تجاوز إلى المحتوى

من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)

باب معرفة في الطعام والشراب

قال أبو محمد " وفلان يدعو الجفلى والأجفلي إذا عم قال طرفة ":

نحن في المشتاة تدعو الجفلىلا ترى الآدب فينا ينتقر

المشتاة الشتاء والشتاء عندهم جدب والانتقار أن يخص بدعوته والاسم منه النقري والآدب الداعي والدعوة المأدبة والمأدبة ومعنى البيت نحن مطاعيم كرام دعواتنا في الجدب والأزل عامة لا نخص بها بعض الناس دون بعض وفي الشتاء تقل الألبان وتخف الأزواد عندهم فعند ذلك يبين جود الجواد والجفلي في موضع نصب نعت لمصدر محذوف كأنه قال ندعو الدعوة الجفلى كما يقال ندعو الدعوة العامة.

قال أبو محمد " والأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه قال البعيث " يهجو جريرا:

لقي حملته أمه وهي ضيفةفجاءت بيتنٍ للضيافة أرشما

ويروي بنّز. أللقى الشيء الملقى يجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره اهج لقى أو ذمّ لقى ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداءٍ محذوف ومخرجه على الذم كأنه قال أنت لقى وقد جوز بعضهم نصبه على النداء وهو بعيد لأن النكرة لا يحذف منها حرف النداء لا تقول راكبا تعال تقديره يا لقى ولا يجوز أن يكون منصوبا على الحال ويكون العامل حملته لأن

اللقي هو المطروح بعد الولادة في موضع ليلتقط فيمتنع أن يكون حملته في حال ما هو لقي. والنّزّ الخفيف. المعنى أنه يخف عند الضيافة والاستطعام وقوله وهي ضيفة أي جاءت به لغير رشدةٍ واليتن الذي تخرج رجلاه من الرحم قبل يديه وهي ولادة مذمومة عندهم.

قال أبو محمد " البغر أن يشرب الماء فلا يروي قال وعير رجل من قريش فقيل مات أبوك بشما وماتت أمك بغرا " الذي عير ذلك ولد سليمان بن عبد الملك يقال أنه أصاب امرأة سليمان البغر حتى ماتت وكان سليمان بن عبد الملك أكل ثمانين كلية بعد الغداء فمات بشما.

قال أبو محمد " يدي من اللحم غمرة ومن اللبن والزبد وضرة " وأنشد لأبي الهندي عبد الله بن شبث بن ربعي:

ستغنى أبا الهندي عن وطب سالمأباريق لم يعلق بها وضر الزبد
مفدمة قزاً كأن رقابهارقاب بنات الماء تفزع للرعد

الوطب سقاء اللبن والتلطخ بوسخه ومفدمه مشدودة وشبه أعناق الأباريق بأعناق طير الماء وجعلها تفرغ للرعد لأنها تمد أعناقها مع طولها فتزداد طولا. وقولهم يدي من كذا فعلة المسموع منهم في ذلك ألفاظ قليلة وقد قاس قوم من أهل اللغة على ذلك أشياء فقال يدي من الإهالة سنخة ومن البيض زهمة ومن التراب تربة ومن التين والعنب والفواكه كتنة وكمدة ولزجة ومن العشب كتنة أيضاً ومن الجبن نسمة ومن الجص شهرة ومن الحديد والشبه والصفر والرصاص سهكةٌ وصدئة أيضا ومن الحمأة ردغة ورزغة بغين معجمة ومن الخضاب ردعة بعين غير معجمة ومن الحنطة والعجين والخبز نسغة ومن الخل والنبيذ خمطة ومن الدبس والعسل دبقة ولزقة أيضا ومن الدم شحطة وشرقة ومن الدهن زنخة ومن الرياحين ذكية ومن الزهر زهرة ومن الزيت قنمة ومن السمك سهكة وصمرة ومن السمن دسمة ونسمة ونمسة ومن الشهد والطين لثقة ومن العذرة جعرة وطفسة أيضا ومن العطر عطرة ومن الغالية عبقة ومن الغسلة والقدر وحرة ومن الفرصاد قنئة ومن اللبن وضرةٌ ومن اللحم والمرق غمرةٌ ومن الماء بللة وسبرة ومن المسك ذفرة وعبقة ومن النتن قنمة ومن النفط

جعدة قال أبو محمد " والعلماء بلغة العرب يجعلون الطلا الخمر بعينها ويحتجون بقول عبيد:

هي الخمر تكّنى الطلاكما الذئب يكنى أبا جعده

هذا البيت ناقص وهكذا ويروى وهو من الضرب الرابع من المتقارب وقد سقط من صدره جزء وتمامه هي الخمر والخمر تكني الص هذا البيت ناقص وهكذا يروى وهو من الضرب الرابع من المتقارب وقد سقط من صدره جزء وتمامه هي الخمر والخمر تكنى الصلاء أو نحو ذلك ومعنى البيت أن الخمر يكنى عنها بالطلاء وهي كنية حسنة وتفعل فعلا قبيحاً كما أن كنية الذئب حسنة وفعله قبيح.

قال أبو محمد " والخمطة التي أخذت شيئاً من الريح " قال أبو ذؤيب:

فأقسم ما أن بالة لطميّةٌيفوح بباب الفارسين بابها
وما الراح راح الشأم جاءت سبيئةلها غاية تهدي الكرام عقابها
عقار كما النيء ليست بخمطةولا خلّةٍ يكوي الشروب شهابها

البالة بالفارسية بيلة وهي الوعاء وعاء الطيب واللطمية منسوب إلى اللطمية واللطمية عيرٌ تحمل المتاع والعطر فإن لم يكن في المتاع عطر فليست بلطيمة والفارسون تجار وكان كل شيء يأتيهم من ناحية العراق فهو عندهم فارسي ويفوح ويهيج وبابها أراد باب حانوتها وسميت لطيمة لأنها يتطيب بها الملاطم وهي الخدان والعارضان والراح الخمر وسبيئة مشتراةٌ والغاية الراية بعينها وهي العلامة وكان الخمار ينصب غاية على بابه إذا رأى الشريف علم أن ثم خماراً وخمراً تباع والشاعر يرى أن الخمر إنما يشتريها الكرام وعقابها رايتها والعقاب والراية واحد وإذا اختلف اللفظان حسن وأن كان المعنى واحدا والعقار التي تعاقر الدن أو تعاقر العقل ويقال هي التي بقيت منها بقية في أسفل دنها لطول مر السنين عليها كماء النيء أراد في صفائه وهو ما قطر من اللحم والخمطة التي أخذت طعم الادراك ولم تدرك وتستحلم والخلة الحامضة ولا خلة أي مجاوزة القدر خرجت من حال الخمر إلى حال الحموضة والخل يقول فليست بخمطة لم تدرك ولا خلة قد جاوزت الادراك ولكنها على ما ينبغي

أن تكون عليه في طعمها وطيبها والشروب جمع شرب وهم الندامى أي فليس يؤذي الندامى حدتها ويقال ماء النيء الدم وروي كماء الني والني الشحم. قال أبو محمد " والكسيس السكر " وأنشد:

فإن تسق من أعناب وج فإننالنا العين تجري من كسيس ومن خمر
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

الكسيس قيل هو شراب يتخذ من الذرة أو الشعير وقال أبو عمرو والكسيس من أسماء الخمر قال وهي القنديد وأما السكر فقال أبو عبيد السكر نقيع التمر الذي لم تمسه النار ووج الطائف وبها كروم كثيرة وأراد فإن تسقمن ماء أعناب وج فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.

فروق في الأرواث قال " وونيم الذباب " وأنشد:

لقد ونم الذباب عليه حتىكأن ونيمه نقط المداد

أخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن أبن دريد أن أبا حاتم أنكر هذا ولم يعرفه ولا البيت الذي احتج به على أنه جاء به في كتاب الفرق واستضعفه يقال ونم ينم ونماً وونيما شبه خرؤ الذباب عليه بنقط المداد.

معرفة في الوحوش قال أبو محمد " والشاة الثور من الوحش " قال تالأعشى يصف ثوراً يحفر كناسه:

يلوذ إلى ارطاة حقفٍ تلفهخريق شمال يترك الوجه أقتما
للشاعر الأعشى، من قصيدة «ألم خيال من قتيلة بعدما»
منكبا على روقيه يحفر عرقهاعلى ظهر عريان الطريقة اهيما
فلما أضاء الصبح ثار مبادراًوحان انطلاق الشاة من حيث خيّما

يلوذ يلجأ وأرطاة واحدة الارطي وهو شجر ورقه عبل مفتول ومنبته الرمال وله عروق حمر يدبغ بورقه أساقي اللبن فيطيب طعم اللبن فيها ووزن ارطي فعلى وألفها الأولى أصل والثانية للالحاق لا للتأنيث والقف ما أعوج من

الرمل وجمعه احقاف. والخريف ريح شديدة الهبوب والشمال الريح التي تهب عن يمين مستقبل قبلة العراق. والاقتم الذي تعلوه قتمة وهي الغبرة وقوله مكباً أي مطأطئٌ رأسه يحفر عرق هذه الارطاة فيتخذ كناسا يكتن فيه من الحر والبرد يقال اكب على الشي إذا عكف عليه واكببت على الشيء إذا تجانأت عليه وقد كببته لوجهه وهذا من النوارد أن يكون المتعدي بغير همزة واللازم بالهمزة. وقوله على ظهر عريان الطريقة أي على ظاهر طريق وأهيم رمل غير متماسك ونما يحتفر في أصول الأرطي لأن منبته رمل واحتفاره يسهل عليه.

وقوله فلما اضاء الصبح ثار أي قام هذا الثور مبادرا من كناسه وهو الوقت الذي حان فيه تركه الكناس زخيم أقام.

فروق في أسماء الجماعات قال أبو محمد " وهنيدة المائة لا يدخلها ألف ولام ولا تصرف " قال جرير بن عطية بن الخطفي ويكني أبا حرزة:

أعطوا هنيدة يحدوها ثمانيةما في عطائهم منّ ولا سرف
للشاعر جرير، من قصيدة «انظر خليلي بأعلى ثرمداء ضحى»

يمدح يزيد بن عبد الملك ويذكر إيقاعه بالمهالبة يقول لا يمن إذا أعطى ولا يغفل عمّن ينبغي أن يعطيه وهنيدة اسم للمائة معرفة فإذا قلت هند كان اسما للمائتين وكان عبد الملك أعطاه مائة ناقة من نعم كلب وثمانية أعبد رعاؤها لما مدحه بالقصيدة التي يقول فيها:

ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

معرفة في الآلات قال أبو محمد " والكرب أن يشد الحبل على العراقي ثم يثني ثم يثلث قال الحطيئة ":

سيري أمام فإن الأكثرين حصىوالأكرمين إذا ما ينسبون أبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»
قوم هم الأنف والأذناب غيرهمومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهمشدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

يمدح بني أنف الناقة من بني قريع وهم قبيلة من بني سعد بن زيد مناة بن تميم وكانوا يغضبون من أنف الناقة لأن قريعاً نحر جزورا فقسمها بين نسائه فبعثت جعفراً هذه أمه فأتى أباه وقد قسم الجزور ولم يبق إلا رأسها وعنقها فقال شأنك بهذا فأدخل يده في أنفها وجعل يجرها فسمى أنف الناقة فكانوا يغضبون من ذلك حتى مدحهم الحطيئة فقال: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم فصاروا يفتخرون به. وأمام ترخيم أمامة والحصى العدد الكثير وأباً نصب على التمييز يقول إذا عقدوا لجارهم حلفا وأعطوه عهداً حكموه كما تحكم الدلو إذا شدّت بالحبل ثم شدّ العناج بعد ذلك وهو حبل يشد من تحتها في عروق تجعل في أسفلها إذا ضخمت الدلو فإن انقطعت الأوذام امسكها العناج والكرب أن يثنى عقد الحبل على خشب الدلو وهذا على طريق التمثيل.

أسماء الصناع قال أبو محمد " كل صانع عند العرب فهو أسكاف " قال الشماخ:

قالت الأيدعى لهذا عرافلم يبق إلا منطق وأطراف
وريطتان وقميص هفهافوشعبتا ميس براها أسكاف
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «قالت ألا يدعى لهذا عراف»

العراف الطبيب لم يبق إلا منطق أي أنه قد أنحله الشوق ومنه السير حتى لم يبق منه إلا كلامه وما يبين منه الأيداه ورجلاه وثيابه والهفهاف الذي تحركه أدنى ريح من رقته ويقال هفهاف أيضاً وابلشعبتان قادمة الرحل وأخرته والميس خشب تعمل منه الرحال وبراها نجرها وعملها. وتروى هذه الأبيات لابن مطر وللجليج بن يزيد والصحيح أنها للشماخ وروى ثعلب عن ابن الإعرابي قال أسكف الرجل إذا صار إسكافا قال والأسكاف عند العرب كل صانع غير من يعمل الخفاف فإذا أرادوا معنى الأسكاف في الحضر قالوا هذا الأسكف وأنشد:

وضع الأسكف فيه رقعامثل ما ضمّد جنبيه الطحل

قال " والعصاب الغزال قال رؤبة " يصف أبلاً أسرعت السير:

طاوين مجهول الخروق الأجدابطيّ القساميّ برود العصاب
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

طاوين فأعلن من قولك طوى المنزل إذا قطعه والمجهول من الأرض الذي لا علم فيه والخروق جمع خرق وهو الفلاة الواسعة والأجداب جمع الجديب وهوالذي لا مرعى به يريد هذا المجهول طواهن بهزله أياهن في السير قيه كما طوينه أي قطعنه ومثله: يطوين أجواز الفلاء ويطوين وطي القسامي منصوب على تقدير فطويته طيا مثل طي القسامس فمثل منصوب على أنه صفة طيا ثم حذف طيا وأقيم مقامه وحذف مثل وأقيم طي القسامي مقامه.

النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.