من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب السابع: ذكر بعض تلامذته الآخذين عنه المستهدين به على المنهاج، المتلقّين أنواع (٤)
فمن شاء أن يدعو لدين محمد ... فيدعو لمولانا الخليفة بالبقيا وقال أيضاً فيه وقد نزل بالولجة من مرج الحضرة:
منزل اليمن والرضى والسعودأنجزت فيه صادقات الوعود
كلّ يوم نزاهة إن تقضّتأنشدتها السعود: بالله عودي
جمع المستعين وصف كمالبين بأس عمّ الملوك وجود
فاهن في غبطة وعزة ملكأنت والله فخر هذا الوجود وقال أيضاً مشيراً لتوليته العلامة:
لك غرّة ودّ الصباح جمالهاومحاسن تهوى البدور كمالها
وشمائل تحكي الرياض خلالهاوأنامل ترجو الأنام خلالها
للمستعين خلافة نصريّةعرفت ملوك العالمين جلالها
وأنا الذي قد نال منك معالياًتهدي النجوم الزاهرات منالها
تهديه ما قد نلته من بعضهافالفخر كلّ الفخر فيمن نالها
في كلّ يوم منك منّة منعملو طاولت سمك السما ما طالها
بلغت آمال العبيد فبلّغتفيك العبيد من البقا آمالها وقال أيضاً وكتبها إليه مع خمسة أقلام:
أيا مالكاً لم يبد للعين حسنهسوى ملك قد حلّ من عالم القدس
لك الخير خذها كالأنامل خمسةتعوّذ مرآك المكمّل بالخمس
فمن أبصرت عيناك مرآه فليقل ... أعوذ بربّ الناس أو آية الكرسي ثم قال ابن الحمر: وقال يخاطب مولانا الوالد رحمة الله تعالى عليه وقد مرّ معه بفحص ريّة، والثلج قد عمّ أنديته، وبسط أرديته، في وجهة توجهها مولانا الجد تغمّده الله تعالى إلى مالقة:
يا من به رتب الإمارة تعتليومعالم الفخر المشيدة تبتني
ازجر بهذا الثلج فألاً إنّهثلج اليقين بنصر مولانا الغني
بسط البياض كرامةً لقدومهوافترّ ثغراً عن مسرّة معتني
فالأرض جوهرة تلوح لمجتلوالدوح مزهرة تفوح لمجتني
سبحان من أعطى الوجود وجودهليدلّ منه على الجواد المحسن
وبدائع الأكوان في إتقانها ... أثر يشير إلى البديع المتقن ثم قال: ومن أوليات نظمه يخاطب شيخه الوزير أبا عبد الله ابن الخطيب مادحاً قوله:
أما وانصداع النور من مطلع الفجرإلى آخره، وقد تقدمت
ثم قال: وقال يراجع الكاتب أبا زكريا ابن أبي دلامة:
على الطائر الميمون والطالع السّعدأتتني مع الصنع الجميل على وعد
وأحييت يا يحيى بها نفس مغرميجيل جياد الدمع في ملعب السهد
نسيت وما أنسى وفائي وخلّتيوأقفر ربع القلب إلا من الوجد
وما الطلّ في ثغر من الزهر باسمٍبأزكى وأصفى من ثنائي ومن ودي
فأصدقتها من بحر فكري جواهراًتنظّم من درّ الدراريّ في عقد
وكنت أطيل القول إلاّ ضرورة ... دعتني إلى الإيجاز في سورة الحمد وأنشد السلطان أبا العباس المرسي في غراب من إنشائه:
أإنسان عين الدهر جفنك قد غدايحفّك منه طائر اليمن والسّعد
إذا ما هفا فوق الرؤوس شراعهأراك جناحاً مدّ للجزر والمدّ
وأنشد فيه أيضاً:
لك الخير شأن الجفن يحرس عينهوهذا بعين الله يحرس دائماً
تبيت له خمس الثريّا معيذةتقلّده زهر النجوم تمائما
فيا جفن لا تنفك في الحفظ دائماً ... وإن كنت في لجّ من البحر عائما انتهى ما لخصته من كلام ابن الأحمر في حق ابن زمرك، وذلك جملة من نظمه.
[موشحات ابن زمرك]
وقد رأيت أن أعزز ذلك ببعض موشحات ابن زمرك المذكور ممّا انتقيته من كلام ابن الأحمر.
فمنها قوله متشوّقاً إلى غرناطة ويمدح الغني بالله:
بالله يا قامة القضيبومخجل الشمس والقمر
من ملك الحسن في القلوبوأيّد اللّحظ بالحور
من لم يكن طبعه رقيقالم يدر ما لذة الصّبا
فربّ حرٍّ غدا رقيقاتملكه نفحة الصّبا
نشوان لم يشرب الرحيقالكن إلى الحسن قد صبا
فعذّب القلب بالوجيبونعّم العين بالنظر
وبات والدمع في صبيبيقدح من قلبه الشّرر
عجبت من قلبي المعنّىيهفو إذا هبّت الرياح
لو كان للصبّ ما تمنّىلطار شوقاً إلى البطاح
وبلبل الدّوح إن تغنّىأسهر ليلي إلى الصباح
عساك إن زرت يا طبيبيبالطّيف في رقدة السّحر
أن تجعل النوم من نصيبيوالعين تحمي من السهر
كم شادن قاد لي الحتوفابمربع القلب قد سكن
يسل من لحظه سيوفافالقلب بالروع ما سكن
خلقت من عادتي ألوفاأحنّ للإلف والسّكن
غرناطة منزل الحبيبوقربها السؤل والوطر
تبهر بالمنظر العجيبفلا عدا ربعها المطر
عروسة تاجها السبيكهوزهرها الحلي والحلل
لم ترض من عزّها شريكهبحسنها يضرب المثل
أيّدها الله من مليكهتملكها أشرف الدول
بدولة المرتجى المهيبالملك الطاهر الأغرّ
تختال من بردها القشيبفي حلّة النور والزّهر
كرسيّها جنّة العريفمرآتها صفحة الغدير
وجوهر الطّلّ عن شنوفتحكمها صنعة القدير
والأنس فيها على صنوففمن هديل ومن هدير
كم خرق الزهر من جيوبوكلّل القضب بالدرر
فالغصن كالكاعب اللّعوبوالطير تشدو بلا وتر
ولائم النصر في احتفالوفرح دين الهوى جديد
سلطانها معمل العواليمحمد الظافر السعيد
ومخجل البدر في الكمالسلطانها المجتبى الفريد
أصفح مولىً عن الذنوبأكرم عاف إذا قدر
وشمس هدي بلا مغيبوبحر جود بلا حسر
مولاي يا عاقد البنودتظلّل الأوجه الصّباح
أوحشت يا نخبة الوجودغرناطة هالة السّماح
سافرت باليمن والسعودوعدت بالفتح والنجاح
يا ملهم القلب للغيوبومطعم النصر والظفر
أسمعك الله عن قريب: ... " على السلامه من السفر " وقال أيضاً من الموشحات الرائقة، في مثل أغراض هذه السابقة، وأشار إلى محاسن من وصف الدشار:
نسيم غرناطة عليللكنّه يبرىء العليل
وروضها زهره بليلورشفه ينقع الغليل
سقى بنجد ربى المصلّىمباكراً روضه الغمام
فجفنه كلّما استهلاّتبسّم الزّهر في الكمام
والروض بالحسن قد تحلّىوجرّد النهر عن حسام
ودوحها ظلّه ظليليحسن في ربعه المقيل
والبرق والجو مستطيليلعب بالصارم الصقيل
عقيلة تاجها السّبيكهتطلّ بالمرقب المنيف
كأنّها فوقه مليكهكرسيّها جنّة العريف
تطبع من عسجد سبيكهشموسها كلّما تطيف
أبدعك الخالق الجميليا منظراً كلّه جميل
قلبي إلى حسنه يميلوقبلنا قد صبا جميل
وزاد للحسن فيك حسنامحمد الحمد والسّماح
جدّد للفخر فيك مغنىفي طالع اليمن والنّجاح
تدعى دشاراً وفيك معنىيخصّك الفأل بافتتاح
فالنصر والسعد لا يزوللأنّه ثابت أصيل
سعد وأنصاره قبيلآباؤه عترة الرسول
أبدى به حكمة القديروتوّج الروض بالقباب
ودرّع الزهر بالغديروزيّن النهر بالحباب
فمن هديل ومن هديرما أولع الحسن بالشباب
كبت على روضها القبولوطرفها بالسّرى كليل
فلم يزل بينها يجولحتى تبدّت له حجول
للزهر في عطلفها رقومتلوح للعين كالنّجوم
وللندى بينها رسومعقد النّدى فوقه نظيم
وكلّ وادٍ بها يهيمولم يزل حولها يحوم
شنيلها مدّ منه نيلوالشين ألف لمستنيل
وعين واد به تسيلمن فوق خدّ له أسيل
كم من ظلال به ترفّتضفو له فوقها ستور
ومن زجاج به يشفما بين نور وبين نور
ومن شموس بها تصفتديرها بينها البدور
مزاجها العذب سلسبيليا هل إلى رشفها سبيل
وكيف والشيب لي عذولوصبغه صغرة الأصيل
يا سرحة في الحمى ظليلهكم نلت في ظلك المنى
روّضك الله من خميلهيجنى بها أطيب الجنى
وبرقها صادق المخيلهما زال بالغيث محسنا
أنجز لي وعدك القبولفلم أقل مثل من يقول:
يا سرحة الحيّ يا مطولشرح الذي بيننا يطول ومن ذلك ما كتب به إلى الغني بالله:
أبلغ لغرناطة سلاميوصف لها عهدي السليم
فلو رعى طيفها ذماميما بت في ليلة السليم
كم بت فيها على اقتراحأعلّ من خمرة الرضاب
أدير فيها كؤوس راحقد زانها الثغر بالحباب
أختال كالمهر في الجماحنشوان في روضة الشباب
أضاحك الزهر في الكماممباهياً روضه الوسيم
وأفضح الغصن في القوامإن هبّ من جوّها نسيم
بينا أنا والشباب ضافوظلّه فوقنا مديد
ومورد الأنس فيه صافوبرده رائق جديد
إذ لاح في الفود غير خافصبح به نبّه الوليد
أيقظ من كان ذا مناملمّا انجلى ليله البهيم
وأرسل الدمع كالغمامفي كلّ وادٍ به أهيم
يا جيرة عهدهم كريموفعلهم كلّه جميل
لا تعذلوا الصبّ إذ يهيمفقبله قد صبا جميل
القرب من ربعكم نعيموبعدكم خطبه جليل
كم من رياض به وساميزهى بها الرائض المسيم
غديرها أزرق الجمامونبتها كلّه جميم
أعندكم أنّني بفاسأكابد الشوق والحنين
أذكر أهلي بها وناسيواليوم في الطول كالسنين
الله حسبي فكم أقاسيمن وحشة الصحب والبنين
مطارحاً ساجع الحمامشوقاً إلى الإلف والحميم
والدمع قد لجّ في انسجاموقد وهى عقده النظيم
يا ساكني جنّة العريفأسكنتم جنّة الخلود
كم ثمّ من منظر شريفقد حفّ باليمن والسعود
وربّ طود به منيفأدواحه الخضر كالبنود
والنهر قد سلّ كالحساملراحة الشّرب مستديم
والزهر قد راق بابتساممقبّلاً راحة النّديم
بلّغ عبيد المقام صحبيلا زلتم الدهر في هنا
لقاكم بغية المحبّوقربكم غاية المنى
فعندكم قد تركت قلبيفجدّد الله عهدنا
ودارك الشمل بانتظاممن مرتجى فضله العميم
في ظلّ سلطاننا الإمامالطاهر الظاهر الحليم
مؤمّن العدوتين ممّايخاف من سطوة العدا
وفارج الكرب إن ألمّاومذهب الخطب والرّدى
قد راق حسناً وفاق حلماوما عدا غير ما بدا
مولاي يا نخبة الأناموحائز الفخر في القديم
كم أرقب البدر في التمام ... شوقاً إلى وجهك الكريم منها موشحة عارض بها موشحة ابن سهل التي أولها ليل الهوى يقظان وهي:
نواسم البستانتنثر سلك الزّهر
والطّل في الأغصانينظمه بالجوهر
وراحة الإصباحأضاء منها المشرق
تنشرها الأرواحفلا تزال تخفق
والزهر زهر فاحلها عيون ترمق
فأيقظ الندمانيبصرن ما لم يبصر
جواهر الشهبانقد عرضت للمشتري
قدحت لي زندايا أيّهذا البارق
أذكرتني عهداإذ الشباب رائق
فالشّوق لا يهداولا الفؤاد الخافق
وكيف بالسّلوانوالقلب رهن الفكر
وسحب الهجرانتحجب وجه القمر
لولا شموس الكاسنديرها بين البدور
وعرّج الإيناسمنّا على ربع الصدور
لكن لها وسواسيغري بربّات الخدور
كم والهٍ هيمانبصبح وجه مسفر
ضياؤه قد بانمن تحت ليل مقمر
يا مطلع الأنواركم فيك من مرأى جميل
ونزهة الأبصارما ضرّ لو تشفي الغليل
يا روضة الأزهاروعرفها يبري العليل
قضيبك الفينانيسقى بدمع همر
فلاعج الأشجانفيض الدموع يمتري
هل في الهوى ناصرأو هل يجار الهائم
لو كان لي زائرطيف الخيال الحائم
ما بتّ بالساهرودمع عيني ساجم
والحب ذو عدوانيجهد في ظلم البري
وصارم الأجفانمؤيّد بالحور
رحماك في صبّأذكرته عهد الصّبا
بواعث الحبقادت إليه الوصبا
لم تهف بالقلبريح الصّبا إلاّ صبا
بليلة الأردانقد ضمّخت بالعنبر
يشير غصن البانمنها بفضل المئزر
طيّبها حمدفخر الملوك المجتبى
من يرجح الطودمن حلمه إذا احتبى
قد جرّد السعدمنه حساماً مذهبا
فالبأس والإحسانوالغوث للمستنصر
تحمله الركبانتحيّة للمنبر
عصابة الكتّابحقّ لها الفوز العظيم
تختال في أثوابألبسها الطول الجسيم
فحسبها الإطنابفي الحمد والشكر العميم
خليفة الرحمنلا زلت سامي المظهر
يا مورد الظمآنورأس مال المعسر
خذها على دعوىتزري على الروض الوسيم
جاءت كما تهوىأرقّ من لدن النسيم
قد طارحت شكوىمن قال في الليل البهيم
" ليل الهوى يقظانوالحب ترب السهر "
" والصبر لي خوّانوالنوم من عيني بري " وله في الصبوحيات:
ريحانة الفجر قد أطلّتخضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح قد أظلّتفي مرقب الشرق تنشر
فالشهب من غارة الصباحترعد خوفاً وتخفق
وأدهم الليل في جماحأعنّة البرق يطلق
والأفق في ملتقى الرياحبأدمع الغيث يشرق
والسحب بالجوهر استهلّتفالبرق سيف مجوهر
صفاحه المذهبات حلّتفي راحة الجوّ تشهر
كم للصّبا ثمّ من مقيلبطيبه الزهر يشهد
والنهر كالصارم الصّقيلفي حلية النور يغمد
ورب قال به وقيلللطير في حين تنشد
فألسن الورق قد أملّتمدائحاً عنه تشكر
ونسمة الصبح قد تجلّتفي سندس الروض تعثر
والكاس في راحة النديميجلو بها غيهب الهموم
أقبست النار في القديممن قبل أن تخلق الكروم
والنهر في ملعب النسيمللزهر في عطفه رقوم
فلبّة الحلي قد تحلّتوالطّلّ في الحلي جوهر
وبهجة الكون قد تجلّتوالروض بالحسن يبهر
يذكرني وجنة الحبيبوالآس في صفحة العذار
وشارب الشارب العجيببين أقاح وجلّنار
يدير من ثغره الشنيبسلافة دونها العقار
حلّت لأهل الهوى وجلّتبالذكر والوهم تسكر
كم من نفوس بها تسلّتفما لها الدهر منكر
يا غصن بان يميل زهواريّان في روضة الشباب
لو كنت تصغي لرفع شكوىأطلت من قصة العقاب
ومن لمثلي ببث نجوىللبدر في رفرف السحاب
عزائم الصبر فيك حلّتوعقدة الصبر تذخر
قد أكثرت منك ما استقلّتوليت لو كنت تشعر
كم ليلة بتّها وبتّاضدين في السهد والرقاد
أسامر النجم فيك حتىعلّمت أجفانها السّهاد
أرقب بدر الدجى، وأنتاقد لحت في هالة الفؤاد
نفسي ولّيت ما تولّتدعها على الشوق تصبر
لو سمتها الهجر ما تولّتولم تكن عنك تنفر
علّمها الصبر في الحروبسلطاننا عاقد البنود
معفّر الصيّد للجنوبأعزّ من حفّ بالجنود
نصرت بالرعب في القلوبوالبيض لم تبرح الغمود
عناية الله فيه حلّتبسعده الدين ينصر
والخلق في عصره تملّتغنائماً ليس تحصر
مولاي يا نكتة الزماندار بما ترتضي الفلك
جللت باليمن والأمانكلّ مليك وما ملك
لم يدر وصفي ولا عيانيأملك أنت أم ملك
جنودك الغلب حيث حلّتبالفتح والنصر تخفر
وعادة الله فيك دلّتأنّك بالكفر تظفر
يا آية الله في الكمالومخجل البدر في التمام
قدمت بالعزّ والجلالوالدهر في ثغره ابتسام
يختال في حلّة الجمالوالبدر قد عاد في اختتام
ريحانة الفجر قد أطلّتخضراء بالزهر تزهر
وراية الصبح قد أظلّتفي مرقب الشرق تنشر وقال سامحه الله تعالى:
قد طلعت راية الصباحوآذن الليل بالرحيل
فباكر الروض باصطباحواشرب على زهره البليل
فالورق هبّت من السّباتلمنبر الدوّح تخطب
تسجع مفتنّة اللّغاتكلّ عن السوق يعرب
والغصن بعد الذهاب ياتيلأكؤس الطّلّ يشرب
وأدمع السّحب في انسياحفي كلّ روض لها سبيل
والجوّ مستبشر النواحييلعب بالصارم الصقيل
قم فاغتنم بهجة النفوسما بين نور وبين نور
وشفّع الصبح بالشموستديرها بيننا البدور
ونبّه الشّرب للكؤوستمزج من ريقة الثغور
ما أجمل الراح فوق راحصفراء كالشمس في الأصيل
تغادر الصدر ذا انشراحللأنس في طيّه مقيل
ولا تذر خمرة الجفونفسكرها في الهوى جنون
ولتخش من أسهم العيونفإنّها رائد المنون
عرضت منها إلى الفتونوكلّ خطب لها يهون
أهيم بالغادة الرّداحوالجسم من حبّها عليل
لو بت منها على اقتراحنقعت من ريقها الغليل
أواعد الطّيف للمنامومن لعينيّ بالمنام
أسهر في ليلة التماموأنت يا بدر في التمام
وألثم الزهر في الكمامعليه من ثغرك ابتسام
سفرت عن مبسم الأقاحوريقك العذب سلسبيل
قل لي يا ربّة الوشاحهل لي إلى الوصل من سبيل
يا كعبة الحسن زدت حسناوللهوى حولك المطاف
وغصن بان إذا تثنّىلو حان من زهرك القطاف
ألا انعطاف على المعنّىفالغصن يزهى بالانعطاف
أصبحت تزهو على الملاحبذلك المنظر الجميل
ووجهك الشمس في اتضاحلو أنّها لم تكن تميل
