من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الخامس: (تتمة) (٣)
قال لسان الدين ابن الخطيب رحمه الله تعالى: وممّا قلته من الموشّحات التي انفرد باختراعها الأندلسيون وطمس الآن رسمها:
ربّ ليلٍ ظفرت بالبدر ... ونجوم السماء لم تدرِ حفظ الله ليلنا ورعى ... أيّ شملٍ من الهوى جمعا ... غفل الدهر والرقيب معا ...
ليت نهر النهار لم يجرِ ... حكم الله لي على الفجرِ علِّل النفس يا أخا العرب ... بحديث أحلى من الضّرَب ... في هوى من وصاله أربي ...
كلّما مرّ ذكر من تدري ... قلت يا برده على صدري صاح لا تهتمم بأمر غد ... وأجز صرفها يداً بيد ... بين نهرٍ وبلبلٍ غرد ...
وغصون تميل من سكر ... أعلنت يا غمام بالشكر يا مرادي ومنتهى أملي ... هاتها عسجدية الحلل ... حلّت الشمس منزل الحمل ...
وبرود الربيع في نشر ... والصّبا عنبرية النّشر غرة الصبح هذه وضحت ... وقيان الغصون قد صدحت ... وكأنّ الصّبا إذا نفحت ...
وهفا طيبها عن الحصر ... مدحة في علا بني نصر هم ملوك الورى بلا ثنيا ... مهّدوا الدين زيّنوا الدنيا ... وحمى الله منهم العليا ...
بالإمام المرفّع الخطر ... والغمام المبارك القطر إنّما يوسف إمام هدى ... حاز في المعلوات كلّ مدى ... قل لدهرٍ بملكه سعدا ...
افتخر جملةً على الدهر ... كافتخار الربيع بالزهر يا عماد العلاء والمجدِ ... أطلع العيد طالع السعدِ ... ووفى الفتح فيه بالوعدِ ...
وتجلّت فيه على القصر ... غرر من طلائع النصر فتهنّأ من حسنه البهج ... بحياة النفوس والمهج ... واستمعها ودع مقال شجي ...
قسماً بالهوى لذي حجر ... ما لليل المشوق من فجر ومن بديع موشحات لسان الدين رحمه الله تعالى قوله:
كم ليوم الفراق من غصّهفي فؤاد العميد
نرفع الأمر فيه والقصّهْللوليّ الحميد
رحل الرّكب يقطع البيدابسفين النّياق
كلّ وجناء تتلع الجيداوتبذّ الرفاق
حسبت ليلة اللّقا عيدافهي ذات اشتياق
صائمات لا تقبل الرّخصهقبل فطر وعيد
فهي مذ أمّلته مختصهبجهاد جهيد ومنه في آخره:
يا إمام العلاء والفخرذا السّنا المبهج
هاكها لا عدمت في الدهرآملاً يرتجي
عارضت قول بائع التمربمقال شجي
غرّبوك الجمال يا حفصهْشطر ثاني
شطر أولمن مكان بعيد
من سجلماسة ومن قصهْ ... وبلاد الجريد وقد ألف - رحمه الله تعالى - في هذا الفن كتابه المسمى " بجيش التوشيح " وأتى فيه بالغرائب، وذيّل عليه صاحبنا وزير القلم بالمغرب العلم الشهير المنفرد في عصره بحيازة قصب السبق في البلاغة سيدي عبد العزيز بن محمد الفشتالي - رحمه الله تعالى - بكتاب سمّاه " مدد الجيش " واستهلّه بقوله: حمداً لمن أمدّ جيش محمد بعترته. وأتى فيه بكثير من موشحات أهل عصرنا من المغاربة،
وضمنه من كلام أمير المؤمنين مولانا المنصور أبي العباس أحمد الشريف الحسني - رحمة الله تعالى ورضوانه عليه - ما زاده زيناً، وأخبرني - رحمه الله تعالى - أنّه ذكر فيه لأهل العصر في أمير المؤمنين ولأمير المؤمنين المذكور أزيد من ثلاثمائة موشّح، ولا حرج في إيراد بعضها هنا، فمنها قول أحد الوافدين من أهل مكّة على عتبة السلطان مولانا المنصور، وهو رجل يقال له أبو الفضل ابن محمد العقاد وقد عارض بها موشّحتي لسان الدين وابن سهل السابقتين:
