تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب الأدب (٢)

المعنى بحث على العلم ويبين كثرة الانتفاع به.

إن الأمور دقيقها مما يهيج له العظيم

المعنى: ينهى عن احتقار اليسير من أذى الناس وإنه مما يهيج الأمر العظيم منه ويتولد.

والتبل مثل الدين تقضاه وقد يلوي الغزيم

التبل: الحقد, وجمعه تبول. يلوي: يمطل, لواه بدينه: مطله, ينهاه عن أحقاد الناس ويبين أن الحقد كالدين يقضى وإن مطل الذي عليه الدين.

والبغي يصرع أهله الظلم مرتعه وخيم

المعنى: يزجره عن البغي, ويبين أن البغي ينقلب على الباغي, وينهاه عن الظلم فإنه لا تحمد عاقبته.

ولقد يكون لك الغريب أخًا ويقطعك الحميم

المعنى يقل: تمسك بمن يصادقم وإن لم يكن بينك وبينه نسب, فربما واصلك الغريب وجفاك القريب.

والمرء يكرم للغنى ويهان للعدم العديم

المعنني: يحثه على اقتناء المال, ويقال: بل يسفه رأي أهل الزمان في إكرامهم الغني وإهانتهم الفقير, لأنه قال بعد ذلك: قد يقتر الحول التقي, وهذا وجه.

قد يقتر الحول التقي ويكثر الحمق الأثيم

الحول: الكثير الاحتيال, والحمق الأحمق. يقول: لا يقع الغنى لكثرة الحيلة والتقى لا الفقر يقع لقلة الحيلة والفجور, ولكنه تقدير الله تعالى فلا تنفع الحيلة في هذا.

يملى لذاك ويبتلى هذا فأيهما المضيم

المعنى: أن غنى الحمق الأثيم إملاء يعود عليه بالضرر, وفقر التقي ابتلاء يوجب العوض.

والمرء يبخل في الحقوق وللكلالة ما يسيم

الكلالة من القرابة ما عدا الأبوة والبنوة, يقال: فلان ابن عمي كلالًة إذا لم يكن ذا قربى من أب.

ما بخل من هو للمنون وربيها غرض رجيم

الرجيم: المرجوم, المعنى: يحث على الجود بالموجود, وإن المرء يتحقق أنه غير خالد, ولا يدوم له شيء من أحوال الدنيا.

ويرى القرون أمامه همدوا كما همد الهشيم

وتخرب الدنيا فلا بؤس يدوم ولا نعيم

همدوا: بادوا وهمد الهشيم جفافه وانتشاره. المعنى: وصف أن الدنيا فانية لا يدوم بؤسها ولا نعيمها.

كل امرىٍء ستئيم منه العرس أو منها يئيم

ما علم ذي ولٍد أيثكله أم الولد اليتيم

يقول: إما أن يموت الرجل فتبقى امرأته أيمًا أو تموت المرأة فيبقى الرجل منها أيمًا, والثكل: الحزن بموت الولد. المعنى يقول: لا تثقن بأهل ولا ولد فإنك لا تدري من الذي يموت قبل صاحبه, ولكل اجتماع من خليلين فرقة.

والحرب صاحبها الصليب على تلاتلها العزوم

الصليب: الصلب, والتلاتل: الشدائد المغلقة, والعزوم: الذي يستمر على عزمه إلى أن يبلغ ما يرومه.

من لا يمل ضراسها ولدى الحقيقة لا يخيم

ضراس الحرب عضاضها, تقول: ضرسه كأنه عضه بضرسه, ولا يخيم أي لا يجبن عند أمر يحق عليه الدفع عنه.

واعلم بأن الحرب لا يسطيعها المرح السؤوم

المرح: النزق والنشط, والسؤوم: الملول الكثير الضجر, القليل الصبر.

والخيل أجودها المناهب عند كبتها الأزوم

المناهب الكثير العدو, والكبة: أوائل الخيل, والأزوم: العضوض, والأوم: العض.

وقال مضرس بن ربعي, من ضرسه إذا أخذه بأضراسه, والربعي ما نتج أيام الربيع:

((الأول من الكامل والقافية من المتدارك))

إنا لنصفح عن مجاهل قومنا ونقيم سالفة العدو الأصيد

الأصيد: المتكبر, وقد صيد إذا تكبر, والجمع صيد, والسالفة: صفحة العنق, ولكل عنق سالفتان. المعنى: يصف كرمهم وعزهم, ويقول: نحن نعفو عن جهل قومنا ونزيل تكبر عدونا.

