من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السادس في مصنفاته في الفنون، ومؤلّفاته المحقّقة للواقف عليها الآمال والظنون (٢)
أيها العارفون قدر الصّبوح ... جدّدوا أنسنا بباب الفتوح يعني بباب الفتوح أحد أبواب فاس، كما أن باب الجياد في كلام الثغري أحد أبواب تلمسان.
ثم قال ابن آجروم بعد المطلع:
جدّدوا ثمّ أنسنا ثمّ جدوايسرح الطرف في مجال فسيح
حيث شابت مفارق اللوز نوراًوتساقطن كاللجين الصريح
وبدا منه كلّ ما احمرّ يحكيششفقاً مزقته أيدي الريح
وكأنّ الذي تساقط منهنقطٌ لحن من دمٍ مسفوح
وإذا ما وصلتم للمصلّىفلتحلوا بموضع التسبيح
وبطيفورها فطوفوا لكيماتبصروا من ذراه كلّ سطوح
ولتقيموا هناك لمحة طرفلتردّوا به ذماء الروح
ثم حطوا رحالكم فوق نهركلّ في وصفه لسان المديح
فوق حافاته حدائق خضرٌليس عنها لعاشق من نزوح
وكأن الطيور فيها قيانهتفت بين أعجم وفصيح
وهي تدعوكم إلى قبة الجوز هلمّوا إلى مكان مليح
فيه ما تشتهون من كلّ نورمغلق في الكمام أو مفتوح
وغصون تهيج رقصاً إذا ماسمعت صوت كلّ طير صدوح
فأجيبوا دعاءها أيّها السرب وخلوا مقال كل نصيح
واجنحوا للمجون فهو جديروخليق من مثلكم بالجنوح
واخلعوا ثمّ للتصابي عذاراًإنّ خلع العذار غير قبيح
وإذا شئتم مكاناً سواههو أجلى من ذلكم في الوضوح
فاجمعوا أمركم لنحو خليججاء كالصلّ من قفار فسيح
عطرت جانبيه كف الغواديبشذا عرف زهرها الممنوح
قل لمهيار إن شممت شذاهاقول مستخبرٍ أخي تجريح
أين هذا الشّذا الذكيّ من القيصوم والرند والغضا والشيح
حبّذا ذلك المهاد مهاداًبين دان من الرّبى ونزوح
ثم من ذلك المهاد أفيضوانحو هضب من الهموم مريح
فيه للحسن دوحة ورواياوانشراح لذي فؤاد قريح
وحجار تدعى حجار طبولغير أنّ التطبيل غير صحيح
تنثر الشمس ثمّ كلّ غدوّزعفراناً مبلّلاً بنضوح
وسوى من هناك يسبي عقولاًويجلّي لحاظ طرف طموح
وعيون بها تقرّ عيونٌوكلاها يأسو كلوم الجريح
فرشت فوقها طنافس زهرٍليس كالعهن نسجها والمسوح
كلّما مرّ فوقهنّ طليحعاد من حسنهن غير طليح
فانهضوا أيّها المحبون مثليلنرى ذات حسنها الملموح
هكذا يربح الزمان وإلا ... كلّ عيش سواه غير ربيح وما أحسن قول الكاتب الثغري يمدح تلمسان والسلطان المذكور آنفاً:
تاهت تلمسانٌ بحسن شبابهاوبدا طراز الحسن في جلبابها
فالبشر يبدو من حباب ثغورهامتبسّماً أو من ثغور حبابها
قد قابلت زهر النجوم بزهرهاوبروجها ببروجها وقبابها
حسنت بحسن مليكها المولى أبيحمو الذي يحمي حمى أربابها
ملك شمائله كزهر رياضهاونداه فاض بها كفيض عبابها
أعلى الملوك الصّيد من أعلامهاوأجلّها من صفوها ولُبابها
غارت بغرة وجهه شمس الضحىوتنقيت خجلاً بثوب ضبابها
والبدر حين بدت أشعّتها لهحسناً تضاءل نوره وخبا بها
لله حضرته التي قد شرّفتخدّامها فسموا بخدمة بابها
فاللثم في يمناه يبلغها المنى ... والمدح في علياه من أسبابها وللثغري المذكور قصيدة لامية بديعة في مدح السلطان أبي حمو
ووصف بلاد تلمسان، وأجاد فيها إلى الغاية؛ وهي:
قم مبصراً زمن الربيع المقبلتر ما يسرّ المجتني والمجتلي
وانشق نسيم الروض مطلولاً وماأهداك من عرفٍ وعرفٍ فاقبل
وانظر إلى زهر الرياض كأنّهدرٌّ على لبّات ربّات الحلي
في دولة فاضت يداها بالندىوقضت بكل منى لكلّ مؤمل
بسطت بأرجاء البسيطة عدلهاوسطت بكلّ معاندٍ لم يعدل
سلطانها المولى أبو حمو الرضىذو المنصب السامي الرفيع المعتلي
تاهت تلمسان بدولته علىكلّ البلاد بحسن منظرها الجلي
راقت محاسنها ورقّ نسيمهافحلا بها شعري وطاب تغزّلي
عرّج بمنعرجات باب جيادهاوافتح بها باب الرجاء المقفل
ولتغد للعبّاد منها غدوةتصبح هموم النفس عنك بمعزل
وضريح تاج العارفين شعيبهازره هناك فحبّذا ذاك الولي
فمزاره للدين والدنيا معاًتمحى ذنوبك أو كروبك تنجلي
وبكهفها الضحّاك قف متنزهاًتسرح نفوسك في الجمال الأجمل
وتمشّ في جنباتها ورياضهاواجنح إلى ذاك الجناب المخضل
تسليك في دوحاتها وتلاعهانغم البلابل واطّراد الجدول
وبربوة العشاق سلوة عاشقفتنت وألحاظ الغزال الأكحل
بنواسمٍ وبواسم من زهرهاتهديك أنفاساً كعرف المندل
فلو امرؤ القيس بن حجر راءهاقدماً تسلّى عن معاهد مأسل
أو حام حول فنائها وظبائهاما كان محتفلاً بحومة حومل
فاذكر لها كلفي بسقط لوائهافهواي عنها الدهر ليس بمنسل
كم جاد لي فيها الزمان بمطلبٍجادته أخلاف الغمام المسبل
واعمد إلى الصفصيف يوماً ثانياًوبه تسلّ وعنه دأباً فاسأل
وادٍ تراه من الأزاهر خالياًأحسن به عطلاً وغير معطل
ينساب كالأيم انسياباً دائماًأو كالحسام جلاه كفُّ الصيّقل
فزلاله في كلّ قلب قد حلاوجماله في كل عين قد جلي
واقصد بيوم ثالث فوّارةوبعذب منهلها المبارك فانهل
تجري على درّ لجيناً سائلاًأحلى وأعذب من رحيق سلسل
واشرف على الشّرف الذي بإزائهالترى تلمسان العلية من عل
تاج عليه من المحاسن بهجةأحسن بتاج بالبهاء مكلّل
وإذا العشية شمسها مالت فملنحو المصلّى ميلة المتمهل
وبملعب الخيل الفسيح مجالهأجل النواظر في العتاق الحفّل
فلحلبة الأشراف كلّ عشيةلعب بذاك الملعب المتسهل
فترى المجلّي والمصلّي خلفهوكلاهما في جريه لا يأتلي
هذا يكرّ وذا يفرّ فينثنيعطفاً على الثاني عنان الأول
من كل طرف كلّ طرف يستبيقيد النواظر فتنة المتأمّل
وردٌ كأن أديمه شفق الدّجىأو أشهب كشهاب رجم مرسل
أو من كميت لا نظير لحسنهسام معمٍّ في السوابق مخول
أو أحمر قاني الأديم كعسجدأو أشقر يزهو بعرف أشعل
أو أدهم كاللّيل إلا غرّةًكالصبح، بورك من أغر محجّل
جمع المحاسن في بديع شياتهمهما ترقّ العين فيه تسله
عقبان خيلٍ فوقها فرسانهاكالأسد تنقضُّ انقضاض الأجدل
فرسان عبد الواد آساد الوغىحامو الذمار أولو الفخار الأطول
فإذا دنت شمس الأصيل لغربهافإلى تلمسان الأصيلة فادخل
من باب ملعبها لباب حديدهامتنزهاً في كلّ نادٍ أحفل
وتأنّ من بعد الدخول هنيهةًواعدل إلى قصر الإمام الأعدل
فهو المؤمّلُ والديار كنايةٌوالسرُّ في السكان لا في المنزل
فإذا أمير المؤمنين رأيتهفالثم ثرى ذاك البساط وقبّل
فالمجد لفظ في الحقيقة مجملٌوحلاه تفصيل لذك المجمل
بشرى لعبد الواد بالملك الذيخلصوا به من كلّ خطب معضل
بأعزّهم جاراً، وأمنعهم حمىًوأجلّهم مولى، وأعظم موئل
بالعادل المستنصر المنصور والمأمون والمهديّ والمتوكّل
وكفاهم سعداً أبو حمو الذييحمي حماهم بالحسام الفيصل
وبحسن نيّته لهم وبجدهوبسعده وبسعيه المتقبّل
ذو الهمّة العليا التي آثارهاحلّت به فوق السماك الأعزل
بحر الندى الأحلى وفخر المنتدىوسنا الدجى الأجلى وزين المحفل
ينهل منه لنا الجدا وبه الدجىتجلى بمشرق وجهه المتهلّل
هنىء به زمن الربيع وقلْ لهبشرى بأملح من حلاك وأجمل
وعلى علاه من صنيعة فضله ... ترداد نافحة السلام الأكمل وكأنّه عارض بهذه القصيدة قطعة في بحرها ورويها في مدح مدينة فاس لبعض العلماء، وأظنّه القاضي المزدغي، وهي:
يا فاس حيّا الله أرضك من ثرىوسقاك من صوب الغمام المسبل
يا جنّة الدنيا التي أربت علىحمص بمنظرها البهيّ الأجمل
غرف على غرف ويجري تحتهاماء ألذ من الرحيق السلسل
وبساتن من سندس قد زخرفتبجداول كالأيم أو كالفيصل
وبجامع القروين شرّف ذكرهأنس بذكراه بهيج تململي
وبصحته زمن المصيف عجائبفمع العشيّ الغرب فيه استقبل
واشرب بتلك البيلة الحسنا به ... واكرع بها عنّي فديتك وانهل وقد تمثل لسان الدين رحمه الله تعالى في مدينة فاس بقول القائل:
بلد أعارته الحمامة طوقهاوكساه ريش جناحه الطاووس
فكأنّما الأنهار فيه مدامة ... وكأن ساحات الديار كؤوس وما أحسن قوله - أعني لسان الدين - في مدح تلمسان:
حيّا تلمسان الحيا فربوعهاصدفٌ يجود بدرّه المكنون
ما شئت من فضلٍ عميم إن سقىأروى ومنٍّ ليس بالمنون
أو شئت من دين إذا قدح الهدىأورى ودنيا لم تكن بالدون
ورد النسيم لها بنشر حديقةقد أزهرت أفنانها بفنون
وإذا حبيبة أمّ يحيى أنجبت ... فلها الشفوف على عيون العين يعني بحبيبة أم يحيى عين ماء بتلمسان من أعذب المياه وأخفها، وكانت جارية بالقصور السلطانية، ولم تزل إلى الآن منها بقية آثار ورسوم، والبقاء لله تعالى وحده.
وممّن مدح تلمسان الحاج الطبيب أبو عبد الله محمد بن أبي جمعة الشهير بالتلالسي رحمه الله تعالى، إذ قال:
سقى الله من صوب الحيا هاطلاً وبلاربوع تلمسان التي قدرها استعلى
ربوع بها كان الشباب مصاحبيجررت إلى اللذات في دارها الذيلا
فكم نلت فيها من أمانٍ قصيةٍوكم منح الدهر الضنين بها النيلا
وكم غازلتني الغيد فيها تلاعباًوكم من عذول لا أطيع له قولا
وكم ليلة بتنا بصفصيفها الذيتسامى على الأنهار إذ عدم المثلا
وكدية عشاق لها الحسن ينتهييعود المسنّ الشيخ من حسنها طفلا
نعم، وغدير الجوزة السالب الحجىنعمت بها طفلاً وهمت بها كهلا
ومنه ومن عين أم يحيى شرابنالأنهما في الطيب كالنيل بل أحلى
وعبّادها ما القلب ناس ذمامهبه روضة للخير قد جعلت حلاّ
به شيخنا المذكور في الأرض ذكرهأبو مدين أهلاً به دائماً أهلا
لها بهجة تزري على كل بلدةبتاج عليها كالعروس إذا تجلى
فيا جنّة الدنيا التي راق حسنهافحازت على كلّ البلاد به الفضلا
ولا عجب أن كنت في الحسن هكذاوموسى الإمام المرتضى فيك قد حلاّ
ولاحت لدينا فيك منه محاسنكأنّ سناها حاجب الشمس إذ جلّى
مطاع شجاع في الوغى ذو مهابةحسام على الباغين في الأرض قد سلاّ
كريم حليم حاتميّ نوالهسعيد حميد يصدق القول والفعلا
له راحة كالغيث ينهل ودقهاوصارم نصرٍ مرهف الحد لا فلاّ
هو الملك الأرقى هو الملك الرضيهو الملك الأسنى هو الملك الأعلى
ومن هذه الأوصاف فيه تجمّعتحقيقاً على كلّ المعالي قد استولى
إمام حباه الله ملكاً مؤزراًفلا ملك إلاّ لعزّته ذلاّ
من الزاب وافانا عزيزاً مظفّراًيجر من النصر المنوط به ذيلا
بدت إليك الغرب شدة بأسهوإنعامه للمعتفين وما أولى
فبادره بالصلح خوف فواتهوسالمه إذ كان ذاك به أولى
فكان بحمد الله صلحاً مهنّأبه طابت الدّنيا وجزنا به السبلا
له في المعالي رتبة لا ينالهاسواه وكتب في فضائله تتلى
لطاعته كلّ الأنام تبادرتفيا سعد من وافى ويا ويح من ولّى
أحسّاده موتوا فإنّ قلوبكمبدمر الغضا ممّا بها أبداً تصلى
لقد جبر الله البلاد بملكهبه ملئت أمناً، به ملئت عدلا
فلا زال هذا الملك فيه مخلداً ... وصارمه الأمضى وخادمه الأعلى وممّا مدحت به تلمسان قول الإمام الصوفي أبي عبد الله محمد بن خميس الذي قدمنا ذكره في هذا الكتاب وبعض ما يتعلّق به، وذكرنا أيضاً فيما مرّ بعض أمداحه لها:
تلمسان جادتك السحاب الروائحوأرست بواديك الرياح اللواقح
وسحّ على ساحات باب جيادهاملثّ يصافي تربها ويصافح
يطير فؤادي كلّما لاح لامعٌوينهل دمعي كلّما ناح صادح
ففي كل شفرٍ من جفوني مائعوفي كلّ شطر من فؤادي قادح
فما الماء إلا ما تسحّ مدامعيولا النار إلا ما تجنّ الجوانح
خليليّ لا طيف لعلوة طارقبليل ولا وجه لصبحي لائح
نظرت فلا ضوء من الصبح ظاهرلعيني ولا نجم إلى الغرب جانح
بحقّكما كفّا الملام وسامحافما الخلّ كلّ الخلّ إلاّ المسامح
ولا تعذلاني واعذراني فقلّمايردّ عناني من عليّة ناصح
كتمت هواها ثم برّح بي الأسىوكيف أطيق الكتم والدمع فاضح
لساقية الروميّ عندي مزيّةوإن رغمت تلك الرواسي الرواشح
فكم لي عليها من غدوٍّ ورحةٍتساعدني فيها المنى والمنائح
فطرف على تلك البساتين سارحٌوطرفٌ إلى تلك الميادين جامح
تحار بها الأذهان وهي ثواقبوتهفو بها الأحلام وهي بوارح
ظباء مغانيها عواطٍ عواطفوطير مجانيها شوادٍ صوادح
تقتّلهم فيها عيونٌ نواظروتبكيهم منهم عيون نواضح
على قرية العبّاد منّي تحيّةكما فاح من مسك اللطيمة فائح
وجاد ثرى تاج المعارف ديمةتغصّ بها تلك الرّبى والأباطح
إليك شعيب بن الحسين قلوبنانوازع لكنّ الجسوم نوازح
سعيت فما قصّرت عن نيل غايةفسعيك مشكور وتجرك رابح
نسيت وما أنسى الوريط ووقفةأنافح فيها روضة وأفاوح
مطلاً على ذاك الغدير وقد بدتلإنسان عيني من صفاه صفائح
أماؤك أم دمعي عشية صدّقتعليّة فينا ما يقول المكاشح
لئن كنت ملآناً بدمعي طافحاًفإني سكران بحبّك طافح
وإن كان مهري في تلاعك سائحاًفذاك غزالي في عبابك سابح
قراح أتى ينصبّ من رأس شاهقبمثل حلاه تستحثّ القرائح
أرق من الشوق الذي أنا كاتموأصفى من الدمع الذي أنا سافح
أما وهوى من لا أسميّه إنّنيلعرضي كما ق النصيح لناصح
أبعد صيامي واعتكافي وخلوتييقال فلان ضيّق الصدر بائح
لبعت رشادي فيه بالغيّ ضلّةًوكم صالح مثلي غدا وهو طالح
وأيّ مقام ليس لي فيه حاسدوأيّ مقالٍ ليس لي فيه مادح
ألا قل لفرسان البلاغة أسرجوافقد جاءكم منّي المكافي المكافح
أيخمل ذكري عندهم وهو نابهٌويغمط شجوي عندهم وهو شائح
بدور إذا جنّ الظّلام كواملوأسدٌ إذا لاح الصباح كوالح
تركت سوق البزّ لا عن تهاونٍوكيف وظبيٌ سانحٌ فيك بارح
وإنّي وقلبي في ولائك طامعٌوناظر وهمي في سماطك طامح
أيا أهل ودّي والعشير مؤمّنأتقضي ديوني أم غريمي فالح
وهل ذلك الظبي النصاحيّ للذييقطّع من قلبي بعينيه ناصح
كنيت بها عنه حياءً وحشمةًووجه اعتذاري في القضيّة واضح [تعريف بتلمسان]
وتلمسان هذه هي مدينتتنا التي علّقت بها التمائم، وقد نزلها من سلفنا عبد الرحمن بن أبي بكر المقرّي بن علي صاحب السيخ ابن مدين، الذي دعا له ولذريته بما ظهر فيهم قبوله وتبين، وهو الأب الخامس كما سبق في ترجمة أخبارهم، وهي من أحسن مدائن المغرب ماء وهواء، حسبما ق ابن مرزوق:
يكفيك منها ماؤها وهواؤها ... وقال الكاتب أبو زكريا يحيى بن خلدون في كتابه بغية الرواد في أخبار بني عبد الواد وأيام أبي حمّو الشامخة الأطواد بعد كلام في شأن البربر، ما صورته: ودار ملكهم وسط بين الصحراء والتل تسمى بلغة البربر تلمسن، كلمة مركبة من تلم ومعناه تجمع، وسن ومعناه اثنان: أي الصحراء والتل فيما ذكره شيخنا العلامة أبو عبد الله الآبلي، رحمه الله تعالى، وكان
حافظاً بلسان القوم، ويقال تلمشان، وهو أيضاً مركّب من " تلم " ومعناه لها، وشان أي لها شأن، وهي مدينة عريقة في التمدن، لذيذة الهواء، عذبة الماء، كريمة المنبت، اقتعدت بسفح جبل، ودوين رأسه بسيط أطول من شرق إلى غرب، عروساً فوق منصّة، والشماريخ مشرفة عليها إشراف التاج على الجبين ويطل منها على فحص أفيح معد للفلاحة تشق ظهوره الأسلحة عن مثل أسنمة المهاري، وتبقر في بطونه عند تدميث الغمائم بطون العذارى، وبها للملك قصور زاهرات اشتملت على المصانع الفائقة، والصروح الشاهقة، والبساتين الرائقة، ممّا زخرفت عروشه، ونمقت غروسه، ونوسبت أطواله وعروضه، فأزرى بالخورنق، وأخجل الرصافة، وعبث بالسّدير. وتنصبّ إليها من عل أنهار من ماء غير آسن، تتجاذبه أيدي المذانب والأسراب المكفورة خلالها، ثم ترسله بالمساجد والمدارس والسقايات بالقصور وعلية الدور والحمامات، فيفعم الصهاريج، ويفهق الحياض، ويسقي ريعه خارجها مغارس الشجر ومناب الحب، فهي التي شحرت الألباب رواء، وأصبت النّهى جمالاً، ووجد المادحون فيها المقال فأطالوا وأطابوا، إلى أن قال: فأنا أنشد ساكنها قول ابن خفاجة لاستحقاقها إيّاه عندي:
ما جنّة الخلد إلا في منازلكموهذه كنت لو خيّرت أختار
لا تتّقوا بعدها أن تدخلوا سقراً ... فليس تدخل بعد الجنّة النار وتوسطت قطراً ذا كورٍ عديدة تعمرها أمشاج البربر والعرب، مريعة الجنبات، منجبة للحيوان والنبات، كريمة الفلاحة، زاكية الإصابة، فربما انتهت في الزّوج الواحد منها إلى أربعمائة مد كبير؛ ثم أطال في ذلك ابن خلدون المذكور بما يوقف عليه في الكتاب المذكور.
وممّا يُنسب للسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى في وصفها ما صورته: تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف، ووضعت في موضع شريف، كأنّها ملك على رأسه تاجه، وحواليه من الدوحات حشمه وأعلاجه، عبّادها يدها وكهفها كفها، وزينتها زيانها، وعينها أعيانها، هواها المقصور بها فريد، وهواؤها الممدود صحيح عتيد، وماؤها برود صريد، حجبتها أيدي القدرة عن الجنوب، فلا نحول فيها ولا شحوب؛ خزانة زرع، ومسرح ضرع، فواكهها عديدة الأنواع، ومتاجرها فريدة الانتفاع، وبرانسها رقاق رفاع، إلاّ أنّها بسبب حب الملوك، مطمعة للملوك، ومن أجل جمعها الصّيد في جوف الفرا، مغلوبة للأمرا، أهلها ليست عندهم الراحة، إلاّ فيما قبضت عليه الراحة، ولا فلاحة، إلا لمن أقام رسم الفلاحة، ليس بها لسع العقارب، إلا فيما بين الأقارب، ولا شطارة، إلا فيمن ارتكب الخطارة؛ انتهى.
وقد كنت بالمغرب نويت أن أجمع في شأنها كتاباً ممتعاً أسميّه بأنواء نيسان في أنباء تلمسان وكتبت بعضه، ثم حالت بيني وبين ذلك العزم الأقدار، وارتحلت منها إلى حضرة فاس حيث ملك الأشراف ممتدّ الرّواق، فشغلت بأمور الإمامة والفتوى والخطابة وغيرها، ثم ارتحلت بنية الحجاز، وجعلت إلى الحقيقة المجاز، وها أنا ذا إلى الآن في البلاد المصرية، وفي علم الله تعالى ما لا نعلم، والتسليم لأحكام الأقدار أسلم، والله تعالى يختم لنا بالحسنى بجاه نبيّه ومصطفاه ﷺ.
وبها ولدت أنا وأبي وجدي وجد جدي، وقرأت بها ونشأت إلى أن ارتحلت عنها في زمن الشبيبة إلى مدينة فاس سنة تسع وألف، ثم رجعت إليها آخر عام عشرة وألف، ثم عاودت الرجوع إلى فاس سنة ثلاث عشرة وألف، إلى أن ارتحلت عنها للمشرق أواخر رمضان سنة سبع وعشرين وألف، ودخلت مصر برجب من عام ثمانية وعشرين وألف، والشام بشعبان عام سبعة وثلاثين وألف، وأبت منها إلى مصر أواخر شوّال من العام، وشرعت في هذا المؤلف بالقعدة من العام.
[ترجمة أبي مدين]
وقد تخرّج بتلمسان من العلماء والصلحاء ما لا ينضبط، ويكفيها افتخاراً دفن وليّ الله سيدي أبي مدين بها، وهو شعيب بن الحسين الأندلسي، شيخ المشايخ، وسيد العارفين، وقدوة السالكين، قال الشيخ أبو عبد الله محمّد ابن التلمساني في كتابه النجم الثاقب فيما لأولياء الله تعالى من المناقب: كان الشيخ سيدي أبو مدين فرداً من أفراد الرجال، وصدراً من صدور الأولياء الأبدال، جمع الله له علم الشريعة والحقيقة، وأقامه ركن الوجود هادياً وداعياً للحق، فقصد بالزيارة من جميع الأقطار، واشتهر بشيخ المشايخ، وذكر التادلي وغيره أنّه خرج على يده ألف شيخ من الأولياء أولي الكرامات، وقال أبو الصبر كبير مشايخ وقته: كان أبو مدين زاهداً فاضلاً عارفاً بالله تعالى، خاض بحار الأحوال، ونال أسرار المعارف، خصوصاً مقام التوكّل، لا يشق غباره، ولا تجهل آثاره، قال التادلي: كان مبسوطاً بالعلم، مقبوضاً بالمراقبة، كثير الالتفات بقلبه إلى الله تعالى حتى ختم له بذلك، أخبرني من شهد وفاته أنّه رآه
في آخر الرمق يقول: الله الحق. وكان من أعلام العلماء، وحفّاظ الحديث، خصوصاً جامع الترمذي، وكان يقوم عليه، ورواه عن شيوخه عن أبي ذر، وكان يلازم كتاب الإحياء ويعكف عليه، وترد عليه الفتاوى في مذهب مالك فيجيب عنها في الوقت، وله مجلس وعظ يتكلّم فيه، فتجتمع عليه الناس من كل جهة، وتمر به الطيور وهو يتكلّم فتقف تسمع، وربما مات بعضها، وكثيراً ما يموت بمجلسه أصحاب الحب، تخرّج عليه جماعة كثيرة من العلماء والمحدثين وأرباب الأحوال، وكان شيخه أبو يعزى يثني عليه جميلاً، ويخصّه بين أصحابه بالتعظيم والتبجيل، قرأ بفاس بعد قدومه من الأندلس على الشيخ الحافظ أبي الحسن ابن حرزهم، وعلى الفقيه الحافظ العلامة أبي الحسن ابن غالب.
وذكر عنه أنّه قال: كنت في أوّل أمري وقراءتي على الشيوخ إذا سمعت تفسير آية أو معنى حديث قنعت به وانصرفت لموضع خال خارج فاس أتخذه مأوى للعمل بما فتح به عليّ، فإذا خلوت به تأتيني غزالة تأوي إليّ وتؤنسني، وكنت أمرّ في طريقي بكلاب القرى المتصلة بفاس، فيدورون حولي، ويبصبصون لي، فبينا أنا يوماً بفاس إذا برجل من معارفي بالأندلس سلّم علي، فقلت: وجبت ضيافته، فبعث ثوباً بعشرة دراهم، فطلبت الرجل لأدفعها له، فلم أجده هنالك، فخليتها معي، وخرجت لخلوتي على عادتي، فمررت بقريتي، فتعرض لي الكلاب، ومنعوني الجواز، حتى خرج من القرية من حال بيني وبينهم، ولمّا وصلت لخلوتي جاءتني الغزالة على عادتها، فلمّا شمّتني نفرت عنّي، وأنكرت علي، فقلت: ما أوتي علي إلاّ من أجل هذه الدراهم التي معي، فرميتها، فسكنت الغزالة، وعادت لحالها معي، ولمّا رجعت لفاس جعلت الدراهم معي، ولقيت الأندلسي، فدفعتها إليه، ثم مررت بالقرية في خروجي للخلوة، فدار بي كلابها وبصبصوا على عادتهم، وجاءتني الغزالة فشمتني من
مفرقي لقدمي، وأنست بي كعادتها، وبقيت كذلك مدّة، وأخبار سيدي أبي يعزى ترد عليّ، وكراماته يتداولها الناس وتنقل إليّ، فملأ قلبي حبّه، فقصدته مع جماعة الفقراء، فلمّا وصلنا إليه أقبل على الجماعة دوني، وإذا حضر الطعام منعني من الأكل معهم، وبقيت كذلك ثلاثة أيام، فأجهدني الجوع، وتحيرت من خواطر ترد عليّ، ثم قلت في نفسي: إذا قام الشيخ من مكانه أمرغ وجهي في المكان، فقام، ومرغت وجهي فقمت وأنا لا أبصر شيئاً، وبقيت طول ليلتي باكياً، فلمّا أصبح دعاني وقرّبني، فقلت له: يا سيدي، قد عميت ولا أبصر شيئاً، فمسح بيده على عيني، فعاد بصري، ثم مسح على صدري، فزالت عني تلك الخواطر، وفقدت ألم الجوع، وشاهدت في الوقت عجائب من بركاته، ثم استأذنته في الانصراف بنية أداء الفريضة، فأذن لي وقال: ستلقى في طريقك الأسد فلا يرعك فإن غلب خوفه عليك فقل له: بحرمة يدنور إلا انصرفت عني، فكان الأمر كما قال. فتوجّه الشيخ أبو مدين للشرق وأنوار الولاية عليه ظاهرة، فأخذ عن العلماء واستفاد من الزهاد والأولياء، وتعرّف في عرفة بالشيخ سيدي عبد القادر الكيلاني، فقرأ عليه في الحرم الشريف كثيراً من الحديث، وألبسه خرقة الصوفية، وأودعه كثيراً من أسراره، وحلاه بملابس أنواره، فكان أبو مدين يفتخر بصحبته، ويعدّه أفضل مشايخه الأكابر.
وعن بعض الأولياء قال: رأيت في النوم قائلاً يقول: قل لأبي مدين: بثّ العلم ولا تبالِ، ترتع غداً مع العوالي، فإنّك في مقام آدم أبي الذراري، فقصصتها عليه فقال لي: عزمت على الخروج للجبال والفيافي حتى أبعد عن العمران، ورؤياك هذه تعدل بي عن هاذ العزم، وتأمرني بالجلوس، فقولك ترتع غداً مع العوالي إشارة لحديث حلق الذكر مراتع أهل الجنّة، والعوالي: أصحاب عليين، ومعنى قوله أبي الذراري أن آدم أعطي قوّة على النكاح
وأمر به، ولم يجعل له قوّة على كون ذريته مطيعين مؤمنين، وكذا نحن أعطانا الله العلم وأمرنا ببثّه وتعليمه، ولا قدرة لنا على كون أتباعنا موفّقين.
وكان يقول: كرامات الأولياء نتائج معجزات نبينا ﷺ، وطريقتنا هذه أخذناها عن أبي يعزى بسنده عن الجنيد عن سري السقطي عن حبيب العجمي بالسند إلى رب العزة ﷻ.
وعن العارف عبد الرحيم المغربي قال: سمعت سيدي أبا مدين يقول: أوقفني ربي ﷿ بين يديه وقال لي: يا شعيب ماذا عن يمينك قلت: يا رب عطاؤك، قال: وعن شمالك قلت: يا رب قضاؤك، فقال: يا شعيب قد ضاعفت لك هذا، وغفرت لك هذا، فطوبى لمن رآك أو رأى من رآك.
وعن سيدي أبي العباس المرسي: جلت في ملكوت الله تعالى، فرأيت سيدي أبا مدين متعلّقاً بساق العرش وهو يومئذ أشقر أزرق، فقلت له: وما علومك وما مقامك فقال: علومي أحد وسبعون علماً، وأما مقامي فرابع الخلفاء، ورأس السبعة الأبدال.
وسئل ﵁ عمّا خصّه الله تعالى به، فقال: مقامي العبودية، وعلومي الألوهية، وصفاتي مستمدة من الصفات الربانية، ملأت علومه سرّي وجهري، وأضاء بنوره برّي وبحري، فالمقرب من كان به عليماً، ولا يسمو إلاّ من أوتي قلباً سليماً، الذي يسلم ممّا سواه، ولا يكون في الوعاء إلاّ مما جعل فيه مولاه، فقلب العارف يسرح في الملكوت بلا شك " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السّحاب " النمل:.
وسئل عن الحياء، فقال: أوّله دوام الذكر، وأوسطه الأنس بالمذكور، وأعلاه أن لا ترى شيئاً سواه.
واختلف أهل مجلسه: هل الخضر ولي أم نبي فرأى رجل صالح منهم معروف بالولاية النبيّ ﷺ تلك الليلة فقال ﷺ: الخضر نبي، وأبو مدين ولي.
وذكر التادلي وغيره أن رجلاً جاءه ليعترض عليه، فجلس في الحلقة، فأخذ صاحب الدولة في القراءة، فقال له أبو مدين: أمهل قليلاً، ثم التفت للرجل، وقال له: لم جئت فقال: لأقتبس من نورك، فقال له: ما الذي في كمك قال له: مصحف، فقال له: افتحه واقرأ في أوّل سطر يخرج لك، ففتحه وقرأ أوّل سطر فإذا فيه " الّذين كذّبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذّبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين " الأعراف: فقال له أبو مدين: أما يكفيك هذا فاعترف الرجل وتاب وصلح حاله.
وذكر صاحب الروض عن الشيخ الزاهد أبي محمد عبد الرزاق أحد خواص أصحابه قال: مر شيخنا أبو مدين في بعض بلاد المغرب، فرأى أسداً افترس حماراً وهو يأكله، وصاحبه جالس بالبعد على غاية الحاجة والفاقة، فجاء أبو مدين وأخذ بناصية الأسد، وقال لصاحب الحمار: أمسك الأسد واستعمله في الخدمة موضع حمارك، فقال له: يا سيدي أخاف منه، فقال: لا تخف، لا يستطيع أن يؤذيك، فمرّ الرجل يقوده والناس ينظرون إليه، فلمّا كان آخر النهار جاء الرجل ومعه الأسد للشيخ وقال له: يا سيدي هذا الأسد يتبعني حيث ذهبت، وأنا شديد الخوف منه، لا طاقة لي بعشرته، فقال الشيخ للأسد: اذهب ولا تعد، ومتى آذيتم بني آدم سلطتهم عليكم.
ومن مشهور كراماته أنّه كان ماشياً يوماً على ساحل، فأسره العدوّ، وجعلوه في سفينة فيها جماعة من أسرى المسلمين، فلمّا استقرّ في السفينة توقفت عن السير، ولم تتحرّك من مكانها، مع قوّة الريح ومساعدتها، وأيقن الروم أنهم لا يقدرون على السير، فقال بعضهم: أنزلوا هذا المسلم فإنّه قسيس، ولعلّه من أصحاب السرائر عند الله تعالى، وأشاروا له بالنزول، فقال: لا أفعل إلاّ إن أطلقتم جميع من في السفينة من الأسارى، فعلموا أن لا بد لهم من ذلك،
فأنزلوهم كلّهم، وسارت السفينة في الحال.
ومن كراماته أنّه لمّا اختلف طلبة بجاية في حديث إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنّة وأشكل عليهم ظاهره: إذ يموت مؤمنين يستحقان كل الجنّة، فجاءوا إليه وهو يتكلّم على رسالة القشيري، فكاشفهم في الحال بلا سؤال، وقال لهم: المراد أنّه يعطى نصف جنته هو، فيكشف له عن مقعده ليتنعم به وتقر عينه، ثم النصف الآخر يوم القيامة.
وكان أولياء وقته يأتونه من البلدان للاستفتاء فيما يعرض لهم من المسائل.
وذكر تلميذه الصالح سيدي عبد الخالق التونسي عنه أنّه قال: سمعت برجل يسمى موسى الطيار يطير في الهواء ويمشي على الماء، وكان رجل يأتيني عند صدع الفجر فيسألني عن مسائل لا يفهمها الناس، فوقع ليلة في نفسي أنّه موسى الطيار الذي سمعت به، وطال عليّ الليل في انتظاره، فلمّا طلع الفجر نقر الباب رجل، فإذا هو الذي يسألني، فقلت له: أنت موسى الطيار فقال: نعم، ثم سألني وانصرف، ثم جاءني مع رجل آخر فقال لي: صلّينا الصبح ببغداد، وقدمنا مكة فوجدناهم في صلاة الصبح، فأعدنا معهم، وجلسنا حتى صلينا الظهر، وأتينا القدس فوجدناهم في الظهر، فقال لي صاحبي هذا: نعيد معهم، فقلت: لا، فقال لي: ولم أعدنا الصبح بمكّة فقلت له: كذلك كان شيخي يفعل، وبه أمرنا، فاختلفنا وأتيناك للجواب، فقال أبو مدين: فقلت لهم: أمّا إعادة الصبح بمكة فلأنّها بها عين اليقين، وببغداد علم اليقين، وعين اليقين أولى من علم اليقين، وصلاتكم الظهر بمكة - وهي أم القرى - فلذلك لا تعاد في غيرها، قال: فقنعا به وانصرفا.
وكان استوطن بجاية ويقول: إنّها معينة على طلب الحلال، ولم يزل بها
يزداد حلاه على مر الليالي رفعة، ترد عليه الوفود وذوو الحاجات من الآفاق، ويخبر بالوقائع والغيوب، إلى أن وشى به بعض علماء الظاهر عند يعقوب المنصور، وقال له: إنّا نخاف منه على دولتكم، فإن له شبهاً بالإمام المهدي، وأتباعه كثيرون بكل بلد، فوقع في قلبه وأهمّه شأنه، فبعث إليه في القدوم عليه ليختبره، وكتب لصاحب بجاية بالوصيّة به والاعتناء، وأن يحمل خير محمل، فلمّا أخذ في السفر شق على أصحابه وتغيروا وتكلّموا، فسكتهم وقال لهم: إن منيتي قربت، وبغير هذا المكان قدرت، ولا بد لي منه، وأ، اشيخ كبير ضعيف، لا قدرة لي على الحركة، فبعث الله تعالى من يحملني إليه برفق، ويسوقني إليه أحسن سوق، وأنا لا أرى السلطان ولا يراني، فطابت نفوسهم، وذهب بوسهم، وعلموا أنه من كراماته، فارتحلوا به على أحسن حال، حتى وطئوا به حوز تلمسان، فبدت له رابطة العباد، فقال لأصحابه: ما أصلحه للرقاد، فمرض مرض موته، فلمّا وصل وادي يسر اشتد به المرض، ونزلوا به هناك، فكان آخر كلامه: الله الحق.
وتوفّي رحمه الله تعالى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، فحمل إلى العباد، مدفن الأولياء الأوتاد، وسمع أهل تلمسان بجنازته، فكانت من المشاهد العظيمة، والمحافل الكريمة، وفي ذلك اليوم تاب الشيخ أبو علي عمر الحباك، وعاقب الله تعالى السلطان، فمات بعده بسنة أو أقل.
ونقل المعتنون بأخباره أن الدعاء عند قبره مستجاب، وجربه جماعة، وقد زرته مئين من المرات، ودعوت الله تعالى عنده بما أرجو قبوله.
وقد أطال في ترجمته التادلي في كتابه " التشوّف لرجال التصوّف " وقد
أفردها ابن الخطيب القسمطيني بتأليف سمّاه أنس الفقير.
ومن كلامه: من رزق حلاوة المناجاة زال عنه النوم، ومن اشتغل بطلب الدنيا ابتلي فيها بالذل، ومن لم يجد من قلبه زاجراً فهو خراب.
وقوله: بفساد العامّة تظهر ولاة الجور، وبفساد الخاصّة تظهر دجاجلة الدين الفتّانون.
وقوله: من عرف نفسه لم يغترّ بثناء الناس عليه، ومن خدم الصالحين ارتفع، ومن حرمه الله تعالى احترامهم ابتلاه الله بالمقت من خلقه، وانكسار العاصي خير من صولة المطيع.
وقوله: من علامة الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق.
وسئل عن المحو والشيخ، فقال: المحو من شهدت له ذاتك بالتقديم، وسرك بالاحترام والتعظيم، والشيخ من هداك بأخلاقه، وأيدك بإطراقه، وأنار باطنك بإشراقه، إلى غير ذلك من كلامه النيّر، وهو بحر لا ساحل له.
وله نظم كثير مشهور بأيدي الناس، وممّا يُنسب له قوله:
بكت السحاب فأضحكت لبكائهازهر الرياض وفاضت الأنهار
وقد أقبلت شمس النّهار بحلّةخضرا، وفي أسرارها أسرار
وأتى الربيع بخيله وجنودهفتمتعت في حسنه الأبصار
والورد نادى بالورود إلى الجنىفتسابق الأطيار والأشجار
والكأس ترقص والعقار تشعشعتوالجوّ يضحك والحبيب يزار
والعود للغيد الحسان مجاوبوالطار أخفى صوته المزمار
لا تحسبوا الزمر الحرام مرادنامزمارنا التّسبيح والأذكار
وشرابنا من لطفه، وغناؤنانعم الحبيب الواحد القهار
والعود عادات الجميل، وكأسناكأس الكياسة، والعقار وقار
فتألفوا وتطيبوا واستغنمواقبل الممات فدهركم غدّار
والله أرحم بالفقير إذا أتىمن والديه فإنّه غفّار
ثمّ الصلاة على الشّفيع المصطفى ... ما رنّمت بلغاتها الأطيار وإنّما ذكرت ترجمة سيدي الشيخ أبي مدين للتبرك به، ولكونه شيخ جدي، فأنا في بركته لقول جدّي: إنّه دعا له ولذريته بما ظهر قبوله، ولأنا ذكرنا في هذا التأليف كثيراً من أنباء أبناء الدنيا، فأردنا كفّارة ذلك بذكر الصالحين، والله الموفّق بمنّه وكرمه، آمين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع