تجاوز إلى المحتوى

من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)

باب معرفة في الطير

أنشد للكميت

وما من تهتفين به لنصربأقرب جابةً لك من هديل

تهتفين تنادين والهتف الصوت الشديد هتف يهتف. والجابة الاسم من قولك أجاب والمصدر الإجابة كما تقول أطاع والاسم الطاعة يريد أن من تدعوه لنصرها لا يجيبها كما أن الهديل كذلك.

قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الطائر نفسه قال جرّان العود ":

ذكرت الصبى فأنهلت العين تذرفوراجعك الشوق الذي كنت تعرف
وكان فؤادي قد صحا ثم هاجنيجمائم ورقٌ بالمدينة هتف
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة
كأن الهديل الضالع الرجل وسطهامن البغي شريبٌ يغرّد مترف

انهلت سالت وأصل ذلك أن يقطر قطراً له صوت وذرفت من الذرفان وهو الذريف وهو أن يقطر قطؤاً ضعيفاً وقوله قد صحا أي سكن ما به وزال وورق في ألوانها تغير وهو جمع أورق وورقاء والمصدر الورقة وهو سواد في غبرة كلون الرماد وهتف تصيح والهديل ههنا الفرخ بعينه وظالع يغمز من رجله يقول من نشاطه كأنه ظالع لما هو فيه من الطرب وشريب الذي قد أكثر الشرب حتى سكر ويغرد يصيح ويروى بغرّةٍ وهي مدينة بالشام بها قبر هاشم بن عبد مناف ومترف منعم مخلي فيما يريد ويروى مترفٌ وهو السكران وروى أحمد بن

عبيد منزف بكسر الزاي أي قد شرب شرابه حتى أنفده يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمره.

قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الصوت قال ذو الرمة ":

أرى ناقتي عند المحصب شاقهارواح اليماني والهديل المرجع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمن دمنة بين القلات وشارع»

المحصب الموضع الذي يرمى فيه بحصى الجمار والحصباء الحصى الصغار وشاقها هيج شوقها ورواح اليماني يعني نفرهم واليماني ينفر قبل النفر بيوم والهديل صوت الحمام يقول لما رأت الإبل نحدج وسكعت الهديل اشتاقت.

قال أبو محمد " وأبو براقش طائر يتلون ألواناً " وأنشد بيتا قبله:

أن يغدروا أو يبخلواأو يجبنوا لا يجفلوا

يغدو عليك مرجلي ن كأنهم لم يفعلوا

كأبي براقش كل لون لونه يتخيل

يهجو قومه يقول إذا فعلوا هذه المقابح والمخازي لم يبالوا ولم يستحيوا للؤمهم وحمقهم وكانوا بمنزلة من لم يفعل فعلا يذم به وقوله مرجلّين يقال رجّل فلان شعره إذا سرحه ودهنه ويقال للمشط المرجل والمسرح ويتخيّل يظن ويروى يتحول أي يتغير من حال إلى حال يقول يتنقلون في المذام كلها ولا يقتصرون منها على البعض كتنقل لون هذا الطائر إلى كل لون.

قال أبو محمد " والواق بكسر القاف الصرد سمى بحكاية صوته " قال:

وجدت أباك الخير بحراً بنجوةبناه له مجد أشمّ قماقم
سنان معد في الحروب إذا لهاوقد طاح منهم سادة ودعائم
وليس بهياب إذا شد رحلهيقول عداني اليوم واق وحائم
للشاعر خُثَيم بن عَدِي، اقرأ القصيدة
ولكنه يمضي على ذاك مقدماإذا صد عن تلك الهنات الخثارم
للشاعر خُثَيم بن عَدِي، اقرأ القصيدة

هذه الأبيات رواها أبو عبيد لخثيم بن عدي بن عطيف بن تويل ابن عدي بن حباب الكلبي ولقبه الرقاص ويقال إن الرقاص حمل حمالة فسأل فيها قومه فلم يعطه أحد منهم كبير شيء فحملها مسعود بن بحر فقال الرقاص هذه الأبيات. النجوة الموضع المرتفع والأشم الطويل والقماقم العظيم الضخم

وطاح هلك. والسادة جمع السيد والدعائم جمع دعامة وهو ما يسند به الشيء وهم ههنا السادة وعداني صرفني والغراب والصرد يتطيرون بهما والخثارم المتطير يقال إذا هاب المتطير الأمر من أجل الطيرة مضى هو عليه ولم يهب والهنات كناية عن الأمور التي تيطير منها أي إذا صد المتطير عن الأمر الذي يحاوله من أجل الهنات.

قال أبو محمد " ويقال له أيضا ابن ماء يبزق قال ذو الرمة:

وماء قديم العهد بالناس آجنٌكأن الدّبا ماء العضا فيه يبزق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة
وردت أعتسافاً والثريا كأنهاعلى قمة الرأس ابن ماء محلّق
للشاعر ذو الرمة، اقرأ القصيدة

الآجن الماء المتغير من طول العهد والقدم أجن يأجن ويأجن أجونا يقال كأن الدبا بصق في الماء مما أكمل من الغضا أخضر أسود والدبا جراد صغار لم يطر واعتسافاً أخذاً على غير هدى وقمة الرأس أعلاه ابن ماء يعني طائر الماء محلق مرتفع في جو السماء فإذا رأى سمكة غاص عليها.

قال أبو محمد " والمكاء طائر يسقط في الرياض ويمكو أي بصفر " وأنشد:

إذا غرد المكاء في غير روضهفويل لأهل الشاء والحمرات

غرد طرب في صوته والروضة كل مكان مستدير فيه ماء ونبات وسميت روضة لا ستراضة الماء فيها أي استنقاعه ولا يغرد المكاء في غير روضه إلا في زمان الجدب وخصّ أهل الشاء والحمير بالويل لأن الإبل تستطيع اللحوق بالغيث حيث كان ولا تستطيع ذلك الشاء والحمر قال الراعي: ذباب

تناول عرق الغيث إذ لا ينالهجمار ابن جزءٍ عاصم وأفارقه
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «يا عجبا للدهر شتى طرائقه»

الأفارق جمع فرق وهو القطيع من الغنم.

" معرفة في الهوام والذباب ومواضع الطير " قال أبو محمد " والوزع سامّ أبرص ولا يتثنى ولا يجمع وأنشد أبو زيد ": هذا رجل أتهم ولده فعرض عليه الأبارص فتقزرها فقال وأشار إلى ذكره لو

كنت لهذا خالصاً أي لو خرجت منه لكنت أعرابياً خالصاً يأكل الأبارص.

وأنشده المفجع والله لو كنت بضم التاء لكنت بضم التاء فيهما وروى أكل الأبارصا وقال في تفسيره هذا يخاطب أباه ويعاتبه وقد كلفه عملاً شاقاً فيه مهنة فقال لو كنت ممن يصلح لهذا العمل لكنت كالعبد المذال الذي يأكل الأبارص.

قال أبو محمد " والنبز دويبه تدب على البعير فيتورم " وأنشد لشبيب ابن البرصاء يصف إبلا سمنت وحملت الشحوم:

كأنها من بدن وإيقاردبت عليها عارمات الأنبار

ويروى ذربات العارمات الشديدات الخبيثات وهو مأخوذ من العرام وهو الشدّة والحدة وذربات مشتق من الذرب وهو الحدة يقال في لسان فلان ذرب أي حدة ويروى من بدن واستيقار وهو في معنى وإيقار والوقر الحمل ويروى واستيفار وهو مأخوذ من الشيء الوافر يقول كأن هذه الإبل من سمنها لسعتها الأنبار فورمت جلودها وحبطت بطونها. قال أبو محمد " والزبابة فارة صماء تضرب بها العرب المثل يقولون أسرق من زبابة ويشبهون بها الجاهل قال ابن حلّزة "

ولقد رأيت معاشراًقد ثمّروا مالا وولدا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «ولو ان ما يأوي إليي»
وهم زباب حائرلا تسمع الآذان رعدا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «ولو ان ما يأوي إليي»

المعاشر الجماعات وثمروا أعطوا ويروى ثمروا أي كثروا والولد جمع ولد مثل أسد وأسد والحائر المتحير الذي يجيء ويذهب لا يتجه لشيء.