ومتى نخف يوما فساد عشيرٍة نصلح وإن نر صالحًا لا نفسد

المعنى: يصفهم بالحزم يقول: إذا خفنا فسادًا في العشيرة تداركناه وأصلحناه وإن رأينا صالحًا قررناه.

وإذا نموا صعدًا فليس عليهم منا الخبال لا نفوس الحسد

نموا أي شرفوا وارتفعوا, والخبال الفساد من قوله: ((لا يألونكم خبالًا)) الحسد جمع الحاسد. المعنى: يصفهم بالكرم ويقول: إذا بنوا بناء عاليًا شريفا وارتفع منهم ذو ثروة لم نتطلب عليهم إفساد حالهم, ولم نحسدهم.

ونعين فاعلنا على ما نابه حتى نيسره لفعل السيد

فاعلنا: يعني فاعل الخير منا, ويروى ((ناله)) أي أصابه, ونابه: بمعنى حزبه. المعنى: يصف حسب المعاونة والمؤاءاة يقول: من رأى منا شرفًا وكرمًا أعناه في مالنا وأنفسنا حتى تتم أموره.

ونجيب داعية الصباح بثائٍب عجل الركوب لدعوة المستنجد

داعية الصباح: المستغيث خوف الغارة, وذلك لأن الغارات إنما تشن في وقت الصباح, فيقول المستغيث واصباحاه. وقوله: بثائب يعني بعسكر لا ينقطع مدده يجيء شيء بعد شيء, وعجل الركوب أي مسرع إلى الإجابة, والمستنجد: المستعين.

فنفل شوكتها ونفثأ حميها حتى تبوح وحمينا لم يبرد

نفل شوكتها أي نكسرها, ونفتأ حميها أي نسكم الحمي, وقد باخت النار تبوخ بوخًا: خبت. المعنى: يصف شجاعتهم وإسراعهم إلى إغاثة المستغيث, وردهم سورة العدو.

وتحل في دار الحفاظ بيوتنا رتع الجمائل في الدرين الأسود

تحل بيوتنا في دار الحفاظ لزومًا للشرف, وخوفًا من الدناءة, والجمائل جمع

جمالة كعمامة وعمائم, والجمالة أكثر من الجمال. المعنى: قيل عن المراد أنا نرعى إبلنا الدرين السود, وترتع إبل الضعفاء والجيران الكلأ نتركه لهم كرمًا, وقيل بل معناه أن نبعد بإبلنا إلى المواضع التي لم ترتع واجتمع حشيشها لعزنا ومنعتنا, والدرين: الأسود البنت الذي قد أسود ويبس.

وقال المتوكل الليثي:

((الأول من المنسرح والقافية من المتراكب))

إني إذا ما الخليل أحدث لي صرمًا ومل الصفاء أو قطعا

الصرم: الاسم من صرمت, والصرم المصدر بالفتح, والصفاء الاسم من المصافاة.

لا أحتسي ماءه على رنٍق ولا يراني لبينه جزعًا

لا أحتسي ماءه على رنق أي لا أغض منه على قذى, ولا أحتمل خليلي علي سيء صنيعه بل أقطعه, ولا مؤونة علي في صرمه, والرنق: الكدر, وصف بالمصدر, ويجوز تسكين النون بمعناه, ولبينه أي لفراقه.

أهجره ثم تنقضي غبر الهجران عني ولم أقل قذعا

غبر الهجران: بقاياه جمع غبرة, ويقال أيضًا غبر وأغبار, والقذع: الكلام القبيح- بفتح الذال وبسكونها, وقد أقذع الرجل إذا جاء بالكلام القبيح.

احذر وصال اللئيم إن له عضهًا إذا حبل وصله انقطعا

العضة والعضيهة البهتان, وزعم قوم أن العضة من العضاه لأنه شوكة يتأذى بها, فكذلك بهت الباهت يتأذى به, ويروي ((إن له بهتًا)) المعنى: يصف في البيت

قلة كرمه في حال الهجران وتركه تقضية المهجور بشنيع الكلام, ويحذر في هذا البيت مواصلة اللئام لما يختلقونه من البهتان عند انقضاء المودة.

وقال بعضهم:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

خليلي بين السلسلين لو أنني بنعف اللوى أنكرت ما قلتما ليا

بين السلسلين موضع من بلاد أسد, ونعف اللوى هنا موضع بعينه وقوله: ((أنكرت ما قلتما ليا)) جواب لو أنني بنعف اللوى يقول: لو كنت في بلدي لرددت عليكما قولكما, وانتصفت منكما.

ولكنني لم أنس ما قال صاحبي نصيبك من ذل إذا كنت خاليًا

قوله نصيبك من ذل هو الذي حكي عن صاحبه, ونصيب رفع بالابتداء وخبره في من ((إذا كنت خاليًا من قومك)) ولم يرد من جميع الناس. المعنى: يخاطب رجلين لحقته منهما جفوة فاحتملهما وبين عذره في ذلك, ودل بما حكي عن صاحبه أن الغربة معها ذلة.

وقال قيس بن الخطيم, والخطيم فعيل بمعنى مفعول, وسمي بذلك لأنه خطم أنفه أي كسر.

((الأول من الوافر والقافية متواتر))

وما بعض الإقامة دياٍر يهان بها الفتى إلا عناء

ذكر الواقدي أن هذه الأبيات للربيع بن أبي الحقيق في عراض قول عامر بن الاطنابة, والذي دعاه إلى ذلك أنه وقع شر بين الأوس والخزرج, ويروى ((إلا بلاء)) وقوله: بلاء أي محنة واختبار, وقد بلوت الرجل ابتليته فإذا قلت: أبليت فهو في الخير. المعنى: تنبيه على أن المقام في دار الهوان محنة يجب الانتقال عنها إذا أمكن.

وبعض خلائق الأقوام داء كداء البطن ليس له دواء

العرب تستعظم البطن, ويقولون في أمثالهم ((فتنة باقرة كداء البطن)). المعنى: يصف اختلاف الأخلاق, ويذكر أن بعضها لا علاج له كاللؤم والدناءة لأنها طبع وشبه ذلك بما ليس له دواء.

يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما يشاء

المنى: جمع المنية, وهو ما يتمناه الإنسان ويحرص عليه. المعنى: يصف أن حرص الرجل يبلغه مراده وتمنيه الشيء لا يقربه منه, نحو الغنى والعزة.

وكل شديدٍة نزلت بحي سيأتي بعد شدتها رخاء

الشديدة: المحنة العظيمة، والرخاء: السعة، المعنى يسلي نفسه، ويعد أن بعد الشدة راحة.

ولا يعطي الحريص غنى لحرٍص وقد ينمي إلى الجود الثراء

غنى النفس ما عمرت غنٌي وفقر النفس ما عمرت شقاء

وليس بنافٍع ذا البخل ماٌل ولا مزٍر بصاحبه السخاء

ينمي: يزيد نموًا ونماء، والثراء: كثرة المال، وصاحبه مثر، والثروة والثراء واحد، وقوله: "غني النفس ما عمرت غنى" يعني الغنى غنى النفس، وكذلك الفقر فقر النفس، وبين أن فقر النفس شقاء لأن صاحبه في غم دائم وطلب لازم. وقوله: "ليس بنافع" إذا لم ينفعه ولا مزر السخاء بصاحبه لأن ما ينقص السخاء من ماله يزيد في حمده. المعنى: يذم البخل والبخيل، ويمدح السخاء والسخي من ماله يزيد في حمده. المعنى: يذم البخل والبخيل، ويمدح السخاء والسخي وبين أن الغني لا يزيده الحرص ولا ينقصه الكرم.

وبعض الداء ملتمٌس شفاه وداء النوك ليس له شفاء

الشفاء ممدود وقصره لضرورة الشعر، والنوك الحمق، وقد نوك ينوك فهو أنوك صحيح الواو. المعنى: لكل داٍء حيلة إلا الحمق فإنه لا دواء له.

وبعض القول ليس له عياٌج كمخض الماء ليس له اتاء

ويروى "عناج" بالنون، وعياج أي منفعة من قولهم: مع عجت به أي ما انتفعت به، ومن روى "ما عجت" بالضم فقد أخطأ، والعناج بالنون أن تكون

الدلو ثقيلة فتشد بحبل في أسفلها إلى عراقها ليؤمن انقطاع الأوزام، وهذا مثل. يقول: بعض القول ليس له فائدة ولا قوة كالماء الذي يمخض ولا يفيد مخضه. ولا يأتي بزبد كما يأتي به اللبن إذا مخض.

وقال منقذ الهلالي، إسلامي، منقذ من أنقذه إذا خلصه، والنقيذة ما ارتجع من العدو:

"الأول من الخفيف والقافية من المتواتر"

أي عيٍش إذا كنت فيه بين حٍل وبين وشك رحيل

الحل مصدر حللت الرحل، ويكون بمعنى الحلول، والوشك: السرعة، والوشيك: السريع، والرحيل: الارتحال.

كل فج من البلاد كأني طالٌب بعض أهله بذهول

الفج: الطريق البعيد، والذحول: الأحقاد جمع ذحل، يقول: أنا سالك كل طريق بعيد كأني طالب ترًة فيه.

ما أرى الفضل والتكرم إلا كفك النفس عن طلاب الفضول

طلاب الفضول: يعني طلب ما يحتاج إليه، وكل ما زاد على الحاجة فهو فضل بمعنى فاضل، والطلاب مصدر طلب كالكتاب والحجاب.

وبلاٌء حمل الأيادي وأن تسـ مع منًا تؤتى به من منيل

منًا: أي منة، والمنيل: المنعم الذي أعطى النائل والنوال، المعنى: يذم كثرة الأسفار ويحث على القناعة.

وقال محمد بن شحاذ الضبي

"الثاني من الطويل والقافية من لمتدارك"

إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد بفضل الغنى ألفيت مالك حامد

ألفيت: وجدت. المعنى: إذا كنت ذا مال ثم تعط غيرك لم تحمد، يحث على الجود.

إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل عليك بروٌق جمٌة ورواعد

البروق والرواعد ها هنا استعارة، يريد به الشدائد، وجمة أي كثيرة.

المعنى: إذا لم يغلب حلمك جهلك لم تزل في محن عظيمة، يحث على الحلم.

إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل جنيبًا كما استتلى الجنيبة قائد

الجنيب: المجنوب، وهو الذي يقاد إلى جنب آخر، ومنه الجنيبة في الخيل والإبل، استتلى: استتبع. المعنى يقول: إذا ركبت في الأمور الشك ولم تعزم عزمة مصمم لم تزل ذليلًا تتبع غيرك، ويحث على الجد والصرامة.

إذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما يريب من الأدنى رماك الأباعد

يقال: عركته بجنبي إذا أغضيت عنه وتغافلت، المعنى يقول: إذا لم تدار أدانيك اجترأ الأجانب عليك، كأنه يحث على حسن معاشرة الأقارب.

وقل غناًء عنك ماٌل جمعته إذا كان ميراثًا وواراك لأحد

قل ما يغني عنك أي لا يغني عنك مال، وواراك: سترك، ولأحد يعني اللحد. المعنى: يحث على الجود يقول: لا يغني عنك مال تجمعه ثم تورثه وتسكن أنت القبر فإذا فعلت ذلك تلبست عارًا.

تجلببت عارًا لا يزال يشبه سباب الرجال نثرهم والقصائد

ويروى "تجللت عارا" أي لبسته، ويشبه يزيده، ويروي "شباب الرجال" أحداثهم، وأما سباب الرجال من السب وهو الشتم، وأصله القطع، ونثرهم يعني منثور الكلام، والقصائد بمعنى منظومه. يقول: إذا لم تجد بالمال تلبست عارًا لا يزال يذكرونك به في نظمهم ونثرهم.

وقال آخر:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

ويل أم لذات الشباب معيشًة مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندي

ويل أم: أراد ويل لأم لذات الشباب، ويقال أيضًا "ويل أم" بضم اللام، والندي الكثير الندى. المعنى: يمدح الشباب مع المال الكثير والجود.

وقد يقصر القل الفتى دون همه وقد كان لولا القل طلاع أنجد

يقصر الفتى: يحبسه، وسمي القصار قصارًا لأنه يحبس الثياب في الغسل، ومنه المقصورة في المسجد ومنه قوله تعالى: "حور مقصورات في الخيام"، والقل والقلة والكثر والكثرة بمعنى واحد. وطلاع أنجد أي كان مشهورًا في الناس لولا قلة ماله، وأنجد جمع نجد، وهو المكان المرتفع، وكل من علا نجدًا لم يخف والعرب تفتخر بذلك.

وقال الحكم بن عبدل، اللام في عبدل زائدة أي عبد، إسلامي.

"الأول من المنسرح والقافية من المتراكب"

أطلب ما يطلب الكريم من الـ رزق بنفسي وأجمل الطلبا

قوله: أجمل الطلب يعني لا أطلب من وجه يحلقني عاره، ثم بين بعد ذلك مراده في الأبيات بعده.

وأحلب الثرة الصفي ولا أجهد أخلاف غيرها حلبا

قوله: وأحلب الثرة الصفي أي الكثيرة الدر، والصفي: الغزيرة، وأخلاف جمع خلف وهو رأس الضرع، والحلب مصدر حلب واللبن حلب أيضًا، وهذا البيت مثل، يقول: أطلب من الكريم الكثير العطاء، ولا أطلب من غيره، ثم بين علة ذلك.

إني رأيت الفتى الكريم إذا رغبته في صديعة رغبا

والعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئًا إلا رهبا

العلاء: الرفعة أي لا يبتغي الحمد والثناء ولا يعطيك شيئًا إلا إذا رهب.

قد يرزق الخافض المقيم وما شد بعنٍس رحلًا ولا قتبا

ويحرم المال ذو المطية والرحـ ل ومن لا يزال مغتربا

ولم أجد عروة الخلائق إلا الدين لما اعتبرت والحسبا

الخافض: الوادع من الخفض وهو الدعة، والعنس: الناقة الصلبة، والقتب لا يكون للإبل، وعروة الخلائق أصلها وجمعها عرى، وكل شيء يؤيد به شيء فهو عروته، وفيه يقال: اشتدت عرى الدين أسبابها، ويروي "لما اختبرت". المعنى: رب خافض مقيم يرزق ومسافر يحرم.

وقال آخر:

"الأول من الكامل والقافية من المتدارك"

يا أيها العام الذي قد رابني أنت الفداء لذكر عاٍم أولا

رابني أنزل بي ما يحزنني، وأصله من الريب وهو الشك، معناه: أوقعني في أمر لا أدري أأتخلص منه أم لا.

أنت الفداء لذكر عاٍم لم يكن نحسًا ولا بين الأحبة زيلا

زيل أي فرق، والعرب تقول: زلت الشيء من الشيء بمعنى ميزته.

المعنى: يشكو عامه الذي هو فيه لتفريقه بينه وبين أحبائه، ويشكر عامه الماضي لتآلفهم فيه.

وقال الفرذدق:

"الأول من الوافر والقافية من المتواتر"

إذا ما الدهر جر على أناٍس كلاكله أناخ بآخرينا

كلاكله استعارة، والكلكل: الصدر، وأراد به حوادث الدهر، جر على أناس حوادثه، وأناخ نزل من أنخت البعير.

فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا

الشامت: الفرح بمصيبة غيره وفي المثل "الشمات لؤم" المعنى: يستدفع ويتسلى بالتساوي في الموت.

وقال الصلتان العبدأ، والصلتان الماضي الصلت في أمره، ومنه سيف صليت أي مسلول، إسلامي:

"من المتقارب والقافية من المتدارك"

أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الليالي ومر العشي

كر الليالي: مرورها ليلة بعد ليلة، واعتقدوا أن الليلة إذا مرت عادت، ويجوز أن تكون تكر ليلة مكان أخرى، ومر العشي أراد جمع العشية، وهي آخر النهار، ويروي "كر الضحاة".

إذا ليلٌة هرمت يومها أتى بعد ذلك يوٌم فتى

هرمت يومها أي أصابته شيئًا متناهيًا فذهبت به، ويوم فتى أي جديد، والفتى الحديث السن، ومصدره الفتاء بالمد.

نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من لا عاش لا تنقضي

نروح: نخرج رواحًا: ونغدو نخرج غدوًا، أراد خروجهم بالليل، المعنى يذكر تأثير الليالي في شيب الصغار وفوت الكبار، ويذكر تعاقب الليل والنهار.

تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجٌة ما بقي

يذكر كدح الناس في الليل والنهار في حاجاتهم.

إذا قلت يومًا لمن قد ترى أروني السري أروك الغني

السري: الكريم وأصله المختار لأن سروة الشيء خياره. المعنى: يصف سقوط مقادير الكلام في الناس، وأنهم لا يعدون الكرم فيهم إلا الغنى دون الحسب والمنصب وشرف النفس وحسن الخلق.

ألم تر لقمان أوصى بنيه ووصيت عمرًا فنعم الوصي

أوصى لقمان: يعني لقمان الحكيم، وكان عبدًا حبشيًا لرجل من بني إسرائيل، وكان خياطًا، وروي أنه كان نجارًا، وقال أوصى بنيه وإنما أوصى ابنه

لأن الوصية وإن كان المخاطب بها واحدًا فالمراد بها العموم، وأوصيت عمرًا يعني ابنه، وجعل الوصي بمنزلة الموصي وهذا أقربها، والثاني فنعم الوصي يعني الموصي يريد نفسه، ومادح نفسه إذا كان مصيبًا في مدحه دالًا غيره على نفعه لا يخرج من حد الحكمة، قال الله ﷿: "والأرض فرشناها فنعم الماهدون" والوجه الثالث يريد لقمان وهذا أبعدها لاعتراض جملة بينهما

بني بدا خب نجوى الرجال فكن عند سرك خب النجي

بني- بكسر الياء وفتحها- تصغير ابني الخب: الخداع بالكسر السر، والنجي المسار يعني المناجي.

وسرك ما كان عند امرٍئ وسر الثلاثة غير الخفي

المعنى: يحثه على كتمان السر.

تم باب الأدب

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.