تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

في الموت

قال المتنبي في الموت:

وما المَوْتُ إلا سارِقٌ دَقَّ شَخْصُهيُصولُ بِلا كَفٍّ ويَسْعى بِلا رِجْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

ومن غريب ما قيل في مَدْحِ المَوْت قولُ ابنِ الرّوميّ:

قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحوا الحَياةَ فأكْثَروالِلْموتِ ألْفُ فَضيلةٍ لا تُعْرفُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا»
فيها أمانُ لِقائِه بِلِقائِهوفِراقُ كُلِّ مُعاشِرٍ لا يُنْصِفُ

أقول: لعل ابنَ الرومي يريد أن يقول: إنّ للموتِ مزايا لا تُحصى، وقلّ مَنْ يعرفها، ولو لم يكن فيها إلا أننا بلقاء الموت نظفر بلقاء المرئي - وناهيك بفضائله - وبفراق غيره من المعاشرين القليلي الإنصاف لكان في ذلك الفضل كله للموت، وقال المتنبي:

وقدْ فارَقَ النّاسُ الأحِبَّةَ قبْلَناوأعْيا دواءُ الموتِ كلَّ طبيبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»
سُبِقْنا إلى الدُّنيا فلَوْ عاشَ أهلُهامُنِعْنا بها مِنْ جَيْئَةٍ وذُهوبِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
تَمَلَّكها الآتي تَملُّكَ سالِبٍوفارقَها الماضي فِراقَ سَليبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»
ولا فَضْلَ فيها للشَّجاعةِ والنَّدىوصَبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

يقول في البيت الرابع: لولا الموتُ لَما كان لهذه المعاني فضلٌ، وذلك أن الناس لو أمِنوا الموت لَما كان للشجاع فضلٌ على الجَبان، لأنّه قد أيقن بالخُلودِ، وكذلك لو أمِنوا الموتَ لاسْتوى الكريم والبخيل والصابر والجازع، وكذلك كل الأشياء وقال أيضاً:

إلْفُ هذا الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْفُسِ أنَّ الحِمامَ مُرُّ المذاقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»
والأسى قَبْلَ فُرْقةِ الرّوحِ عَجْزٌوالأسى لا يكونُ بَعْدَ الفِراقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

قال أبو العلاء المعري: إن هذين البيتين يَفضُلان كتبَ الفلاسفةِ لأنّهما متناهيانِ في الصدق وحسن النظام، ولو لم يقُل شاعِرُهما سِواهما لكان له شرفٌ منهما وجمال.

يقول المتنبي: إن خوفَ الموت من أكاذيب النفس، ومن إلفنا هذا الهواء، وإلا فقد عُلِمَ أنَّ الحزن على فراقِ الروحِ قبل فراقِه عَجْزٌ، وعُلِمَ أيضاً أنّ الحزنَ على المُفارقة لا يكونُ بعدَ الموت، فلِماذا يَحْزنُ الإنْسانُ؟

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث في الصبر وعبقريّاتهم فيه وفي الدُّنيا وأكْدارِها، وفي هادم اللذات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.