قال أبو محمد " ونزك الضب ذكره وله نزكان وكذلك الحرذون وأنشد الأصمعي "

جيى المال عمال العراق وجبوتيمحلقة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والنقد حتى كأنماكساهن سلطان ثياب المراجل
ترى كل ذيال الشمس عارضتسما بين عرسيه سمو المخابل
سبحل له نزكان كانا فضيلةعلى كل حاف في البلاد وناعل

جباية المال جمعه واستخراجه والجباية الجمع يقال جبيت الماء في

الحوض إذا جمعته والجوابي الحياض لأنه يجيء فيها الماء أي يجمع ومهلّقة الأذناب لا شعر عليها والشواكل جمع شاكلة وهي الخاصرة والدبا صغار الجراد والنقد الواحدة نقدةٌ ضرب من الشجر أي صدن الجراد ورعين النقد والمراجل ضرب من البرود وذيال طويل الذنب ويكون المتبختر وسما ارتفع وعرساه زوجتاه والمخايل المفاخر بالخيلاء المتكبر وذلك لنزكيه والسجل العظيم. وهذا الشعر لرجل من ربيعة استعمله بن عبد الله القسري على ظهر الحيرة فلما كان يوم النيروز أهدت الدهاقين والعمال جامات الذهب وأهدى هو قفصا من ضباب وقال هذه الأبيات.

قال أبو محمد " والكشية شحم بطنه " وأنشد:

وأنت لو ذقت الكشي بالأكبادلما تركت الضب يعدو بالواد

أخبرنا المبارك بن عبد الجبار بن عبد العزيز الأزجي عن المخلص عن أبى محمد السكري عن أبي سعيد قال حدثني محمد بن أبي الوزير قال إن أول من دل على نفسه الضب إذ كان كل شيء يتكلم قال فمر راكب في بعض الأيام فلما ولى صاح به الضب:

يا أيها الراكب ينجو بالوادإنك لو ذقت الكشى بالأكباد

لما تركت الضب يسعى بالواد يقول لو ذقت كشي الضباب مع أكبادها لحملك طيبها على صيدها حتى كنت لا تدع بواد ضباً إلا حرشته. وهذا كما قال أمية:

بآبة قام ينطق كل شيءوخان أمانة الديك الغراب

قال أبو محمد " ومكنه بيضه قال أبو الهندي ":

ومكن الضباب طعام العريبولا تشتهيه نفوس العجم
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

العرب مؤنثة لقولهم العرب العاربة وكان القياس أن يقال في تصغيرها عربية كما يقال في تصغير شمس شمسية لأن تصغير المؤنث الثلاثي تلحق به الهاء كما تلحق صفته وقد جاء مثل هذا في أسماء يسيرة وهذا التصغير على طريق التعظيم كما قال أنا عذيقها المحكك وعذيقها المرّجب. والعرب اسم جنس

ينسب الواحد منه إليه ومثله العجمي منسوب إلى العجم. يقول بيض الضباب من طعام العرب المستطاب وليس من طعام العجم.

" وفي الحية والعقرب " قال أبو محمد " والحفّات حية تنفخ ولا تؤذي " قال جرير:

لا يعجبنك أن ترى المجاشعجلد الرجال ففي القلوب الخولع
أيفا يشون وقد رأوا أحفّاثهمقد عضّه فقضى عليه الأشجع

يهجو الفرزدق ومجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والفياش المفاخرة والجلد مصدر الجليد من الرجال وهو القوي الشديد والخولع الجبن والفزع وهذا إستفهام على سبيل التوبيخ وضرب الحفّاث مثلا للفرزدق والأشجع وهو الشجاع مثلا له يقول كيف يفاخرون بشاعرهم وقد قتله هجاءً.

" معرفة في جواهر الأرض " قال أبو محمد " الصرفان الرصاص " وأنشد للزباء:

ما للجمال مشيها وئيداأجند لا يحملن أمٍ حديدا
للشاعر أمل دنقل، من قصيدة «زرقاء اليمامة»
أم صرفانا بارداً شديداأم الرجال قبّضاً قعودا

قالت هذه الأبيات لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة وكان قد احتال عليها وجعل الرجال في توابيت وجعل التوابيت في جوالقات فرأتها تسير نثقلة فأنكرت ثقلها وقالت هذه الأبيات والقصة مشهورة ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال والتقدير ما لمشي الجمال وئيداً والوئيد من المشي الرويد ونصبه قيا الرصاص وقيل جنس من التمر والقبّض جمع قابض وهو المجتمع ويروى جثما جمع جاثم.

" نوادر من الكلام المشتبه " قال أبو محمد " الجمع المجتمعون والجماع المتفرقون قال أبو قيس ابن الأسلت "

نذودهم عنا بمستنّةذات عرانين ودفاع
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
حتى تجلت ولنا غايةمن بين جمع غير جماع
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

نذودهم ندفعهم ونمنعهم والمستنة الكتيبة الماضية على سنن واحد لا تعرّج على شيء وعرانين القوم رؤساؤهم ومتقدموهم في الفضل والشجاعة والعرانين الأنوف وبها شبه السادة ويقال للشيء إذا كان شديد الدفع يتدافع له دفاع ويجوز أن يكون دفاع جمع دافع مثل كافر وكفار وهم الذين يدفعون الأعداء وقوله حتى تجلت أراد حتى تجلت الحرب فأضمرها ولم يجر لها ذكر وقوله ولنا غاية أي جماعة وغاية الجيش ورايته واحد والجماع الفرق من ههنا وههنا يقول ذلك الجمع منا لم يستعن بأحد غيرنا وهو خلاف ما رواه أبو محمد ويروى بين يدي رجراجة فخمة الرجراجة التي تمخض من كثرتها والفخمة العظيمة الكثيرة العدد.

قال أبو محمد " وإذا كان الفحل كريماً من الإبل قالوا فحيل قال الراعي " يصف إبلاً ولم يكن راعياً ولكنه كان يجيد وصف الإبل فلّقب الراعي واسمه عبيد بن حصين:

بنيت مرافقهنفوق مزلةلا يستطيع بها القراد مقبلا
كانت نجائب منذرٍ ومحرقٍأماتهن وطرقهنّ فحيلا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ما بال دفك بالفراش مذيلا»

قوله مرافقهن يريد مرافق هذه الإبل مزلة مزلقة يريد مغرز المرفق من الجنب أملس فالقراد لا يثبت عليه من ملاسته ومقيلاً مستقراً وهو مثل. وقوله أماتهن أي أمهات هذه الإبل كانت نجائب منذر أي المنذر بم امرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وهو أبو النعمان بن المنذر ومحرق هو امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أول من عاقب بالنار وقوله وطرقهن الطرق الفحل هنا مسمى بالمصدر والمعنى ذو طرقهن والفحيل الكريم. قال أبو محمد " وقتبٌ عقرٌ أيضاً غير واق قال البعيث " البعيث لقب له واسمه خداش بن بشر ويكنى أبا يزيد وسمي البعيث بقوله فيما أخبرني علي بن الحسن يرفعه إلى ابن الكلبي:

تبّعث مني ما تبّعث بعد ماأمرت حبالي كلها مرة شزرا
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة
ألد إذا لا قيت قوماً بخطةالح على أكتافهم قتب عقر

الألد الشديد الخصومة يقول إذا لقيت قوماً في خصومةٍ تأذوا بي وشقت عليهم مجادلتي وكنت عليهم في الشدة كالقتب العقر على ظهر البعير والخطّة الحالة الصعبة.

النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.