ليت شعري هل أروّي ذا الظمامن لمى ذاك الثّغير الألعس
وترى عيناي ربّات الحمىباهيات بقدود ميّس
يدخلون السّقم من دار اللوىكلم الهجر فؤادي وأسر
هدّ من ركن اصطباري والقوىمبدلاً أجفان نومي بالسّهر
حين عزّ الوصل عن وادي طوىهملت أعين دمعي كالمطر
فعساكم أن تجودوا كرمابلقاكم في سواد الحندس
وتداووا قلب صبّ مغرمامن جراحات العيون النّعّس
كلّما جنّ ظلام الغسقهزّني الشوق إليكم شغفا
واعتراني من جفاكم قلقيمذ تذكرت جياداً والصفا
وتناهت لوعتي من حرقيثمّ زاد الوجد في التلفا
فانعموا لي ثم جودوا لي بمايُطف نيران الجوى ذي القبس
ساعة لي من رضاكم مغنماوتداوي جثّتي مع نفسي
كنت قبل اليوم في زهوٍ وتيهمع أحبابي بسلعٍ ألعب
ومعي ظبيٌ بإحدى وجنتيهمشرق الشمس وأخرى مغرب
فرماني بسهامٍ من يديهضارب البين فقلبي متعب
لست أرجو للقاهم سلّماغير مدحي للإمام الأرأس
أحمد المحمود حقّاً من سماالشريف ابن الشريف الكيّس ومنها قول بعض المراكشيين:
واخجلتا للصّباحوالشمس إذ لاح جؤذر
ساق يدير الكؤوساتضيء خمراً وتزهر
تقادمت في الدنانمن عهد نوح تروّق
في لونها البهرمانيتدار فينا وتعبق
قد أطلقت من عنانمن عن صبوح يرقّق
يسعى بها من ملاحمن كان باللحظ يسكر
بالحسن يصبي الجليساويستخفّ الموقّر
يثير كامن وجدفي قلب كلّ سقيم
يسطو علينا بقدّيزري بغصن قويم
أشقى بعشقي وودّيفي جنّةٍ ونعيم
من ذي الوجوه الصّباحيا شادناً غنّ واذكر
وهات لحناً نفيسانرويه عنك ونأثر
في مدح من ساد طفلاًهذي البرايا وفاقا
من حاز مجداً وفضلاًبين الأنام وفاقا
في عدله قال قولايسري فيعدو العراقا
في أحمد ذي السماحفي الشرق والغرب يُنصر
أحيا الهدى والنفوساوذلّ ملّة قيصر
تراه سلماً وحربامن رأيه في جنوده
يختال لم يبغ عجبامن عزّه في بروده
يهوى المعالي كسباويقتنيها بجوده
فخار أهل البطاحوعزّ من قد تمصّر
ثناه يملا الطروساعن صورة المجد عبّر
ملك بنى في البديعمنازلاً كالدراري
فيا له من صنيعالروض والماء جاري
فقل بصوت رفيعإذ بان فجر النّهار
أهدى نسيم الصباحمسكاً شمسماً وعنبر
وجىء بها خندريسامن خدّ ساقيه تعصر ومن موشّحات السلطان المنصور المذكور:
ريّان من ماء الصّباأهيف وممتلي البرد
كالغصن هزته الصّبافوق الرّبى الشهّب
قد قلت لمّا أن سبىبحسنه يسبي
من عينه سلّ ظبىوغمدها قلبي
أسرني ماضي الشّباأوطف مرنّح القدّ
يا فاضح الروض سنابل مخجل البدر
وقاطعي ظلماً عناومن مقرّه صدري
إن لم تكن شمس دنافإنّها تجري
علّقته من الظّباأسجف يسطو على الأسد
قلت له وقد نهدوجدّ في حربي
وغلب الظبي الأسدففاز بالغلب
الشمس برجها الأسدفاسع إلى قلبي ولم يحضرني الآن تمامها
ومنها قوله يعارض لسان الدين وابن الصابوني:
وليالي الشعور إذ تسري ... ما لنهر النهار من فجر حبّذا الليل طال لي وحدي ... لو تراني جعلته بردي ... فاطميّاً في خلعة الجعدي ...
هي ليلى أخت بني بشر ... فأين أنت يا أبا بدر كم سقطنا ألطف من طلّ ... واجتمعنا وما درى ظلّي ... واسترحنا من كاشح نذل ...
رب ليل ظفرت بالبدر ... ونجوم السماء لم تدر وبنفسي مهفهف ألمى ... ومطيع وغرّني لمّا ... سألته وقانعي ممّا ...
في رباط قسمتني صدري ... لحنين وناظري بدر وهلال في حسنه اكتملا ... هو شمس وأضلعي الحملا ... قام يشدو وينثني في ملا ...
قسماً بالهوى لذي حجرما للليل المشوق من فجر
[من مقطعات المنصور]
ثم عنّ لنا أن نورد هنا جملةً من مقطوعات مولانا السلطان المنصور ممّا تلقيناه عنه أيام كوننا في إيالته الشريفة؛ فمن ذلك قوله رادّاً على من قال في ابن أبي الحديد:
لقد أتى بارداً ثقيلاًولم يرث ذاك من بعيد
فهو كما قد علمت شيءأشهر ما كان في الحديد ما صورته:
لقد أتى صارماً صقيلاًولم يرث ذاك من بعيد
شديد بأس متى يعاديوشدة البأس في الحديد ومن نظمه قوله:
لله تمرٌ طيّبٌوافى على البشرى انطوى
يا حسنه مجتمعاًيحلو لنا بلا نوى وقوله معميّاً في قمر على طريقة الاكتفاء:
معذبي أعجزني نيلهمن لي بمن مسكنه في السما
لم أنس إذ قال ألا تكتفيقلت بمن بالطرف قلبي رمى وقوله:
تبدّى وزند الشوق تقدحه النوىفتوقد أنفاسي لظاه وتضرم
وهشّ لتوديعي فأعرضت مشفقاعلى كبدٍ حرّى وقلبٍ يقسم
ولولا ثواه بالحشا لأهنتهاولكنّها تُعزى إليه فتكرم
فاعجب لآساد الشرى كيف أحجمتعلى أنّه ظبي الكناس ويقدم وقال قدس الله تعالى روحه مورياً:
إنّ يوماً لناظري قد تبدّىفتملّى من حسنه تكحيلا
قال جفني لصنوه لا تلاقي ... إنّ بيني وبين لقياك ميلا وقد تبارى خدّام حضرة هذا السلطان في تخميس هذين البيتين، ومن أشهر ذلك قول الأستاذ الحافظ سيدي أحمد الزموري رحمه الله تعالى، وكان يصلي بالسلطان التراويح:
ورقيب يردّد اللحظ ردّاليس يرضى سوى ازديادي بعدا
ساءه الطرف مذ جنى الخدّ ورداإنّ يوماً لناظري قد تبدّى فتملّى من حسنه تكحيلا
وتصدى من فحشه في استباقيمنع اللّحظ من جنىً واعتناق
أيأس العين من لحاظ ائتلاق ... قال جفني لصنوه لا تلاقي إنّ بيني وبين لقياك ميلا ... ومن نظم السلطان المذكور، وهو من أوّليات شعره، قوله في وردة مقلوبة بين يدي محبوبه:
ووردة شفعت لي عند مرتهنيراقت وقد سجدت لفاتر الحدق
كأنّ خضرتها من فوق حمرتهاخال على خده من عنبر عبق وقال أيضاً من أوّلياته:
شادن نمّ عليه عرفهما خلاصي من سهام كامنه
أحلال فيه أنّي خائفوغزالي بعد خوفي آمنه وقال في وصف رقيب ملازم:
رقيبي كأنّ الأرض مرآة شخصهفأين تولّى الطرف مني يراه
مقيم بوجه الوصل حتى كأنّماوصالي هلالٌ والسواد صداه وقال:
أيا روضةً ضنّت عليّ بزهرهاولم يتلقّ ناظراي سواك
أبيحي لنفسي من شذاك بقاءهاإذا فت طرفي علّ الآنف يراك وقال أيضاً:
على جدول غطّت عليه بشعرهالئلا يرى الشمس الرقيبة لي طرف
فبت أرى في جدول بدر وجههاغريقاً ونقطات العبير به كلف وقال:
طرقت حماه والأسود خوادربه فتولّى بالظُّبى وهو يبعد
فعلّمت آساد الشرى كيف تقدموعلّم غزلان النقا كيف تشرد وقال:
لما نأى المحبوب رقّ لي الدّجىوأتى يعلّلني برعي كواكبه
أولى غراب البين ردك يا حشاوالبين مزنيّ الصباح كواك به
وقال معميّاً باسم حظيته الشهيرة الحسن والإحسان نسيم:
يا هلالاً طلوعه بين جفنيوغزالاً كناسه بين جنبي
إنّ سهماً رميت غادر همّاً ... لو تناهى ما شكّ آخر قلبي ورأيت بخطّه على هذا المحل ما صورته: قولي إنّ سهماً تنصيص، و " غادر همّاً " إسقاط، وهخو إشارة لإسقاط " همّاً " من هذا الاسم، وقولي " لو تناهى " انتقاد، والانتقاد: الإشارة إلى بعض أجزاء الكلمة ليؤخذ جزء الاسم المطلوب، كأن يذكر الوجه أو الصدر أو التاج أو الرأس، ويعني به الحرف الأول من الكلمة، والقلب والجوف والحشا والخصر، ويراد به الوسط، والآخر والمنتهى والختام، ويقصد به آخر الكلمة، فقولي لو تناهى معناه أنّه أخذ لفظة هم غير متناه، فبقيت الميم من همّاً، وقولي ما شك آخر قلبي انتقاد أيضاً، وأردت بآخر قلبي الياء، ويسمى أيضاً التسمية، وهو: أن تذكر الاسم وتريد المسمى، أو تذكر المسمى وتريد الاسم، وقد تم الاسم.
واعلم أنهم لم يشترطوا في استخراج الاسم بطريق التعمية حصولها بحركاتها وسكناتها، بل اكتفوا بحصول الكلمة من غير ملاحظة لهيئاتها الخاصة فإذا وقع ذلك فمن المحسنات، ويسمى العمل " التذييلي ". انتهى كلامه على البيتين في اسم نسيم.
وقال في اسم " غزال " وقد جمع تعميتين ولغزاً:
وأملد مطويّ الحشا زال ردفهفلا خصر إلاّ إن تصورته وهما
بنصف اسمه يرمي القلوب وعكس مابقي أبداً أذن المحبّ به أصمى
وكتب عليه ما صورته: قولي " أملد " أردت به بعمل الترادف غصن، ومطوي الحشا انتقاد، و " زال ردفه " قضيت به غرضين، أزلت به النون بعمل الإسقاط الباقي بعد طيّ الصاد التي بوسطه، وأثبته - أعني زال - في موضعها: أي النون من غصن، والحال أن الصاد محذوفة، وذلك بعمل الانتقاد، وأوضحت ذلك بقولي فلا خصر وإن كنت لا أحتاج إليه، لئلا يكون في البيت شيء خارج عن التعمية؛ انتهى تفسيره، رحمه الله تعالى.
ويعني بقوله " بنصف اسمه يرمي القلوب " غز؛ لأنّه نصف غزال، ويعني بقوله " وعكس ما بقي إلى آخره " لفظة " لا " لأنهّا مقلوب ما بقي وهو " ال ".
وقال في اسم " سلاف " على منهاج ما تقدم:
وأحور وسنان الجفون كأنّماسقى لحظه من ريق فيه بقرقف
نضا صارماً لا فلّ صارم لحظه ... تزايد فيه منذ سل تلاه في وفسره بقوله: قولي " تلاه في " من طريق التسمية، و " في " من العمل التذييلي وهو أن يأتي بالكلمة بحركاتها وسكناتها، وهي من المحسنات كما سبق.
وقال في اسم " آمنة " من التعمية أيضاً:
من شقائي قنصته وهو خشفٌفي رضاه عن الملوك ابتدلت
أملد منه مذ تحلّل خصر ... وتثنّى عن حبه ما عدلت وكتب عليه ما صورته: قولي " أملد " أردت الألف بعمل التشبيه، وخصر منه انتقاد، وأردت بالخصر وسط لفظة " منه " وتحلله: أن ينحل السكون الذي على النون، وقولي و " تثنى " أي الألف من التثنية، لا التثني، فتم الاسم
بحركاته وعدده؛ انتهى تفسيره.
وقال وقد لبس منصورية من النوع الذي يقال له قلب حجر، والمنصورية: نوع لبس معروف بالمغرب استخرجه السلطان المذكور وأضافه إلى اسمه:
وصفوا اشتياقي للحبيب وسرّهمقول الحبيب أنا أنا فيه
قلبي له حجر، فقلت مغالطاً ... للعاذل المؤذي أنا فيه قال: وفي هذين البيتين عدة من المحسنات غير التعمية: منها جناس التركيب المسمى بالملفق، وحدّه: بأن يكون كل من الركنين مركباً من كلمتين، وهذا هو الفرق بين الملفق وبين المركب، وقلّ من فرق بينهما، ومنها الانسجام، ومنها الاستخدام. وعهدي بالفقيه علي بن منصور الشيظمي تعرض إلى شرحهما بكراسة. والتعمية في هذين البيتين بالعمل الحسابي وهو كثير، إلاّ أن هذا العمل أحسبني أبا عذرته إذ لم أره لغيري، ومادة التعمية فيه أنا أنافيه، قلبي له حجر فقولي أنا أنافيه معناه أن تضرب أنا في هـ، وقولي في هـ نص في الضرب، ويخرج من هذا مائتان وستون عدد حروف هيماني وحقّك، وقولي قلبي له حجر بعمل القلب يصير رجح فصار المجموع " هيماني وحقّك يرجح "، وفيه التورية، وهيماني وحقك الخارج من هذا الضرب فيه تهكم بالواشي، فهو من المحسنات أيضاً، أعني قوله وحقّك، ويصلح أن تسمى هذه التعمية بالافتنان، لأن الافتنان عندهم: أن يفتن الشاعر فيأتي بفنّين متضادين من فنون الشعر في بيت واحد، وهذا وقع التضاد فيه في كلمة واحدة، فظاهر " أنا أنافيه " يضاد " هيماني " وحقّك يرجح الذي يخرج بطريق الحساب، فافهمه، ويمكن استخراج تعمية أخرى من قولي للعاذل المؤذي " أنا فيه "؛ انتهى.
والاستخدام الذي أشار إليه هو في قوله أنا فيه أي في هذا الثوب المسمى بقلب حجر، كما دلت عليه الحكاية، وأمّا المعنى الثاني لقوله أنا فيه فظاهر.
وقال وقد قطف وردة من روض المسرة في زمن النرجس:
وافى بها البستان صنوك وردةيقضي بها لمّا مطلت وعودا
أهدى البهار مخاجراً وأتى بهافي وقته كيما تكون خدودا
فبعثتها مرتادة بنسيمهاتثني من الروض النضير قدودا وقال:
لي حبيب يأتي بكلّ غريبٍهو عندي منكّر ومعرّف
لست أشكو لصيرفيٍّ ونحويأنّه بي نحا وفيّ تصرّف
فعله فيّ لازم متعدٍّومزيد مجرّد ومضعّف وقال:
لا وطيف علّم السيف فقدفي قوامٍ كقنا الخط نهد
ووميض لاح لمّا بسمتفأرتنا منه درّاً أو برد
ما هلال الأفق إلاّ حاسدمنه حسناً وعلاء وغيد
ولذا عاش قليلاً ناحلاً ... كيف لا يفنى نحولاً من حسد وقد ضمّن قوله " ما هلال الأفق " أديب زمانه الشيخ إمام الدين الخليلي الوافد على حضرته من بيت المقدس فقال:
قسماً بالبيت والركن الذيطاب حجّا واستلاماً للأبد
ما هلال الأفق إلا حاسد ... منه حسناً وعلاء وغيد وقد اتفق لإمام الدين هذا أنّه اجتمع بالحضرة المنصورية، هو والعقاد المكي
السابق والشريف المدني، وهو رجل وافد من أهل المدينة انتمى إلى الشرف، فقال إمام الدين: يا أمير المؤمنين، إن المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرحال شدّ أهلها إليك الرحال: هذا مكيّ، وهذا مدنيّ، وأنا مقدسيّ، ثم أنشد:
إنّ أمير المؤمنين أحمدبحر الندى وفضله لا يجحد
فطيبةٌ ومكةٌ أهلهماوالمسجد الأقصى بذاك شهدوا رجع إلى نظم المنصرو، وقال:
وكيف بقلب في هواه مقلّبوأنّى له بين الضلوع مقام
فيا شادناً يرعى الحشا أنت بالحشا ... أما لمحلٍّ أنت فيه ذمام وقال يخاطب رئيس كتّابه صاحبنا سيدي عبد العزيز الفشتالي السابق الذكر:
يا كاتباً ألفاظهتغرس روضاً ذا فنن إنّ جوابي للذي يشكو دناه اردد حزن
وقال مورياً بمصانعه الثلاثة: البديع، والمسرة، والمشتهى:
بستان حسنك أبدعت زهراتهولكم نهيت القلب عنه فما انتهى
وقوام غصنك بالمسرة ينثني ... يا حسنه رمانةً للمشتهى ولولا خوف الإطالة المملة لذكرت من محاسن مولانا أمير المؤمنين المنصور - رحمه الله تعالى - بعض ما أؤدي به حقّه، سقى الله تعالى عهاده، وقد بسطت الكلام على السلطان المذكور في كتابي روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام مراكش وفاس وأطال الكلام على ترجمته صاحبنا
الوزير الكبير الشهيد سيدي عبد العزيز بن محمد الفشتالي في كتابه المسمى بمناهل الصفا في فضائل الشّرفا وعهدي به أكمل منه ثماني مجلدات، وهو مقصور على دولة السلطان المذكور وذويه، وألف كاتب أسراره الرئيس أبو عبد الله محمد بن عيسى فيه كتاباً سمّاه الممدود والمقصور من سنا السلطان المنصور وهذه التسمية وحدها مطربة، رحم الله تعالى الجميع.
رجع إلى التوشيح:
كتب إليّ بعض أذكياء الأصحاب الأعيان موشّحاً يمدحني به في آخره عارض به موشّح لسان الدين السابق الذي أوله:
جادك الغيث إذا الغيث همىيا زمان الوصل بالأندلس ونصّه:
عطّر الأرجاء لمّا نسماشمألٌ للصبح عند الغلس
وأتت شمس الضحى تنسخ مايقرأ الليل لنا من عبس
طاف بالكأس من الزهر فتىمولع بالصدّ عني مذ فتي
فتن الألباب لمّا التفتاواحتسى منه ببعض الشفة
وأنا ما بين حتّى ومتىصدّه تيه الهوى عن ألفتي
وكؤوس الراح بين النّدماأرّجت بالعرف أفق المجلس
خمرة صفراء في البلور ماأشبه الحان بروض النرجس
بادر اللّذة واجمع شملهابمدام وغلام مطرب
ذي عيون ناعسات كم لهامن فنون السحر ما يلعب بي
وافر الأرداف عانى حملهاناحل الخصر، وذا من عجب
كلّما أترع كأساً قال ماأنت بالشاري حياة الأنفس
فابذل الجهد وكن مغتنمالنفيس النفس طيب الأنفس
فرص الأيام كن منتهزاًمبتداها قبل حذف الخبر
ورحاب الأنس لج منتجزاًقبل أن تمضي كلمح البصر
واجن من زهر الهوى محترزاًمن جنايات هجوم الكبر
لا تخف لوماً ويمم حيثمالاحت اللّذات كالمختلس
ما مضى أنس ووافى مثلماكان ذا الدهر لنا بالحرس
للرياض اذهب ترى بلبلهالاشتياق الورد مثل الثّكل
وخدود الورد قد كللهادمع طلٍّ لاشتياق البلبل
وقدود البان قد قام لهامانع الوصل بحدّ الأسل
والربى فاحت تحاكي خدماوعليهن ثياب السندس
جيبها زرّر بالزهر كمازرّ بالفضة ثوب الأطلس
وجلا الروض لنا أشجارهمائساتٍ في قباء أخضر
وترى في جيدها نوّارهيتلالا كعقود الجوهر
خلع الليل به أطماهرهفغدا كالصبح باهي المنظر
وبقاياه زهت فيه أمافي شفاه الغيد حسن اللّعس
كعذار في محيّا علّمافبدا للغير لا الملتمس
حبّذا الصبوة أيام الصّباوعيون الشيب في سهو الوسن
فإذا أيقظها دهرٌ صبالصروف حد شفريها وسن
جرّد الشيب لنا بيض الشّباواقتفى شرخ شبابٍ وطعن
وغدا الإنسان شيخاً هرماًواعتراه لاعجٌ من وجس
فات إذ مات فيقضي ندماواغتنام الوقت شغل الكيّس
لا تدع عمرك يمضي هدراأنت إذ ذاك جبانٌ غافل
وارق بالجهد من السؤل الذراواجتهد والضرع ضخم حافل
إنّما الأيام أمثال الشّرىوالجريء الشهم ليثٌ باسل
ووحوش الإنس تسعى مغنمابارداً للأسد المفترس
ترك الوهم وخاض الظّلماوله العزم أضا كالقبس
ليس يحظى بالمنى إلاّ الذيكابد الأهوال حتى ظفرا
كان للراحة كالمنتبذمن وراء الظهر أنّى ظهرا
مثلما قد بات ذا طرف قذييقطع الليل جميعاً سهرا
في طلاب العلم حتى علماأنّه يملا بروح القدس
أحمد الناصب فينا علماللتقى فاز به من يأتسي
حلّ في مصر وإن كان العلاقد عفت لما اعتراها في خلل
ورياض الفضل لمّا أن علانقع جهل جفّ منهن البلل
ازدرت أغصانها حتى خلاقاعها من عذب ما يشفي العلل
نفرت إذ حلّ فيها كالسماوهو بدر بكمال مكتس
حوله الطلاب كالشهب سماقدرها من نوره المقتبس
أيّها الطالب للعلم اتئدليس إلا بابه ينفعكا
إن ترم نيل المرجّى فاجتهدفي اتّباع للذي يرفعكا
علم من يعمل إكسير فزدمنه واترك حاسداً يدفعكا
والزم الأعتاب وانزل بالحمىخالع الربقة من قول المسي
باعتقاد فاز من قد لثمانعله والكبر شأن المبلس
مذ خبرت الناس طرّاً نظرالمناط الأمر في هذا الزمان
لم أجد إلا مقالاً صدراعن دعاوٍ أخلفت عند العيان
غير ما يمليه فانظر لترىدرر الألفاظ في سمط البيان
ببديع النّطق لمّا نظمابهت المنطيق مثل الأخرس
وأتى يخضع جمع العلمانحو ذا المقرد في الملتمس
إنّما المجد الرفيع الممتطيأرؤس الآساد قسراً مثل ذا
يدع المرفوع كالمنهبطثم للنازل يعلي منفذا
ناظراً في أمره بالأحوطخافض الطرف على حرّ القذى
كل من أمّ حماه قد حمىبحسام العزم هشّ الملمس
فإذا جرّد منه انفصماجلمد الصخر بذاك الميس
حبّذا المغرب قطراً بالسنافضله يبهر بدر الأفق
قطره الشامخ قد أهدى لناسيّداً قد فاق شمس المشرق
كلّ من فاتته أسباب المنىبعلاه للثريا يرتقي
قل لمن يرجو سوى المذكور ماينبت الزهر بأرض البيس
لا، ولا النّاس سواء إنّمارأي من سوّاهم في هوس
لذ بشهمٍ فاز من أمّلهبنوالٍ فاق سحّ الهامل
أثقل السؤدد إذ حمّلهوقر فضل مستبين شامل
وحماه الأمن، من أمّ لهبلغ القصد، فبشرى الآمل
بحره الوافر بالعلم طماكامل الأمداد لم يحتبس
نال منه الناس حتى عممامشرقاً والغرب للأندلس موشّحات لسان الدين بن الخطيب
رجع إلى موشّحات لسان الدين ابن الخطيب، رحمه الله تعالى، فمن المنسوب إلى محاسنه قوله:
قد حرّك الجلجل بازي الصباح ... والفجر لاح فيا غراب الليل حثّ الجناح ... وهذا مطلع موشّح بديع له لم يحضرني الآن تمامه؛ لكوني تركته وجملة من كلام لسان الدين في كتبي بالمغرب جبرها الله تعالى عليّ، وهو معارض للموشّح الشهير الذي أوله:
بنفسج الليل تذكّى وفاح ... بين البطاح كأنه يسقى بمسك وراح ... وهذا المنحى هو الذي سلكه الجمال ابن نباتة إذ قال مادحاً لجلال الدين الخطيب رحم الله تعالى الجميع:
ما سحّ محمرُّ دموعي وساحعلى الملاح إلاّ وفي قلبي المعنى جراح
بي من بني الأتراك حلو الشّبابمرّ السّطا
عشقته حين عدمت الصّوابمن الخطا
تشكو حشا الغزلان منه التهابإذا عطا
وربما تشكو الغصون اكتئابإذا خطا
ما ماس ذاك الغصن بين الوشاحإلاّ وراح قول عذولي كلّه في الرياح
آهاً لصبٍّ دمعه حيث كاندمع أريق
هذا أسير في وجوه الحسانوذا طليق
أرّق جسمي بالضنّى يوم بانبدر الفريق
فها أنا اليوم له يا فلانعبد رقيق
يزيد أجفاني ندى وارتياحنهي اللّواح مثل جلال الدين يوم السّماح
حبر له في الخلق ذكر جميللا يفترى
ماح على غيظ الغمام البخيلمحل الثرى
ما رأت العين له من مثيلولا ترى
يوقد في أوطانه للنّزيلنار القرى
شرارها في الكيس حمر صحاحلها اقتداح لكنّها في القلب عذبٌ قراح
يا مالك العلم وفيض الندىجزت المدى
فابقَ وكلّ العالمين الفدادع العدا
أنت الذي أصبح غيث الجداصبح الهدى
كم يقتفى منك وكم يقتدىويجتدى
علم جليّ ونوالٌ صراحصفو مباح يروي به راوي الرّجا عن رباح
ومغرمٍ لا يختشي من رقيبولا عذول
معلّق القلب بشجوٍ عجيبولا وصول
يسكر لكن بصفات الحبيبلا بالشّمول
لمّا رنا الظبي وماس القضيبأضحى يقول
كم ينتضي جفنك وعطفك صفاح ... على رماح ما ذي محاسن ذي خزاين سلاح ... ومن الموشّحات الصادرة من المشارقة المعارضة للمغاربة قول عثمان البلطي يمدح القاضي الفاضل:
ويلاه من روّاغبجوره يقضي
ظبيٌ له إغذاذ ... منه الجفا حظّي ولم أقف على تمامها، وقد بارى بها التوشيح المشهور للمغاربة، وهو:
عقارب الأصداغفي السوسن الغضّ
تسبي تقى من لاذبالنسك والوعظ
من قبل أن يعدوعليّ لم أحسب
أن تخضع الأسدلجؤذر الربرب
ظبيٌ له خدّمفضّضٌ مذهب
وشادن يبدوفي صدغه عقرب
رقّة زهر الباغفي جسمه الفضي
وقسوة الأفلاذفي قلبه الفظّ
مهفهف بدعأصبحت مغرّى به
قلبي له ربعلو كنت في قلبه
أصابني صدعمذ لجّ في عتبه
السّهد والدمعحظّي من قربه
والعين لا ينساغلها جنى الغمض
والدمع ذو إغذاذ ... ناهيك من حظّ ومن أحسن ما للمشارقة من التوشيح قول الشهاب العزازي يعارض أحمد ابن حسن الموصلي:
يا ليلة الوصل وكأس العقار ... دون استتار علّمتماني كيف خلع العذار ... اغتنم اللّذّات قبل الذّهاب ... [وجرّ أذيال الصّبا والشّباب] ... واشرب فقد طابت كؤوس الشراب ...
على خدود تنبت الجلنارذات احمرار طرّزها الحسن بآس العذار
الرّاح لا شكّ حياة النفوسفحلّ منها عاطلات الكؤوس ... واستجلها بين الندامى عروس
تجلى على خطّابها في إزار ... من النّضار حبابها قام مقام النّثار ... أما ترى وجه الهنا قد بدا ... وطائر الأشجار قد غرّدا ... والروض قد وشّاه قطر الندى ...
فكمّل اللهو بكأس تدار ... على افترار مباسم النوّار غبّ القطار ... اجن من الوصل ثمار المنى ... وأوصل الكأس بما أمكنا ... مع طيّب الريقة حلو الجنى ...
بمقلة أفتك من ذي الفقار ... ذات احورار منصورة الأجفان بالانكسار ... زار وقد حلّ عقود الجفا ... وافترّ عن ثغر الرضى والوفا ... فقلت والوقت لنا قد صفا ...
يا ليلة أنعم فيها وزارشمس النهار حيّيت من بين الليالي القصار
ويعجبني من موشحات العزازي المذكور قوله:
ما علىمن هام وجداً بذوات الحلي
مبتلىبالحدق السّود وبيض الطّلى
باللّوىمليّ حسنٍ لديوني لوى
كم نوىفتلي وكم عذّبني بالنّوى
قد هوىفي حبّه قلبي بحكم الهوى
واصطلىنار تجنّيه ونار القلى
كيف لايذوب من هام بريم الفلا
هل ترىيجمعنا الدهر ولو في الكرى
أم ترىعيني محيّا من لجسمي برى
بالسّرىيا حاديي ركب بليلي سرى
علّلاقلبي بتذكار اللّقا علّلا
وانزلادون الحمى، حيّ الحمى منزلا
بي رشادمعي بسرّي في هواه فشا
لو يشابرّد مني جمرات الحشا
ما مشىإلاّ انثنى في سكره وانتشى
عطّلامن الحميّا يا مدير الطّلا
ما حلاإذا أدار الناظر الأكحلا
هل يلاممن غلب الحب عليه فهام
مستهامبفاتر اللّحظ رشيق القوام
ذي ابتسامأحسن نظماً من حباب المدام
لو ملامن ريقه كأساً لأحيا الملا
أو جلاوجهاً رأيت القمر المجتلى
لو عفاقلبك عمّن زلّ أو من هفا
أو صفاما كان كالجلمد أو كالصّفا
بالوفاسل عن فتى عذّبته بالجفا
هل خلافؤاده من خطرات الولا
أو سلاأو خان ذاك الموثق الأوّلا وقوله أيضاً يعارض الموصلي:
ما سلّت الأعين الفواترمن غمد أجفانها الصفاح
إلا أسالت دم المحاجرمن غير حرب ولا كفاح
تالله ما حرّك السواكنغير الظّباء الجآذر
لمّا استجاشت بكلّ طاعنمن القدود النواضر
وفوّقت أسهم الكنائنمن كلّ جفنٍ وناظر
عربٌ إذا صحن يا لعامربين سرايا من الملاح
طلّت علينا من المحاجرطلائع تحمل السّلاح
أحبب بما تطلع الجيوبمنها وما تبرز الكلل
من أقمر ما لها مغيبوأغصنٍ زانها الميل
هيهات أن تعدل القلوبعنها ولو جارت المقل
لمّا توشحن بالغدائرسفرن عن أوجه صباح
فانهزم الليل وهو عاثربذيله واختفى الصباح
وأهيف ناعم الشمائلتهزّه نسمة الشّمال
فينثني كالقضيب مائلكما انثنى شارب ومال
له عذار كالنّدّ سائللله كم من دم أسال
شقّت على نبته المراثرمن داخل الأنفس الصحاح
تكل في وصفه الخواطروتخرس الألسن الفصاح
ظبيٌ إلى الإنس لا يميلالشمس والبدر من حلاه
الحسن قالوا ولم يقولوامبداه منه ومنتهاه
وطرفه الناعس الكحيلهيهات من سيفه النّجاه
أذلّ بالسحر كلّ ساحرفهو له خافض الجناح
يجول في باطن الضمائركما يجول القضا المتاح
أما ترى الصبح قد تطلّعمذ غمضت أعين الغسق
والبدر نحو الغروب أسرعكهارب ناله فرق
والبررق بين السحاب يلمعكصارم حين يمتشق
وتحسب الأنجم الزواهرأسنّة ألقت الرماح
فانهزم النّهر وهو سائرفدرّعته يد الرياح
وموشحة الموصلي التي عارضها العزازي هي قوله:
رنا بأجفانه الفواترلمّا انثنى واحد الملاح
فسل من طرفه بواتروهزّ من عطفه رماح
ناظره جرّد المهنّدوغمده منّي الحشا
وعامل القدّ فهو أملديطعن للقلب إن مشى
والعارض القائم المزردلفتنة الناس قد نشا
والحاجب القوس، بالفواترلنبله في الحشا جراح
ومشرف الصدغ فهو جائرسلطانه للدما أباح
فجفنه الفاتك الكنانيمن ثعل راش لي نبال
وهو الخافجي قد غزانيووجهه من بني هلال
عبسيّ لحظٍ له سبانيجسم زبيديّ بالدلال
والردف يدعى من آل عامروواضح الصّلت من صباح
وخصره من هشيم ضامريدور من حوله وشاح
فوجهه جنّة وكوثررضابه العذب لي حلا
والنار في وجنتيه تسعرحيالها خاله اصطلى
عجبت من خاله المعنبرإذ يعبد النار كيف لا
يحرق بالنار وهو كافروما سقى ريقه القراح
كامل حسنٍ معناه وافربسيط وصف كالمسك فاح
ما اخضرّ نبت العذار إلاّبآسه سيّج الشقيق
وهو كنمل سعى وولّىولم يجد للجنى طريق
من ريقة البدر إذ تجلّىفي هالة العارض الأنيق
لمّا تبدّى بالوجه دائروحيّر العقل حين لاح
شقّ على خدّه المرائروقطّع الأنفس الصّحاح
وربّ يوم أتى وحيّاكالشمس والنجم والقمر
بالكأس والراح والمحيّاثلاثة تفتن البشر
وقال قم يا نديم هيّااقض بنا لذة الوطر
فالخمر تجلى على المزاهرمن اغتباقٍ إلى اصطباح
وطافت الراح بالمجامرمن عنبر الزهر في البطاح وممّا يطربني من الموشحات قول بعضهم:
ما بي شمولإلاّ شجون مزاجها في الكاس دمع هتون
لله ما بذرمن الدموع
صبّ قد استعبرمن الولوع
أودى به جؤذريوم الطّلوع
فهو قتيللا بل طعينبين الرجا والياس له سنون
جرحت للحينكفّي بكفّي
وحيل ما بينيوبين إلفي
لا شكّ بالبينيكون حتفي
حال الرحيلولي ديونإن ردّها العباس فهو الأمين
أما ترى البدرابدر السّعود
قد اكتسى خضرامن البرود
إذا انثنى نضرامن القدود
أضحى يقولمت يا حزينقد اكتسى بالآس الياسمين
قلت وقد شرّدالنوم عنّي
وأيأس العوّدالسّقم منّي
صدّ فلمّا صدقرعت سنّي
جسمي نحيللا يستبينيطلبه الجلاّس حيث الأنين
تجاوز الحدّاقلبي اشتياقا
وكلف السّهدامن لا أطاقا
قلت وقد مدّاليلي رواقا
ليلي طويلولا معينيا قلب بعض الناس أما تلين
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع