تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

من التي أولها: مبيتي من دمشق على فراش ... حشاه

مبيتي من دمشق على فراشحشاه لي بحر حشاي حاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

وهي عند الخليل من الوافر الأول, وعند غيره من السحل الرابع, وهو الثاني منه.

والمبيت هاهنا يجوز أن يكون مصدرًا ومكانًا وزمانًا. ودمشق: اسم أعجمي, وقد جاء في الشعر الجاهلي, قال المتلمس:

لم تدر بصرى بما آليت من قسمٍولا دمشق إذا ديس الكداديس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

يعني بالكداديس ما يجمع في البيادر من الزروع, وقال بعضهم: دمشقة, فأدخل عليها الهاء, وإنما يجري ذلك مجرى الشذوذ والضرورة. قال رجل في صدر الإسلام كان في الجيش الذي حاصر دمشق:

أبلغ أمير المؤمنين بأنناعلى خير حالٍ كان جيش يكونها
بأنا على بابي دمشقة نرتميوقد حان من بابي دمشقة حينها

ودمشق: موافقة في اللفظ قولهم: ناقة دمشق أي: سريعة, ودمشق عمله إذا أسرع فلم يحكمه؛ إلا أن الدمشق من النوق جاءت على مثال جعفرٍ, ودمشق على مثال درفسٍ:

وحشا الفراش: يجوز أن يعنى به ما فيه من الحشو, والحشا: الناحية, وهي مأخوذة من حاشية الثوب, قال الهذلي:

يقول الذي أمسى بحرزٍ عيالهبأي حشًا أمسى الخليط المباين

وأحشاء الإنسان: نواحي بطنه, ويجوز أن يعنى بها ما فيه جوفه, مأخوذةً من حشو الفراش, ويقال في التثنية: حشيان وحشوان.

وقوله:

لقى ليلٍ كعين الظبي لونًاوهم كالحميا في المشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

اللقى: الشيء الملقى, وجمعه ألقاء, قال اليشكري:

فتأوت لهم قراضبة منكل حي كأنهم ألقاء
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «آذنتنا ببينها أسماء»

وموضع لقى نصب على الحال, والاسم الذي الحال منه إحدى الياءات في: مبيتي أو لي, أو حشاي. والعامل في الحال يجوز أن يكون قوله: حاشٍ كأنه قال: يحشوني بحر حشاي ملقًى, ويحتمل أن يكون العامل معنى الاستقرار, الذي تدل عليه على, كأنه قال: مبيتي مستقر على فراشٍ لقًى. ولو قيل: إن نصب لقًى على أنه خبر لفعلٍ من المبيت كأنه قال: أبيت لقى أو بت لقًى لكان ذلك وجهًا.

وهذه القصيدة مدح بها أبو الطيب أبا العشائر, وهو والي أنطاكية, ويمكن أن يكون قال أولها بدمشق؛ لأن الشاعر ربما قال البيت أو الأبيات, وتأخر إظهاره لها حتى يذهب زمن طويل. وجعل سواد الليل كسواد عين الظبي.

والحميا سورة الخمر؛ أي: حدتها ونزوانها عند المزج, وهذه اللفظة من الأسماء التي استعملت مصغرة, ولم ينطق منها بالمكبر, ولو استعمل لوجب أن يقال: الحموى على مثال: فعلى, وقد حكي: حمي الشمس وحموها, بالياء والواو. فإن كانت الحميا من الحمو

فكبيرها حموى على الأصل, وليس فيه قلب, وإن كانت من الحمي, كما قال امرؤ القيس:

إذا جاش فيه حميه غلي مرجل

فإنهم إذا بنوا فعلى اسمًا من ذوات الياء قلبوا ياءه إلى الواو, ومن ذلك قولهم: شروى الشيء؛ أي: مثله, وإنما اشتقاقه من شريت. فإن كانت الحميا مصغرة حميا؛ فالادغام وقع في الياءين لما اجتمعتا. وإن كان أصلها حموى فكأنهم قالوا: حميوى في التصغير؛ فلما جاءت الياء الساكنة, وبعدها واو قلبت الواو إلى الياء كما فعلوا ذلك في سيدٍ وميتٍ وهو فيعل من ساد يسود, ومات يموت, وأصله: سيود وميوت.

وإذا وقعت الواو موقع اللام, وقبلها ياء في التصغير قلبت الواو إلى الياء في مذهب البصريين ولا يجيزون غير ذلك.

وأهل الكوفة يجيزون إظهار الواو إذا كانت لامًا, كما يجيزون إظهارها إذا كانت عينًا, وكانت متحركةً, فيقولون في تصغير مروان وعدوان: مريوان وعديوان ولا اختلاف في أن القلب جائز, قال زهير:

يجرون البرود وقد تمشتحميا الكأس فيهم والغناء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

والمشاش: ما رق من العظام.

وقوله:

وشوقٍ كالتوقد في فؤادٍكجمرٍ في جوانح كالمحاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الجوانح: الأضلاع, واحدتها جانحة, سميت بذلك؛ لأن فيها اعوجاجًا. يقال: جنح إذا مال, ومنه الجناح في المأثم؛ أي: الميل فيه, ومنه جناح الطائر أيضًا؛ لأنه يميله حيث شاء. والمحاش والمحاش: ما شوي على النار فأصابه احتراق, يقال: أمحشته النار ومحشته, فأما قول النابغة:

جمع محاشك يا يزيد فإننيجمعت يربوعًا لكم وتميما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «جمع محاشك يا يزيد فإنني»

فالمحاش فيما ذكروا: أقوام اجتمعوا فنحروا جزورًا وشووا لحمها, واحتلفوا عليه.

وقوله:

سقى الدم كل نصلٍ غير نابٍوروى كل رمحٍ غير راش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

النصل: يستعمل في السيف والسنان, ونصل السهم. قال الشاعر في السيف:

نقد بهن يوم الروع عنكموإن كانت مثلمة النصال

فهذا يعني السيوف, وقال المتنخل الهذلي في أن النصل يستعمل للرمح:

أقول لما أتاني الناعيان بهلا يبعد الرمح ذو النصلين والرجل
للشاعر المتنخل، من قصيدة «ما بال عينك تبكي دمعها خضل»

وقال الفرزدق:

فإن كلام المرء في غير كنههلكالنبل تهوي ليس فيها نصالها

ويقال: رمح راش؛ أي: ضعيف, ولعله مأخوذ من ريش الطائر لخفة الريش وضعفه, وناقة راشة الظهر؛ أي: ضعيفته, قال الهذلي:

من الحميريات لا كزةًلجونًا ولا راشة الظهر نابا

ومعنى البيت أنه جعل السيوف القاطعة والرماح القوية كالتي يدعى لها أن تروى من

الدم كأنها يعجبها ذلك. وقد يجوز أن يكون البيت إخبارًا على غير معنى الدعاء. والأحسن أن يكون دعاءً؛ لأن من شأنهم أن يحمدوا ما يبلغهم المآرب من حيوانٍ وغيره.

وقوله:

فإن الفارس المبغوت خفتلمنصله المناصل كالرياش

المبغوت من قولهم: بغته إذا لقيه على فجاءةٍ. والرياش: مأخوذ هاهنا من ريش الطائر؛ لأنه نهاية في الخفة, وأكثر ما يستعمل الرياش في ملابس بني آدم, ويعني بالفارس الممدوح.

وقوله:

فقد أضحى أبا الغمرات يكنىكأن أبا العشائر غير فاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الغمرات: الشدائد. وغمرة كل شيءٍ معظمه. يقال: غمرة الماء, وغمرة الحرب, كأنهم يريدون أنها تغمر من يقع فيها, وقالوا في الجمع: غمر على غير قياسٍ, قال القطامي:

تعلم أن بعد العي رشدًاوأن لهذه الغمر انقشاعًا

وإنما القياس: غمار, مثل جفنةٍ وجفانٍ, والغمرات: الجمع القليل. والمثل السائر:

الغمرات ثم ينجليناثمت يذهبن فلا يجينا

وفاشٍ: أصله الهمز. يقال: فشا الأمر وتفشأ, وقالت امرأة من العرب تصف الطاعون:

تفشأ إخوان الثقات فعمهموأصمت عني المعولات البواكيا

وقال عمرو بن كلثوم فخفف:

فإن الضغن بعد الضغن يفشوعليك ويخرج الداء الدفينا

وقوله:

وقد نسي الحسين بما يسمىردى الأبطال أو غيث العطاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

هذا البيت جارٍ مجرى الأول؛ لأنه زعم أن الممدوح كناه الناس أبا الغمرات فاستغنى عن كنيته, التي هي أبو العشائر, ونهسي الحسين, وهو اسمه؛ لأنهم سموه ردى الأبطال؛ أي: هلاكهم, وغيث العطاش؛ لأنه يرويهم. والحسين هاهنا لفظة لا تجري مجرى قولهم إذا رأوا الشخص الذي يسمى بهذا الاسم: جاءني الحسين, ورأيت الحسين؛ لأن الاسم في هذا الموضع واقع على شخص, والحسين في البيت لفظة لا تتصل بجسمٍ.

وقوله:

لقوه حاسرًا في درع ضربٍدقيق النسج ملتهب الحواشي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ذكر الدرع, وقد حكي ذلك عن العرب.

وقد يجوز أن يجعل قوله: دقيق النسج صفةً للضرب إذ كان الدرع مضافًا إليه, كما يقال: جاء فلان في برد ثناءٍ سابغٍ؛ فيجوز أن يجعل سابغ نعتًا للبرد وللثناء إذ كان أحدهما متصلًا بالآخر. ولا يمتنع أن يوصف الضرب بدقة النسج والتهاب الحاشية؛ لأن هذا اللفظ مخصوص به اللباس, وإنما حسن ذلك؛ لأنه جعل الدرع متخذًا من الضرب فقد جعله مما يمكن نسجه, وأن تكون له حاشية؛ لأن الزرد أصل للدرع, كما أن الغزل عنصر للثوب.

وحاشية الثوب: كل ناحيةٍ من نواحيه, وقيل: هي جانب الهدب, وإنما أخذت من الحشى وهي الناحية.

وقوله:

كأن على الجماجم منه نارًاوأيدي القوم أجنحة الفراش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الهاء في منه عائدة على الضرب. ومن شأن الفراش أن يطلب النار فيحترق فيها, ومن شأن المضروب على رأسه أن يستره بيده, وإنما يفعل ذلك إذا كان الضرب بغير حديدٍ, وأما عند السيف فإن إشفاقه على يديه قريب من إشفاقه على هامته. والجماجم: جمع جمجمةٍ

وهي معظم الرأس ومجتمعه. وجمع رؤبة جمجمةً على جمجمٍ فقال:

وهو إذا الضرب تفرى جمجمه

أي: الجمجم الذي يقع فيه, وهذا الجمع قليل إلا أنه قياس, كما قالوا: هامة وهام, وقصرة وقصر لأصل العنق.

وقوله:

كأن جواري المهجات ماءيعاودها المهند من عطاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

المهجات: واحدتها مهجة, وهي خالص النفس. وقال قوم: المهجة: دم القلب, وإذا جعل المهجات جمع مهجةٍ فقياسه أن يقال: مهجات بضم الهاء كما قالوا: ظلمة وظلمات. فهذا الوجه الجيد. ومنهم من يفتح الحرف الثاني, فيقول: الظلمات والحجرات. وقرأ ابن القعقاع المدني: ﴿من وراء الحجرات﴾, بفتح الجيم, ومنهم من يسكن. وذهب قوم إلى أنهم إذا قالوا: مهجات, ففتحوا الهاء, فإنما يريدون جمع مهجٍ لا جمع مهجةٍ. وهذا قول لا يبعد, وأنشدوا بيتًا على وجهين:

ولما رأونا باديًا ركباتنالدى موطنٍ لا نخلط الجد بالهزل

تضم الكاف في الركبات وتفتح, ولولا أن الوزن يتغير لجاز الإسكان.

والعطاش أن يأخذ الإنسان عطش فيعاود شربه للماء, والعطاش داء؛ فلذلك ضموا أوله, كما قالوا: الصداع والزكام. والمعنى أن هذا الممدوح يضرب بالمهند فيرويه من الدم, ثم كأنه يعطش فيعاود الورد؛ لأن الفارس يعاود الضرب به.

وقوله:

فولوا بين ذي روحٍ مفاتٍوذي رمقٍ وذي عقلٍ مطاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

مفات من قولهم: فات الميت, وأفاته غيره, فيجوز أن يكون وصفًا لذي, ووصفًا للروح, والأحسن أن يكون على ذي. والروح تذكر وتؤنث, فلذلك حسن أن توصف بمفاتٍ. والرمق: بقية النفس. ولما قال: وذي رمق حسن ذلك أن يكون قوله: مفاتٍ وصفًا لذي لتكون المعطوفات متجانساتٍ. ومطاش: من قولهم: طاش إذا خف وتغير عقله, وطاش السهم إذا لم يصب, وأطاشه غيره.

وقوله:

ومنعفرٍ لنصف السيف فيهتواري الضب خاف من احتراش
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

منعفر: أي: رجل قد عفره غيره؛ أي: ألقاه على العفر, وهو التراب, وقيل: هو ظاهره, يقال: عفر وعفر. والاحتراش: صيد الضب, وهو الحرش أيضًا. وقالوا في المثل: «هذا أجل من الحرش». وأصل ذلك أن الضب قال لولده: يا بني اتق الحرش؛ وهو أن يجيء الرجل إلى بيت الضب, فيضرب بيده على بابه, فيظنه الضب حيةً فيخرج ذنبه ليضربها به, فيقبض عليه الحارش. فسمع الحسل يومًا صوت فأسٍ يحفر بها على جحره فقال لأبيه: يا أبة, أهذا الحرش فقال الضب: يا بني, هذا أجل من الحرش؛ أي: أعظم. وشبهوا الحقد بالضب لكمونه في الصدر, فقالوا: في قلبه على ضب؛ أي: حقد, وقالوا: احترش ضب صدره إذا كان عدوًا له فصنع معه جميلًا ليذهب ما حمله من الحقد, قال كثير:

ومحترشٍ ضب العداوة منهمبحلو الخلا حرش الضباب الخوادع
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «بكى سائب لما رأى رمل عالج»

وقال أيضًا:

ومازالت رقاك تحل ضغنيوتخرج من مكامنها ضبابي
ويحويني لك الحاوون حتىأجابت حية تحت الحجاب

وقالوا في مثلٍ: أخدع من ضب حرشته.

ومعنى بيت أبي الطيب أن الضربة قد أمعنت في جسد المضروب, وأن نصف السيف قد انكسر فدخل في جسمه, ونصفه الآخر في يد الضارب.

وقوله:

يدمي بعض أيدي الخيل بعضًاوما بعجايةٍ أثر ارتهاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

العجاية: العصب الذي في الوظيف, والارتهاش أن يصك الفرس إحدى يديه الأخرى فتألم بذلك العجاية, وإنما يصف أن الخيل في ضنكٍ فقد أدمى بعض أيديها بعضًا, وليس بها ارتهاش, وإنما هو من التزاحم. وبعض عند قومٍ تقع على ما دون النصف, وقيل: تقع على النصف فما دونه, وأنكر قوم وقوعها على النصف, وكرهوا: جاءني بعض الرجلين, وقالوا: إنما ينبغي أن يقال: جاءني أحدهما.

وقوله:

كأن تلوي النشاب فيهتلوي الخوص في سعف العشاس
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

النشاب: كلمة عربية, وهو مأخوذ من قولهم: نشب في الشيء إذا علق فيه. قال عمر ابن أبي ربيعة:

فسمعت ما قالت فظلت كأنمايرمى الحشى بنوافذ النشاب

والخوص: واحدته خوصة من خوص النخل, وقد استعملوا الخوصة في غير النخلة, وقالوا: خوصت العرفجة, وهي الخوصة منها, ويروى لمالك بن الريب:

عجبت لعطارٍ أتاني يسومنيبجبانة الديرين دهن البنفسج
فويحك يا عطار هلا أتيتنيبنور الخزامى أبو بخوصة عرفج

والعشاش: جمع عشةٍ, وهي النخلة إذا يبس أعلاها. يقال: عشش النخل إذا أصابه ذلك, قال ابن هرمة:

وما شجرات بيتك في قريشٍبعشات الفروع ولا ضواح

وقوله:

تشارك في الندام إذا نزلنابطان لا تشارك في الجحاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

البطان: جمع بطين, وهو العظيم البطن. والأصل أن يستعمل فيمن تلك خلقته, وهم يحمدون خمص البطن, وربما قالوا: بطين لمن عظم بطنه من الطعام, قال ابن أحمر:

وبلي إن بللت بأريحيهجان اللون لا يمسي بطينا

والمبطنا: الذي لا يزال بطنه عظيمًا من الطعام, قال متمم:

لقد غيب المنهال تحت ردائهفتًى غير مبطان العشيات أروعا

والجحاش: مصدر جاحش إذا دافع. وفي كتاب «الأمثال» للأصمعي: «جاحش عن خيط رقبته» أي: دافع عن نفسه.

وقوله:

ومن قبل النطاح وقبل يأتيتبين لك النعاج من الكباش
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

حذف أن وهو يريدها على معنى الضرورة. والباب في قبل ألا يليها الفعل, وإنما تليها الأسماء, والتقدير: من قبل أن يأتي, وحذفها جائز, وقد حذفها في قوله: «من قبل يصطحبا» وأعملها مع الحذف فجمع بين ضرورتين, ويجوز كسر اللام من «قبل» على العطف على التي قبلها, ويجوز النصب على الموضع, وذلك مثل قول لبيد:

فإن لم تجد من دون عدنان والدًاودون معد فلتزعك العواذل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

والنعجة: الأنثى من الضأن, ويقال للبقرة الوحشية: نعجة, قال ذو الرمة:

إذا ما علاها راكب الجدب لم يزليرى نعجةً في مريضٍ أو يثيرها
مولعةً خنساء ليست بنعجةٍيدمن أعطان الحياض وقيرها

يكنون بالنعجة عن المرأة, في كتاب الله سبحانه: ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجةً﴾ وقرأ بعضهم نعجةٍ بتحريك العين, وقد مضى القول في الحرف الحلقي إذا توسط الثلاثي أو مؤنثه. ومثل كنايتهم عن المرأة بالنعجة قول الأعشى:

فرميت غفلة عينه عن شاتهفأصبت حبة قلبها وطحالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

والكباش: جمع كبشٍ من الضأن, ويكنون به عن الشجاع, الذي يحامي في الحرب, لما كان الكبش من الضأن ينطح الغنم جعلوا الفارس مثله؛ لأنه ينطح الأقران, وقال الراجز وهو يعني ليلة صفين:

والليل داجٍ والكباش تنتطحومن نجا برأسه فقد ربح

وكأنهم يعنون بالنطح الطعن بالرمح؛ لأنهم يسمون الرماح: قرون الخيل, ويقولون: خيل جمإذا لم يكن معها رماح, وفارس أجم إذا لم يكن معه رمح, قال عنترة:

ألم تعلم لحاك الله أنيأجم إذا لقيت ذوي الرماح
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «إذا لاقيت جمع بني أبان»

وقال الأعشى:

متى تدعهم للقاء الحروب تأتك خيل لهم غير جم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أتهجر غانية أم تلم»

والكبش الأجم الذي لا قرني له. والنعجة جماء.

وقوله:

فيا بحر البحور ولا أوريويا ملك الملوك ولا أحاشي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

وروى عن الشيء إذا كنى عنه, وأظهر أنه يريد غيره, وهو مأخوذ من المواراة. وفي الحديث: «كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا وروى بغيره», وقال الشاعر:

فلو كنت صلب العود أو كابن معمرلوريت عن مولاك والليل مظلم

وإذا قالوا للرجل: بحر البحور أو رجل الرجال, أو نحو ذلك فإنما يريدون أنه أعظمهم, وكذلك إذا قالوا للمرأة: هند الهنود فإنما يريدون أنها: كالسيدة لكل امرأةٍ تسمى بهندٍ. وإنما يكثر ذلك في النعوت؛ لأنها أكثر ما يمدح به الإنسان, فيقال: أسد الأسد للشجاع وكريم

الكرماء. فأما الاسم الذي يسمى به الرجل فإن ذلك قليل فيه؛ إلا أنهم قالوا: طلحة الطلحات, كأنهم أرادوا تفضيله على غيره ممن سمي طلحة؛ والمعنى أنه يفضلهم في أخلاقه, فأما التسمية فتستوي فيها الجماعة, قال الشاعر, ويقال: إنه ابن الرقيات:

نصر الله أعظمًا دفنوهابسجستان طلحة الطلحات

وقوله:

كأنك ناظر في كل قلبٍفما يخفى عليك محل غاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

بعض الناس يذهب إلى أنه أراد محل غاشٍ من الغش, وتلك ضرورة قبيحة, والمعنى غير مفتقرٍ إلى ذلك. وإنما هو فاعل من غشي يغشى, وهو مؤد معنى الغش؛ لأنه يغشى القلب. وكثيرًا يقولون: على قلبه غشاوة. وفي الكتاب العزيز: ﴿والليل إذا يغشى﴾ وكل شيءٍ حل في موضعٍ فقد غشيه من الناس وغيرهم.

وتخفيف المشدد في الشعر المقيد كثير جدًا. ولكن ذلك إذا لم يكن قبله حرف لين, مثل: غاش وراد, ومثل تمود الثوب, وأصيم في تصغير أصم. والمقيد مما قبل رويه حرف لين أقل من المقيد, وقبل رويه حرف مصمت, وإذا جاءت للعرب أرجوزة مثل قول العجاج:

يا صاح ما هاجك من ربعٍ خالومنزلٍ تعرفه وأطلال

لم يأت فيها تخفيف فاعلٍ من المضاعف, فإن اتفق فهو شاذ.

فأما ما قبل رويه واو أو ياء فإن ذلك أبعد فيه منه في فاعلٍ, وما كان مثله من المضاعف؛ لأنه كثير جدًا مثل قولك: فار, ومراد, وهو متردد في الكلام, فأما في قوافي الشعر المطلق فقلما يخففون المشدد, وقد ادعى بعضهم في قول الراجز:

دعوت قومي ودعوت معشريحتى إذا ما لم أجد غير الشر

كنت امرأً من مالك بن جعفر

أنه أراد الشر فخفف الراء, وأكثر الرواية: غير السري, والقوافي موضع حذفٍ. والمطلق

يقف عليه بعضهم بسكون الروي فيصيره في حال المقيد, فيقول:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

فيسكن اللام, فإذا كانوا ربما خففوا المشدد في حشو البيت فتخفيفه في القافية أيسر, وقد رووا أبي صخرٍ الهذلي:

إذا اختصم الصبى والشيب عنديفحكمت المشيب فلا أبالي
حلول الشيب ما لم أجن أمرًايكون سواه أتي حلٍ حلال

أراد: أتي حل فخفف.

وقوله:

وكيف وأنت في الرؤساء عنديعتيق الطير ما بين الخشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

بعد كيف شيء محذوف, كأنه قال: وكيف أصبر عنك, وذلك كثير في الكلام, وإنما يحذفون بعدها لشيء إذا تقدم قبلها ما يدل عليه, مثل أن يقول الرجل: أتروم أن أعطيك مالًا وكيف, وقد سألتك فلم تعطني؛ أي: كيف أعطيك؟ وفي كتاب الله سبحانه: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمةً﴾, كأنه قال: كيف يكون ذلك وإن يظهروا عليكم. وعتيق الطير: يراد به كريمها وأفضلها كالبازي والصقر والجوارح منها, وهم يشبهون الرئيس بعتيق الطير, قال لبيد:

فانتضلنا وابن سلمى قاعدكعتيق الطير يغضي ويجل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وخشاش الطير: ضعافها وما لا يصيد منها, وكذلك خشاش الأرض ما صغر من دوابها

التي يقدر الهر على صيدها, وفي الحديث: «دخلت امرأة النار في هرةٍ ربطتها فلم تطعمها, ولم تسقها, ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض» وقالوا لرؤوس الحلي: خشاش, ولعلهم يريدون ما صغر من الحلي, مثل قطع الذهب التي تكون في المخانق. وبعض الرواة يروي في قصيدة ابن كلثوم:

وساريتي بلاطٍ أو رخامٍيرن خشاش حليهما رنينا

وقوله:

فما خاشيك للتكذيب راجٍولا راجيك للتخييب خاش
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التكذيب: هاهنا يحتمل وجهين: أحدهما, وهو الأشبه, أن يكون التكذيب من فعل الممدوح؛ أي: إنك لا تكذب خشيته, لأنك إذا خشيك ألحقت به ما يخشاه.

والآخر: أن يكون التكذيب من فعل الخاشي؛ أي: هو إذا سلم منك فكأنه قد كذب الخشية أو كذب الوعيد.

وأصل الكذب في القول, ثم نقلوه منه إلى الفعل, وإن لم يكن ثم كلام, فقالوا: حمل على قرنه فما كذب, أي: ما قصر في الحملة, وقالوا: كذب الوحشي في العدو إذا لم يجتهد فيه.

والتكذيب في البيت يجوز أن يكون لفعلٍ لا مقال فيه, وإن حمل على القول الأول فجائز, لأن الخاشي ربما ذكر الخشية بلسانه, ولأن المخشي قد جرت عادته بأن يوعد ويستدل على غضبه بما يقول.

وقوله:

تطاعن كل خيلٍ كنت فيهاولو كانوا النبيط على الجحاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

كثر في كلامهم أن ينسبوا أفعال الفرسان إلى الخيل؛ لأن الفارس يستعين على الضربة والطعنة بفرسه, فيقولون: قتلت الخيل فلانًا, وساقت الخيل نعم بني فلانٍ؛ لأن

المعنى مفهوم, ولأن الفرسان يتوصلون إلى ذلك بالخيول. والنبيط: هذا الجيل المعروف, وهم النبط والأنباط, قال الراجز:

فهن يلغظن به إلغاطاكالترجمان لقي الأنباطا

وزعم بعض الناس أنهم سمواة نبيطًا؛ لأنهم يستنبطون ما في الأرض من ماء, ويحرثونها للباذر, فيؤدي ذلك إلى نبت الزرع؛ فكأنهم يستنبطونه منها. ومن ذلك قولهم: حفر فلان بئرًا فأنبط الماء, واسم الماء: النبط؛ لأنه أنبط. وإذا مدحوا الرجل قالوا: لا ينال نبطه؛ أي: لا يعلم ما في نفسه؛ لأن كتمان السر مما يوصف به الإنسان, قال الشاعر:

قريب ثراه لا ينال عدوهله نبطًا, صدق الفعال أريب

يريد بقوله: قريب ثراه: أنه إذا سئل وجده السائل قريب المعروف لا يتعب الطالب. وإنما زعم الزاعم أن النبيط اشتقوا من إنباط الأرض؛ لأنهم يباشرون العمل كثيرًا, ويكون منهم الفلاحون, والذين يعمرون القريات, ولذلك خصهم أبو الطيب لما قال:

ولو كانوا النبيط على الجحاش

لأنهم لم تجر عادتهم بركوب الخيل, وإنما يركبون الحمر. وقوله:

تطاعن كل خيلٍ كنت فيها

ثم قال: ولو كانوا؛ لأنه أراد فرسان الخيل, وهذا مما تقدم ذكره؛ أي: إن أصحابك يشجعون إذا رأوا شجاعتك, فيقاتلون تشبهًا بك, وذلك مناسب لقولهم في المثل: «العاشية تهيج الآبية».

والجحاش جمع جحشٍ, وهو ولد الحمار, ويقال في الجمع جحشان, قال القطامي:

مقدحةً قبًا خفافًا بطونهاوقد وازنت جحشانها بالحوالب

ويمكن أن يقال له بعد أن يركب: جحش, كما قالوا لولد الفرس: مهر حين ينتج, ثم سموه بعد الركوب مهرًا, قال الأفوه:

إن يجل مهري فيكم جولةًفعليه الكر فيكم والغوار
للشاعر الأفوة الأودي، من قصيدة «إن ترى رأسي فيه قزعٌ»

وقال زيد الخيل:

عودوا مهري كما عودتهدلج الليل وإيطاء القتيل

وقالوا لولد الظبية: جحش. قال أبو ذؤيب:

بأسفل ذات الدبر قد ضاع جحشهافقد ولهت يومين فهي خلوج

والجحاش في هذا البيت: مساوية للجحاش, فيما تقدم من الأبيات لفظًا لا معنًى, وإذا تشابهت الكلمتان في اللفظ, واختلفتا في المعنى, وجاءتنا في قوافي الشعر فذلك من الإيطاء عن بعضهم, ويقال: إنه مذهب الخليل, وغيره لا يرى بذلك بأسًا, وإذا توالت القافيتان في البيت فذلك أقبح ما يكون, وكلما بعد ما بينهما كان ذلك أسهل. فإن كانت الكلمة في تشبيبٍ أو معنًى غيره ثم جيء بها في معنًى آخر سهل ذلك عندهم, وهذا البيت يرويه بعضهم لامرئ القيس:

كأني غداة البين لما تحملوالدى سمرات الحي ناقف حنظل

ثم قال في صفة الفرس:

مداك عروسٍ أو صلاية حنظل

فهذا يسهل لتباعد ما بين البيتين واختلاف الذي يقصد من المعنيين.

وقوله:

أرى الناس الظلام وأنت نوروإني فيهم لإليك عاش
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أدخل اللام على إليك, وإنما حقيقتها أن تدخل على عاشٍ؛ ولكن العرب تفعل ذلك, ولها أحوال أربع:

الأولى: أن يقال: إني إليك لعاشٍ, فهذا الوجه؛ وهو أن تدخل اللام على الذي هو الخبر في الحقيقة.

والحال الثانية: أن يقال: إني لإليك عاشٍ؛ فتدخل اللام على ما هو متصل بالخبر, وليس ذلك بقبيحٍ, ومثله قول أبي زبيدٍ:

إن امرأً خصني عمدًا مودتهعلى البعاد لعندي غير مكفور

وإنما الكلام: لغير مكفورٍ عندي.

والحال الثالثة: أن يقال: إني لإليك لعاشٍ؛ فتدخل اللام على إليك, ثم تدخل على عاشٍ؛ لأنه الذي تقع به الفائدة للسامع, وذلك أشد من الوجه الذي قبله.

والحال الرابعة: أن يقال: إني لعاشٍ لإليك فهذا لا يجوز عندهم؛ لأن اللام وقعت في موضعها, فلا حاجة إلى أن تعاد. والعاشي: الذي يسير في ظلمة الليل على ضوءٍ قليل, قال الحطيئة:

متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نارٍ عندها خير موقد
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «تزور امرءا يعطى على الحمد ماله»

وقال الهذلي:

شهابي الذي أعشو الطريق بضوئهودرعي فليل الناس بعدك أسود
للشاعر ساعِدَة الهذلي، اقرأ القصيدة

وقوله:

بليت بهم بلاء الورد يلقىأنوفًا هن أولى بالخشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الخشاش: عود يجعل في أنف البعير, وجمعه أخشة, قال ذو الرمة:

إذا نحن حاذينا الأخشة شبنهابأشكل جارٍ من صديدٍ ومن دم

ويقال: خششت البعير فهو مخشوش.

جعل نفسه كالورد يلقى أنوفًا ينبغي أن تجعل فيها الأخشة. والإبل لا ريب أنها تجد رائحة الورد, فإما الورد فلا يحس ما صنع به, ولا يحفل أين وضع.

وقوله:

عليك إذا هزلت مع اللياليوحولك حين تسمن في هراش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

يقال: هزلت الدابة, وهزلها صاحبها, فهذه اللغة الفصيحة, وقد حكي: أهزلتها. والمعنى أن هؤلاء الذين ذكرهم إذا رأوا صاحبهم في شدةٍ وضيقٍ من الزمان كانوا عليه, وإذا سمن تهارشوا حوله, وهراشهم حول السمين يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا يريدون أكله فهم أعداء في حال الهزال والسمن.

والآخر أنك إذا سمنت؛ أي: استغنيت وحسنت حالك تهارشوا حولك يزدحمون على برك ومنفعتك, كما تهترش الكلاب على الشيء المأكول.

وقوله:

أتى خبر الأمير فقيل كروافقلت نعم ولو لحقوا بشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

شاش: هذا الموضوع الذي يقال فيه: شاش فرغانة, وهو يوافق في الاشتقاق قول

العامة: شوش عليهم أمرهم, وهذه الكلمة لم أعلم أن أحدًا من الثقات حكاها عن العرب, ولا جاءت في الشعر الفصيح.

وقوله:

يقودهم إلى الهيجا لجوجيسن قتاله والكر ناشي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

أصل القود في ذوات الأرسان, ثم قالوا: قاد الأمير الجيش؛ أي: كان أمر الجند إليه فاتبعوه فيما يختار, كما تتبع الدابة من يقودها, واستعار السن للقتال, كما استعار قطري ابن الفجاءة, الإجذاع للبصيرة, والقروح للإقدام في قوله:

ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصبجذع البصيرة قارح الإقدام
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة

يريد أنه يديم القتال ويطيل فيه كما أن المسن من بني آدم يتقادم الوقت عليه. وأصل ناشي الهمز, وقد مضى القول في تخفيفه. يقول: إنه يحدث الكر في وقتٍ بعد وقتٍ فهو كأنه ناشئ في أول أمره لا يضعف لتقادم القتال.

وقوله:

وأسرجت الكميت فناقلت بيعلى إعقاقها وعلى غشاشي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الكميت: من الخيل معروف, والفرق بينه وبين الأشقر أنه يسود عرفه وذنبه, ويستعمل للذكر والأنثى بلفظ واحدٍ, وقد استعمله امرؤ القيس في المذكر لما قال:

كميت يزل اللبد عن حال متنه

وقال آخر فاستعمله للأنثى:

تسائلني بنو جشم بن بكرٍأغراء العرادة أم بهيم
للشاعر الكلحبة العرني، من قصيدة «تسائلني بنو جشم بن بكر»
كميت غير محلفةٍ ولكنكلون الصرف عل به الأديم
للشاعر الكلحبة العرني، من قصيدة «تسائلني بنو جشم بن بكر»

وهذا البيت الذي أوله كميت يروى للكلحبة العرني ولابن الخرشب الأنماري, وحكي في جمع الكميت: كمات, ولم يصح ذلك, وقالوا في صفة التمرة: كميت إذا كانت تضرب إلى السواد في حمرةٍ, قال الأسود بن يعفر:

وكنت إذا ما قرب الزاد مولعًابكل كميتٍ جلدةٍ لم توسف
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «ليبك عقالاً كل كسر مؤربٍ»

أي لم تقشر, ووصفوا الخمر بالكميت أيضًا.

والإعقاق مصدر أعقت الفرس إذا عظم بطنها للحمل, فهي عقوق, وأكثر الناس يزعمون أنهم لم يقولون: معق على ما يوجبه القياس, وقد حكاه بعضهم. والمعنى أن بطنها ينشع ويتسع للحمل وكبر الولد. والغشاش: العجلة. قال البعيث:

يكون نزول القوم فيها كلا ولاغشاشًا ولا يدنون رحلًا إلى رحل

وفي النسخ: وعلى غشاشٍ, بلا ياء, ويجب أن يكون الشاعر قاله بالياء, أضاف الغشاش إلى نفسه؛ لأن ذلك أحسن في حكم النظم, ويدل على ثبات الياء قوله: ناقلت بي. وقوله: على إعقاقها فأضاف الإعقاق إليها, فأوجب ذلك أن يكون على إعقاق الفرس, وعجلة الفارس, وإنما يحسن حذف الياء لو كان الإعقاق منكرًا غير مضافٍ, مثل أن تقول في الكلام ناقلت بي على إعقاقٍ وغشاشٍ, فأما إذ جاء بالإعقاق مضافًا؛ فالأحسن أن يكون الغشاش مثله في الإضافة.

والنقال: ضرب من عدو الخيل, قال جرير:

من كل مشترفٍ وإن بعد المدىضرم الرقاق مناقل الأجرال
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار رسومهن خوالي»

وقوله:

من المتمردات تذب عنهابرمحي كل طائرة الرشاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

أصل المرود الإعياء, يقال: مرد الشيطان إذا أعيا خبثًا, وكذلك مرد الإنسان, فهو مارد, ومريد, ومنه المثل المحكي عن الزباء: «مرد مارد وعز الأبلق» وهما حصنان أعياها أمرهما, ومنه قولهم: بناء ممرد؛ أي: إنه يعيي من طلبه, وقيل: الممرد: المملس والمطول, وتذب؛ أي: تذود, يستعمل ذلك في ذب العدو وغيره, قال الراجز:

من ذب منكم ذب عن صميمهأو فر منكم فر عن حريمه

ومن ذلك: ذبت الناقة وغيرها البعوض والذباب, وإنما قيل له: ذباب؛ لأنه يذب؛ أي: يطرد, قال الشماخ:

تذب ضيفًا من الشعراء منزلهمنها لبان وأقرب زهاليل
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد فنوم العين مملول»

الشعراء: ضرب من الذباب. وزهاليل: ملس.

وكل طائرة: يحتمل «كل» الرفع والنصب. فإذا نصب فتذب للفرس كأنه جعلها تذب برمحه, وهذا مثل قولهم: قتلت الخيل وهزمت الأعداء, وإنما يريدون الفوارس. والمعنى أن هذه الفرس تذب برمحي عن نفسها كل طعنةٍ, إذا أصابت المطعون طار لها رشاش, وهو ما

يفترق من الدم, أخذ من رشاش المطر, وإذا رفعت كل فالفعل لها, وليس للفرس فيه شيء, وإنما هي مذبوب عنها, والحمد في الوجهين للفارس؛ لأنه الذي يحمل الفرس على الطعن ويصرف الرمح.

وقوله:

إذا ذكرت مواقفه لحافٍوشيك فما ينكس لانتقاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

شيك: إذا أصابته شوكه. والانتقاش: إخراج الشوكة من الرجل, وغيرها من الجسد, ومن ذلك قيل: المنقاش, وهو عربي صحيح, قال الشاعر:

فواأسفا إن الفراق يروعنابمثل مناقيش الحلي قصار

يعني مناقير الغربان؛ لأنها تنعب بالفراق. ومن الأمثال: «لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها», ويقال ذلك للرجل إذا استعان على عدوه بآخر هو له عدو. والمعنى أن هذا الممدوح يرغب القاصد في لقائه فلو أنه حافٍ, ووقعت في رجله شوكة لمنعته العجلة وإيثار لقائه من أن ينتقشها من قدمه.

وقوله:

تزيل مخافة المصبور عنهوتلهي ذا الفياش عن الفياش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الفياش: المفاخرة بالباطل, يقال: فاش الرجل وفايش غيره, والرجل فيوش, قال جرير:

فأوعد بالخزير مجاشعيًاإذا ما فاش وانتفخ الوريد

وقال أيضًا:

أيفايشون وقد رأوا حفاثهمقد عضه فقضى عليه الأشجع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

الحفاث: حية عظيمة تنفخ ولا تؤذي. والمصبور: الذي يحبس ليقتل أو يكون

حبسه لغير القتل. وفي الحديث: «أن رجلين أمسك أحدهما رجلًا, وقتله الآخر, فقال النبي ﷺ: «اقتلوا القاتل, واصبروا الصابر» وقال عنترة:

فصبرت عارفةً لذلك حرةًترسو إذا نفس الجبان تطلع
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ظعن الذين فراقهم أتوقع»

وقوله:

وما وجد اشتياق كاشتياقيولا عرف انكماش كانكماشي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

الانكماش: السرعة في الأمر, والرغبة في قضائه.

وقوله:

فسرت إليك في طلب المعاليوسار سواي في طلب المعاش
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مبيتي من دمشق على فراش»

المعاش: يستعمله الناس فيما يؤديهم إلى الحياة, فيقولون: معاشه من التجارة, أو خدمة الناس, ونحو ذلك؛ أي: يتوصل به إلى العيش, وأهل اليمن يسمون الطعام عيشًا, ويقولون للرجل: عش في معنى كل, ويقولون: معيشة في معنى المعاش. والمصدر من ذوات الياء, مثل عاش يعيش, وغاب يغيب يجيء على مفعلٍ كثيرًا, مثل: سار مسيرًا, وزاد في الثمن مزيدًا مثل زيادةٍ, قال الشاعر:

الله يعلم لو أردت زيادةًفي الحب عندي ما وجدت مزيدا

وربما جاء فيه مفعل, قال الشاعر:

أنا الرجل الذي قد عبتموهوما فيه لخلقٍ من معاب

وقال رؤبة: المعيش, فيجوز أن يكون أراد جمع معيشةٍ أو جعله اسمًا غير مجموعٍ, كما قالوا: المسير والمغيب, وذلك قوله:

إليك أشكو شدة المعيش

ومر أعوامٍ نتفن ريشي

نتف الحبارى عن قرى رهيش

ولم يوجد لأبي الطيب على حرف الصاد شيء.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.