحا طويل القناة عسولا
وسابغة من جياد الدروع تسمع للسيف فيها صليلا
كمتن الغدير زهته الدبور يجر المدجج منها فضولا
صحوت: سلوت، وزايلني: فارقني، ولا للحوم صديقي، أي لا أغتاب أصدقائي. المعنى يصف ارعواءه واستعماله محاسن الأخلاق، وأنه لا يطيش ولا يغتاب ولا يفوته أحد بذحله، ويصف إعداده آلة الحرب من السيف - الرمح والدرع.
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم في يوم الفجار، وإنما سمي الفجار لأنه كان في الشهر الحرام، وهي مخضرمة:
(من مرفل الوافر والقافية من المتواتر)
سائل بنا في قومناوليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنافي مجمع باق شناعه
فيه السنور والقناوالكبش ملتمع قناعه
بعكاظ يعشي الناظريـ ـن إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكا قسرا وأسلمه رعاعه
ومجدلا غادرنهبالقاع تنهشه ضباعه
الباء في بكا مكان أي كقوله الله تعالي: ﴿فاسأل به خبيرا﴾ أي سائل قيسًا يخبرك ببلائنا يوم الفجار، وشناعه أي قبحه، وملتمعًا قناعه أي علم نفسه بجرأته فلا يخفى، والرعاع أوباش الناس وأرذالهم، لا واحد له من لفظه. المعنى تفتخر بما كان لهم من الظفر والغلبة على قيس يوم الفجار، تقول: سل عنا قيسًا يخبرك ببلائنا في حرب يوم الفجار لما حاربت قيس قريشًا وكنانة طالبة بثأر عروة، وكان قتله البراض الكناني، وحديثه معروف، ثم قالت، وليكف من شر سماعه أي أنا واثقون بما نخبر به إن سألت، ثم وصفت السلاح وما كان لهم من الغلبة والقتل.
وقالت امرأة من بني عامر، قال أبو رياش هي قشيرية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
وحرب يضج القوم من نفيانها ضجيج الجمال الجلة الدبرات
سيتركها قوم ويصلى بحرهابنو نسوة للثكل مصطبرات
فإن يك ظني صادقًا وهو صادقي بكم وبأحلام لكم صفرات
تعد فيكم جزر الجزور رماحنا ويمسكن بالأكباد منكسرات
النفيان: ما تطاير من قطر المطر مأخوذ من النفي كأن السحاب ينفيه، وأرادت ما يتقاطر من الدم، والدبرات التي دبرت فهي أكثر ضجيجًا وأقل صبرًا، ومنه المثل "كأن على الأملس ما لاقي الدبر" وقولها: أحلام لكم صفرات أي خالية من الخير والحزم، والأحلام ها هنا العقول، تعد فيكم أي تنحر رماحنا كما تنحر الجزور، ونطاعن بها حتى تنكسر أعاليها فتؤخذ بأوساطها، وكبد كل شيء وسطه. المعنى: تصف شدة حرب تقع، ويضج الناس من دمائها، كما تضج الإبل المسان الدبرات تحت أثقالها، يعدل عنها قوم ويصلي بها آخرون قد اعتادوا الحروب. ثم قالت: ظني أن نقتلكم برماحنا طعنًا تتكسر فيه الرماح من شدته حتى نمسك بأوساطها.
وقال معبد بن علقمة، إسلامي كان في زمن الفرزدق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
غيبت عن قتل الحتات وليتني شهدت حتاتاً يوم ضرج بالدم
وفي الكف مني صارم ذو حفيظة منى ما يقدم في الضريبة يقدم
فيعلم حيا مالك ولفيفهابأن لست عن قتل الحتات بمحرم
الحتات: اسم رجل، وصارم ذو حفيظة أي سيف يبقى على الاستعمال، ويروى "ذو حقيقة" ولفيف القوم ولفهم أوباشهم الذين يلفهم معظم القوم، وفعيل وفعل بمعنى مفعول، المعنى: يتحسر على فوته حضور مقتل الحتات، فيكون هو قاتله.
فقل لزهير إن شتمت سراتنا فلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبي الظلام ونعتصي بكل رقيق الشرفتين مصمم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
المتشتم: المتعرض للشتم، والظلام - بالكسر - المظالمة، وقد يكون بمعنى الظلم، ونعتصي أي نضرب بالسيف. المعنى. يقولك لا نشتغل بالشتم فعل السفهاء، ولا نقبل الضيم بل نضع السيف مكان الشتم، فشتمنا بالفعل لا بالكلام.
وإن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم
التمادي: تجاوز المدى وهو الغاية، واستأخر أي تأخر. المعنى: يقول: مجاوزة ما كان بيننا في يديك لأني لا أظلمك ولكني أنتقم، فتأخر إن شئت أو تقدم.
وقال أمية بن أبي الصلت، وتروى لابن عبد الأعلى، الصلت: السيف المجرد، ورجل صلت الجبين عريضه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
غذوتك مولودًا وعلتك يافعًاتعل بما أدني إليك وتنهل
إذا ليلة نابتك بالشكو لم أبت لشكواك إلا ساهرًا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني وعيني تهمل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما فيك كنت أؤمل
جعلت جزائي منك جبهًا وغلظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معدًا للخلاف كأنهبرد على أهل الصواب موكل
ويروى "تعل بما أدنى إليك" و"أجنى إليك" أي اكتسب علتك أي أنفقت عليك، والجبة الرد، أصله الضرب على الجبهة. المعنى: يشكو ولده، ويذكر أنعامه عليه في التربية والشفقة، وأنه لما بلغ جازاه بالرد والجفوة، يقول: ليتك إن لم تجازني جزاء الآباء، جازيتني جزاء الجيران.
وقالت امرأة من بني هزان في ابنها وقد عقها وهي أم ثواب، وهزان فعلان من
هززت، ولا يجوز أن يكون من هوازن لأنه لو كان كذلك لانصرف:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمه أم الطعام ترى في جلده زغبًا
حتى إذا آض كالفحال شذبه أباره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يمزق أثوابي يؤدبني أبعد شيبي عندي يبتغي الأدبا
أم الطعام يعني أم المعدة، أي أعظم شيء في بدنه إذ ذاك حوصلته، تعني الفرخ الذي وصفت ابنها به، أي حيث أكبر شيء فيه بطنه، وروى "أطعمه" من الطعام، والفحال فحل النخل، وشذبه قد تقدم، والكرب أصول السعف التي تقطع فتيبس فتصير مثل الكتف. المعنى: تشكو ابنها وأنها ربته صغيرًا فلما تمت قامته كالنخل المشذب، وهو الذي يقطع ما تفرق من أغصانه، جفاها، ومزق ثيابها.
إني لأبصر في ترجيل لمته وخط لحيته في خده عجبًا
قالت له عرسه يومًا لتسمعني مهلاً فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نار مسعرةثم استطاعات لزادت فوقها حطبا
ويروي "في نار مضرمة" ويروى "لألقت فوقي الخطبا" مكان "ثم استطاعت لألقت فوقها حطبا. المعنى: تذكر نبات لحية ابنها، وحسن تأميلها فيه وتذكر استهزاء امرأته بها مظهرة الميل إليها مع إضمار عداوتها.
وقال ابن السلماني، ويروي ابن السليماني، والأول أصح، وهو
إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري إني يوم سلع للائم لنفسي ولكن ما يرد التلوم
أأمكنت من نفسي عدوي ضلة ألهفي على ما فات لو كنت أعلم
لو أن صدور الأمر يبدون للفتى كأعقابه لم تلقه يتندم
التلوم التحسر على الشيء، يتلهف على ما فات، وصدور الأمر أوائله، وأواخره أعقابه، يتندم أي يندم شيئًا بعد شيء. المعنى: يلوم نفسه حين لا ينفعه الندم على ما كان منه من تمكين عدوه من نفسه، ويروي "لم تلفه يتندم" أي لم تجده، ويروى "ألهفي على ما فات".
لعمري لقد كانت فجاج عريضةوليل سخامي الجناحين أدهم
إذ الأرض لم تجهل على فروجها وإذ لي عن دار الهوان مراغم
فلو شئت إذ بالأمر يسر لقلصت برحل فتلاء الذراعين عيهم
عليها دليل بالبلاد نهاره وبالليل لا يخطي لها القصد منسم
ويروي "مراغم" أي مذهب، وقلصت برحلي ارتفعت، والعيهم الناقة السريعة، وفتلاء الذراعين التي ف يديها انحناء، وقوله: عليها دليل يعني بالدليل نفسه يقول: أنا بصير يسير الليل والنهار والبلاد والطرق، المعنى: هذا تفسير ما ندم عليه يقول: كان يمكنني أن أنجو بنفسي فلا يتمكن مني عدوي، فلقد كانت طرق واسعة وليل مظلم، ومذهب عن دار الهوان فلو شئت لنجوت على راحلتي.
وقال قتادة بن مسلمة الحنفي، جاهلي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
بكرت علي من السفاه تلومني سفهًا تعجز بعلها وتلوم
لما رأتني قد رزثت فوارسي وبدت بجسمي نهكة وكلوم
ما كنت أول من أصاب بنكبة دهر وحي باسلون صميم
قاتلتهم حتى تكافأ جمعهم والخيل في سبل الدماء تعوم
إذ تتقي بسراة آل مقاعس حذر الأسنة والسيوف تميم
لم ألق قبلهم فوارس مثلهم أحمى وهن هوازم وهزيم
تعجز بعلها تنسبه إلى العجز، رزئت فوارسي أي أصبت بهم، صميم: خالص النسب، حتى تكافأ جمعهم أي استوى الجبان والشجاع في هزمي إياهم، والسبل القاطر، وتعوم: تجري وهزيم فعيل بمعنى مفعول أي مهزومة. المعنى: يقول: لامتني امرأتي سفهًا وتنسبني إلى العجز لما رأتني متغير الجسم لهلاك فوارسي، ثم اعتذر عن نفسه فقال: لست أول من أصيب بحي كرام، ثم دل على شجاعته فقال: قاتلت أعدائي حتى استوى في الهزيمة شجاعهم وجبانهم.
لما التقى الصفان واختلف القنا والخيل في النقع العجاج أزوم
في النقع ساهمة الوجوه عوابس وبهن من دعس الرماح كلوم
يممت كبشهم بطعنة فيصل فهوى لحر الوجه وهو ذميم
ومعي أسود من حنيفة في الوغي للبيض فوق رؤوسهم تسويم
قوم إذا لبسوا الحديد كأنهم في البيض والحلق الدلاص نجوم
فلئن بقيت لأرحلن بغزوة تحوي الغنائم أو يموت كريم
ويروى "نحو الغنائم" وأزوم جمع آزم أي عضاض على اللجم، والأزم العض فهو لحر الوجه أي على وجهه، وهو ذميم أي مذموم لأنه لم يدفع عن نفسه، والتسويم العلامات، وشبه الدروع والبيض بالنجوم لبريقها، وقيل: شبهها بها لأنه يقتدي بها، والأول أقرب، وهذا أغرب. المعنى: يصف قتله رئيس تميم لما اشتدت الحرب، ثم مدح قومه وأوعد العدو بعودة.
وقال رجل من يشكر فيما كان بينهم وبين ذهل:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا أبلغ بني ذهل رسولاً وخص بها سراة بني النطاح
بأنا قد قتلنا بالمثنى عبيدة منكم وأبا الجلاح
فإن ترضوا فإنا قد رضينا وإن تأبوا فأطراف الرماح
مقومة وبيض مرهفات تتر جماجمًا وبنان راح
ويروي "وخص إلى سراة بني النطاح"، ويروي "قتلنا بالمعلى" ويروي "تبن جماجمًا" من أبانه إذا قطعه منه، والراح جمع الراحة وهو الكف. المعنى يصف انتقاصه من بني ذهل ويقول: إن رضيتم فأنا قد رضينا، وإن أبيتم وأردتم العودة فإنا معدون لذلك [رماحًا مثقفة وسيوفًا قواطع، تسقط الجماجم وتقطع أطراف الأكف].
[وقال جريبة بن الأشيب الفقعسي، والأصح جريبة بن الأشيم الفقعسي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
فدي لفوارسي المعلميـ ـن تحت العجاجة خالي وعم
هم كشفوا عيبة العائبين من العار أوجههم كالحمم
ويروي "غيبة الغائبين". المعنى: يفدي فوارسه خاله وعمه ويثني عليهم بأنهم أزالوا عن قومه ما كانوا يعابون به، وينسبون إليه من الجبن والخور، فلما أبلوا كذبوا العائبين وسودوا وجوههم.
إذا الخيل صاحت صياح النسور حززنا شراسيفها بالجذم
الشراسيف: رؤوس الأضلاع، والجذم السياط، المعنى يقول: إذا أعيت الخيل وضعف صوتها شددنا عليها بالسياط ضربًاز
إذا الدهر أعيتك أنيابه لدى الشر فأزم به ما أزم
ولا تلف في شره هائيًا كأسك فيه مسر السقم
فأزم به ما أزم أي عض عليه. المعنى: لا تظهر العجز لحوادث الدهر وتجلد في كل حال.
عرضنا نزال فلم ينزلوا وكانت نزال عليهم أطم
وقد شبهوا العير أفراسنا فقد وجدوا ميرها ذا بشم
أطم: أعظم، والطامة: المحنة. المعنى: دعوناهم للمبارزة فصعبت عليهم، وشبهوا خيلنا عيرًا، وقالوا: نغنمها فكذبنا تقديرهم ووجدوا ميرتها ذات بشم لأنها قتلوا أو قتلهم من عليها.
وقال آخر:
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
أعددت بيضاء للحروب ومصـ ـقول الغرارين يقصم الحلقا
وقارحًا نبعة وملء جفير من نصال تخالها ورقا
وأريحيا عضبًا وذا خصل مخلولق المتن سابحًا تثقا
يملأ عينيك بالفناء وير ضيك عقابًا إن شئت أو نزقا
البيضاء: الدرع الصافية، مصقول الغرارين يعني سيفًا، ويروي "يفصم" أي يقطع، وقارحًا يعني قوسًا، والجفير الكنانة، والورق: الفضة مضروبة وغير مضروبة، شبه النصال بها لصفائها وقيل لخفتها، وأريحيًا سيفًا منسوبًا إلى "أريحا" وقيل: هو السيف الذي يهتز عند الضرب لجودة حديدته، وتثقا أي ممتلئًا نشاطًأ، ويرضيك عقابًا أي يعطيك جريًا بعد جري، والنزق الخفة، المعنى: يصف ما أعده للحرب من الدروع والسيف والقوس والنبل والفرس الكريم.
وقال الأسدي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أتاني عن أبي أنس وعيد فسل لغيظة الضحاك جسمي
ولم أعص الأمير ولم أربه ولم أسبق أبا أنس بوغم
ولكن البعوث جرت علينا فصرنا بين تطويح وغرم
وخافت من جبال السغد نفسي وخافت من جبال خواررزم
وقارعت البعوث وقارعوني ففاز بضجعة في الحي سهمي
فأعطيت الجعالة مستميتًا خفيف الحاذ من فتيان جرم
أبو أنس الضحاك وهو الأمير الذي ذكره، وسل جسمي أذابه، والوغم: الحقد، والتطويح التبعيد، وطاح سقط وطوحه غيره، والغرم أن يخرج بديلاً ويقيم هو فيغرم جعالته، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، وقوله ففاز بضجعة في الحي سهمي أي بأن أخلف في الحي وأكون ضجيع داري. وخفيف الحاذ قال أبو عبيدة: الحاذ يريد خفة الظهر، ومستميتًا متعرضًا للموت مستسلمًا له. المعنى يذكر وعيد الضحاك إياه، وشدة جزعه من وعيده ويعتذر بأنه لم يعصه، ولم يفعل ما يوجب حقده، ولكنه خاف من جبال خراسان فأقام بديلاً عنه، ويروى "وجاشت من جبال خوارزم".
تم باب الحماسة
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع