تجاوز إلى المحتوى

من «الذخائر والعبقريات» لعبد الرحمن البرقوقي (ت ١٣٦٣هـ)

استشارة الكبار والصغار ومن يُعْتمد على مَشورته ورويَّته

كانتِ العربُ تحمدُ آراءَ الشيوخ؛ لتقدُّمها في السِّنِّ، ولِما مرَّ عليها من التجارِب التي عَرفت بها عواقبَ الأمورِ حتى كأنها تنظرُها عِياناً، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها

طريقَ الصوابِ وبيّنَتْه تِبياناً، ولِما مُنِحَتْه من أصالةِ رأيِها، واستفادتِه بجميل سعيها، قال علي بن أبي طالب ﵁: رأيُ الشيخ خيرٌ من مَشهدِ الغُلام. ومن أمثالهم زاحِمْ بعَوْدٍ أو دَعْ

وقال بعضُ الحكماءِ: عليك بِمَشورة من حلَبَ أشْطُرَ دهره، ومرّت عليه

ضروبُ خيرِه وشرِّه، وبلغَ من العمرِ أشُدَّه، وأورت التجربةُ زندَه، واستشار زياد بن أبيه رجلاً، فقال الرجل: حقُّ المستشارِ أنْ يكونَ ذا عقلٍ وافر، واختبارٍ مُتَظاهر، ولا أُراني كذلك.

وقال ابن الرُّوميِّ يمدح يحيى بن عليٍّ المنجم:

ألْمَعيٌّ يَرى بأوَّلِ ظَنٍّآخِرَ الأمْرِ مِنْ وَراءِ المَغيبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شاب رأسي ولات حين مشيب»
لا يُرَوّي ولا يُقلِّبُ كَفّاًوأكُفُّ الرِّجالِ في تَقْليبِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «شابَ رأسي ولات حينَ مَشيبِ»

وقال:

تُراهُ عَنِ الحَرْبِ العَوانِ بِمَعْزَلٍوآراؤُه فيها وإنْ غابَ شُهَّدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
كَما احْتَجَبَ المِقْدارُ والحُكمُ حُكْمُهعلى الخلْقِ طُرّاً لَيْسَ عَنْه مُعَرَّدُ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»

وقال إبراهيم بن العباس الصُّوليّ في الفضل بن سهل:

يُمْضي الأمورَ على بَديهَتِهوتُريهِ فِكْرتُه عَواقِبَها
فيَظلُّ يُصْدرها ويُورِدهافيَعُمُّ حاضِرَها وغائِبَها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإذا الحُروبُ غَلَتْ بَعَثْتَ لهارَأياً تَفُلُّ بهِ كَتائِبَها
رأياً إذا نَبَتِ السُّيوفُ مَضىعزمٌ بها فَشَفى مَضارِبَها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإذا الخُطوبُ تأثَّلَتْ ورَسَتْهَدّتْ فواصِلُه نوائِبَها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإذا جَرتْ بِضَميرِه يدُهأبْدَتْ به الدُّنْيا مَناقِبَها
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وقبلَهما قال أوسُ بن حجر:

الألْمَعَيُّ الذي يَظُنُّ بِكَ الظَّنَّ كأنْ قدْ رأى وقدْ سَمِعا

وقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) في عبد الله بن عباس؛ إنَّه لينظرُ إلى الغيبِ من سِتْرٍ رقيق

وقال الشاعر:

بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّمايَرى بِصَوابِ الرَّأيِ ما هُوَ واقِعُ

وقال الآخر في مثله:

عَليمٌ بأعْقابِ الأمورِ بِرَأيِهكأنَّ له في اليَوْمِ عَيْناً على الغَدِ
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ظواعن عن خرج النميرة غدوة»

وقال:

بَصيرٌ بأعْقابِ الأمورِ كأنَّمايُخاطِبُه مِنْ كُلَِّ أمْرٍ عَواقِبُهْ
وأيْنَ مَقرُّ الحَزْمِ مِنْهُ وإنّمامَرائي الأمورِ المُشكلاتِ تَجارِبُهْ

ولقَدْ بالَغوا في الحثِّ على مشاورة ذوي الرأي والتجربة حتى ولَوْ كانوا أعداءً، قال ابن المقفع في كليلة ودمنة: لا ينبغي للعاقل أن يتركَ استشارةَ عدوّه ذي الرأي فيما يُشْركه ذلك العدوُّ في نفعِه وضرِّه...

وقالوا: اسْتَشِرْ عَدوَّك تَعْرفْ مِقدارَ عداوَتِه...

وقد رأى قومٌ خلافَ ذلك وذهبوا إلى أنّ رأيَ الشباب هو الرأي الصائِب، وفهمُهم هو الفهم الثاقب، إذْ أنّ عقولَهم سليمةٌ من العوارض، وآراءَهم خَضِرةٌ نَضِرةٌ لم يَهْتَصِرْ غُصْنَها هرمٌ، ولا أذوى زهرَتَها قِدَمٌ ولا خَبا من ذَكائِها بطول المُدّة ضرمٌ. قالوا: إنّ رأي الشَّيخ كالزّند قد انْثلم، أمّا رأي الشاب فكالزّندِ الصحيح الذي يُورى بأيسرِ اقْتِداح وقال الشاعر:

رأيتُ العقلَ لمْ يكنِ انْتِهاباًولمْ يُقْسمْ على عَددِ السِّنينا
للشاعر الحسين بن محمد بن جعفر، من قصيدة «رأيت العقل لم يكن انتهاباً»
ولَوْ أنّ السنينَ تقسَّمتْهحَوى الآباءُ أنْصِبةَ البَنينا

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بمصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع في كتمانِ السرِّ وإفشائه وعبقرياتهم في ذلك وفيما يجري هذا المجرى من الشورى والاستبداد بالرأي والنصح والأناة والعجلة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.