من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الثاني في نشأته وترقيه ووزارته وسعادته، ومساعدة الدهر له، ثم قلبه له ظهر (٥)
وما أحسن قول لسان الدين - رحمه الله تعالى - بعدما عرف بنفسه وسلفه: وكأني بالحي ممن ذكر قد التحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت.
وقال رحمه الله تعالى بعد إيراد جملة من نظمه ما صورته: وقلت والبقاء لله وحده، وبه يختم الهذر:
عد عن كيت وكيتما عليها غير ميت
كيف ترج حالة البق ... يا لمصباح وزيت وسيأتي ذلك، ولقد صدق رحمه الله تعالى، ورقى درجته في الجنة.
[تحقيق في نسبة بيتين]
وأما البيتان الشائعان على ألسنة أهل المشرق والمغرب وأنهما قيلا في لسان الدين رحمه الله تعالى، وبعضهم ينسبهما له نفسه، فالصحيح خلاف ذلك كما سيأتي، وهما:
قف كي ترى مغرب شمس الضحىبين صلاة العصر والمغرب
واسترحم الله قتيلاً بها ... كان إمام العصر في المغرب وشرح بعضهم البيتين فقال: إن قوله " قتيلاُ بها " من باب الاستخدام: أي قتيلاً بشمس الضحى التي هي المتغزل فيها.
وقد رأيت وأنا بالمغرب بخط الشيخ الأغصاوي أنهما لم يعن بهما قائلهما لسان الدين ابن الخطيب، وإنما هما مقولان في غيره، ونسبهما، ونسيت الآن ذلك لطول العهد، والله أعلم.
ويدل على ذلك أنه - رحمه الله تعالى - لم يقتل بين صلاة العصر والمغرب
وإنما قتل في جوف الليل كما علم في محله. على أنه يمكن بتكلف تأويل ذلك بأنه قامت لقائلها قرينة على أنه بصدد الموت في ذلك الوقت، وهذا لو ثبت أنهما قيلا فيه، وقد علمت أن الأغصاوي نفى ذلك، فالله أعلم بحقيقة الأمر. في ذلك.
ثم رأيت في كتاب إسماعيل بن الأحمر في ترجمة بعض العلماء ما نصه: فمن قوله يرثي الأمراء بالمغرب، وقد حل رمسه بين صلاة العصر والمغرب:
قف كي ترى مغرب شمس العلابين صلاة العصر والمغرب
واسترحم الله دفيناً به ... كان مليك العصر في المغرب وهذا مما يبعد أنهما في لسان الدين من وجوه لا تخفى على المتأمل: منهما قوله كان مليك العصر فإن لسان الدين لم يكن كذلك، وقد تقدم أنفاُ كان إمام العصر في المغرب وهو أحسن؛ لما فيه من التورية البديعة، والله أعلم.
[ثلاث قصائد لابن زمرك]
رجع إلى أخبار لسان الدين ابن الخطيب - رحمه الله تعالى - وقد عرض عدوه الرئيس ابن زمرك في بعض قصائده التي مدح بها سلطانه الغني بالله أبا عبد الله بن نصر بما تسنى له من الظفر لابن الخطيب، ومن حماه منه، وهو الوزير بن الكاس، على يد من عينه لملك المغرب، وأعانه بجنده وعضده - كما تقدم - وهو السلطان أحمد المريني، فقال من قصيدة عيدية:
يهني زمانك أعياد مجددةمن الفتوح من الأيام تغشاه
غضبت للدين والدنيا بحقهمايا حبذا غضب في الله أرضاه
فوقت للغرب سهماً راشه قدروسدد الله للأعداء مرماه
" سهم أصاب وراميه بذي سلم "لقد رمى الغرب الأقصى فأصماه
من كان بندك يا مولاي يقدمهفليس يخلفه فتح ترجاه
من كان جندك جند الله ينصرهأناله الله ما يرجو وسناه
ملكته غربه خلدت من ملكللغرب والشرق منه ما تمناه
وسام أعدائك الأشقين ما كسبواومن تردى رداء الغدر أرداه
قل للذي رمدت جهلاً بصيرتهفلم تر الشمس، شمس الهدي، عيناه
غطى الهوى عقله حتى إذا ظهرتله المراشد أعشاه وأعماه
هل عنده وذنوب الغدر توبقهأن الذي قد كساه العز أعراه
لو كان يشكر ما أوليت من نعمما زلت ملجأه الأحمى ومنجاه
سل السعود وخل البيض مغمدةفالسيف مهما مضى فالسعد أقصاه
وأشرع من البرق نصلاً راع مصلتهوارفع من الصبح بنداً راق مجلاه
فالعدوتان وما قد ضم ملكهماأنصار ملكك، صان الله علياه
لا أوحش الله قطراُ أنت مالكهوآنس الله بالألطاف مغناه
لا أظلم الله أفقاً أنت نيرهلا أهمل الله سرحاُ أنت ترعاه
وأهنأ بشهر صيام جاء زائرهمستنزل من إله العرش رحماه
أهل بالسعد فانهلت به مننوأوسع الصنع إجمالأ ووفاه
أما ترى بركات الأرض شاملةوأنعم الله قد عمت براياه
وعادك العيد تستحلى مواردهويزجل الأجر والرحمى مصلاه
جهزت جيش دعاء فيه ترفعهلذي المعارج والإخلاص رقاه
أفضت فيه من النعماء أجزلهاوأشرف البر بالإحسان زكاه
واليت للخلق ما أوليت من نعموالى لك الله ما أولى ووالاه
وأول هذه القصيدة:
هذي العوالم لفظ أنت معناهكل يقول إذا استنطقه الله
بحر الوجود وفلك الكون جاريةوباسمك الله مجراه ومرساه
من نور وجهك ضاء الكون أجمعهحتى تشيد بالأفلاك مبناه
عرش وفرش وأملاك مسخرةوكلها ساجد لله مولاه
سبحان من أوجد الأشياء من عدموأوسع الكون قبل الكون نعماه
من ينسب النور للأفلاك قلت له:من أين أطلعت الأنوار لولاه
مولاي مولاي بحر الجود أغرقنيوالخلق أجمع في ذا البحر قد تاهوا
فالفلك تجري كما الأفلاك جاريةبحر السماء وبحر الأرض أشباه
وكلهم نعم للخلق شاملةتبارك الله لا تحصى عطاياه
يا فاتق الرتق من هذا الوجود كمافي سابق العلم قد خطت قضاياه
كن لي كما كنت لي إذ كنت لا عملأرجو، ولا ذنب قد أذنبت أخشاه
وأنت في حضرات القدس تنقلنيحتى استقر بهذا الكون مثواه
ما أقبح العبد أن ينسى وتذكرهوأنت باللطف والإحسان ترعاه
غفرانك الله من جهل بليت بهفمن أفاد وجودي كيف أنساه
مني علي حجاب لست أرفعهإلا بتوفيق هدي منك ترضاه
فعد علي بما عودت من كرمفأنت أكرم من أملت رحماه
ثم الصلاة صلاة الله دائمةعلى الذي باسمه في الذكر سماه
المجتبى وزناد النور ما قدحتولا ذكا من نسيم الروض مسراه
والمصطفى وكمام الكون ما فتقتعن زهر زهر يروق العين مرآه
ولا تفجر نهر للنهار علىدر الدراري فغطاه وأخفاه
يا فاتح الرسل أو يا ختمها شرفاًوالله قدس في الحالين معناه
لم أدخر غير حب فيك ارفعهوسيلة لكريم يوم ألقاه
صلى عليك إله أنت صفوتهما طيبت بلذيذ الذكر أفواه
وعم بالروح والريحان صحبتهوجادهم من نمير العفو أصفاه
وخص أنصاره الأعلين صفوتهوأسكنوا من جوار الله أعلاه
أنصار ملته أعلام بيعتهمناقب شرفت أنثى بها الله
وأيد الله من أحيا جهادهموواصل الفخر أخراه بأولاه
المنتقى من صميم الفخر جوهرهما بين نصر وأنصار تهاداه
العلم والحلم والإفضال شيمتهوالبأس والجود بعض من سجاياه وهي طويلة، ولنقتصر منها على ما ذكر
وقد صرح ابن زمرك المذكور في قصيدة أخرى مدح بها سلطانه الغني بالله، وهنأه بفتح المغرب على يد السلطان أحمد، وذكر فيها ظفره بالوزير ابن الكاس، وهو - أعني ابن الكاس - كان القائم بنصرة لسان الدين، والمانع له، والمجير له منهم حين طلبوه منه، فلما لم يخفر ذمته تمكنت - كما سبق - أسباب العداوة، وجر ذلك أن أغرى السلطان أحمد على تملك فاس، واشترطوا عليه كما مر القبض على لسان الدين وإرساله إليهم، وقد نقلت أنا هذه القصيدة من تأليف لحفيد السلطان الغني بالله ونص محل الحاجة منه: ومن ذلك أيضاً قوله - يعني ابن زمرك - هناء لمولانا الجد رحمه الله تعالى بالفتح المغربي للسلطان أبي العباس ابن السلطان أبي سالم المريني:
هي نفحة هبت من الأنصارأهدتك فتح ممالك الأمصار
في بشرها وبشارة الدنيا بهامستمتع الأسماع والأبصار
هبت على قطر الجهاد فروضتأرجاءه بالنفحة المطار
وسرت وأمر الله طي برودهايهدي البرية صنع لطف الباري
مرت بأدواح المنابر فانبرتخطباؤها مفتنة الأطيار
حنت معارجها إلى أعشارهالما سمن بها حنين عشار
لو أنصفتك لكللت أدواحهاتلك البشائر يانع الأزهار
فتح الفتوح أتاك من حلل الرضىبعجائب الأزمان والأعصار
فتح الفتوح جنيت من أفنانهما شئت من نصر ومن أنصار
كم آية لك في السعود جليةخلدت منها عبرة استبصار
كم حكمة لك في النفوس خفيةخفيت مداركها عن الأفكار
كم من أمير أم بابك فانثنىيدعى الخليفة دعوة الإكبار
أعطيت أحمد راية منصورةبركاتها تسري من الأمصار
أركبته في المنشآت كأنماجهزته في وجهة لمزار
من كل خافقة الشراع مصفقمنها الجناح تطير كل مطار
ألقت بأيدي الريح فضل عنانهافتكاد تصدق لمحة الأبصار
مثل الجياد تدافعت وتسابقتمن طافح الأمواج في مضمار
لله منها في المجاز سوابحوقفت عليك الفخر وهي جواري
لما قصدت بها مراسي سبتةعطفت على الأسوار عطف سوار
لما رأت من صبح عزمك غرةمحفوفة بأشعة الأنوار
ورأت جبيناً دونه شمس الضحىلبتك بالإجلال والإكبار
فأفضت بها من نداك مواهباًحسنت مواقعها على التكرار
وأريت أهل الغرب عزم مغربقد ساعدته غرائب الأقدار
وخطبت من فاس الجديد عقيلةلبتك طوع تسرع وبدار
ما صدقوا متن الحديث بفتحهاحتى رأوه في متون شفار
وتسمعوا الأخبار باستفتاحهاوالخبر قد أغنى عن الأخبار
قولوا لقرد في الوزارة غرهحلم مننت به على مقدار
أسكنته من فاس جنة ملكهامتنعماً منها بدار قرار
حتى إذا كفر الصنيعة وازدرابحقوقها ألحقته بالنار
جرعت نجل الكاس كأساً مرةدست إليه الحتف في الإسكار
كفر الذي أوليته من نعمةلا تأنس النعماء بالكفار
فطرحته طرح النواة فلم يفزمن عز مغربه بغير فرار
لم يتفق لخليفة مثل الذيأعطى الإله خليفة الأنصار
لم أدر والأيام ذات عجائبتردادها يحلو على التذكار
ألواء صبح في فنية مشرقأم راية في جحفل جرار
وشهاب أفق أم سنان لامعينقض نجماً في سماء غبار
ومناقب المولى الإمام محمدقد أشرقت أم هن زهر دراري
فاق الملوك بهمة علويةمن دونها نجم السماء الساري
لو صافح الكف الخصيب بكفهفخرت بنهر للمجرة جاري
والشهب تطمع في مطالع أفقهالو أحرزت منه منيع جوار
سل بالمشارق صبحها عن وجههيفتر منه عن جبين نهار
سل بالغمائم صوبها عن كفهتنبيك عن بحر بها زخار
سل بالبروق صفاحها عن عزمهتخبرك عن أمضى شباً وغرار
قد أحرز الشيم الخطيرة عندماأمطى العزائم صهوة الأخطار
إن يلق ذو الإجرام صفحة صفحهفسح القبول له خطا الأعمال
يا من إذا هبت نواسم حمدهأزرت بعرف الروضة المعطار
يا من إذا افترت مباسم بشرهوهب النفوس وعاف في الإقتار
يا من إذا طلعت شموس سعودهتعشي أشعتها قوى الأبصار
قسماً بوجهك في الضياء وإنهشمس تمد الشمس بالأنوار
قسماً بعزمك في المضاء فإنهسيف تجرده يد الأقدار
لسماح كفك كلما استوهبتهيزري بغيمة الديمة المدرار
لله حضرتك العلية لم تزليلقي الغريب بها عصا التسيار
كم من طريد نازح قذفت بهأيدي النوى في القفر رهن سفار
بلغته ما شاء من آمالهفسلا عن الأوطان بالأوطار
صيرت بالإحسان دارك دارهمتعت بالحسنى وعقبى الدار
والخلق تعلم أنك الغوث الذييضفي عليها وافي الأستار
كم دعوة لك في المحول مجابةأغرت جفون المزن باستعبار
جادت مجاري الدمع من قطر الندىفرعى الربيع لها حقوق الجار
فأعاد وجه الأرض طلقاً مشرقاًمتضاحكاً بمباسم النوار
يا من مآثره وفضل جهادهتحدى القطار بها إلى الأقطار
حطت البلاد ومن حوت ثغورهاوكفى لسعدك حامياً لذمار
فلرب بكر للفتوح خطبتهابالمشرفية والقنا الخطار
وعقيلة للكفر لما رعتهاأخرست من ناقوسها المهذار
أذهبت من صفح الوجود كيانهاومحوتها إلا من التذكار
عمروا بها جنات عدن زخرفتثم انثنوا عنها ديار بوار
صبحت منها روضة مطلولةفأعدتها للحين موقد نار
واسود وجه الكفر من خزي متىما احمر وجه الأبيض البتار
ولرب روض للقنا متأودناب الصهيل به عن الأطيار
مهما حكت زهر الأسنة زهرهحكت السيوف معاطف الأنهار
متوقد لهب الحديد بجوهتصلى به الأعداء لفح أوار
فبكل ملتفت صقال مشهرقداح زند للحفيظة واري
في كف أروع فوق نهد سابحمتموج الأعطاف في الإحضار
من كل منخفر بلمحة بارقحمل السلاح به على طيار
من أشهب كالصبح يطلع غرةفي مستهل العسكر الجرار
أو أدهم كالليل إلا أنهلم يرض بالجوزاء حلي عذار
أو أحمر كالجمر يذكي شعلةوقد ارتمى من بأسه بشرار
أو أشقر حلى الجمال أديمهوكساه من زهو جلال نضار
أو أشعل راق العيون كأنهغلس يخالط سدفة بنهار
شهب وشقر في الطراد كأنهاروض تفتح عن شقيق بهار
عودتها أن ليس تقرب منهلاًحتى يخالط بالدم الموار
يا أيها الملك الذي أيامهغرر تلوح بأوجه الأعصار
يهني لواءك أن جدك زاحفبلواء خير الخلق للكفار
لا غرو أن فقت الملوك سيادةإذ كان جدك سيد الأنصار
السابقون الأولون إلى الهدىوالمصطفون لخدمة المختار
متهللون إذا النزيل عراهمسفروا له عن أوجه الأقمار
من كل وضاح الجبين إذا احتبىتلقاه معصوباً بتاج فخار
قد لاث صبحاً فوق بدر بعدمالبس المكارم وارتدى بوقار
فاسأل ببدر عن مواقف بأسهمفهم تلافوا أمره ببدار
لهم العوالي عن معالي فخرهانقل الرواة عوالي الأخبار
وإذا كتاب الله يتلو حمدهمأودى القصور بمنة الأشعار
يا ابن الذين إذا تذوكر فخرهمفخروا بطيب أرومة ونجار
حقاً لقد أوضحت من آثارهملما أخذت لدينهم بالثار
أصبحت وارث مجدهم وفخارهمومشرف الأعصار والأمصار
يا صادراً في الفتح عن ورد المنىرد ناجح الإيراد والأصدار
واهنأ بفتح جاء يشتمل الرضىجذلان يرفل في حل استبشار
وإليكها ملء العيون وسامةحيتك بالأبكار من أفكاري
تجري حداة العيس طيب حديثهايتعللون به على الأكوار
إن مسهم لفح الهجير أبلهممنه نسيم ثنائك المعطار
وتميل من أصغى لها فكأننيعاطيته منها كؤوس عقار
قذفت بحور الفكر منها جوهراًلما وصفت أنامل ببحار
لا زلت للإسلام ستراً كلماأم الحجيج البيت ذا الأستار
وبقيت يا بدر الهدى تجري بماشاءت علاك سوابق الأقدار انتهت
ولابن زمرك السابق قصيدة أخرى قالها بعد موت لسان الدين ابن الخطيب وخلع السلطان أبي العباس أحمد ابن أبي سالم الذي قتل ابن الخطيب في دولته، وكان سلطان الأندلس موئلاً للسلطان أحمد المذكور، ولذلك امتعض لرده لملكه، فقال ابن زمرك وزير صاحب الأندلس بعد ابن الخطيب هذه القصيدة يمدح بها سلطانه أثناء وجهته لتجديد الدولة الأحمدية المذكورة صدر عام تسعة وثمانين وسبعمائة:
هب النسيم على الرياض مع السحرفاستيقظت في الدوح أجفان الزهر
ورمى القضيب دراهماً من نورهفاعتاض من طل الغمام بها درر
نثر الأزاهر بعدما نظم الندىيا حسن ما نظم النسيم وما نثر
قم هاتها والجو أزهر باسمشمساً تحل من الزجاجة في قمر
إن شجها بالماء كف مديرهاترميه من شهب الحباب بها شرر
نارية نورية من ضوئهايقد السراج لنا إذا الليل اعتكر
لم يبق منها الدهر إلا صبغةقد أرعشت في الكأس من ضعف الكبر
من عهد كسرى لم يفض ختامهاإذ كان يدخر كنزها فيما دخر
كانت مذاب التبر فيما قد مضىفأحالها ذوب اللجين لمن نظر
جدد بها عرس الصبوح فإنهابكر تحييها الكرام مع البكر
وابلل بها رمق الأصيل عشيةوالشمس من وعد الغروب على خطر
محمرة مصفرة قد أظهرتخجل المريب يشوبه وجل الحذر
من كف شفاف تجسد نورهمن جوهر لألاه بهجته بهر
تهوى البدور كماله وتود أنلو أوتيت منه المحاسن والغرر
قد خط نون عذاره في خدهقلمان من آس هناك ومن شعر
والى عليك بها الكؤوس، وربمايسقيك من كأس الفتور إذا فتر
سكر الندامى من يديه ولحظهمتعاقب مها سقى وإذا نظر
حيث الهدير مع الهديل تناغيافالطير تنشد في الغصون بلا وتر
والقضب مالت للعناق كأنهاوفد الأحبة قادمين من السفر
متلاعبات في الحلي ينوب فيوجناتهن حسناً عن خفر
والنرجس المطلول يرنو نحوهابلواحظ دمع الندى منها انهمر
والنهر مصقول الحسام متى يرددرع الغدير مصفقاً فيه صدر
يجري على الحصباء وهي جواهرمتكسراً من فوقها مهما عثر
هل هذه أم روضة البشرى التيفيها لأرباب البصائر معتبر
لم أدر من شغف بها وبهذهمن منهما فتن القلوب ومن سحر
جاءت بها الأجفان ملء ضلوعهاملء الخواطر والمسامع والبصر
ومسافر في البحر ملء عنانهوافى مع الفتح المبين على قدر
قادته نحوك بالخطام كأنهجمل يساق إلى القياد وقد نفر
وأراه دين الله عزة أهلهبك يا أعف القادرين إذا قدر
يا فخر أندلس وعصمة أهلهاللناس سر في اختصاصك قد ظهر
كم معضل من دائها عالجتهفشفيت منه البدار والبدر
ماذا عسى يصف البليغ خليفةوالله ما أيامه إلا غرر
ورثت هذا الفخر يا ملك الهدىمن كل من آوى النبي ومن نصر
من شاء يعرف فخرهم وكمالهمفليتل وحي الله فيهم والسير
أبناؤهم أبناء نصر بعدهمبسيوفهم دين الإله قد انتصر
مولاي سعدك والصباح تشابهاوكلاهما في الخافقين قد اشتهر
هذا وزير الغرب عبد آبقلم يلف غيرك في الشدائد من وزر
كفر الذي أوليته من نعمةوالله قد حتم العذاب لمن كفر
إن لم يتم بالسيف مات بغيظهوصلي سعيراً للتأسف والفكر
ركب الفرار مطية ينجو بهافجرت به حتى استقر على سقر
وكذا أبوه وكان منه حمامهقد حم وهو من الحياة على غرر
بلغته والله أكبر شاهدما شاء من وطن يعز ومن وطر
حتى إذا جحد الذي أوليتهلم تبق منه الحادثات ولم تذر
في حاله والله أعظم عبرةلله عبد في القضاء قد اعتبر
فاصبر تنل أمثالها في مثلهإن العواقب في الأمور لمن صبر
رد حيث شئت مسوغاً ورد المنىفلله حسبك في الورود وفي الصدر
لا زلت محروساً بعين كلاءة ... ما دام عين الشمس تعشي من نظر ومنها وقد أضاف إليه من التغزل طوع بداره، وحجة اقتداره، فقال:
والعود في كف نديم بسر ماتلقي لنا الأنامل منه قد جهر
غنى عليه الطير وهو بدوحهوالآن غنى فوقه ظبي أغر
عود ثوى حجر القضيب، رعى لهأيام كانا في الرياض مع الشجر
لا سيما لما رأى من ثغرهزهراً، وأين الزهر من تلك الدرر
ويظن أن عذاره من آسهويظن تفاح الخدود من الثمر
يسبي القلوب بلفظه وبلحظهوافتنتي بين التكلم والنظر
قد قيدته لأنسنا أوتارهكالظبي قيد في الكناس إذا نفر
لم يبل قلبي قبل سماع غنائهبمعذر سلب العقول وما اعتذر
جس القلوب بجسه أوتارهحتى كأن قلوبنا بين الوتر
نمت لنا ألحانه بجميع ماقد أودعت فيه القلوب من الفكر
يا صامتاً والعود تحت بنانهيغنيك نطق الخبر فيه عن الخبر
أغنى غناؤك من مدامك، يا ترىهل من لحاظك أم بنانك ذا السكر
باحت أناملك اللدان بكل ماكان المتيم في هواه قد ستر
ومقاتل ما سل غير لحاظهوالرمح هز من القوام إذا خطر
دانت له منا القلوب بطاعة ... والسيف يملك ربه مهما قهر وسنلم إن شاء الله تعالى بترجمة ابن زمرك هذا في باب التلامذة، ونشير هناك إلى كثير من أحواله، وكيفية قتله مع أولاده وخدمه بمرأى ومسمع من أهله، فكان الجزاء من جنس العمل، وخاب منه الأمل، إذ لسان الدين قتل غيلة بليل غاسق، على يد مختلس في السجن فاسق، وأما ابن زمرك فقتل بالسيف جهاراً، وتناوشته سيوف مخدومه بين بناته إبداء للتشفي وإظهاراً، وقتل معه من وجد من خدمه وأبناه، وأبعده الدهر وطالما أدناه. وهكذا الحال في خدام الدول وذوي الملك، أنهم أقرب شيء من الهلك، ويرحم الله من قال: إياك وخدمة الملوك فإنهم يستقلون في العقاب ضرب الرقاب، ويستكثرون في الثواب رد الجواب؛ انتهى.
رجع إلى ما كنا فيه من أحوال لسان الدين ابن الخطيب: وكان رحمه الله تعالى قبيل موته لما توفي السلطان أبو فارس عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن المريني بتلمسان وتغلب على الأمر الوزير أبو بكر ابن غازي بن الكاس مبايعاً لابن صغير السن أولاد السلطان عبد العزيز - ألف كتابه المسمى بأعمال الأعلام بمن بويع من ملوك الإسلام قبل الاحتلام ومراده بذلك تثبيت دولة الوزير الذي أبى أن يخفر عهده وذمته، وامتنع منه أهل الأندلس، فأكثروا
القالة في الوزير بسبب مبايعته للصبي، وبنوا ظاهر الأمر على أن ذلك لا يجوز بالشرع، وأبدأوا وأعادوا في ذلك، واسروا ما كان من أمرهم حسواً في ارتغاء. ومن جملة كلام لسان الدين ابن الخطيب في ذلك الكتاب قوله: فمتى نبس أهل الأندلس بإنكار بيعة صبي صغير، أو نيابة صاحب أو وزير، فقد عموا وصموا، وخطروا بربع الإنصاف فأعرضوا وما ألموا، وبما نسوه لغيرهم ذموا؛ انتهى.
وكان رحمه الله تعالى ألف للسلطان عبد العزيز حين انحيازه إليه المباخر الطيبية في المفاخر الخطيبية: يذكر فيه نباهة سلفه، وما لهم من المجد، وقصده الرد على أهل الأندلس المجاهرين له بالعداوة، القادحين في فخر سلفه. ثم ألف للسلطان المذكور كتاب " خلع الرسم في التعريف بأحوال ابن الحسن " لكونه تولى كبر الحط منه، والسعي في هلاكه كما مر، وقال في حق هذا الكتاب: إنه لا شيء فوقه في الظرف والاستطراف، يسلس الثكالى، ونستغفر الله تعالى؛ انتهى.
ومع هذا كله لما أنشبت المنية أظفارها لم تنفعه مما كتب تميمة، ونال ما أمل فيه أهل السعاية والنميمة، وسجلوا عليه المقالات الذميمة، وقد صار الجميع إلى حكم عدل قادر يحيي من العظم رميمه، ونصف المظلوم من الظالم، ويجازي الجاهل والعالم، ويساوي بين المأمور والآمر، والشريف والمشروف، والعزيز والحقير والمنكر والمعروف، وعفوه سبحانه مؤمل بعد، وهو لا يخلف الوعد، ومن سبقت له العناية، لم تضره الجناية.
وقد كان لسان الدين البن الخطيب - رحمه الله تعالى - محباً في العفو حتى إنه كان إذا جرى لديه ذكر عقوبة الملوك لأتباعهم تشمئز نفسه من ذلك ويقول ما معناه: ما ضرهم لو عفوا! ورأيت له - رحمه الله تعالى - في بعض مؤلفاته وقد أجرى ذكر استعطاف ذي الوزارتين أبي بكر ابن عمار للسلطان المعتمد بن عباد حين قبض عليه بقوله:
سجاياك إن عافيت أندى وأسمحوعذرك إن عاقبت أولى وأوضح
وإن كان بين الخطتين مزيةفأنت من الأدنى إلى الله أجنح
وماذا عسى الأعداء أن يتزيدواسوى أن ذنبي ثابت ومصحح
وإن رجائي أن عندك غير مايخوض عدوي اليوم فيه ويمرح
أقلني بما بينك وبيني من رضىله نحو روح الله باب مفتح
ولا تلتفت قول الوشاة وزورهمفكل إناء بالذي فيه يرشح
وقالوا: سيجزيه فلان بذنبهفقلت: وقد يعفو فلان ويصفح
ألا إن بطشاً للمؤيد يرتميولكن حلماً للمؤيد يرجح
وبين ضلوعي من هواة تميمةستشفع لو أن الحمام يجلح
سلام عليه كيف دار به الهوىإلي فيدنو أو علي فينزح
ويهنيه إن رمت السلو فإنني ... أموت ولي شوق إليه مبرح ما نصه: ولابن عمار كلمات شهيرة تعالج بمراهمها جراح القلوب، وتعفي على هضبات الذنوب، لولا ما فرغ عنه من القدر المكتوب والأجل المحسوب؛ إلى أن قال: وما كان أجمل بالمعتمد أن يبقي على جان من عبيده، قد مكنه الله من عنقه، لا يؤمل الحصول على أمره، ولا يحذر تعصب قبيله، ولا يزيده العفو عنه إلا ترفعاً وعزة وجلالة وهمة وذكراً جميلاً وأجراً جزيلاً، فلا شيء أمحى للسيئة من الحسنة، ولا أقتل للشر من الخير، ورحم الله الشاعر إذ يقول:
وطعنتهم بالمكرمات وباللها ... في حيث لو طعن القنا لتكسرا وقد تذكرت هنا قول الأديب أبي عبد الله محمد بن أحمد التجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه:
أتعجب إن حطت يد الدهر فاضلاًعن الرتبة العليا فأصبح تحتها
أما هذه الأشجار تحمل أكلهاوتسقط منه كل ما طاب وانتهى [نكبة أبي جعفر ابن عطية]
وحكى غير واحد من مؤرخي الأندلس أن الكاتب الشهير الوزير أبا جعفر ابن عطية القضاعي لما تغير له عبد المؤمن وتذاكر مع بعض من أهل العلم أبيات ابن عمار السابقة، قال: ما كان المعتمد إلا قاسي القلب حيث لم تعطفه هذه الأبيات إلى العفو، ووقع لابن عطية المذكور مثل قضية ابن عمار، واستعطف فما نفع ذلك وقتل رحمه الله تعالى، ولنلم بذلك فنقول:
كان أبو جعفر هذا من أهل مراكش، وأصله القديم من طرطوشة، ثم بعد من دانية، وهو ممن كتب عن علي بن يوسف بن تاشفين أمير لمتونة، وعن ابنيه تاشفين وإسحاق، ثم استخلصه لنفسه سالب ملكهم عبد المؤمن بن علي، وأسند إليه وزارته، فنهض بأعبائها، وتحبب إلى الناس بإجمال السعي والإحسان فعمت صنائعه، وفشا معروفه، وكان محمود السيرة، مبخت المحاولات، ناجح المساعي، سعيد المآخذ، ميسر المآرب، وكانت وزارته زيناً للوقت، وكمالاً للدولة، وفي أيام توجهه للأندلس وجد حساده السبيل إلى التدبير عليه والسعي به، حتى أوغروا صدر الخليفة عبد المؤمن عليه، فاستوزر عبد السلام بن محمد الكومي، وانبرى لمطالبة ابن عطية، وجد في التماس عوراته، وتشنيع سقطاته، وطرحت بمجلس السلطان أبياتاً منها:
قل للإمام أطال الله مدتهقولاً تبين لذي لب حقائقه
إن الزراجين قوم قد وترتهموطالب الثأر لم تؤمن بوائقه
وللوزير إلى آرائهم ميللذاك ما كثرت فيهم علائقه
فبادر الحزم في إطفاء نارهمفربما عاق عن أمر عوائقه
هم العدو ومن والاهم كهمفاحذر عدوك واحذر من يصادقه
الله يعلم أني ناصح لكم ... والحق أبلج لا تخفى طرائقه قالوا: ولما وقف عبد المؤمن على هذه الأبيات البليغة في معناها وغر صدره على وزير أبي جعفر، وأسر له في نفسه تغيراً، فكان من أقوى أسباب نكبته.
وقيل: أفضى له بسر فأفشاه، وانتهى ذلك كله إلى أبي جعفر وهو بالأندلس فقلق وعجل الانصراف إلى مراكش، فحجب عند قدومه، ثم قيد إلى المسجد في اليوم بعده حاسر العمامة، واستحضر الناس على طبقاتهم، وقرروا على ما يعلمون من أمره، وما صار إليه منهم، فأجاب كل بما اقتضاه هواه، وأمر بسجنه، ولف معه أخوه أبو عقيل عطية، وتوجه في إثر ذلك عبد المؤمن إلى زيارة تربة المهدي محمد بن تومرت، فاستصحبهما منكوبين بحال ثقاف. وصدرت عن أبي جعفر في هذه الحركة من لطائف الأدب نظماً ونثراً في سبيل التوسل بتربة إمامهم المهدي عجائب لم تجد شيئاً مع نفوذ قدر الله تعالى فيه. ولما انصرف من وجهته أعادهما معه قافلاً إلى مراكش، فلما حاذى تاقمرت أنفذ الأمر بقتلهما بالشعراء المتصلة بالحصن على مقربة من الملاحة هنالك، فمضيا لسبيلهما، رحمهما الله تعالى.
ومما خاطب به الخليفة عبد المؤمن مستعطفاً له من رسالة تغالى فيه فغالته المنية، ولم ينل الأمنية، وهذه سنة الله تعالى فيمن لم يحترم جناب الألوهية، ولم يحرس لسانه من الوقوع فيما يخدش في وجه فضل الأنبياء على غيرهم وعصمتهم، قوله سامحه الله:
" تالله لو أحاطت بي كل خطيئة، ولم تنفك نفسي عن الخيرات بطيئة، حتى سخرت بمن في الوجود، وأنفت لآدم من السجود، وقلت: إن الله تعالى
لم يوح، في الفلك لنوح، وبريت لقدار ثمود نبلاً، وأبرمت لحطب نار الخليل حبلاً، وحططت عن يونس شجرة اليقطين، وأوقدت مع هامان على الطين، وقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وافتريت على العذراء البتول فقذفتها، وكتبت صحيفة القطيعة بدار الندوة، وظاهرت الأحزاب بالقصوى من العدوة، وذممت كل قرشي، وأكرمت لأجل وحشي كل حبشي، وقلت: إن بيعة السقيفة، لا توجب إمامة خليفة، وشحذت شفرة غلام المغيرة بن شعبة، واعتقلت من حصار الدار وقتل اشمطها بشعبة، وقلت: تقاتلوا رغبة في الأبيض والأصفر، وسفكوا الدماء على الثريد الأعفر، وغادرت الوجه من الهامة خضيباً، وناولت من قرع سن الحسين قضيباً، ثم أتيت حضرة المعلوم لائذاً، وبقبر الإمام المهدي عائذاً، لقد آن لمقالتي أن تسمع، وتغفر لي هذه الخطيئات أجمع، مع أني مقترف، وبالذنب معترف.
فعفواً أمير المؤمنين فمن لنابرد قلوب هدها الخفقان " وكتب مع ابن له صغير آخرة:
عطفاً علينا أمير المؤمنين، فقدبان العزاء لفرط البث والحزن
قد أغرقتنا ذنوب كلها لججوعطفة منكم أنجى من السفن
وصادفتنا سهام كلها غرضورحمة منكم أوقى من الجنن
هيهات للخطب أن تسطو حوادثهبمن أجارته رحماكم من المحن
من جاء عندكم يسعى على ثقةبنصره لم يخف بطشاً من الزمن
فالثوب يطهر عند الغسل من درنوالطرف ينهض بعد الركض في سنن
أنتم بذلتم حياة الخلق كلهممن دون من عليهم لا ولا ثمن
ونحن من بغض من أحيت مكارمكمكلتا الحياتين من نفس ومن بدن
وصبية كفراخ الورق من صغرلم يألفوا النوح في فرع ولا فنن
قد أوجدتهم أياد منهم سابقة ... والكل لولاك لم يوجد ولم يكن فوقع عبد المؤمن على هذه القصيدة ﴿الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾ (يونس:).
ومما كتب به من السجن:
أنوح على نفسي أم أنتظر الصفحافقد آن أن تنسى الذنوب وان تمحى
فها أنا في ليل من السخط حائر ... ولا أهتدي حتى أرى للرضى صبحا وامتحن عبد المؤمن الشعراء بهجو ابن عطية، فلما أسمعوه ما قالوا، أعرض عنهم، وقال: ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه.
وكان لأبي جعفر أخ اسمه عطية قتل معه، ولعطية هذا ابن أديب كاتب، وهو أبو طالب عقيل بن عطية، ومن نظمه في رجل تعشق قينة كانت ورثت من مولاها مالاً فكانت تنفق عليه منه، فلما فرغ المال ملها:
لا تلحه أن مل من حبهافلم يكن ذلك من ود
لما رآها قد صفا مالها ... قال: صفا الوجد مع الوجد وكان أبو جعفر ابن عطية من أبلغ أهل زمانه، وقد حكي أنه مر مع الخليفة عبد المؤمن ببعض طرق مراكش، فأطلت من شباك جارية بارعة الجمال فقال عبد المؤمن:
قدت فؤادي من الشباك إذ نظرتفقال الوزير ابن عطية مجيزاً له:
حوراء ترنو إلى العشاق بالمقلفقال عبد المؤمن:
كأنما لحظها في قلب عاشقها ...
فقال ابن عطية:
سيف المؤيد عبد المؤمن بن عليولا خفاء أن هذه طبقة عالية
ومن فصول رسالته التي كتب بها عن أبي حفص، وهي التي أورثته الرتبة العلية السنية، والوزارة الموحدية المؤمنية، قوله:
كتابنا هذا من وادي ماسة بعد ما تجدد من أمر الله الكريم، ونصر الله تعالى المعهود المعلوم ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ (آل عمران:) فتح بهر الأنوار إشراقاً، وأحدق بنفوس المؤمنين إحداقاً، ونبه للأماني النائمة جفوناً وإحداقا، واستغرق غاية الشكر استغراقاً، فلا تطيق الألسن لكنه وصفه إدراكاً ولا لحاقاً، جمع أشتات الطلب والأرب، وتقلب في النعم أكرم منقلب، وملأ دلاء الأمل إلى عقد الكرب:
فتح تفتح أبواب السماء له ... وتبرز الأرض في أثوابها القشب وتقدمت بشارتنا به جملة، حين لم تعط الحال بشرحه مهلة، كان أولئك الضالون المرتدون قد بطروا عدواناً وظلماً، واقتطعوا الكفر معنى واسماً، وأملى لهم الله تعالى ليزدادوا إثماً، وكان مقدمهم الشقي قد استمال النفوس بخزعبلاته، واستهوى القلوب بمهولاته، ونصب له الشيطان من حبالاته، فأتته المخاطبات من بعد وكثب، ونسلت إليه الرسل من كل حدب، واعتقدته الخواطر أعجب عجب، وكان الذي قادهم إلى ذلك، وأوردهم تلك المهالك، وصول من كان بتلك السواحل ممن ارتسم برسم الانقطاع عن الناس فيما سلف عن الأعوام، واشتغل على زعمه بالقيام والصيام، آناء الليالي والأيام، لبسوا الناموس أثواباً، وتدرعوا الرياء جلباباً، فلم يفتح الله تعالى لهم للتوفيق باباً.
ومنها في ذكر صاحبهم الماسي المدعي للهداية: فصرع بحمد الله تعالى لحينه، وبادرت إليه بوادر منونه، وأتته وافدات الخطيئات عن يساره ويمينه، وقد كان يدعي أنه بشر بأن المنية في هذه الأعوام لا تصيبه، والنوائب لا تنوبه، ويقول في سواه قولاً كثيراً، ويختلق على الله تعالى إفكاً وزوراً، فلما رأوا هيئة اضطجاعه، وما خطته الأسنة في أعضائه وأضلاعه، ونفذ فيه من أمر الله تعالى ما لم يقدروا على استرجاعه، هزم من كان لهم من الأحزاب، وتساقطوا على وجوههم تساقط الذباب، وأعطوا عن بكرة أبيهم صفحات الرقاب، ولم تقطر كلومهم إلا على الأعقاب، فامتلأت تلك الجهات بأجسادهم، وآذنت الآجال بانقراض آمادهم، وأخذهم الله تعالى بكفرهم وفسادهم، فلم يعاين منهم إلا من خر صريعاً، وسقى الأرض نجيعاً، ولقي من أمر الهنديات فظيعاً، ودعت الضرورة باقيهم إلى الترامي في الوادي؛ فمن كان يؤمل الفرار ويرتجيه، ويسبح طامعاً في الخروج إلى ما ينجيه، اختطفته الأسنة اختطافاً، وأذاقته موتاً ذعافاً، ومن لج في الترامي على لججه، ورام البقاء في ثبجه، قضى عليه شرقه، وألوى بذقنه غرقه، ودخل الموحدون إلى البقية الكائنة فيه يتناولون قتالهم طعناً وضرباً، ويلقونهم بأمر الله تعالى هولاً عظيماً وكرباً، حتى انبسطت مراقات الدماء، على صفحات الماء، وحكت حمرتها على رزقته حمرة الشفق على زرقة السماء، وجرت العبرة للمعتبر، في جري ذلك الدم جري الأبحر ".
وبالجملة فالرجل كان نسيج وحده رحمه الله تعالى وسامحه، وقضية لسان الدين تشبه قضيته، وكلاهما قد ذاق من الذل بعد العز غصته، وبدل الدهر نصيبه من الوزارة وحصته، بعد أن اقتعد ذروة ومنصته، رحم الله تعالى الجميع، إنه مجيب سميع.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع