من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر المجانين
- سأل رجل بهلولا فقال: ما تقول في رجل مات وخلّف زوجة وأمّا وبنتا، كيف تقسم التركة بينهم؟ فقال: هذه مسألة لا تخفى على أحد من أهل الفقه والعقل: الثّكل للأم واليتم للبنت وخراب البيت للزوجة.
- جمحت بجحا بغلته يوما فأخذت به غير الطريق الذي أراده.
فلقيه صديق له فقال: أين عزمت يا أبا الغصن؟ فقال: في حاجة البغلة.
- وبات ليلة مع صبيان له فجعلوا يفسون، فقال لامرأته: هذا والله بليّة. دعهم يفسون فإنه أولى [اقرأ: أدفى] لهم. فقام وخرىء وسط البيت ثم قال: انبهي الصبيان حتى يصطلوا بهذه النار.
- وكان بهلول يتشيّع، وهو من مجانين الكوفة، فقال له إسحاق
ابن الصباح: أكثر الله في الشيعة مثلك. قال: بل أكثر الله في المرجئة مثلي وأكثر في الشيعة مثلك.
- ودعاه الرشيد ليضحك منه. فلما دخل دعا له بمائدة فقدّم عليها خبز وحده. فولى بهلول هاربا فقال له: إلى أين؟ فقال: أجيئكم يوم الأضحى فعسى أن يكون عندكم لحم.
- ورمى بهلول رجلا فشجّه، فقدّم إلى الوالي فقال له: لم رميت هذا؟ قال: ما رميته ولكنه دخل تحت رميتي.
- رؤي بهلول مغموما يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: كيف لا أبكي وقد جاء الشتاء، وليس لي جبّة. فقيل: لا تبك لأن الله تعالى لا يدعك بلا جبّة. قال: بلى والله، عام أوّل تركني لا جبّة ولا سراويل وأخاف أن يدعني العام بلا جبّة ولا سراويل ولا قلنسوة.
- قال بعضهم: مررت يوما ببهلول وهو يأكل فرنيّة حوّارى مع دجاجة، فقلت: يا بهلول، أطعمني ممّا تأكل، قال: ليس هذا لي، وحياتك، هذا دفعته إليّ أمّ جعفر آكله لها.
- وحضر بهلول مجلس قوم يتذاكرون الحديث فرووا عن عائشة أنها قالت: لو أدركت ليلة القدر ما سألت ربّي تعالى إلا العفو والعافية.
فقال بهلول: والظفّر بعليّ يوم الجمل.
- حجّ موسى بن عيسى ومعه بهلول، فأقبل موسى يدعو عند
البيت ويتضرّع، وبهلول يقول: لا لبّيك ولا سعديك! فقال له ابنه العباس:
ويلك! أتقول هذا للأمير في مثل هذا الموقف؟ فقال: أقول له ما أعلم أنّ الله تعالى يقول له.
- هرب مجنون من الصبيان ودخل دهليزا، وأغلق الباب في وجوههم، وجلس. فخرج إليه صاحب الدار فقال: لم دخلت داري؟ قال:
من أيدي هؤلاء أولاد الزّنا. فدخل صاحب الدار وأخرج إليه رطبا، فجلس المجنون يأكل والصبيان يصيحون على الباب. فأخرج المجنون رأسه إلى صاحب الدار وقال: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
(الحديد:).
- قيل لمجنون بالبصرة: عدّ لنا مجانين البصرة. فقال: كلّفتموني شططا، أنا على عدّ عقلائهم أقدر.
- كان ببغداد مجنون يلبس فروته مقلوبة، فإذا قيل له في ذلك قال: لو علم الله أن الصوف إلى داخل أجود جعل الصوف إلى داخل.
- نظر رجل إلى جماعة من المجّان حول مجنون، فقال له: أدخل إلى بعض المواضع حتى يتفرّقوا عنك. قال: إذا جاعوا انصرفوا.
- وقع الصبيان بغباوة المجنون وصاحوا عليه ورموه، وهرب منهم، واستقبلته امرأة ومعها صبيّ صغير، فدنا منها ولطم الطفل لطمة كادت تأتي عليه، فقالت المرأة: قطعت يدك! أيش أذنب هذا إليك؟ قال:
يا قحبة! هذا غدا يكون شرّا من هؤلاء الكشاخنة، لعنهم الله!
- نظروا إلى ماني الموسوس يأكل تمرا ويبتلع النوى. فقيل له: لم لا ترمي بالنوى، قال: كذا وزنوه عليّ.
- كان مجنون يؤذيه الصبيان، فقال له رجل: تريد أن أطردهم عنك؟ قال: نعم وتنطرد أنت أيضا معهم.
قال أبو العيناء: قلت لمعتوه عندنا مليح في يوم مطر: أخرج معنا إلى المصلّى، قال: على أن تعيرني صلعتك أتترّس بها من الصبيان.
كان بحرّان مجنون يقال له لغدان، فمرّ يوما بقوم من بني تيم الله ابن ثعلبة فعبثوا به وعذّبوه، فقال: يا بني تيم الله، ما أعلم في الدنيا قوما خيرا منكم، قالوا: وكيف ذلك يا لغدان؟ قال: بنو أسد ليس فيهم مجنون غيري وقد قيّدوني وسلسلوني، وكلّكم مجانين ليس فيكم مقيّد.
وكان بدير المعاقل مجنون يقال له طبرزد، فأخذه الشّرط وهو على باب المسجد يبول، فجعلوا يضربونه، فقال: أرأيتم لو بال ههنا حمار أكنتم ضاربيه [قالوا: لا،] قال: فلا عقل لي فهبوني حمارا، فتركوه.
- شهد سلمي الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل فقال: هو أصلحك الله ناصبيّ رافضيّ قدريّ مجبريّ يشتم الحجّاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان. فقال له جعفر: ما أدري على أيّ أحسدك: على علمك بالمقالات أم على معرفتك بالأنساب. قال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتّاب حتى حذقت هذا كلّه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع