تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

نوادر البلغاء

وصفوا غلاما عند بعضهم فقالوا: هو فاسد، قال: في فساده صلاحي.

- وقال ابن وهب في مرد التحوا:

ما بالكم يا ظباء وجرة أمما غالكم يا جآذر البقر
ماتوا فلم يدفنوا فيحتسبواففيهم عبرة لمعتبر
كأنّهم بعد بهجة درستركب عليهم عمائم السّفر

- وقال ابن بسام في مثله:

يا من نعته إلى الإخوان لحيتهأدبرت والناس إقبال وإدبار
للشاعر علي بن بسام العبرتائي، اقرأ القصيدة
حانت منيّته واسودّ عارضهكما تسوّد بعد الميّت الدّار

وقال آخر:

وعلق لو تنسّك يوم حجّلواحر بين زمزم والحطيم
ولو يوم المعاد رأى لواطالنام على الصّراط المستقيم

- قيل لأعرابي: أغلمة الرجل أشدّ أم غلمة المرأة؟ فقال مرتجلا:

فو الله ما أدري وإني لخابرأالأير أدنى للفجور أم الحر
وقد جاء هذا مرخيا من عنانهوأقبل هذا فاتحا فاه يهدر

- وقال أبو العيناء لرجل دخل من النصرانية في الإسلام: أتشرب الخمر؟ قال: بلى. قال: لقد أصبت عين الرأي إذ دخلت في عزّ هذه الدعوة وثبتّ على شرائط تلك النّحلة.

- قال ابن مكرّم لأبي العيناء: أحسبك لا تصوم شهر رمضان،

فقال: ويحك! وتدعني امرأتك ان أصوم؟

- قال أبو العيناء: مررت بسرّ من رأى فقال لي غلامي: يا مولاي في الدّرب حمل سمين والدّرب خال. فأمرته أن يأخذه، وغطّيته بطيلساني وصرت به إلى منزلي. فلما كان الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدّرب مكتوب فيها: جعلت فداك! ضاع لنا بالأمس في الدّرب حمل، فأخبرني صبيان دربنا أنّك أنت سرقته، فتأمر بردّه متفضّلا؟ قال أبو العيناء: فكتبت إليه: يا سبحان الله، ما أعجب هذا الأمر! مشايخ دربنا يزعمون أنّك بغّاء وأكذّبهم أنا ولا أصدّقهم، وتصدّق أنت صبيان دربكم أني أنا سرقت الحمل؟ فسكت وما عاودني بشيء.

- قال ابن مكرّم يوما: ما في الدنيا أعقل من القحبة، لأنها تطعم أطايب الطعام وتسقى ألذّ الشراب وتأخذ دراهم وتتلذّذ. فقال له أبو العيناء:

فكيف عقل والدتك. فقال: أحمق من دغة يا عاضّ كذا.

- قيل لرجل كانت امرأته تشارّه: أما أحد يصلح بينكما؟ فقال:

لا، قد مات الذي كان يصلح بيننا، فقال:

وكنت فتى من جند إبليس فارتقتبي الحال حتى صار إبليس من جندي
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «يقولون صف حرب الرعية والجند»

- أشرف قوم كانوا في سفينة على الهلاك، فأخذوا يدعون الله تعالى بالنجاة، ويتضرّعون، ورجل منهم ساكت لا يتكلّم. فقالوا له: لم لا تدعو أنت أيضا؟ فقال: هو مني (وأومأ إلى نفسه) وإن تكلّمت غرّقكم.

- مرّ بعضهم في طريق فعيي من المشي، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ، ارزقني دابّة. فلم يمش إلا قليلا حتى لحقه أعرابيّ راكبا رمكة وخلفه مهرها صغير قد عيي. فقال للرجل: احمل المهر ساعة. فامتنع فقنّعه بالسّوط حتى حمله. فلما حمله نظر إلى السماء فقال: الذنب لي حيث لم أفسّر دابّة تحملني أو أحملها.

قام بعضهم من مجلس ليصلّي فقيل له: أيّ صلاة تصلّيها:

الأولى أو العصر؟ فقال بعض المجّان الحاضرين: أيّ صلاة صلاها فهي الأولى فإنه ما صلّى قبلها.

- اشترى بعضهم جارية فقيل له: اشتريتها لخدمتك أو لخدمة النساء؟ فقال: بل لنفسي، ولو اشتريتها للنساء لكنت أشتري مملوكا فحلا.

- لما أخرجت جنازة الصّريمية المغنية كان أشعب جالسا في نفر من قريش فبكى عليها وقال: اليوم ذهب الغناء كلّه وترحم عليها، ثم مسح عينيه والتفت إليهم وقال: وعلى ذلك فقد كانت الزّانية شرّ خلق الله؛ فضحكوا وقالوا: يا أشعب ما بين بكائك عليها ولعنك إيّاها فرق. قال:

نعم، كنّا نجيئها الفاجرة بكبش إذا أردنا أن نزورها فيطبخ لنا من دارنا ثم لا نتعشى- شهد الله- إلا بسلق.

- نزل على مديني أضياف فتسترت امرأته منهم وتخفّرت، فقال لها زوجها: لوددت أنّ في الدنيا عينا تشتهيك وأنّك أثقلت في كلّ يوم بتو أمين.

- نظر مديني إلى قوم يستسقون ومعهم الصبيان فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: نرجو بهم الإجابة، قال: لو كان دعاؤهم مجابا لما بقي في الأرض معلّم.

- كان يترافق اثنان أحدهما يقود بالصبيان الصغار والآخر بالبالغين الكبار، وكلّ واحد يعيب صاحبه ويعنّفه، حتى أخذ في بعض الأيّام صاحب الصغار مع صبيّ، ورفع إلى السلطان فضرب وحمل الصبيّ على عاتقه ليطاف به في البلد؛ فلقيه رفيقه في تلك الحال فقال: قد كنت أنهاك عن الصغار حذرا عليك من مثل هذا ولو كان كبيرا لم ينكر عليك كونه معك في البيت. فقال:

اسكت يا أحمق! فلو قبلت منك كان مكان هذا الصغير ذاك الكبير، وكان يدقّ عنقي بثقله.

نظر الحسن البصري إلى رجل عليه بزّة سريّة، فقال: ما يصنع هذا؟ قالوا: يضرط، قال: ما طلب الدنيا بما تستحقّ غير هذا.

- كان سعيد بن حميد الكاتب يذكر بالضّراط، فقال لأبي هفان: لئن ضرطت عليك لأبلغنّك إلى فيد في دفعة. فقال: الله الله يا مولاى! زدني أخرى وبلّغني مكة فإني صرورة. فضرط عليه ضرطة أصعقت أبا هفان، فقال: ردّني من الثّعلبيّة فقد كفاني.

- مشت فتاة في الطريق وإلى جانبها شيخ. فاستعجلت فضرطت، فقال الشيخ: سبحان الله! فوقفت وقالت: سبّحت في غلّ وقيدين يا بغيض يا

مقيت، لم تسبّح؟ قطعت عليك الطريق؟ تعلقت لك بثوب؟ شتمت عرضك؟

رميتك بفاحشة؟ حبستك عن حاجة؟ امض على حالك لا محفوظا ولا مصحوبا.

فخجل الشيخ حتى كأنه قد ضرط.

- دخل أعرابيّ إلى الحجاج فجعل يشكو إليه جدب السّنة.

فبينما هو مفرط في ذلك إذ ضرط فقال: أصلح الله الأمير وهذه أيضا من بليّة هذه السنة. فضحك وأجازه.

- وقد روي أنّ المغيرة صعد المنبر فضرط، فحرّك يده وضرب بها استه وقال: كل است ضروط. ثم نزل وتوضّأ وعاد إلى مكانه.

- وقيل لبعضهم: لا تضرط فإن الضّراط شؤم، قال: فأحرى أن لا أدعه في جوفي.

- تزوّج رجل بامرأة فضرطت ليلة الزّفاف فخجلت وبكت فقال لها الزوج: لا تبكي فقد قيل إنّ المرأة إذا ضرطت ليلة الزّفاف كان دليلا على خصب السنة، قالت: فأضرط أخرى؟ قال: لا فإن بيتنا الذي ندّخر فيه الغلّة بيت واحد صغير لا يسع أكثر من هذا.

- مرّ ابن أبي علقمة على جماعة من عبد القيس، فضرط بعض فتيانهم فقال: يا عبد القيس، فسّائين في الجاهلية ضراطين في الاسلام، إن جاء دين آخر خريتم.

- صلّى أشعب يوما إلى جانب مروان بن أبان بن عثمان، وكان

مروان عظيم العجيزة والخلف فأفلتت منه ريح عند نهوضه لها صوت. فانصرف أشعب من الصلاة يوهم الناس أنّه هو الذي خرجت الريح منه. فلما انصرف مروان إلى منزله جاءه أشعب فقال له: الدّية! فقال له: الدّية، لماذا؟ قال: الضّرطة التي تحملتها عنك وإلا شهّرتك والله. فلم يدعه حتى أخذ منه شيئا صالحا.

- خرجت من أعرابيّ ريح وحضرت الصلاة، فقام يصلّي فقيل له في ذلك، فقال: لو أوجبت على نفسي الوضوء لكلّ ريح تخرج مني لخلتموني ضفدعا أو حوتا.

- شرب الهفتيّ دواء فأشرف عليه حتى أنحله وأذهب جسمه، فأتاه إخوانه يعودونه فقال: ما علمت أنّي من خرا حتى اليوم.

- كتب بعض المجّان إلى صديق له: أما بعد، فقد أضلّنا هذا العدوّ (يعني شهر رمضان). فكتب إليه الجواب: ليكن أهون عليك من شوّال.

- قيل لابن مضاء الرازي: قد كبرت فلو تبت وحججت كان خيرا لك. قال: ومن أين لي مال أحجّ به؟ قيل: تبيع دارك. قال: فإذا بعت ورجعت فأين أنزل؟ قيل: تجاور. قال: فإذا جاورت بمكة، أليس الله ﵎ يقول: يا صفعان، بعت بيتك وجئت تنزل على بيتي.

- وتزوّج بامرأة وأمهرها أربعة آلاف درهم، فاستكثر ذلك بعض أصدقائه فقال: الأمر يسهل مع غريم كلما لقيته نكته.

- صار إلى عمرو الخوزيّ جماعة من جيرانه وسألوه أن يعطيهم

شيئا يصرفونه في ثمن بواري مسجد يجاوره فقال لهم: إن كنتم رأيتموني في المسجد يوما من الأيام أو دخلته لحاجة فضلا عن الصلاة فكلّفوني أن أفرشه بزلالي جهرمية.

- قال بعضهم: دعوت أصدقائي فجاؤني معهم بصفعان، فمددت يدي إليه، فقال: يا ابن البظراء هذا مزح من داره على دجلة، وفي بستانه طاووس، وفي اصطبله فيل، وعلى باب داره زرافة، ليس من داره بكراء، وخبزه شراء، ودوابه في زنقة، وفي حجرته ديك، وعلى بابه كلب.

- قيل لبعضهم: اللّواط إذا استحكم صار حلاقا، قال: هذا من إرجاف الزّناة.

- سمع صبيّ أمّه تبكي وقت السحر، فقال: لم تبكين؟ قالت:

ذكرت أباك فأحرق قلبي، قال الصبيّ: صدقت، هذا وقته.

- أخذ رجل مع غلام فرفع إلى صاحب الشرطة فأدّبه، ثم وجد بعد ذلك مع امرأة فعوقب، وبعد ذلك مع مخنّث فأدّب، ثم وجد في خربة مع أتان، فقال له صاحب الشرطة: ويلك! لم لا تغمد أيرك؟ قال: يا سيدي هذا غمده ولكن ليس تتركوني أن أغمده.

- قيل لابن سوّار: قد امتهنك غلامك الأسود، قال: ما امتهنني ولكن امتهنته، عمدت إلى أكرم عرق فيه فاستعملته في أقذر مدخل فيّ.

- اشترى مديني عرصة وأحضر من بينيها. فذرعها وقال: ابن ههنا صفّة، وههنا. (....) وهذه خزانة. ثم ضرط فقال بالعجلة: وههنا كنيفا فقد اختاره الثّقة العالم به. فضحك هو ومن حضره وزال خجله.

- كان بعض الفقهاء، ويعرف بالخضيري، يحضر مجلس النّظر للصاحب بالليل، فغلبته عيناه مرّة وبدرت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع من المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني:

قل للخضيري لا تذهب على خجللحادث كان مثل الناي والعود
فإنها الريح لا تسطيع تحبسهاإذ أنت لست سليمان بن داود

- التقى مدينيّان فقال أحدهما لصاحبه: علمت أنّ امرأتي حامل قال: ممن؟ قال: مني، قال: سررتني والله.

- سمع العنبري القاضي صبيّا يقول لآخر: وإلا فأير القاضي في حر أمّ الكاذب. فقال القاضي: ولم يا صبيّ؟ قال: لأن عليه أيرا مردودا في حر أمّه مثل سارية المسجد، فقال القاضي: الاستقضاء شؤم.

- راودت أعرابية شيخا عن نفسه، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة أبطأ عليه الانتشار. فأقبلت تستعجله وتوبّخه فقال: يا هذه إنك تفتحين بيتا وأنا أنشر ميّتا.

- أتى نوفل إلى ابن أخيه وقد أحبل جارية لغيره، فقال: يا عدوّ الله هلا إذا ابتليت بالفاحشة عزلت؟ قال: بلغني أنّ العزل مكروه، قال: فما بلغك أن الزّنا حرام؟

- جاء رجل إلى عابد فسأله عن القبلة للصّائم، قال: تكره للحدث، ولا بأس بها للمسنّ، وبالليل له فسحة. فقال: إنّ زوجها يعود إلى منزله ليلا، فقال: يا ابن أخ، هذه تكره في شوّال أيضا.

- قال رجل لقينة في مجلس: أشتهي أن أضع يدي عليه، قالت:

العتمة. قال: يا ستّي إذا كان العتمة وأطفىء السّراج يكون الزحام عليه أكثر من الزّحام على الحجر الأسود.

- كان في جوار ابن المعذّل قحبة تزني بالنهار وتصلّي بالليل وتدعو وتقول: اللهم اختم لي بخير. فلما طال ذلك على ابن المعذّل قال: ما ينفعك هذا الدعاء، هو يختم بالليل وأنت تكسرين الختم بالنهار.

- وقيل لرجل: إن فلانا وفلانا حملا السّلّم البارحة ونصباه على حائط دارك يريدان امرأتك، قال: على كلّ حال إذا حملاه هما أولى من أن يكلّفوني حمله وحدي.

- قيل لرجل رؤي يكلّم امرأة في شهر رمضان: أتكلّمها في مثل هذا الشهر؟ قال: أدرّجها لشوّال.

- أدخل الجمّاز غلاما ففعل به. فلما خرج سئل الصبيّ فقال:

أدخلني الجمّاز ههنا لأفعل به. فبلغ ذلك الجمّاز فقال: قد حرم اللّواط إلا بوليّ وشاهدين.

- وخصم أمرد من شعره لما بقل وجهه، فقيل له في ذلك فقال:

تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها

(التوبة:).

- أسلم نصراني ثم تعاطى ركوب الفواحش واستحلال المآثم.

فقال له نصرانيّ آخر: ما زدت على أن أسخطت عيسى ولم ترض محمدا ﷺ.

- قال أبو العيناء: كان بالرّيّ مجوسيّ موسر فأسلم، وحضر شهر رمضان فلم يطق الصوم، فنزل إلى سرداب له وقعد يأكل. فسمع ابنه حسّا من السّرداب فاطّلع فيه وقال: من هذا؟ فقال الشيخ: أبوك الشقيّ يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس.

- تبع أشعب مرّة امرأة فقالت له: وما تصنع بي ولي زوج؟ قال:

فتسرّي بي فديتك.

- وكان يقول: كلبي كلب سوء يبصبص الأضياف وينبح لأصحاب الهدايا.

- وقع بين مزبّد وبين رجل كلام، فقال له الرجل: تكلّمني وقد نكت أمّك. فرجع مزبّد إلى أمّه فقال: يا أمّاه، تعرفين مليك؟ قالت: أبو علية؟

قال: ناكك، شهد الله، أنا أسألك عن اسمه وتجيبينني عن كنيته.

- وسمع رجلا يقول عن ابن عباس: من نوى حجّة وعاقه عائق كتب له. فقال مزبّد: ما خرج العام كراء أرخص من هذا.

- ونام مرّة في المسجد فدخل رجل يصلّي، فلما فرغ قال: يا ربّ أنا أصلّي وهذا نائم! فقال: يا ابن أمّ سل أنت حاجتك ولا تحرّشه علينا.

- وسمع رجلا يقول لآخر: إذا استقبلك الكلب بالليل فاقرأ في وجهه يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ

فقال مزبّد: الوجه عندي أن يكون معك عصا أو حجر، فليس كل كلب يحفظ القرآن.

- ووقعت بينه وبين امرأته [خصومة] فحلف لا يجتمع رأسي ورأسك على مخّدة سنة. فلما طال ذلك عليه قال: نقنع باجتماع الأرجل إلى وقت حلول الأجل.

- وغضب عليه بعض الولاة وأمر بحلق لحيته، فقال له الحجّام:

افتح فمك حتى أحلق. قال: يا ابن الفاعلة، أمرك أن تحلق لحيتي أو تعلمني الزّمر؟

- وسئل يوما عن عدد أولاده فقال: عهد الله في رقبته إن لم تكن امرأته تلد أكثر ممّا ينيكها.

- وقال يوما: قد عزمت في هذه السنة على الحجّ وأصلحت أكثر ما

أحتاج إليه، قالوا: وما الذي أصلحت؟ قال: حفظت التّلبية.

- ودخل إلى بعض العلويّة فجعل يعبث به ويؤذيه. فتنفس مزبّد الصعداء وقال: صلوات الله على المسيح، أصحابه منه في راحة، لم يخلّف عليهم ولدا يؤذيهم.

- وجاء غريم له يطالبه بحقّ عليه، فقال له: ليس لك اليوم عندي شيء، وحشرني الله كلبا عقورا ينهش عراقيب الناس في الموقف ولو علقتني من الثريا بزغبة قثّاءة ما أعطيتك اليوم شيئا.

- وقيل له: صوم يوم عرفة يعادل صوم سنة. فصام إلى الظهر ثم أفطر وقال: يكفيني صوم نصف سنة فيه شهر رمضان.

- وكان لامرأة مزبّد صديق فضربها وشجّها. ودخل مزبّد فرآها على تلك الحال، فقال لها: ويلك! ما لك؟ قالت: سقطت عن الدّرجة، قال لها مزبّد: أنت طالق، لو أنك سقطت من بنات نعش ما أصابك هذا كلّه.

- وزفّت إليه امرأة فبيحة، فقالت له الماشطة: بأي شيء تصبحها؟

قال: بالطلاق.

- وجلس مرّة على الطريق يبول وهو سكران، وعليه طيلسان خلق، فمر به رجل فأخذ طيلسانه فالتفت إليه مزبّد وقال: يا فتى، صرف الله عنك السّوء.

- وقيل لمزبّد: وقد أدمن الحلف بالطلاق وجلس مرة على الطريق

يبول وهو سكران: ويحك! لم تحلف بالطلاق؟ فقال: قوموا معي حتى أريكم امرأتي، فإن كانت تصلح [إلا] للحنث فاصنعوا بي ما شئتم.

- دخل على مطيع صديق له فرأى تحته غلاما وفوقه آخر، فقال: ما هذا؟ قال: اللذّة المضاعفة.

- وعوتب ابن مكرّم على حبّ غلام كان يعرف به، فأومى بيده إلى خلفه فقال:

أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكممن اللّوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هواكم وإن لم تسعفونا ولم تجدوا»

- قيل لآخر: أتنبطح مع شرفك؟ فقال: ذوقوا ثم لوموا.

رفع شيخ مأبون مع أمرد إلى السلطان، فقالت امرأته: أما تستحي أن يرفع ذلك إلى السلطان؟ فقال: لو استقبلك بمثل ما استدبرني لم تبالي أن ترفعي إلى ملك الروم.

دعا الأمين يوما عبد الله بن عفان ليصطبح فأبطأ. فلما جاء قال:

أظنّك أكلت، قال: لا والله، قال: والله لتصدقن، قال: نعم يا أمير المؤمنين. فدعا بحكّاك فحكّ أضراسه السفلى، فلما ذهب ليحكّ العليا قال: يا أمير المؤمنين. دعها لقضية أخرى. فضحك وخلّاه.

- هبت ريح شديدة فصاح الناس: القيامة! القيامة! فقال مزبّد:

هذه قيامة على الريق بلا دابّة الأرض ولا الدّجال ولا القائم.

- سمع الجمّاز محبوسا يقول: اللهم احفظني! فقال: قل اللهم

ضيّعني حتى تفلت.

- طالب رجل امرأته بالجماع فقالت: أنا حائض، وتحرّكت فضرطت. فقال لها: قد حرمتنا خير حرك فاكفينا شرّ استك.

- وأدخل [الجمّاز] غلاما فلما بطحه فسا فسوة منكرة، فقال الجمّاز: ويلك! هو ذا تذرّي قبل أن تدرس.

- وقال الجمّاز: اجتزت بباب دار وصاحب الدار يقابل امرأته ويقول: لأحملنّ عليك اليوم مائة رجل. فجلس شيخ كان خلفي على الباب ينتظر. فلما طال للشيخ الانتظار، دقّ الباب وقال: تريد أن تحمل على هذه القحبة أو أنصرف؟

- تحدّث ابن سيّابة، وأنشد شيئا من شعره ثم تحرّك فضرط، فضرب بيده على استه غير مكترث وقال: إما أن تسكتي حتى أتكلّم وإما أن تتكلّمي حتى أسكت.

- قال رجل بحمص: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالذي فجر بامرأة جاره ويؤخذ من سيّئات الجار فتوضع على سيّئاته، ويؤخذ من حسناته فتوضع على حسنات جاره. فقال الحمصيّ: والله إن كان هذا هكذا فما في القيامة أحسن حالا من الكشاخنة بعد المخنثين.

- قال ابن رشيق المغربي: دخلت الجامع فرأيت أبا بكر الورّاق التميمي الشاعر في حلقة يقرأ المواعظ ويذكر أخبار السّلف الصالحين، وقد بدا

خشوعه وترقرقت دموعه. فما كان إلا أن جئته عشية ذلك اليوم إلى داره، فوجدته في يده طنبور وعن يمينه غلام مليح، فقلت: ما أبعد ما بين حاليك في مجلسيك. فقال: ذلك بيت الله وهذا بيتي أصنع في كلّ واحد منهما ما يليق به وبصاحبه.

نظر أبو قصيصة-[وكان] ماجنا من أهل الحجاز- إلى هلال شهر رمضان فقال: قد جئتني بقرنيك! قطع الله أجلي إن لم أقطعك بالأسفار.

- قال رجل مشوّه للجمّاز: ولد لي ابن كأنه دينار، فقال له:

لاعن أمّه، والله أعلم.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.