تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

قصة التذكرة الحمدونية

في حدود سنة عرض عليّ الأستاذ الصديق الدكتور رضوان السيد القيام بتحقيق التذكرة الحمدونية، فحصلت لتحقيق هذا المشروع على عدد غير قليل من المخطوطات، وزوّدني الدكتور رضوان نفسه بعدد آخر من تلك المخطوطات.

وشرعت في العمل، فأنجزت جزءين منها طبع الأول سنة بعناية معهد الإنماء العربي في بيروت، والدار العربية للكتاب (طرابلس- تونس)، وطبع الثاني سنة. ثم غادرت بيروت إلى عمان دون مكتبتي، ومضت سنوات أخرى قبل أن أستطيع نقلها لتكون على مقربة مني، فتعطل العمل في التذكرة أو كاد، ثم ألمّت بي ظروف قاسية من المرض، ظننت معها أن التذكرة لن تكمل بتحقيقي؛ حتى إذا كان عام جاء أخي بكر من المملكة العربية السعودية ليستقر في عمان، ففرحت كثيرا بقدومه بعد غياب طويل، ثم إنه اقترح عليّ أن نعمل معا في إتمام التذكرة، وغرضه الحقيقي أن يعيد إليّ ثقتي في نفسي، وكنت أعلم إذا نحن تعاونّا على إنجاز ذلك المشروع أن أكثر العبء سيقع على كتفيه. ورغبة مني في أن يكون لنا عمل مشترك، يجمع جهدينا، بعد أن باعدت بيننا عملية الشتات سنين عديدة، قبلت اقتراحه الكريم، واستأنفنا ما طال بعدي عنه، ولم يكن ذلك أمرا يتسم بالسهولة واليسر.

كنت في الجزءين الأولين أحاول أن أتبع منهجا طموحا هو أن أبيّن في التعليقات والهوامش مصادر ابن حمدون والمصادر التي نقلت عنه، وكان هذا العمل يرسم مدى التواصل بين كتب «الأدب» على مرّ الزمن؛ ولكن تطبيق مثل هذا المنهج يتطلب بقاء الذاكرة على قوّتها، كما يتطلب همة متماسكة لصعود السلم وإحضار الكتب من الرفوف العليا، وعدم اضطراب للترتيب الذي ألفته في مكتبتي، وقد اختل هذا

الترتيب بعد نقل المكتبة، وفقدان عدد من الكتب، وعلى الرغم من ذلك، فإن حماسة أخي (بكر) - حفظه الله، كانت تستطيع أن تقنعني بأن الاستمرار ممكن.

وكان من أهم الصعوبات الأخرى أنه لم يتبق لدينا نسخ كاملة للتذكرة، سوى نسخة المتحف البريطاني، (ورمزها: م)، وهي نسخة كثيرة السقط، شديدة التصحيف، رديئة الخط، ولذلك كان جلّ همنا، إذا كان لعملنا أن يتم، هو أن نضبط النصّ بقراءته مقارنا بالمصادر التي ينقل عنها صاحب التذكرة، وهذا هدف يقلّ كثيرا عن الهدف الذي وضعته نصب عيني حين بدأت في التحقيق.

هذا وإنني أتقدم بالشكر لكثيرين كان لهم فضل كبير في إنجاز التذكرة، في مقدمتهم شقيقي بكر عباس الذي لولاه لم يكن للتذكرة أن تظهر، وقد جعل عمل السيدتين نرمين عباس وناهد جعفر، بصنع الفهارس العامة، قيمة مهمة للكتاب بأجزائه المتعددة، كما أن لدار صادر في بيروت وهمة أصحابها الأبناء الأصدقاء: سليم صادر وأخويه ابراهيم ونبيل أكبر فضل على التذكرة وعلى المحققين.

لقد راجعني كثير من الأصدقاء، مرددين سؤالا طبيعيا هو: أين وصلت في تحقيق التذكرة أو «متى تظهر التذكرة» ؟ وليست أسئلتهم إلا تصويرا لما عوّدتهم عليه، وهو أنني لم أبدأ عملا كبيرا إلا وأنجزته دون تراخي زمن بين مبتداه ومنتهاه، بتوفيق من الله تعالى. فإلى هؤلاء الأصدقاء أقدم أصدق اعتذار، راجيا أن يجدوا في التذكرة الفائدة والمتعة معا.

وإلى هؤلاء الأصدقاء أعتذر مرة أخرى لأني وأخي اتفقنا على أن نهمل آخر بابين في التذكرة وهما «باب /» لاعتقادنا أن فائدتهما للقرّاء ضئيلة.

والله أسأل أن يرحمنا برحمته ويمدنا بتوفيقه.

عمان في // إحسان عباس

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.