من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب المراثي (٤)
وقال رجل من بني أسد يرثي أخًا له، ويقال: أنها لمحمد بن كناسة الأسدي:
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
أبعدت من يومك الفرار فما جاوزت حيث انتهى بك القدر
لو كان يُنجي من الردى حذر نجاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة لم يك في صفو وده كدر
فهكذا يذهب الزمان ويفـ ـنى العلم فيه ويدرس الأثر
ويروى "أبعطت" مكان أبعدت وهما واحد، ويروى أسرعت أيضًا، وهذا الأسدي يرثي أخاه، وكان مرض في غربة فسأله الخروج به هربًا من موضعه في الغربة فمات في الطريق. المعنى يقول: بلغت في الفرار من الموت، فلم تجاوز القضاء، وما نفعك الحذر، ثم دعا وأثنى عليه لصفاء وده.
وقال النابغة الجعدي يرثي أخاه وحوح بن عبد الله، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تعلمي أني رزئت مُحاربًا فمالك منه اليوم شيء ولا ليا
ومن قبله ما قد رزئت بوحوح وكان ابن أمي والخليل المصافيا
فتى كملت أخلاقه غير أنه جواد فما يُبقي من المال باقيا
فتى تم فيه ما يسر صديقه على أن فيه ما يسوء الأعاديا
أشم طويل الساعدين سميدع إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
يدر العروق بالسنان ويشترى من المجد ما يبقى وإن كان غاليا
صديقه يكون بمعنى الجمع. المعنى: يرثي محاربًا وأخاه وحوحا، يصفه بالجود وكمال الخير، واعتياد الخير والشر، والسميدع: السيد وهو من أسماء الأسد، وقوله: إذا لم يرح أي مولع بالمجد فإن لم يفعله مساء فعله صباحًا، ولما سمع عبد الملك بن مروان هذا البيت قال: "هلا قال إذا راح للمعروف أصبح
غاديا" فكان لا يخليه وقتًا من المعروف" ويصفه أيضًا بالطول والسؤدد والمجد والشجاعة.
وقال رجل من بني هلال يرثي ابن عم له، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أبعد الذي بالنعف من آل ماعز يُرجي بمران القرى ابن سبيل
لقد كان للسارين أي مُعرسٍ وقد كان للغادين أي مقيل
بني المُحصنات الغر من آل مالك يُربين أولادًا لخير خليل
ويروى "من آل مازن" والنعف ها هنا موضع بعينه، وهو أيضًا ما ارتفع عن الوادي إلى وجه الأرض، ومران اسم موضع بعينه، والمعرس الموضع ينزل فيه ساعة، وأكثره بالليل ولهذا طبقه بمقبل كما طبق السارين بالغادين، ويروى "خير معرس وخير مقبل" المعنى: لا يرجو ابن سبيل بمران قرى فقد مات من كان يقرى الناس ليلًا ونهارًا، ووصف نساء قبيلته بالعفاف ورجالها بالخير.
وقال كبد الحصاة العجلي، مخضرم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا هلك المُكسر يال بكر فأودى الباع والحسب التليد
ألا هلك المُكسر فاستراحت حوافي الخيل والحي الحريد
أودى الباع هلك الجود، استراحت حوافي الخيل لأنه كان يغزو عليها ويحفيها ولا يشفق عليها، الحي الحريد: المنفرد عن عظم القبيلة، استراحت من الحرب لأنه كان يفجؤهم. المعنى: ينعاه ويصفه بالجود وقدم الحسب وذكر أنه ليس بعده من يجري مجراه.
وقال ابن أهبان الفقعسي، يرثي أخاه، إسلامي وأهبان فعلان من الأهبة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
على مثل أُهبان تشق جيوبها وتُعلن بالنوح النساء الفواقد
فتى الحي أن تلقاه في الحي أو يرى سوى الحي أو ضم الرجال المشاهد
لفواقد جمع فاقدة وهي التي فقدت حميمًا لها، المشاهد المجالس، يضمهم يجمعهم، المعنى: يصف استحقاق النوح عليه وشق الجيوب له، وأنه فتى الحي في كل حال خاليًا ومحتفلًا.
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكن عييًا ولا لغبًا على من يُقاعد
طويل نجاد السيف يُصبح بطنه خميصًا وجاديه على الزاد حامد
جاديه عافيه. المعنى: يصفه بطول القامة، وإيثاره غيره على نفسه بالزاد.
وقال ابن عمار الأسدي يرثي ابنه، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ظللت بجسر سابور مُقيمًا يؤرقني أنينك يا معين
وناما عنك واستيقظت حتى دعاك الموت وانقطع الأنين
جسر سابور موضع ويروى "دير سابور" ومعين اسم ابنه، وانقطع الأنين أي فارقت الروح البدن، ويروى "وليس بجسر سابور أنيس يؤرقه". المعنى: يصف قيامه على ابنه وسهره لسقمه إلى انقضاء نحبه.
وقال طريف بن وهب العبسي يرثي ابنه، إسلامي.
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
أرابع مهلًا بعض هذا وأجملي ففي اليأس ناه والعزاء جميل
فإن الذي تبكين قد حال دونه تراب وزوراء المقام دحول
ويروى "وبعد هذا" وأرابع يريد يا رابعة، ومهلًا بعض هذا أي كفى، وقوله: "ففي اليأس ناه" أي إذا أيست من شيء انتهيت عنه، ويروى "فبالناس ناه" يعني من أصيب مثلك فصبر، فإذا نظرت إليه اقتديت به وانتهيت من الجزع، وزوراء المقام يعني القبور، وجعلها زوراء للحد، ودحول مقعر لا على استواء، والدحل القعر في الأرض معوجًا.
نحاه للحد زبرقان وحارث وفي الأرض للأقوام قبلك غول
فأي فتى واروه ثُمت أقبلت أكفهم تحثي معًا وتهيل
نحاه للحد أي صيره في ناحية من قبره، زبرقان وحارث وهما اللذان دفناه، وغول أي هلاك، يقول: يا رابعة لم تخصي بموت ولدك، فإن الناس قديمًا يموتون، وثمت وثم ورب وربت بمعنى واحد الحثي لا يكون إلا مع وضع التراب، الهيل: الإرسال من غير رفع، فكأن من دنا من شفير القبر هال، ومن نأى عنه حثا، وقوله معًا يدل على أنهما كانا في وقت واحد.
وظلت بي الأرض الفضاء كأنما تصعد بي أركانها وتجول
وشد إلى الطرف من كان طرفه بعهد عُبيد الله وهو كليل
وشد إلى الطرف أي نظر إلي بالجفاء من كان ينظر إلى في حياة ابني باللين، وقوله من كان طرفه هذه حاله فهو كذا. المعنى: يستكف امرأته من الجزع على ولدها ويعزيها بأن ما صار إليه ولدك هو سبيل الجميع، ثم ذكر اضطراب الأرض في عينه، وتغير الناس له بعد موت ابنه.
لئن كان عبد الله خلى مكانه على حين شيبي بالشباب بديل
خلى مكانه مات، شيبي رفع بالابتداء وخبره بديل، وموضع الجملة بإضافة حين إليها، وبدل وبديل واحد.
لقد بقيت مني قناة صليبة وإن مس جلدي نهكة وذبول
وما حالة إلا ستصرف حالها إلى حالة أخرى وسوف تزول
وروي "وإن مس جسمي" ونهكة تغير، وذبول جفوف لزوال بهجة الشباب، وقوله: "وما حالة ... البيت" أي ستصرف صورتها إلى صورة أخرى. المعنى: لما مات ولده خشي أن يجترئ عليه أعداؤه فادعى أنه وإن مات ابنه على كبر سنه فقد بقيت قوة نفسه وإن ذهبت بشاشة جلده، ثم دل على تغير الأمور وانقلاب الأحوال.
وقال أيضًا:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وقاسمني دهري بني بشطره فلما تقضي شطره عاد في شطري
أي جعل الدهر بني قسمين فأخذ أحدهما ثم عاد في شطري فأخذه أيضًا، ويروى "بني مشاطرًا".
ألا ليت أمي لم تلدني وليتني سبقتك إذا كنا إلى غاية نجري
وكنت به أكنى فأصبحت كُلما كنيت به فاضت دموعي على نحري
وكنت به أكنى أي كلما قيل يا أبا وهب، ووهب ميت بكيت لأنهم ذكرونيه.
وقد كنت ذا ناب وظفر على العدى فأصبحت لا يخشون نابي ولا ظفري
وقد كنت ذا ناب أي كانوا يهابوني كما يهاب الليث، فلما مات ابني صاروا لا يخشون نابي ولا ظفري لأنهما ذهبا.
وقالت امرأة ترثي أباها:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
إذا ما دعا الداعي عليًا وجدتني أُراع كما راع العجول مُهيب
وكم من سمي ليس مثل سميه وإن كان يُدعي باسمه فيجيب
العجول التي ذهب ولدها، فهي تفزع من كل شيء، فإذا صوت بها فزعت أن يذهب بها كما ذهب بولدها. المعنى: تذكر جزعها عند ذكر أبيها وسماعها اسمه، ثم فضلت أباها على كل من تسمى باسمه.
وقال رجل من كلب، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لحا الله دهرًا شره دون خيره تقاضى فلم يحسن إلينا التقاضيا
لحا الله دهرًا شتم أي قشره الله، دون خيره أراد في الحكم لا في الوقت، أي شره أكثر من خيره، تقاضى لا جماع أن لا خلود فكأن الأرواح دين للدهر، وقال: لم يحسن إلينا التقاضيا لأنه أخذ قبل الوقت عنده.
فتى كان لا يطوي على البخل نفسه إذا ائتمرت نفساه في السر خالياً
لا يطوى على البؤس نفسه أي لا يضمره، وقوله: إذا ائتمرت نفساه في السر هذا مجاز لأن الإنسان لا يكون له نفسان لكنه يقال للمفكر في شيء والمدبر في الأمر يؤمر نفسه، وذلك أنه إذا تأمل أمرًا يريده فربما عن له وجه آخر يحثه عليه، ثم عن له وجه آخر يزجره عنه، فينزلون ذلك منزلة نفسين له. والمعنى معروف يدعو على الدهر.
وقال الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه، إسلامي والأبيرد تصغير أبرد، سحاب أبرد فثيه البرد، وثور أبرد فيه سواد وبياض، والأبردان الغداة والعشي واحدهما أبرد:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولما نعى الناعي بُريدًا تغولت بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
تغولت: تكفأت ودارت، يريد دارت بي الأرض. المعنى: يصف عظم تأثير المصيبة فيه، ويروى "يزيدا".
عساكر تغشى النفس حتى كأنني أخو نشوة مالت بهامته الخمر
ويروي "أخو سكرة دارت" شبه تجمع الأحزان بغشيان العساكر أياه، مالت بهامته الخمر ثقلته سكرًا. المعنى: شبه كثرة الأحزان عليه بالعساكر، وشبه تأثيرها فيه بتأثير الخمر في شاربها
أحقًا عباد الله أن لست لاقيًا بريدًا طوال الدهر ما لألأ العفر
فتى إن هو استغنى تخرق في الغنى وإن قل مال لم يضع متنه الفقر
وسامي جسيمات الأمور فنالها على العسر حتى يُدرك العسرة اليُسر
طوال الدهر يعي آخر الدهر، ويروي "أدرك العسر" وما لألأ العفر أي ما حركت الظباء أذنابها، وتخرق في الغنى توسع وصار خرقًا لا يمسك شيئًا، وإن قل مال لم يتواضع له ولم يذل، سامي ارتفع إليها طالبًا. المعنى: يظهر اليأس من مرثيه، ويثني عليه بالاتساع في حال الغنى وقلة المبالاة بالفقر، وطلبه الأمور العظام.
فتى لا يعد الرسل يقضي ذمامه إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
الرسل: اللين، والذمام: الذمة والحق، والجزر: جمع جزور. المعنى: يصف مبالغته في الجود يقول: لا يرى قضاء ذمام الضيف الا أن ينحر له ويطعمه من لحم الجزور.
وقال سلمة بن يزيد الجعفي يرثي أخاه لأمه سلمة بن مغراء، والسلمة ضرب
من الشجر - بفتح اللام - والسلمة - بكسرها - الصخرة وجمعها سلام. وبنو سلمة بطن من الأنصار، ليس في العرب بنو سلمة غيرهم:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
أقول لنفسي بالخلاء ألومها لك الويل ما هذا التجلد والصبر
ألم تعلمي أن لست ما عشت لاقيا أخي إذ أتى من دون أوصاله القبر
الخلاء: الخلوة، والتجلد: إظهار الجلد. المعنى: يلوم نفسه على الصبر عن أخيه يقول: اجزعي فهو أوان إذ لا مطمع فيه.
وكنت أرى كالموت من بين ليلة فكيف ببين كان ميعاده الحشر
وهون وجدي أنني سوف أغتدي على اثره يومًا وإن نفس العمر
وإن نفس العمر أي أطيل، ويروي "الأمر" آ. المعنى: يقول كنت أجزع من فراق ليلة فكيف لا أجزع من فراق لا ملتقى بعده إلى يوم القيامة.
فتى كان يعطي السيف في الروع حقه إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر
ثوب الداعي [أي دعا وأصله أن يكون الرجل في مفازة لا يهتدي بها فيلوح بثوبه فربما رآه إنسان، فيهديه وينجيه، ثم استعمل في غيره]، وقوله: "وتشقى به الجزر" أي ينحر الإبل. المعنى: يصفه بضرب السيف وإطعام الضيف.
فتىً كان يدنيه الغني من صديقه إذا ما هو استغني ويبعده الفقر
المعنى: يصفه بمؤاساة الناس من ماله في حال غناه ورفعه كله عنهم في حال فقره
وقالت عمرة الخثعمية ترثي ابنيها، وقال البرقي هي لمحياه بن طليق بن جشم، وأنشد أبياتًا ليست في الاختيار هي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
نعى ابني مخل صوت ناع أصمني فلا آب محبوًا بريد نعاهما
وجاز إلى الناس حتى أعجني يُخبرني بابني أن لن أراهما
بُنيا عجوز خرم الدهر أهلها فما أن لها إلا الإله سواهما
أصمني: ساء أذني فجعله بمنزلة الصمم، فلا آب محوًا أي لا رجع مكرمًا معطى من صوته إذا أعطيته، والبريد الرسول، وفي الخبر عن الرسول ﷺ "إذا أبردتم إلى بريدًا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم" وأعجبني من العجيج وهو الصوت، وخرم أي قطع بالموت.
لقد زعموا أني جزعت عليها وهل جزع أن قلت وابأباهما
بأباهما تريد بأبي هما، كما تقول بأبي أنت، ولكنه لغة بعض العرب يقلبون ياء الضمير ألفًا يقولون: هذا أبا وأنت أخا بمعنى أبي وأخي. المعنى: تستقل الجزع عليهما وتقول: زعموا أني جزعت وليس بجزع أن أفديهما بأبي.
هما أخوا - في القوم - من لا أخا له إذا خاف يومًا نبوة فدعاهما
ويروى "هما أخو في الحرب" وقولها: "أخوا في القوم من لا أخا له"
فصلت بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، وذلك قليل إلا في الشعر عند الضرورة، والنبوة كالجفوة، والمعنى: تصفهما بمعاونة المضطر إذا دعاهما.
هما يلبسان المجد أحسن لبسة شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما
شهابان منا أوقدا ثم أخمدا كان سنًا للمُدلجين سناهما
ما اسطاعا أي ما استطاعا، وقولهما شحيحان أي شحيحان على المجد لا يفارقانه، والسنا الضوء مقصور، والشهاب النجم تقول: كانا نجمين طلعا ثم غابا، وكان الناس يستضيئون بهماز المعنى: تصفهما بحب المجد وأداء حقه وتشبههما بنجمين يستضيء بهما المدلجون إلا أنهما لم يدوما.
هما الفتيان لم يمرا فيلفظا ولم يحلوا لمن أراد أذاهما
لم يمرا من المرارة، أرادت قول الناس "لا تكن حلوًا فتسترط ولا مرًا فتُلقى" المعنى: تقول لم تكن فيهما شراسة تنفر الناس عن صحبتهما، ولا لين يجرئ الناس عليهما.
إذا نزلا الأرض المخوف بها الردى يُخفض من جاشيهما مُنصلاهما
الجأش القلب، ولم يسمع له بجمع، والمنصلان: السيفان ها هنا، ويروى "يسكن" المعنى: تصفهما بالجرأة والاعتماد على السيف في موضع الخوف.
إذا استغنيا حب الجميع إليهما ولم ينأ عن نفع الصديق غناهما
إذا افتقرا لم يجثما خشية الردى ولم يخش رزءًا منهما مولياهما
حب بمعنى حبب، وحب على ما لم يسم فاعله، ولم يجثما أي لم يسقطا مكانهما فعل العاجز، ولم يخش أبناء عمهما جنايتهما، ورزءًا: جناية، تقول: كان غناهما مشتركًا، ولم يعجزها الفقر ولم يحملهما على الجناية في [أقاربهما].
لقد ساءني أن عنست زوجتاهما وأن عريت بعد الوجى فرساهما
ولن يلبث العرشان يُستل منهما خيار الأواسي أن يميل غماهما
عنست زوجتاهما: أي بقيتا بلا زواج، يقال: عنست المرأة إذا بقيت لم تتزوج، وعريت فرساهما: حطت سروجهما بعد الوجى بكثرة الكرة، والعرشان كل بناء مشرف قائم على دعائم عرش، ويقال للسرير عرش، ويستل: ينتزع والأواسي: الدعائم الواحدة آسية، والغما بالقصر والفتح ما غطيت به البيت فإن كسرت أوله مددت. المعنى: تذكر مساءتها بموتهما، ثم ضربت مثلًا لاختلاط أمرها بالبيت المنصوب على قوائم إذا انتزعت دعائمه أسرع السقوط إليه.
وقال آخر:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
صلى الإله على صفي مدرك يوم الحساب ومجمع الأشهاد
نعم الفتى زعم الرفيق وجاره وإذا تصبصب آخر الأزواد
صلى الإله يعني رحمة الله على صديقي، ومدرك اسمه، ومجمع الأشهاد يوم القيامة، وقوله: "تصبصب آخر الأوزاد" أي صارت الأوزاد صببًا جمع صبة وصبابة وهي البقية، ومعنى تصبصب في البيت أي فني ونفد.
وإذا الركاب تروحت ثم اغتدت حتى المقيل فلم تعج لحياد
حثوا الركاب تؤمها أنضاؤها فزها الركاب مغنيان وحاد
ويروى "حثوا ركابهم تيمم مدركًا" وقوله: فلم تعج لحياد أي فلم تمل إلى شيء يمال إليه من المرعى، ويروى "لجياد" بالجيم، لوقوف الخيل وسقوطها لأن الإبل أصبر وأحمد للكد من الخيل، وحثوا الركاب أي أجدوا سيرها، وتؤمها أنضاؤها أي تتبعها مهازيلها من الام وهو القصد ويروي "تؤوبها" أي تتحامل أنضاؤها إليها، وهذا أجود، فزها الركاب أي استخفها وحملها على السير السريع مغنيان من الغناء، وحاد من الحداء.