ما الزهر إلاّ بنظم درّتحسد في حسنه العقود
للملك الظاهر الأغرّأكرم من حفّ بالسعود
محمد الحمد وابن نصروباسط العدل في الوجود
مساجل السّحب في السماحبالغيث من رفده الجليل
ومخجل البدر في اللّياحبغرّة ما لها مثيل
يا مشرب الحبّ في القلوبوواهب الصفح للصفاح
نصرت بالرعب في الحروبوالرعب أجدى من السلاح
قد لحت من عالم الغيوبلم تعدم الفوز والفلاح
مراكش نهبة افتتاحوالصنع في فتحها جليل
بشراك بالفتح والنجاحوالشكر من ذلك القبيل وقال أيضاً رحمه الله تعالى:
في كؤوس الثغر من ذاك اللّعسراحة الأرواح
وتغشّى الروض مسكيّ النفسعاطر الأرواح
وكسا الأدواح وشياً مذهبايبهر الشمسا
عسجد قد حلّ من فوق الربىيبهج النفسا
فاتخذ للهو فيه مركباتلحق الأنسا
منبر الغصن عليه قد جلسساجع الأدواح
حلل السندس خضراً قد لبسعطفه المرتاح
قم ترى هذا الأصيل شاحباحسنه قد راق
ولأذيال الغصون ساحبافي حلى الأوراق
ونديم قال لي مخاطباقول ذي إشفاق
عادة الشمس بغرب تختلسهات شمس الراح
إن أرانا الجوّ وجهاً قد عبسأوقد المصباح
ووجوه الشّرب تغني عن شموسكلّما تجلى
بلحاظ أسكرتنا عن كؤوسخمرها أحلى
مظهرات من خفايا في النفوسسوراً تتلى
ما زمان الأنس إلاّ مختلسفاغتنم يا صاح
وعيون الشّهب تذكي عن حرستخصم النّصّاح
ما ترى ثغر الوميض باسمايظهر البشرا
وثناء الروض هبّ ناسماعاطراً نشرا
بث من أزهاره دراهماقائلاً: بشرى
ركب المولى مع الظهر الفرسوشفي وارتاح
بجنود الله دأباً يحترسإن غدا أو راح
وجب الشكر علينا والهنابعضنا بعضا
فزمان السعد وضّاح السناوجهه الأرضى
أثمرت فيه العوالي بالمنىثمراً غضّا
يجتني الإسلام منها ما اغترسسيفه السفّاح
في ضمير النّقع منها قد هجسشهب تلتاح
يا إماماً بالحسام المنتضىنصر الحقّا
ثغرك الوضّاح مهما أومضاأخجل البرقا
وديون السعد منه تقتضىتوسع الحقّا
لك وجه من صباح مقتبسبشره وضّاح
وجميل الصفح منه ملتمسمنعم صفّاح
هاكها تمزج لطفاً بالنّسيمكلّما هبّا
قد أتت بالبرّ والصنع الجسيمتشكر الربّا
أخجلت من قال في الصبح الوسيممغرماً صبّا
" غرد الطير فنبّه من نعس "يا مدير الراح
" وتعرّى الفجر عن ثوب الغلس "وانجلى الإصباح وقال أيضاً سامحه الله تعالى:
قد أنعم الله بالشفاءواستكملت راحة الإمام
فلتنطق الطير بالهناءوليضحك الزهر في الكمام
وجوده بهجة الوجودوبرؤه راحة النفوس
قد لاح في مرقب السعودواستبشرت أوجه الشموس
فالدوح يومي إلى البنودأكمامه غطّت الرؤوس
والزّهر في روضة السّماءكالزهر قد راق بابتسام
والصبح مستشرف اللواءوالبدر مستقبل التّمام
محاسن الكون قد تجلّتجمالها العقل يبهر
عرائس بالبها تحلّتوالطلّ في الحلي جوهر
وألسن الورق قد أملّتمدائحاً عنه تشكر
تستوقف الخلق بالغناءكأنّها تحسن الكلام
تطنب لله في الثّناءتقول سلّمت يا سلام
كم من ثغور لها ثغورتبسم إذ جاءها البشير
ومن خدور بها بدوريشير منها له المشير
تقول إذ حفّها السرورتبارك المنعم القدير
قد أنعم الله بالبقاءفي ظلّ مولى به اعتصام
قد صادف النّجح في الدواءفالداء عنّا له انفصام
يهنيك مولاي بل يهنّىببرئك الدين والهدى
فالغرب والشرق منك يعنىبمذهب الخطب والردى
والله لولاك ما تهنّاما فيه من سطوة الردى
يا مورد الأنفس الظماءقد كان يشتفّها الأوام
وقرّة العين بالبهاءرددت للأعين التمام
لو أبذل الروح في البشارهبذلت بعض الذي ملك
فأنت يا نفس مستعارهمولاي بالفضل جمّلك
لم أدر إذ سطّر العبارهأملك هو أم ملك
لا زلت مولاي في هناءمبلّغ القصد والمرام
ودمت للملك في اعتلاءتسحب أذياله الغمام
وقال في مالقة:
عليك يا ريّة السلامولا عدا ربعك المطر
مذ حلّ في قصرك الإمامفقربك السؤل والوطر
والدوح في روضك الأنيقللشكر قد حطّت الرؤوس
والغصن في نهره غريقوفي حلاه كما عروس
والجو من وجهك الشريقتحسده أوجه الشموس
وأعين الزهر لا تنامتستعذب السّهد والسهر
تنفث من تحتها الغمامترقيك من أعين الزهر
عروسة أنت يا عقيلهتجلى على مظهر الكمال
مدت لك الكفّ مستقيلهتمسح أعطافك الشمال
والبحر مرآتك الصقيلهتشف عن ذلك الجمال
والحلي زهر له انتظاميكلّل القضب بالدرر
قد راق من ثغره ابتساموالورد في خدّها خفر
إن قيل من بعلها المفدّىومن له وصلها مباح
أقول أسنى الملوك رفدامخلد الفخر بالصفاح
محمد الحمد حين يهدىثناؤه عاطر الرياح
تخبر عن طيبه الكماموالخبر يغني عن الخبر
فالسعد والرعب والحساموالنصر آياته الكبر
ذو غرّة تسحر البدوراوطلعة تخجل الصّباح
كم راية سامها ظهوراتظلّل الأوجه الصّباح
وكم جهاد جلاه نوراأظفر بالفوز والنّجاح
الطاهر الظاهر الهمامأعزّ من صال وافتخر
لسيفه في العدا احتكامجرى به سابق القدر
يا مرسل الخير في الغوارلو تطلب البحر تلحق
لك الجواري إذا تجاريسوابق الشّهب تسبق
تستنّ في لجة البحارفالكفر منهن يفرق
فالدين وليقصر الكلامبسيفك اعتزّ وانتصر
كذاك أسلافك الكرامهم نصروا سيّد البشر
وقال من غير هذا البحر في المحدث بمالقة:
قد نظم الشمل أتمّ انتظامواغتنم الأحباب قرب الحبيب
واستضحك الروض ثغور الغمامعن مبسم الزهر البرود الشّنيب
وعمّم النّور رؤوس الرّبىوجلّل النّور صدور البطاح
وصافح القضب نسيم الصّبافالزهر يرنو عن عيون وقاح
وعاود النهر زمان الصّبافقلّد الزهر مكان الوشاح
وأطلع القصر برود التّمامفي طالع الفتح القريب الغريب
خدودها قامت مقام الغمامفلا اشتكى من بعدها بالمغيب
أصبحت يا ريّة مجلى النفوسجمالك العين بها يبهر
والبشر يسري في جميع الشموسوراية الأنس بها تشهر
والدوح للشكر تحطّ الرؤوسوأنجم الزهر بها تزهر
وراجع النهر غناء الحماموقد شدت تسجع سجع الخطيب
بمنبر الغصن الرشيق القواملمّا انثنى يهفو بقدّ رطيب
يا حبّذا مبناك فخر القصوربروجه طالت بروج السما
ما مثله في سالفات العصورولا الذي شاد ابن ماء السّما
كم فيه من مرأى بهيج ونورفي مرتقى الجوّ به قد سما
خليفة الله ونعم الإمامأتحفك الدهر بصنعٍ عجيب
يهنيك شمل قد غدا في التئامممهداً في ظلّ عيش خصيب
نواسم الوادي بمسك تفوحونفحة النّدّ به تعبق
وبهجة السكّان فيه تلوحوجوّه من نورهم يشرق
وروضه بالسرّ منه يبوحبلابل عن وجده تنطق
لو أنّ من يفهم عنها الكلامفهي تهنيك هناء الأديب
ونهره قد سلّ منه الحساميلحظه النرجس لحظ المريب
فأجمل الأيام عصر الشبابوأجمل الأجمل يوم اللّقا
يا درّة القصر وشمس القبابوهازم الأحزاب في الملتقى
بشّرك الربّ بحسن المآبمتّعك الله بطول البقا
ولا يزال القصر قصر السلاميختال في برد الشباب القشيب
يتلو عليك الدهر في كلّ عام:﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال من المخلع في الشفاء:
في طالع اليمن والسعودقد كملت راحة الإمام
فأشرق النور في الوجودوابتسم الزهر في الكمام
قد طلعت راية النجاحوانهزم البؤس والعنا
وقال حيّ على الفلاحمؤذّن القوم بالمنى
فالدهر يأتي بالاقتراحمستقبلاً أوجه الهنا
تخفق منشورة البرودوالسعد يقدم من أمام
والأنس مستجمع الوفودواللطف مستعذب الجمام
وأكؤس الطلّ مترعاتبأنمل السوسن الندي
والطير مفتنّة اللغاتتشدو بأصوات معبد
والغصن يذهب ثم يأتيبالسندس الغضّ مرتدي
والدوح يومي إلى السجودشكراً لذي الأنعم الجسام
والريح خفّاقة البنودتباكر الروض بالغمام
مظاهرٌ للجمال تجلىقد هزّ أعطافها السرور
وباهر الحسن قد تجلّىما بين نور وبين نور
قد هنأت بالشفاء مولىبعصره تفخر العصور
ما بين بأس وبين جودقد مهّد الأمن للأنام
فالدين ذو أعين رقودوكان لا يطعم المنام
والكاس في راحة السقاةتروح طوراً وتغتدي
يهديكها رائق السّماتما بين برق وفرقد
والشمس تذهب للبياتقد لبست ثوب عسجد
والزهر في اليانع المجوديقابل الشّرب بابتسام
والروض من حلية الغمودقد جرّد النهر عن حسام
مولاي يا أشرف الملوكوعصمة الخلق أجمعين
أهديك من جوهر السلوكيقذفه بحرك المعين
جعلت تنظيمه سلوكيوأنت لي المنجد المعين
تحيّة الواحد المجيدورحمة الله والسّلام
عليك من راحم ودوديا مخجل البدر في التمام
وقال من الرمل المجزوء:
وجه هذا اليوم باسموشذا الأزهار ناسم
هاتها صاح كؤوساجالبات للسرور
وارتقب منها شموساطالعات في حبور
ما ترى الروض عروسافي حلى نورٍ ونور
وأتت رسل النواسمتجتلي هذي النواسم
قد أهلّت بالبشائرأضحكت ثغر الأزاهر
سنحت في يمن طائرونظمن كالجواهر
فانشروها في العشائرإنّ هذا الصنع باهر
وأشيعوا في العوالمالغني بالله سالم
أيّ نور يتوقدأيّ بدر يتلالا
أيّ فخر يتخلّدأيّ غيث يتوالى
إنّما المولى محمدرحمة الله تعالى
كفّه بحر المقاسموبها حجّ المباسم
خير أملاك الزّمانمن بني سعد ونصر
ما ترى أنّ الشّوانيفي صعيد البرّ تجري
قد أطارتها التهانيدون بحريّ وبحر
مذ رأت بحر النّعائمكلّها جارٍ وعائم
فهنيئاً بالشفاءيا أمير المسلمينا
ولنا حقّ الهناءوجميع العالمينا
إن جهرنا بالدعاءينطق الدهر أمينا
دمت محروس المكارمبظبي البيض الصوارم
وقال يهني السلطان موسى ابن السلطان أبي عنان، وقد وجه إليه الغني بالله أمه وعياله عند تملّكه المغرب من قبله:
قد نظم الشمل أتمّ انتظامولاحت الأقمار بعد المغيب
وأضحك الروض ثغور الغمامعن مبسم الزهر البرود الشنيب
وعاود الغصن زمان الصّباوأشرب الأنس جميع النفوس
وعمّم النّور رؤوس الربىوجلّل النور وجوه الشموس
وأطرب الغصن نسيم الصّبافالدوح للشكر تحطّ الرؤوس
واستقبل البدر ليالي التماموصافح الصبح بكفّ خضيب
وراجع الأطيار سجع الحمامبكلّ ذي لحن بديع غريب
نواسم الوادي بمسك تفوحونفحة الندّ به تعبق
وبهجة السكان فيه تلوحوجوّه من نوره يشرق
وعرفه بالطيب منه يفوحكأنّه من عنبر يفتق
والنهر قد سلّ كمثل الحسامحبابه تطفو وطوراً تغيب
وثغرها قد راق منه ابتساميهنّىء الحبّ بقرب الحبيب
كواكب أبراجهن الخدوريلوح عنها كلّ بدر لياح
جواهر أصدافهن القصورنظمها السعد كنظم الوشاح
يا حبّذا والله ركب السروريبشّر المولى بنيل اقتراح
ابتهج الكون بموسى الإماواختال في برد الشباب القشيب
وعاده يخدم مثل الغلامشبابه قد عاد بعد المشيب
أكرم به والله وفد الكريممولى سنا الحرة في مقدمه
مرضاتها تحطي بدار النعيموتوجب التوفيق من منعمه
بشّر بالنصر وفتح جسيموخيره أجمع في مقدمه
لقاؤها المبرور مسك الختامبشّرك الله بصنع عجيب
وقصرك الميمون قصر السلامخطّ يحفظ من سميع مجيب
مولاي يهنيك وحقّ الهناقد نظم الشمل كنظم السعود
قد فزت بالفخر ونيل المنىوأنجز السعد جميع الوعود
وقرّت العين وزال العناوكلّما مرّ صنيع يعود
فلا يزل ملكك حلف الدواميحوز في التخليد أو في نصيب
يتلو عليك الدهر بعد السلام:﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال رحمه الله تعالى في وصف غرناطة والطرد وغيرهما:
لله ما أجمل روض الشبابمن قبل أن يفتح زهر المشيب
في عهده أدرت كأس الرّضابحبابها الدرّ بثغر الحبيب
من كلّ من يخجل بدر التمامإذا تبدّى وجهه للعيون
ويفضح الغصن بلين القواموأين منه لين قدّ الغصون
ولحظه يمضي مضاء الحسامويذهل العقل بسحر الجفون
أبصرت منه إذ يحطّ النّقابشمساً ولكن ما لها من مغيب
إذا تجلّت بعد طول ارتقابصرفت عنها اللحظ خوف الرقيب
من عاذري منه فؤاداً صباللامع البرق وخفق الرياح
يطير إن هبّ نسيم الصبّاتعيره الريح خفوق الرياح
ما أولع الصبّ بعهد الصّباوهل على من قد صبا من جناح
فقلبه من شوقه في التهابقد أحرق الأكباد منه الوجيب
والجفن منه سحبه في انسكابقد روّض الخدّ بدمع سكيب
غرناطة ربع الهوى والمنىوقربها السؤل ونيل الوطر
وطيبها بالوصل لو أمكنالم أقطع الليل بطول السهر
عمّا قريب حقّ فيها الهنابيمن ذي العودة بعد السفر
ويحمد الناس نجاح الإياببكل صنع مستجدّ غريب
ويكتب الفال على كلّ باب:﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
ما لذة الأملاك إلاّ القنصلأنّه الفال بصيد العدا
كم شارد جرّع فيه لاغصصوأورد المحروب ورد الردى
وكم بذا الفحص لنا من حصصقد جمع البأس بها والندى
ومنها بعد أبيات من الوزن والروي:
مولاي مولاي، وأنت الذيجدّدت للأملاك عهد الجلال
والشمس والبدر من العوّذلمّا رأت منك بديع الجمال
والروض في نعمته يغتذيبطيب ما قد حزته من خلال
بشراك بشراك بحسن المآبْتستضحك الروض بثغر شنيب
ودمت محروس العلا والجناب ... بعصمة الله السميع المجيب انتهى ما انتقيته من كلام ابن زمرك من كتاب ابن الأحمر، رحمه الله
تعالى. وقد عرفت منه ما تسنى للغني بالله ابن الأحمر من الفتوحات والسعود ونفاذ الأمر على ملوك المغرب، فهو الأحق بقول لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى:
ملك إذا عاينت منه جبينهفارقته والنور فوق جبيني
وإذا لثمت يمينه وخرجت من ... أبوابه لثم الملوك يميني وكان الغني بالله المذكور معتقداً في الصالحين، حتى إنّه كتب وهو بفاس مخلوع إلى ضريح ولي الله سيدي أبي العباس السبتي بمراكش، ومن إنشاء وزيره لسان الدين على لسانه:
يا وليّ الإله أنت مطاع ... الأبيات والنثر بعدها، وقد ذكرتهما في الباب الخامس فراجعه، وكان ذلك بفضل الله تعالى عنوان رجوعه إلى ملكه، ونظم تلك الأماكن في سلكه، حتى حصل له من السعد ما لم يحصل لغيره حسبما يعلم ذلك من كلام لسان الدين وابن زمرك وغيرهما.
[ترجمة الولي السبتي]
والسبتي المذكور: هو سيدي أبو العباس أحمد بن جعفر السبتي الخزرجي، الولي الصالح العالم العارف بالله القطب ذو الكرامات الشهيرة، والمناقب الكثيرة، والأحوال الباهرة، والفضائل الظاهرة، والأخلاق الطاهرة،
نزيل مراكش، وبها توفّي سنة إحدى وستمائة، وولادته بسبتة عام أربعة وعشرين وخمسمائة، ودفن خارج مراكش، وقبره مشهور مقصود بإجابة الدعاء، وقد زرته مراراً كثيرة، فرأيت عليه من ازدحام الناس ما لا يوصف، وهو ترياق مجرب.
قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى: كان سيدي أبو العباس السبتي - رضي الله تعالى عنه - مقصوداً في حياته، مستغاثاً به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة، ومبنى أمره على انفعال العالم عن الجود، وكونه حكمة في تأثير الوجود، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة؛ ولمّا توفّي ظهر هذا الأثر على تربته، وتشبث بلحده، وانسحب على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطى الناس مباشرة قبره بالصدقة إلى بعثها له من أماكنهم على بعد المدى، وانقطاع الأماكن القصى، تحملهم أجنحة نياتهم فتهوي إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيجدون الثمرة المعروفة والكرامة المشهورة.
وقال ابن الزيات: كان أبو العباس قد أعطي بسطة في اللسان، وقدرةً على الكلام، لا يناظره أحد إلا أفحمه، ولا يسأله إلا أجابه، كأن القرآن والحجج على طرف لسانه حاضرة، يأخذ بمجامع القلوب، ويسحر العامة والخاصة ببيانه، يأتيه المنكرون للإنكار فما ينصرفون إلا مسلّمين منقادين، وشأنه كلّه عجيب، وهو من عجائب الزمانز وحدثني مشايخنا أنهم سمعوه يقول: أنا
القطب. وحدثني أبو الحسن الصنهاجي من خواص خدّامه قال: خرجت معه مرة لصهريج غابة الرمان يوم عرفة، فجلسنا هناك وصلينا، فقال لي: إنّما سمي هذا اليوم يوم عرفة لانتشار الرحمة فيه لمن تعرّف إليه بالطاعات، وقد فاتنا عرفة، فتعال نمثل بهذا المكان ونعمل كما يعملون، لعلّ الله تعالى يتغمدنا برحمته معهم، فعمل مكاناً داثراً بالعين الكعبة، ومحل عنصر الماء الحجر، وموضعاً آخر مقام إبراهيم، فطاف بالعين أسبوعاً وأنا أطوف بطوافه، وكبر على العنصر في كل طواف، وصلى في مثل المقام ركعتين تامتين، وأطال في سجود الثانية، ثم استند إلى الشجرة ثم قال لي: يا علي، اذكر كل حاجة لك من حوائج دنياك تقض، فإن الله تعالى وعد في هذا اليوم من تعرّف له أن يقضي حوائجه، فقلت له: ما أريد إلاّ التوفيق، فقال لي: ما خرجت معك من باب المدينة حتى وفقت، فسألته عن حاله من بدايته إلى نهايته، وبم تنفعل له الأشياء ويستجاب له الدعاء ولم صار يأمر بالصدقة والإيثار من شكا إليه حالاً أو تعذّر عليه مطلب في هذه الدار فقال لي: ما آمر الناس إلا بما ينتفعون به، وإنّي لمّا قرأت القرآن وقعدت بين يدي الشيخ أبي عبد الله الفخار تلميذ القاضي عياض ونظرت في كتب الأحكام وبلغت من السن عشرين سنة وجدت قوله تعالى ﴿إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ فتدبرته وقلت: أنا مطلوب به، فلم أزل أبحث عنها إلى أن وقفت على أنّها نزلت حين آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وأنّهم سألوا النبي ﷺ أن يعلمهم حكم المؤاخاة، فأمرهم بالمشاطرة، ففهمت أن العدل المأمور به في الآية هو المشاطرة، ثم نظرت إلى حديث " تفترق أمتي على ثلاثين فرقة - الحديث " وأنّه ﷺ
قاله صبيحة اليوم الذي آخى فيه ببن المهاجرين والأنصار، وذكر له الأنصار أنّهم شاطروا المهاجرين، فقال لهم ذلك بأثره، فعلمت أن الذي هو عليه وأصحابه المشاطرة والإيثار، فعقدت مع الله تعالى نيّة أن لا يأتيني شيء إلا شاطرت فيه الفقراء، فعملت عليه عشرين سنة، فأثمر لي الحكم بالخاطر، فلا أحكم على خاطري بشيء إلا صدق، فلمّا أكملت أربعين سنة راجعت تدبر الآية فوجدت الشطر هو العدل، والإحسان ما زاد عليه، فعقدت مع الله تعالى نيّة لا يأتيني قليل ولا كثير إلا أمسكت ثلثه وصرفت الثلثين لله تعالى، فعملت عليه عشرين سنة، فأثمر لي الحكم في الخلق بالولاية والعزل فأولي من شئت، وأعزل من شئت، ثم نظرت بعد ذلك في أوّل ما فرضه الله تعالى على عباده في مقام الإحسان، فوجدت شكر النعمة، بدليل إخراج الفطرة عن المولود قبل أن يفهم ووجدت أصناف من تصرف إليهم الصدقات الواجبة [سبعة] وسبعة أصناف أخر صرفها فيها للإحسان والزيادة، وذلك أن لنفسك عليك حقّاً، وللزوجة حقّاً، وللرحم حقّاً، ولليتيم حقّاً، وللضعيف حقّاً، وذكر صنفين آخرين، فانتقلت لهذه الدرجة، وعقدت مع الله تعالى عقداً أن كل ما يأتيني أمسك سبعيه حق النفس وحق الزوجة وأصرف الخمسة أسباع لمستحقيها، فأقمت عليه أربعة عشر عاماً، فأثمر لي الحكم في السماء، فمتى قلت يا رب قال لي: لبيك، ثم قال لي: إنّها نهايتي بتمام عمري، وهو أن تنقضي لي ستة أعوام تكملة العشرين عاماً.
قال الصنهاجي: فأرخت ذلك اليوم، فلمّا مات وحضرت جنازته تذكرت التاريخ المكتوب، وحققت العدد، فنقصت من ستّة أعوام ثلاثة أيام خاصة،
فيحتمل أن تكون من الشهور الناقصة، والله ﷾ أعلم بالصواب.
وقال أبو بكر ابن مساعد: جاء بعض السلاطين إلى أبي العباس وهو راكب، وقال له: إلى متى تحيرنا ولا تصرح لنا عن الطريق فقال له: هو الإحسان، فقال له: بيّن لي، فقال له: كل ما أردت أن يفعله الله تعالى معك فافعله مع عبيده.
وقال له أبو الحسن الخباز: أما ترى ما فيه الناس من القحط والغلاء فقال: إنّما حبس المطر لبخلهم، فلو تصدقوا لمطروا، فقل لأصحابك الفلاحين: تصدقوا بمثل ما أنفقتم تمطروا، فقال له: لا يصدقني أحد، ولكن مرني في خاصة نفسي، فقال له: تصدق بمثل ما أنفقت، فقال له: إن الله تعالى لا يعامل بالدّين، ولكن أستسلف، فاحتال وتصدق بها كما أمره، قال: فخرجت إلى البحيرة التي عمرتها والشمس شديدة الحر، فأيت من المطر، ورأيت جميع ما غرست مشرفاً على الهلاك، فأقمت ساعة فإذا سحابة أمطرت البحيرة حتى رويت، وظننت أن الدنيا كلّها مطرت، فخرجت فإذا المطر لم يتجاوزها؛ انتهى.
والحكايات عنه في مثل هذا كثيرة.
وقال ابن الخطيب القسمطيني في رحلته: حضرت عند الحاج الصالح الورع الزاهد أبي العباس أحمد بن عاشر بمدينة سلا، وقد سأله أحد الفقراء عن كرامة الأولياء، فقال له: لا تنقطع بالموت الكرامة، انظر إلى السبتي، يشير إلى الشيخ الفقيه العالم المحقق أبي العباس السبتي المدفون بمراكش، وما ظهر عند قبره من البركات في قضاء الحاجات بعقب الصدقات، سمعت يهوديّاً بمراكش يلهج ببركته وينادي باسمه في أمر أصابه لا مع المسلمين، فسألته عن سببه،
فأخبر أنّه وجد بركته في غير موطن، فسألته عمّا بدا له في وقت، فقال لي: وحق ما أنزل على موسى بن عمران ما أذكر لك إلا ما اتفق لي، سريت ليلة مع قافلة في مفازة، فعجرت دابتي، فما شككت في قتلي وسلب مالي، فجلست وبكيت، وبيني وبين الناس بعد، وقلت: يا سيدي أبا العباس، خاطرك، قال لي: والله ما أتممت الكلام إلاّ وأهل القافلة أصابهم سبب وقفوا به، وضربت دابتي، وخف عرجها، ثم زال، واتصلت بالناس، فقلت له: لم لم تسلم فقال: حتى يريد الله تعالى، وعجبت من كون ذلك من يهودي، وهذه شهادة من عدوّ في الدين. ولقد وقفت على قبره مرات، وسألت الله تعالى في أشياء يسّر لي فيها سؤلي: منها أن أكون ممّن يشتغل بالعلم ويوصف به، وأن ييسر عليّ فهم كتب عينتها، فيسر الله تعالى عليّ ذلك في أقرب مدّة. وكان السبتي آية في أحواله، ما أدرك صحبته إلاّ الخواص من الناس، وكان أصل مذهبه الحض على الصدقة، وكان أمره عجباً في إجابة الدعاء بنزول المطر، واختصاصه بمكان دون آخر، وقال لأصحابه: أنا القطب، وكان تفقّه على أبي عبد الله الفخار، ووقفت على قبره، وله بركات وأنوار. وكان السبتي آية في المناظرة، وأوذي باللسان كثيراً جدّاً فصفح وتجاوز.
ورأى عبد الرحمن بن يوسف الحسني النبي ﷺ في النوم، فقال له: يا رسول الله، ما تقول في السبتي قال: وكنت سيىء الاعتقاد فيه، فقال لي بعد أن تبسّم: هو من السّبّاق، قال: فقلت بيّن لي يا رسول الله، فقال: هو ممّن يمر على الصراط كالبرق، قال: فخرجت بعد الصبح، فلقيني أبو العباس، فقال لي: ما رأيت وما سمعت والله لا تركتك حتى
تعرفني، فعرفته، فصاح: كلمة الصفا من المصطفى ﷺ؛ انتى ببعض اختصار.
وقال ابن الزيات: وحدثني أبو العباس الصنهاجي وغيره أن رجلاً يعرف بابن الشكاز، وكان غنياً فدار عليه الزمان وافتقر، حدّث أنّه وصل لأبي العباس السبتي وعليه ثوب خلق تظهر منه عورته، فشكا إليه حالته، فأخذ بيده إلى أن خرج معه من باب تاغزوت، فجاء إلى مطهرة هنالك، قال: فدخل أبو العباس المطهرة وتجرّد من أثوابه وناداني، وقال لي: خذ هذه الثياب، فأخذتها، وكان بعد العصر، فأردت أن أرى ما يكون من أمره، فصعدت إلى حائط هناك إلى قرب المغرب، فإذا بفتى خرج من الباب على دابة معه رزمة ثياب، فلمّا رأيته نزلت إليه، فقال لي: أين الفقيه أبو العباس فقلت: ها هو في الساقية عريان، فقال لي: أمسك الدابة، فسمعت الفقيه يقول له: أين تلك الثياب فأخذها منه وخرج، فلمّا رآني قال لي: وما لك هنا قلت: يا سيدي خفت عليك، فلم أقدر على الانصراف وأتركك، فقال لي: أفترى الذي فعلت ما فعلت له يتركني ثم سألت الفتى عن سبب وصوله إليه، فذكر له أن إحدى الكرائم أمرته أن يحمل إليه تلك الثياب، وقالت له: لا تدفعها إلا للفقيه، ولا يلبسها إلاّ هو، وهذه قصّة صحيحة مشهورة.
وقال ابن الخطيب: وروضته بباب تاغزوت أحد أبواب مراكش غير حافلة البناء، ربما يتبرع متبرع باحتفالها فلا تساعده الأقدار، وزرتها، وربما شاهدت في داخلها أشياخاً من أهل التعفف والتصوّف يسارقون خفية الناظر إلى مساقط رحمات الله تعالى عليها لكثرة زائريها، فيقتحم ذو الحاجة بابها خالعاً نعله مستحضراً نيته ويقعد بإزاء القبر ويخاطبه بحاجته، ويعين بين يدي النجوى صدقة
على قبره، ويدسها في أواني في القبر معدة لذلك، ومن عجز عن النقدين تصدق بالطعام ونحوه، فإذا خف الزائرون آخر النهار عمد القائم إلى التربة إلى ما أودع هناك في تلك الأواني وفرّقه على المحاويج الحافّين بالروضة، ويحصون كل عشية، ويعمهم الرزق المودع فيها، وإن قصر عنهم كملوه في غده.
قال ابن الخطيب لسان الدين: وترافع خدام الروضة لقاضي البلد، وتخاصموا في أمر ذاك الرزق المودع هناك، فسألهم القاضي عن خرجه اليوم، فقالوا: يحصل في هذه الأيام في اليوم الواحد ثمانمائة مثقال ذهباً عيناً، وربما وصل في بعض الأيام لألف دينار فما فوقها، فروضة هذا الوليّ ديوان الله تعالى في المغرب لا يحصى دخله ولا تحصر جبايته، فالتبر يسيل، واللجين يفيض، وذو الحاجة كالطير تغدو خماصاً وترجع بطاناً؛ يختص برحمته من يشاششء والله ذو الفضل العظيم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع