تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نعت القنص وآلاته وأماكنه

- قال ابن أبي كريمة في الفهد:

مدّنرة ورق كأنّ عيونهاحواجل تستذري متون الرواكب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
إذا قلّبتها في العجاج حسبتهاسنا ضرم في ظلمة الليل ثاقب
مولعة فطح الجباه عوابستخال على أشداقها خطّ كاتب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
ذوات أشاف ركّبت في أكفّهانوافذ في صمّ الصخور نواشب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة
معقفة الترهيف عوج كأنهاتعقرب أصداغ الملاح الكواعب
توسّد أجياد الفرائس أذرعامرمّلة تحكي عناق الحبائب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة

- وقال عبد الصمد في مثله:

كأنّها والخزر من أحداقهاوالخطط السود على أشداقها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كأنها والخزر من أحداقها»

ترك جرى الإثمد في آماقها

- وقال ابن طاهر فيه:

وليس للطراد إلّا فهدكأنما ألقت عليه الكرد
من خلقها أو ولدته الأسدوهو كفيل النجح حين يعدو

- وقال ذو الرمة وذكر كلبا:

كأنه كوكب في إثر عفريةمسوّم في سواد الليل منقضب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

- وقال آخر فيه:

تفوت خطاها الطرف سبقا كأنهاسهام مغال أو رجوم الكواكب
كأنّ بنات القفر حين تفرقتغدون عليها بالمنايا الشواعب
للشاعر ابن أبي كَريمَة، اقرأ القصيدة

- وقال أبو نواس فيه:

كأنّ متنيه لدى انسلابهمتنا شجاع لجّ في انسيابه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما تبدى الصبح من حجابه»
كأنما الأظفار في قنابهموسى صناع ردّ في نصابه
تراه في الحضر إذا هاها بهيكاد أن يخرج من إهابه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «لما تبدى الصبح من حجابه»

- وقال أيضا:

أرسله كالسهم إذ غالى بهيسبق طرف العين في التهابه

كلمعان البرق في سحابه

- وقال ابن المعتز:

وكلبة يغدو بها فتيانأطلقهم من يده الزمان
كأنها إذا تمطّت جانأو صعدة وخطمها السنان
ونجمت للحظها الغزلانفلحقت ما لحق العيان

- وقال أيضا:

وأبصرت سربا من الظباءفغادرتهنّ بلا إعياء

ترضى من اللحوم بالدماء

- وقال أبو نواس:

تحمل حملاقا سريع الطّحركأنه مكتحل بتبر
في هامة لمّت كلمّ الفهروجؤجؤ كالحجر القهقر

القهقر: الصلب. وعين طحور: إذا كانت تخرج القذى.

- وقال:

ومنسر أكلف فيه شغاكأنه عقد ثمانينا

- وقال ابن المعتز:

ونذعر الصّيد بباز أقمركأنه في جوشن مزرّر
وجؤجؤ منمنم محبّركأنه رقّ خفيّ الأسطر

- وقال أيضا:

غدوت في ثوب من الليل خلقبطارح النظرة في كلّ أفق
ومقلة تصدقه إذا رمقمبارك إذا رأى فقد رزق

- وقال أيضا:

قد أغتدي في نفس الصباحبقرم للصيد ذي ارتياح
معلّق الألحاظ بالأشباحعليه منه كحباب الرّاح

- وقال أيضا:

وزرّق ريّان من شبابهكأنّ سلخ الأيم من أثوابه

- وقال أيضا:

وفتيان غدوا والليل داجوضوء الصبح متّهم الطلوع
كأنّ بزاتهم أمراء جيشعلى أكتافهم صدأ الدروع

- وقال أبو ذؤيب الهذلي في تشبيه الصائد:

حتى استبانت مع الإصباح صائدهاكأنه في حواشي ثوبه صرد

- وقال ابن الرومي في قوس البندق:

متاح لراميها المنايا كأنمادعاها له داعي المنايا فأسمعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»
تقلّب نحو الجوّ عينا بصيرةكعينك بل أذكى ذكاء وأسرعا
يحاذرها العفريت عند انصلاتهافيعجله الإشفاق أن يتسمّعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أمون من العظعاظ عند مروقها»
لها عولة أولى بها من تصيبهوأجدر بالاعوال من كان موجعا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «بكيت فلم تترك لعينك مدمعا»

وهذا المعنى ينظر إلى قوله أيضا وذكر امرأة:

يشكو المحبّ وتشكو وهي ظالمةكالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان

وقال آخر:

قد أغتدي ملث الظلام بفتيةللرمي قد حسروا له عن أذرع
متنكّبين خرائطا لبنادقمن بين مضفور وبين مرصّع
بأكفّهم قضبان روض قد غدواللطير قبل نهوضها للمرتع
تقذي منيات الطيور عيونهايوما إذا رمدت بأيدي النزّع
صفر البطون كأنّ ليط ظهورهاسرق الحرير نواظر لم تسمع

- وكتب أبو اسحاق الصابي إلى محمد بن العباس بن فسانجس في صفة رمي البندق وآلاته: مآرب الناس- أطال الله بقاء سيدنا الوزير- منزّلة بحسب قربها من هزل أو جدّ، ومرتّبة على قدر استحقاقها من ذمّ أو حمد. فإذا وقع المتأمّل عليها وجد أولاها بأن تعتدّه الخاصّة نشوة وملعبا، والعامّة حرفة ومكسبا، الصيد الذي فاتحته طلاب لذّة ووطر، وخاتمته حصول مغنم وظفر.

وقد اشتركت الملوك والسوقة في استجماله، واتفقت الشرائع المختلفة على استحلاله، ونطقت الكتب المنزّلة بالرخصة فيه، وبعثت المروءات على مزاولته وتعاطيه. وهو رائض للأبدان، وجامع لشمل الإخوان، وداع إلى اتّصال العشرة

منهم والصحبة، وموجب لاستكمال الالفة بينهم والمحبة.

ولما كانت الجوارح المثمنة لكلّ الناس غير ممكنة، بل لمن جلّ منهم قدره، وعلا فيهم خطره، وعظم شأنه وحاله، وجمّ وفره وماله، جعلت القول مقصورا على قسيّ البندق التي لا تتعذر على مكثر ولا مملق، ولا تضيق على اتّخاذها يد موسر ولا معسر، ولو لم أفعل ذلك لبلغ الأسف من العادم الفاقد، أكثر من الجذل من القادر الواجد. لكنني اعتمدت الذي يتوافق في استطاعته الأدنى والأشرف، ويتلاحق في التمكن منه الأقوى والأضعف، فأنا أكتفي في ترغيب من كان عنه منحرفا، وتثبيت من كان إليه متشوّفا، بوصف موقف منه شهدته، ومنظر استحسنته، في بعض ظواهر مدينة السلام:

هناك غيضة ذات ماء صاف أزرق، وشجر مرجحنّ مورق، فبينا أنا ماثل فيها، متنزّه في نواحيها، وقد تضوّعت بالأرج أرجاؤها، وتأوّدت في حلل الورد شجراؤها، وتفاوحت بفوائح المسك أنوارها، وتفاوضت بغرائب النطق أطيارها، إذ أقبلت رفقة من الرماة قد برزت قبل الذّرور للشروق، وشمّرت عن الأذرع والسّوق، متقلدين خرائط شاكلت السيوف بحمائلها ونياطاتها، وناسبتها في آثارها ونكاياتها، تحمل من البندق الملموم، ما هو في الصحّة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجهر، فجاء كبنات الفهر، قد اختير طينه، وملك عجينه، فهو كالكافور المصّاعد في الملمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر إلا في المشمّ والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بمطاعم حامليه، محقّق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام، يعوج إليها وهو سمّ ناقع، ويهبط بها وهي رزق نافع. وبأيديهم قسيّ مكسوّة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في

جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها؛ حتى إذا جرّدت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيت منها قدودا مخطفة رشيقة، وألوانا معجبة أنيقة، صليبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطّية الانتماء والمناسب، سمهريّة الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، قد تحنّت تحنّي المشيخة النسّاك، وصالت صيال الفتية الفتّاك، واستبدلت من قديمها في هزّ الفوارس، بحديثها في قبض المعاجس، وانتقلت عن جدها في طرد الغارات، إلى هزلها في طرد المتنزّهات. ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأنّ شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفرانا جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو هي قضبان فضة أذهب شطرها وأحرق شطر، أو حيات رمل اعتنق السود منها والصّفر. فلما توسّطوا تلك الروضة، وانتشروا على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت إلى الطير أبصارهم، وتّروها بكلّ وتر فوق سهمه منه، ومفارق للسّهم وخارج عنه، مضاعف عليها من وترين، كأنه برد ذو جسدين، أو عناق ضمّ ضجيعين، في وسطه عين كشريحة كيس مختوم، أو سرّة بطن خميص مهضوم، محوّلة عن المحاذاة، مزورّة عن الموازاة، كأنها متخازر ينظر شزرا، أو مصغ يسّمّع رزّا، تروع قلوب الطير بالإنباض، وتصيب منهم مواقع الأعراض. فلم يزل القوم يرمون ويصيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت بالصيد حقائبهم. فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن آباء لها وأمّهات استجابوها فأطاعت، قد انقادت نوافرها صعرا، واقتسرت أوايبها قسرا، وكسرت أجنحتها وجآجيها، واستطارت في الجوّ قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيض لا يطمع في انجباره، يداوى جريحها بالإجهاز، ويتلافى عقيرها بالتذكية والإنجاز، تعاجل قبل فناء ذمائها، ويصير ريشها كالمجاسد من

دمائها، مصرّعة شرّ مصارعها، مستقرة في أخفى مضاجعها، محمولة على حكم الكفار، إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار، تغسل بالاستقصاء في سمطها، وتكفّن بالتعرية من ريطها، وتحنّط بتوابلها وأبازيرها، وتوارى في قدورها وتنانيرها.

ثم تبعث إلى إخوان متوافقين، وخلّان مترافقين، قد تطابقوا في الآراء، وتألّفوا في الأهواء، وتمالحوا في الطعام، وتراضعوا بالمدام، نداؤهم تفدية، وجوابهم تلبية، لا يضبّون على الأحقاد، ولا يتنافسون في الوداد، ولا يشوب صفوهم شائب، ولا يعيب فضلهم عائب.

فالحمد لله الذي أباحنا لذيذ المطاعم، ونهج لنا سبل الغنائم، وهدانا إلى رخص الطيبات، ووقف بنا على حدود اللذات، ووفّقنا أن نأخذ منها بأمره، ونزدجر عنها بزجره، ونتصرّف مع الشرائع في إحلال ما أحلّت، واجتناب ما حرّمت وحظرت.

وأطال الله بقاء الوزير ما اختار البقاء، وعلا كعبه ما امتد العلاء، وجعل له من كلّ رزق هنيء حظّا جزيلا، وإلى كلّ مشرب عذب هاديا ودليلا، بمنّه وطوله، وقدرته وحوله.

وكتب أبو إسحاق عن ابن فسانجس إلى بختيار بن أحمد بن بويه في صفة متصيّد كان له بواسط: من حلّ محلي من اصطناع الأمير عز الدولة- أطال الله بقاءه- واصطفائه، وانتهى إلى غايتي من أثرته واجتبائه، كان حقيقا في التسوية في طاعته بين سرّه وجهره، والجمع في نصيحته بين جدّه وهزله، غير مسامح نفسه بقضاء وطر لا حظّ له فيه، ولا موسّع له في بلوغ أرب لا فائدة له منه، تمسكا بعلائق الولاية في سائر الأحوال، وأداء الفريضة الأمانة في صغير وكبير الأعمال، والله بلطفه يمدّني في خدمته بالتوفيق، ويقف بي منها على سواء الطريق، ويهب لي تحفظا يحرس من الزيغ والزلل، وتيقظا يعصم من الخطأ والخطل.

ووجدت في سفري هذا- أيد الله الأمير عزّ الدولة- فضلا في زماني عن المهمات، يستروح النفوس إلى توفيره على المحبوبات، فاعتمدت منها التصيّد تأدبا بأدبه- أطال الله بقاءه- في الولوع به، واعتمادا لعائدته على من يحضرني من أوليائه وعبيده، في قوّة أبدانهم ونشاطها، ورياضة خيلهم وانبساطها، واعتيادهم طراد ما يسنح ويعنّ، واستثارة ما يستكنّ ويستجنّ، وإغرائهم بطلب ما يحاولونه، وإضرابهم عن الفتك بمن يساورونه، إذ كان هذا الأمر مثالا يحتذى في مطاعنة الفرسان، ومنهجا يقتفى في مطاردة الأقران. واتفق لي من السرور لذلك يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، وصدّق الله أيامنه وسوانحه، وأكذب أشائمه وبوارحه، بما رزقناه من اجتماع الصيد ووفوره، وكثرته وجمومه، وسهّله لنا من إدراك ما طلبناه منه وأرغناه، والوصول إلى ما اعتمدناه وانتحيناه، بظلّ مولانا الأمير عزّ الدولة- أدام الله عزه الممدود علينا- وبركة اسمه الذي به استنجحنا والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مورقة أشجاره، مغرّدة أطياره، ونحن غبّ سماء أقلع بعد الارتواء، وأقشع عند الاستغناء، والبقل خضل ممطور، والنقع ساكن محصور، والرياض كالعرائس في وشيها ومطارفها، متجلية في خلعها وملابسها، متبرّجة في حللها ومجاسدها، باسطة زرابيّها وأنماطها، ناشرة حبراتها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، تائهة بعوانها وعذرائها، كأنما عارضت عصبا، أو فاخرت صحبا، أو احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد، تتبارى طيبا وحسنا، وتتفاوح أرجا وعرفا، فما نرد منها حديقة إلا استوقفتنا بهجتها ونضارتها، واستنزلتنا جدّتها وغضارتها، وخيلنا كالأمواج المتدفّقة، والأطواد الموثقة، متشوفة عاطية،

مستبقة جارية، تشتاق إلى الصيد وهي لا تطعمه، وتحنّ إليه كأنّه قضيم تقضمه، وعلى أيدينا جوارح مؤلّلة المخالب والمناسر، ومذرّبة النّصال والخناجر، طامحة الألحاظ والمناظر، بعيدة المرامي والمطارح، ذكيّة القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس، ذات قوادم كثّة أثيثة، وخواف وحفة أثيرة، سابغة الأذناب، كريمة الأنساب، صليبة الأعواد، قويمة الأوصال، تزيد إذا ألحمت شرها وقرما، وتضّاعف إذا شبعت كلبا ونهما. فبينا نحن سائرون، وفي الطلب ممعنون، إذ وردنا ماء زرقا جمامه، طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، وتلوح في قراره حصباؤه، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه واقعة، متغايرة الألوان والصفات، مختلفة اللغات والأصوات، فمن بين صريح خلص وتهذّب نوعه، ومن مشوب تهجّن أو أقرف عرقه. فلما أوفينا عليها، أرسلنا الجوارح إليها، كأنها رسل المنايا، أو سهام القضايا، فلم تسمع إلّا مسمّيا، ولم تر إلّا مذكّيا. ثم عدنا لشأننا دفعات، وأطلقنا مرات، حتى ازددنا واستكثرنا، وانتهينا واكتفينا، وانطلقنا بعد ذلك نعتام ونتخيّر، ونقترح ونتحكّم. فكان الدرّاج أطرف مطلوباتنا، وأنظف مأكولاتنا، فاستثرناه عن مجاثمه، وانتزعناه من مكامنه، واختطفنا ببزاتنا ما طار منه وانتشر، وبعثنا بوازجنا على ما تبنّج واستتر، فاهتدت إليها كالودائع المستودعة، وأظهرتها كالكنوز المستخرجة، تستدلّ عليها بالشميم، وتستنبطها بالنسيم. فلم يفتنا ما برز، ولا سلم منا ما احتجز.

ثم عدلنا- أيّد الله الأمير- عن مطارح الحمام، إلى مسارح الآرام، نستقري ملاعبها، ونؤمّ مجامعها، لا نألو بحثا وفحصا، ولا نفتر اجتهادا وحرصا، وأمامنا أدلّة فرهة يهدون، وروّاد مهرة يرشدون، حتى أفضينا إلى أسراب كثيرة العدد، متصلة المدد، لاهية بأطلائها، راتعة في أكلائها، غارّة بما أحاط بها، ذاهلة عما أعدّ لها؛ ومعنا فهود أخطف من البروق، وأثقف من الليوث، وأجدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأنزى من الجنادب، وأدبّ من

العقارب، خمص الخصور، قبّ البطون، رقش المتون، حمر الآماق، خزر الحداق، هرت الأشداق، عراض الجباه، غلب الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب، تلحظ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من اقصى نهاياتها، تتبع مرابضها وآثارها، وتنسّم روائحها وأنشارها. فأقبلنا من تجاه الريح إليها وأغذذنا السير نحوها، ثم دببنا لها الضّراء، وشننّا عليها الغارة الشعواء، وأرسلنا فهودنا إليها، فانقضّت كالشهب عليها، جائلة في أدمها وعفرها، صائلة بعترها وشصرها. وجرت خيلنا في آثارها، كاسعة لأدبارها، فألقينا كلّا منها على ظبي قد افترسه وافترشه، وصرعه وجعجعه، فصانعناها بالدماء فقنعت وولغت، واستنزلناها عن الظباء فسامحت ونزلت. وأوغلنا من بعد في اللحاق بما شذّ وشرد، وقصّ أثر ما ندّ وبعد؛ قد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، وفي صحبتنا منها كلّ كلب عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل، نجيب المخايل، حديد الناظرين، أغضف الأذنين، أسيل الخدين، مخطف الجنبين، عريض الزّور، متين الظهر، أبيّ النفس، ملهب الشدّ، لا يمسّ الأرض إلا تحليلا وإيماء، ولا يطأها إلا إشارة وإيحاء؛ وكلّ صقر عميم الجسم، مصمت العظم، ماض كالحسام، قاض كالحمام، كثير التلفّت، طويل التلهف، متيقّظ في نواظره، مشتطّ في مطالبه، خفيف النهضة إلى ما يريد، ثقيل الوطأة على ما يصيد. فما لبثنا أن أشرفنا على يعافير متطرّفة، ويحامير متعزّبة، فخرطنا القلائد والشّباقات، فمرّت مترافقات متوافقات، قد تباينت في الصور والأجناس، وتألّفت في الارتياد والالتماس، فسبقت الصقور إليها ضاربة وجوهها، ناكسة رؤوسها، ولحقت الكلاب بها منشبة فيها، مدمّية لها. وبادرناها مجهزين، وغنمناها فائزين. واعترضنا في المرجع- أيد الله الأمير- عانة من حمير، لم نحتسبها ولم نطمع في الوقوع على مثلها، فثاورها سرعان خيلنا، وخالطها فتّاك

فرساننا، فصرعنا منها جحشا ومنعنا مما سواه شدّة الكلال والملال، وامتلاء الحقائب من الأثقال.

وانقلبنا- أيد الله الأمير- إلى معرّس كنا استطبناه بادئين، وأعددناه للاستراحة عائدين. وقد وجب الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، فنزلنا ريثما صلينا، وعرفنا عدد ما صدنا، واجتمع إلينا أهل موكبنا، ونهضنا فأتممنا، وأخذنا في صيد ما يقرب ويحفّ، وتحصيل ما يلوح ويستدفّ، فكان ذلك حبارى أرسلنا بعض شواهيننا إليه، فثاوره وهو يتّقيه، وثاقفه وهو ينتحيه، يعلو عليه تارة ويستفل عنه أخرى، كالفارسين المتطاردين، والبطلين المتنازلين، فداما كذلك ساعة أو ساعتين، إلى أن اعتلقه، وهبط به، وخبطه وجثم عليه.

وكان قريبا منه قنبر أطلقنا عليه يؤيؤا لنا، فعرج إلى السماء عروجا، ولجّج في إثره تلجيجا، كأنّ ذلك يعتصم منه بالخالق، وكأنّ هذا يستطعمه من الرازق، حتى غابا عن النظار، واحتجبا عن الأبصار، وصارا كالغيب المرجّم، والظنّ المتوهّم، حتى خطفه ووقع به وهما كهيئة الطائر الواحد، فأعجبنا أمرهما، وأطربنا منظرهما، ووردنا المنازل سالمين، وولجناها غانمين، والغزالة مصوّبة للغروب، مؤذنة بالمغيب، والجوّ في أطمار منهجة من أصائله، وشفوف مورّسة من غلائله.

فالحمد لله الذي قدر الأرزاق ونزّلها، ويسّرها وسهّلها، وآتاها عباده من مستصعب جهاتها، وممتنع مراماتها، وجعل لهم في الأطيار السارية والوحوش الجارية طعما من أطايبها، وخدما من جنائبها، وعلمهم تذليل شامسها وآبيها، واستجابة نافرها وعاصيها، إسباغا للمواهب، وإرغادا للمعايش، وإمتاعا بالأوطار، وإسعافا بالمسارّ. وإياه أسأل أن ينصر راية الأمير في دقيق الأغراض وجليلها، ويقضي الظفر لها في جسيم المطالب وضئيلها، حتى يكون شعاره في

الجميع ضامنا للظهور والغلبة، وافيا له كفيلا باليمن والبركة، ويلهمنا من شكره جلّ ثناؤه ما يؤذن بالدوام والتمام، ويؤمن من الانفصام والانصرام، بمنّه وطوله، وقدرته وحوله.

- أبو نواس:

ما البرق في ذي عارض لمّاحولا انقضاض الكوكب المنصاح
ولا انبتات الحوأب المنداححين دنا من راحة المتّاح
أجذّ في السرعة من سرياحيكاد عند ثمل المراح

يطير في الجوّ بلا جناح

الحوأب: الدلو، والمنداح: الواسع، ومنه: لك عن كذا مندوحة. والمتّاح:

المستقي. والسرياح: اسم كلب.

- ولأبي نواس:

كأنه إذ لجّ في كيادهمحتسب للأجر في جهاده
يحظر ما صاد على فهّادهتحنّن الشيخ على أولاده

فليس يغدو معه بزاده

- وقال المخزومي في الفخ:

ذو قصر أحدب من غير كبرمحتقر المنظر جبّار الخبر
للشاعر الببغاء، من قصيدة «ذو قصر أحدب من غير كبر»
مستضعف لكن إذا ضيم انتصرمستأنس فإن مسسناه نفر
للشاعر الببغاء، من قصيدة «ذو قصر أحدب من غير كبر»
وإن جنى جناية لم يعتذرمنعطف مثل الهلال في الصغر
مفوّق سهما إذا شد استمرنصاله الحبّ ومأواه الحفر
لما رأى العصفور حبّا قد بذرارتاب بالحنطة ما بين المدر
ولم يزل بين الرجاء والحذريبعثه الحرص ويثنيه الخطر
ثم هوى مستيقنا لما افتكرأنّ بني الدنيا جميعا في غرر
وأمّل النفع ولم يخش الضررفشدّه الفخّ بأشراك الغير
ولم يطق دفع القضاء والقدرفكثرة الأطماع آفات البشر
وفي تصاريف الليالي معتبروالحزم أن تجزع من حيث تسرّ

فآخر الصّفو وإن لذّ الكدر

وقال الشمردل:

قد أغتدي قبل طلوع الشمسللصّيد في يوم قليل النّحس
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
بأحجن الخطم كميّ النفسغرثان إلّا أكلة من أمس
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
يطرح للطّمس وراء الطّمسكنظر الغضبان أو ذي المسّ
حتى إذا عاين بعد الحبسعشرين من حباريات عبس
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
يمشين مشي الخاطبات القعسأو كالنّصارى في ثياب طلس
فهنّ بين أربع وخمسصرعى ومستدم أميم الرأس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «قد أغتدي قبل طلوع الشمس»
كأنّما مخلبه في ورسمن علق الأجواف بعد النّهس
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة
وخرب قد ذلّ بعد القعسكالبكر يعطي رأسه للعكس
لاح وقد أرضاهم في الحدسعلى شمال قانص معتسّ
كأنه وهو لها في درسجلمود قذّاف قليل الوكس
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

ململم من صخرات ملس

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.