لما رأوهم لم يحسوا مُدركًا وشعوا أناملهم على الأكباد
ويروى "لما رأوا أن لم" لما رأى أهل الحي أن مدركًا يقفل معهم وجعت أكبادهم جزعًا، فوضعوا أيديهم عليها خوف التقطع. المعنى: يسترحم الله مدركًا يوم القيامة ويصفه بالجود في وقت الضيق، ويشير إلى أنه كان غائبًا في جماعة فلما عادوا، ولم يكن فيهم اشتد ذلك عليهم، وخافوا الهلاك على أنفسهم.
وقال الشماخ بن ضرار في عمر بن الخطاب ﵁ مخضرم
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جزى الله خيرًا من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ليدرك ما قدمت بالأمس يُسبق
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق
كان الشماخ نصرانيًا، وكان جميع الملل يحبون عمر ﵁ لحسن طريقته وشمول عدله وأمن الرعية في سلطانه، وقوله: باركت يد الله أي بارك الله واليد صلة، والأديم الممزق: جلده الذي أصابته الجراحة، ويروى "ذاك الأهاب الممزق" وقوله: فمن يسع ... الخ يريد من تكلف لحاقك كان مسبوقًا لأنه لا يلحقك، وبوائج أي دواهي واحدتها بائجة، ويروى "بوائق" بمعناها، يعني أن ما بقي من أمر السياسة ما لم يفرغ منه دواه، رأيت الوجه فيها تركها مغطاة، وفسر بعضهم أن معنى قوله: بوائج ضغائن في قلوب رجال كأبي سفيان وأهل بيته لم تفتق لم يظهروها، لأنهم لم يجسروا على إظهارها. المعنى: يرثيه ويثني عليه بالسبق فيما كان يأتي ويذر.
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت له الأرض تهتز العضاه بأسوق
ويروى "أصبحت له الأرض" وقال بعضهم أن "أظلمت له الأرض" خطأ واضح بأن قال: كيف تهتز العضاه وتظلم الأرض في حال واحدة وهما مخالفان لأن أظلام الأرض من غم عظيم واهتزاز العضاه من السرور والنعيم. وليس كما ذهب إليه لأن قوله: أظلمت متعلق معناه بقوله: أبعد قتيل بالمدينة الذي أظلمت الأرض لموته فيكون صحيحًا، ولا يكون الإظلام والاهتزاز متصلين، وتقديره يكون وبعد ما أظلمت له الأرض، أي لموته الأرض، أي بعد ذلك كيف يهتز العضاه له، ولأجله
بعد موته لأن ما يهتز بد موته لا يكون له بوجه ولا لأجل موته، وقال هذا المنكر: إنما معناه أبعد قتيل بالمدينة أصبحت له الأرض، يعني كان ملكًا للأرض كلها تهتز له وتورق ولا تجف ولا تسقط، وكان حقها أن تكون بعد موته تيبس وتفنى، ولا يكون في الأرض بعده نبات، والصحيح الأول، والعضاه ضرب من الشجر واحده عضه.
تظل الحصان البكر يُلقي جنينها نثا خبر فوق المطي معلق
لا يقال نثا في الخير، ومعلق نعت للخبر، لأن الراكب أخبر بقتله، فجعله معلقًا مجازًا، المعنى: يصف عظم المصيبة به حتى ظلت الحصان تلقى جنينها لهول الخبر، والحامل إذا عظم عليها ما تكره ربما أسقطت.
وما كنت أخشى أن تكون وفاته بكفى سبنتى أزرق العين مطرق
السبنتى: الجريء، وأكثر ما يوصف به النمر أزرق العين يعني أبا لؤلؤة - لعنه الله - وكان غلامًا روميًا، وقيل: كان أصبهانيًا للمغيرة بن شعبة فتك بعمر رحمة الله عليه في الصلاة، مطرق مسترخي الجفن، ويروي "أن تكون جنازة" بفتح الجيم أي ميتًا. المعنى: يقول: ما كنت أخشى أن تكون - مع جلالته - وفاته على يدي عبد مع خساسته ويصفه بالجرأة.
وقال صخر بن عمرو بن الشريد أخو الخنساء يرثي معاوية أخاه وكان قتله دريد وهاشم ابنا حرملة المريان فقيل لصخر اهجهم فقال: ما بيني وبينهم أقرع من
الهجاء، ولم أمسك عن هجائهم إلا صونًا لنفسي عن الخنا ثم أنه غزاهما وقتل أحدهما وقال:
(الثالث من الطويل والقافية من المتدارك)
وقالوا ألا تهجو فوارس هاشم ومالي واهداء الخنا ثم ماليا
أبى الهجر أني قد أصابوا كريمتي وأن ليس اهداء الخنا من شماليا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحية فحياك رب الناس عني معاويا
فوارس هاشم يعني هاشمًا المري وأصحابه، ونصب أهداء الخنا لأنه أراد مالي ولإهداء الخنا، فلما حذف الجار نصبه، والكريمة أخوه، والهاء للمبالغة، ومن شماليا يعني من خلقي، وجمعه شمائل، ومعاويا أراد يا معاوية فرخم. المعنى: يذكر رزاه بأخيه، ووصفه بنهاية الكرم ووصف نفسه بالعقل واجتناب الفحش، ثم حيا أخاه.
وهون وجدي أنني لم أقل له كذبت ولم أبخل عليه بماليا
ويروي "وطيب نفسي" المعنى: يتعزى بأنه لم يوحشه ولم يكذبه ولم يمنعه ماله.
لنعم الفتى أدى ابن صرمة بزه إذا راح فحل الشول أحدب عاريًا
ويروي "فنعم الفتى" أي قتله ورد بزه إلى أهله، وقوله أحدب أي حدب من الهزال، وعاد قد عري من اللحم، يقول: لنعم الفتى هو وقت الجدب وقلة الخير يجود بماله.
وذي إخوة قطعت أقران بينهم كما تركوني واحدًا لا أخا ليا
يعني دريدًا وأصحابه، وكان غزا فقتل دريدًا بأخيه، وأقران بينهم أي حبال وصلهم، المعنى: يصف إدراكه الثأر بأخيه.
وقالت أخت المُقصص الباهلية، إسلامية، والمقصص اسم مفعول من قصصت إذا جصصت والقصة الجص:
[الثاني من الكامل والقافية من المتواتر]
يا طور يومي بالقليب فلم تكد شمس الظهيرة تُتقى بحجاب
ومُرجم عنك الظنون رأيته وراك قبل تأمل المرتاب
القليب هنا اسم موضع، ولم تكد شمس الظهيرة .. الخ تعني طول اليوم يوم هلاكه ويروى "بالجريب" ومرجم عنك الظنون أي رب رجل رجم الظنون عنك، فقصدته وأغرت عليه قبل أن يتأمل من يشك في الأمر، تصف سرعة وروده على من يظن أنه في بعد منه، وتشير إلى أنه كان إذا هم لم يردعه شيء عن الوصول إلى مراده
فأفأت أدمًا كالهضاب وجاملًا قد عدن مثل علائف المقصاب
لكم المُقصص لا لنا أن أنتم لم يأتكم قوم ذوو أحساب
فأفأت أي فغنمت، أدما أي ابلا بيضا، وكالهضاب جمع هضبة، أي كالجبال سمنًا وعظمًا، وجاملًا أي جمالًا، وقولها: "قد عدن مثل علائف المقصاب" تعني ما يعلف للذبح، والمقصاب شبه المنجل، تريد كأنها علائف
سمنت للنحر، والمقصاب أيضًا الرجل الكثير القطع، والقصاب الذي صناعته ذلك، فعلى هذا معناه مثل علائف الرجل الذي ينحر الإبل كثيرًا، ويروى "المقضاب" بالضاد معجمة، نسبة إلى القضب كأنها من سمنها علفت القضب، ومن روى "مثل علائف القصاب" فلا شغل فيه. المعنى: تستطيل يوم هلاكه ثم توعدت بدرك ثأره.
فكه إلى جنب الخوان إذا غدت نكباء تقلع ثابت الأطناب
وأبو اليتامى ينبتون ببابه نبت الفراخ بمكليء معشاب
الفكه: الحسن الخلق الضحوك، وأبو اليتامى أي هو للأيتام بمنزلة الأب، وينبتون ببابه أي يجتمعون عنده، ويروى "بكاليء" والمعنى واحد، والمعشاب مكان كثير العشب. المعنى: تصفه بالبشاشة للأضياف والتوفر على الأيتام.
وقالت عمرة بنت مرداس ترثي أخاها عباسًا، إسلامية:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
أعيني لم أختلكما بخيانة أبى الدهر والأيام أن أتصبرا
وما كنت أخشى أن أكون كأنني بعير إذا يُنعى أخي تحسرا
لم أختلكما بخيانة لم أخدعكما ولا أخونكما أي أقول لم تبكيا وقد فعلتما، ثم بينت عذرها عند عينيها فقالت: أبي الدهر أي لا صبر لي على الأيام، فلهذا استمد من دموعكما، وتحسر البعير إذا سقط معييًا، شبهت نفسها في سقوطها عند نعي أخيها ببعير يسقط كلالًا.
ترى الخصم زورًا عن أخي مهابة وليس الجليس عن أخي بأزورا
ويروى "أبي" والخصم هنا بمعنى الجمع، وزورا أي مزوري، ونصبت مهابة لأنه مفعول له، تعني ترى الخصوم مزورين عن أخي لهيبته. المعنى: تصفه بالشدة على خصمه واللين لجليسه.
وقال ريطة بنت عاصم، إسلامية:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وقفت فأبكتني بدار عشيرتي على رزئهن الباكيات الحواسر
الباكيات قال الديمرتي ويروى "الباليات" تعني موضع الخيام، وقالوا: "الذاهبات والأجود أن تكون "الباكيات" وهن النساء.
مضوا كسيوف الهند وراد حومة من الموت أعيا وردهن المصادر
شبهتهم بسيوف الهند رشاقة وصرامة، ووراد حومة جمع وارد، والحومة موضع القتال، لأن الأقران يحومون حولها، وكأنه موضع حومة، وقولها: أعيا وردهن المصادر أي لم يصدروا عنها:
فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا بدار المنايا والقنا متشاجر
متشاجر: متداخل وسمي الشجر شجرًا لتداخل أغصانه. المعنى تصف وقوفها بدار عشيرتها وبكاها لفقدهم، ووصفتهم بحفظ الحريم عند الخطر العظيم.
ولو أن سلمى نالها مثل رزئنا لهدت ولكن تحمل الرزء عامر
الرزء: المصيبة، وسلمى هنا جبل ببلاد طيء، وهما جبلان: أجأ وسلمى وهدت أي كسرت. المعنى تقول: لو أن مصيبتنا نالت الجبل لهدته ولكن قبيلتي عامرًا تصبر لأنها أشد من الجبل.
وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل أخت سعيد بن زيد تبكي زوجها عبد الله بن أبي بكر، إسلامية، وقتل عنها يوم الطائف رماه أبو محجن بسهم فقتله:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
اليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفكن جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
ويروي "عيني سخينة" أي باكية، وقولها: ولا ينفك جلدي أغبرًا من الغبرة وهو التقشف، فلله عينًا تعجب منها، وقولها أحمى في الهياج تريد أحمى للحقيقة وهو المسموع من كلامهم، وجاء هذا البيت بغيرها.
إذا أشرعت فيه الأسنة خاضها إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا
ويروى "الرمح أحمرًا" أي شديدًا، والعرب تصف الشدة بالحمرة فيقولون: الموت الأحمر لأن الغالب على ألوان السباع الحمرة، وقيل: بل لأن الدنيا تحمر في عين من تفارقه روحه عند ذلك. ويروى "حتى يترك الجون أشقرا" يعني يترك الأدهم وهو الأسود أشقر لكثرة ما ينصب عليه من دمه. المعنى: تحلف بأنها لا تفارق الحزن، ولا تقرب النعمة، ثم عجبت من إقدامه، ووصفته بالخوض إلى الموت غير مكترث.
وقالت امرأة من طيء:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تأوب عيني نُصبها واكتئابها ورجيت نفسًا راث عنها ايابها
أعلل نفسي بالمرجم غيبه وكاذبتها حتى أبان كذابها
تأوب: عاود، والتأوب لا يكون إلا بالليل، والنصب ما يؤذي منه، ومنه قوله تعالى: ﴿بِنُصْبٍ وعَذَابٍ﴾، وقولها: أعلل نفسي ... البيت أي من غيابه بمرجم يظن به الظنون، وكاذبتها أي كاذبت نفسي، وحتى أبان أي ظهر كذبها. المعنى: تصف ورود الحزن عليها ليلًا، وخصت العين لأنها موضع البكاء، وذكرت تعليل نفسها وتكذيبها الخبر حتى ظهر كذبها.
ألهفى عليك ابن الأشد لبهمة أفز الكماة طعنها وضرابها
لبهمة أي لجماعة من الخيل شداد، وأفز الكماة طردهم واستخف بهم. تعني كنت تكفيهم البهمة بنفسك.
متى يدعه الداعي إليه فإنه سميع إذا الآذان صم جوابها
هو الأبيض الوضاح لو رميت به ضواح من الريان زالت هضابها
متى يدعه ... البيت تعني إذا لم يجيبوا خوفًا على أنفسهم فأنت سميع لأنك لا ترهب الموت، والأبيض والوضاح واحد، والريان جبل، وهضابها ما دون المرتفع. المعنى: تلهف عليه إذ لا يغيث الشجعان وقد اشتد بهم الأمر، وأخذ فيهم الطعن والضرب ثم وصفته بسرعة الإغاثة إذا لم يغث غيره، ووصفته بالحسن والشهرة والجلادة.
وقالت العوراء بنت سبيع، إسلامية:
(من مرفل الكامل والقافية من المتواتر)
أبكي لعبد الله إذ حشت قُبيل الصبح ناره
طيان طاوي الكشح لا يُرخى لمظلمة ازاره
يعصي البخيل إذا أرا د المجد مخلوعًا عذاره
حشت ناره أوقدت، وهو مثل أرادت أنه قتل قبيل الصبح فضربت لقتله مثلًا بإيقاد النار، الطيان الجائع، وهنا هو الضامر، وقولها: "لا يرخى لمظلمة عذاره" الأصل في هذا أنهم ربما مروا إذا أظلم الليل إلى بعض النساء وقضوا منهن أوطارهم، فإذا خرجوا أرخو أزرهم لتنجر على الأثر فلا يبين، والمظلمة: المرأة التي أظلم عليها الليل، ويروى "لمعضلة" وهي الشدة والكريهة، ومخلوعًا عذاره تعني أنه لا يطيع العاذل. المعنى: ترثيه وتصفه بالجود والعفة.
وقالت عاتكة بنت زيد ترثي عمر بن الخطاب ﵁:
(الثاني من الرمل والقافية فيها المتدارك والمتراكب)
من لنفس عادها أحزانها ولعين شفها طول السهد
جسد لفف في أكفانه رحمة الله على ذاك الجسد
فيه تفجيع لمولى غارم لم يدعه الله يمشي بسبد
عادها: جاءها قالوا والعود بمعنى الابتداء قد يستعمل، وفي التنزيل "وما يكون لنا أن نعود فيها"، وشفها أضر بها وأذى بها، وتفجيع لمولى غارم تعني ابن عم له لزمه الغرم وكان يتحمل عنه فقد فجعه فقده، وبسبد تعني المال، تريد أفقره فلم يبق شيئًا، ويروى "لملوى جارم" المعنى تقول: من لنفس حزينة وعين ساهرة بإزالة الغم عنها، ثم ذكرت السبب في حزنها وسهرها فقالت: جسد تعني جسد المرثي، واسترحمت له ووصفته بكفايته الجناة والغارمين.
وقالت امرأة من بني الحارث:
(من الرمل والقافية من المتدارك)
فارس ما غادروه ملحمًا غير زميل ولا نكس وكل
لو يشا طاربه ذو ميعة لاحق الآطال نهد ذو خصل
غير أن البأس منه شيمة وصروف الدهر تجري بالأجل
ما زائدة في ما غادروه، والمغادرة الترك، وملحمًا أي طعمة للسباع والزميل الضعيف، والنكس الذي لا خير فيه، وقولها: لو يشأ طار به ... البيت تعني فرسًا نشيطًا، والميعة النشاط تقول: لو شاء لنجا ولكن البأس شيمة منه منعته من الفرار فقتل، وقولها لاحق الآطال أي مضمر الخواصر. المعنى: تصف أنه ترك مقتولًا، ونفت عنه الضعف، وقالت: كان يقدر على الخلاص ولكن طبعه ومنعه من الفرار فقتل، وصروف الدهر تجري بالأجل أي تجري الأجل.
وقال جرير يرثي قيس بن ضرار بن القعقاع
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وباكية من نأي وقد نأت بقيس نوي بين طويل بعادها
أظن أنهمال الدمع ليس بمنته عن العين حتى يضمحل سوداهما
وحق لقيس أن يباج له الحمي وأن تعقر الوجناء أن خف زادها
بعادها: يعني بعاد نوي، وقوله: أن خف زادها - بفتح أن- يعني لأن خف زادها، أي مات صاحبها، يقول: كم من باكية من بعد قيس وقد مات، ثم أن يباح له الحمي، يعني لفقده فإنه كان يحميه، وأنن تعقر ناقته الوجناء، وعي العظيمة الوجنتين، لأنه مات صاحبها، وكانوا يفعلون ذلك.
وقال آخر:
(الأول من الكامل والقافية من المتراكب)
إن المساءة والمسرة موعد أختان رهن للعيشة أوعد
فإذا سمعت بهالك فتيقن أن السبيل سبيله فتزود
المعنى: يوميء إلى أن المساءة لا تدوم، وأنها تتعقبها مسرة، وأن الهموم لها انقضاؤها، كما قيل: ما من فرحة إلا وبعدها ترجه، وجمل المساءة والمسرة هنا للغداة والعشي، لأن تغير الأحوال يكون فيهما، ويعلم أن الموت سبيل كل واحد فينذر بالتأهب والتزود.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والفاقية من المتراكب)
أخ وأب بر وأم شفيقة تفرق في الأبرار ما هو جامعه
سلوت به عن كل من كان قبله فأدهلني عن كل من هو نابعة
المعنى: يرثيه وبصفه بأنه كان بمنزلة أخيه وأبيه وأمه، وأنه كان جامعًا لخلائق الأبرار كلهم، وإن شدة الجزع لع وعظم المصيبة بموته أنساه موت كل من تقدم، ومات قبله من أعزته، وهون عليه موت من يموت بعده لقلة اكثرائه بغيره، وبين أن جزعه كله موقوف عليه لا يتعداه.
تمت المرائي
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع