تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

وصف ضرار لعلي (ع)

- دخل ضرار بن ضمرة الكنانيّ على معاوية، فقال له: صف لي عليّا، فقال: أوتعفيني. قال: لا أعفيك، قال: أمّا إذ لا بدّ فإنه كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل وظلمته. كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن. كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا [نكاد] نكلّمه هيبة له، فإن تبسّم فعن لؤلؤ منظوم، يعظّم أهل الدين ويحبّ المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، ولا يأيس الضعيف من عدله. (هذه أوصاف حقيقة، وهي مدح يتجاوز قدر المادح. وتمام الكلام والخبر): فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي أسمعه اليوم وهو يقول يا ربّنا، يا ربّنا، يتضرّع إليه ثم يقول للدنيا: إليّ تعرضت؟ إليّ تشوفت؟ هيهات هيهات، غيري غرّي، قد بتتّك ثلاثا. فعمرك قصير، وخطرك كثير. آه من قلّة الزاد وبعد السّفر ووحشة الطريق.

فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشّفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن ﵀. كيف وجدك عليه يا

ضرار؟ قال: وجد من ذبح واحدها في حجرها لا يرقأ دمعها، ولا يسكن حزنها. ثم قام فخرج.

- وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكي، فلما أتت الوفود على الحجاج عند الوليد بن عبد الملك، والحجاج حاضر عنده، قال زياد بن عمرو:

يا أمير المؤمنين، إنّ الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم. فحسن موقع هذا المدح منه، فلم يكن بعد أخفّ منه على قلب الحجاج.

- قال بدر بن سعد الفقعسي:

مخدّمون ثقال في مجالسهموفي الرحال إذا صاحبتهم خدم
وما أصاحب من قوم فأذكرهمإلّا يزيدهم حبّا إليّ هم

- وقال محمد بن زياد الحارثيّ:

تخالهم للحلم صمّا عن الخناوخرسا عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفةوعند اللقاء كالليوث الخوادر
لهم عزّ إنصاف وذلّ تواضعبهم ولهم ذلّت رقاب المعاشر
كأنّ بهم وصما يخافون عارهوما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير
للشاعر يحيى بن زياد الحارثي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.