من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن التي أولها: ما لنا كلنا جوٍ يا رسول ...
ما لنا كلنا جوٍ يا رسولأنا أهوى وقلبك المتبول
وزنها من الخفيف الأول.
والأجود أن ترفع كلنا على الابتداء, ويكون جوٍ خبره. وكان بعض الناس يخفض كلنا ويجعله تأكيدًا للضمير في لنا, وهذا وجه رديء؛ لأنه يوجب نصب جوٍ على الحال, فيقال: ما لنا كلنا جويًا؛ فإن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
وقوله:
أفسدت بيننا الأمانات عيناها وخانت قلوبهن العقول
زعم أنه أرسل رسولًا يثق به, فلما نظر إلى عينينها تغير عن حال الأمانة. والهاء في قلوبهن تحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون راجعةً إلى الأمانات, ويكون قد استعار للأمانات قلوبًا؛ وإنما يعني قلوب المؤتمنين. والآخر: أن تكون الهاء والنون راجعتين إلى القلوب, كما يقدم المضمر الذي في المفعول فيقال: لبس ثوبه فلان, والمعنى متقارب. والعقول في هذا القول فاعلة, وكذلك في القول الأول؛ إلا أن الضمير هاهنا للعقول.
وقوله:
تشتكي ما اشتكيت من طرب الشوق إليها والشوق حيث النحول
تشتكي تحتمل وجهين: أحدهما خطابًا للرسول الذي ناداه في أول القصيدة؛ أي تشتكي ما اشتكيت وأنت كاذب لأنك لست ناحلًا, وإنما الشوق حيث النحول. ومثل هذه القصة التي ذكرها أبو الطيب جرى لأبي ذؤيبٍ الهذلي مع خالد بن زهير؛ فقال أبو ذؤيب:
ما حمل البختي يوم غيارهعليه الوسوق برها وشعيرها
بأثقل مما كنت حملت خالدًاوبعض أمانات الرجال غرورها
وكان أبو ذؤيب قد أفسد هذه المرة على سواه فقال له خالد بن زهير أبياتًا منها:
فلا تجزعن من خطةٍ أنت سرتهافأول راضٍ خطةً من يسيرها
وكان خالد إذا عاد إلى أبي ذؤيب يشم عطفه ويمس ثوبه لينظر أعلق به منها طيب.
وخالد الذي يقول:
يا قوم مالي وأبا ذؤيبكنت إذا أتيته من غيب
يشم عطفي ويمس ثوبيكأنما أربته بريب
وقال أبو ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالدًاوهل يجمع السيفان ويحك في غمد
دعاك إليها مقلتاها وجيدهافملت كما مال المحب على عمد
فآليت لا أنفك أحدو قصيدةًتكون وإياها بها مثلًا بعدي
والوجه الآخر أن يكون قوله: تشتكي إخبارًا عن المرأة, والأول أشبه.
وقوله:
من رآها بعينها شاقه القطان فيها كما تشوق الحمول
يقول: من رأى الدنيا بالعين التي يجب أن ينظر إليها بها فإنه يراها زرية, فالعين في هذا الوجه للإنسان, ويجوز أن تكون العين الدنيا من قولهم: هذا عين الشيء؛ أي حقيقته, فيكون المعنى: من رأى الدنيا بحقيقة نفسها شاقه القطان, وهم جمع قاطن أي مقيم, كما تشوق الحمول؛ أي القوم المتحملون, وأكثر ما تستعمل الحمول في الأحمال, ثم يصير ذلك أمرًا عامًا للأحمال وغيرها من المتحملين. يقول: يجب أن يشوق القطان من هو معهم؛ لأنه يعلم أنهم مفارقوه لا محالة؛ فيحق له أن يأسف لذلك.
وقوله:
إن تريني أدمت بعد بياضٍفحميد من القناة الذبول
يقال: أدم الرجل وأدم إذا تغير لونه فاسمر من بعد بياض, ولذلك قالوا: لاحته الشمس أي غيرت لونه. يقول: إن كان لوني تغير؛ فالقناة يحمد سمرتها وذبولها.
وقوله:
صحبتني على الفلاة فتاةعادة اللون عندها التبديل
يعني بالفتاة الشمس, وهي قديمة كأنها فتاة لم يغيرها القدم, ويجوز أن يجعلها فتاة؛ لأنها تطلع كل يوم فكأنها شيء محدث. وقوله: عادة اللون عندها التبديل أي تغيره.
وقوله:
سترتك الحجال عنها ولكنبك منها من اللمى تقبيل
اللمى: سمرة الشفتين وسوادهما, ومنه قولهم: ظل ألمى وشجرة لمياء إذا كانت ذات ظل, قال حميد بن ثورٍ:
إلى شجرٍ ألمى الظلال كأنهرواهب أحرمن الشراب عذوب
يريد أنك مستورة عن هذه الفتاة, لا تغيرك فكأنها قبلتك فصيرت اللمى في شفتيك.
وقوله:
مثلها أنت لوحتني وأسقمــت وزادت أبهاكما العطبول
لوحتني: أي غيرت لوني كما تغير النار ما لوح عليها, قال الشاعر:
رأيتكما يا بني أخي قد سمنتماولا يدرك الأوتار إلا الملوح
يقول للمرأة: أنت مثل الشمس لوحتني أي فعلت بي فعلًا يسيرًا وأسقمتني, والسقم أشد من التلويح, وزادت أبهاكما العطبول, أي زدت أنت؛ لأنك أبهى من الشمس, والعطبول الطويلة العنق, ويقال في الجمع: عطابيل وعطابل, قال أبو ذؤيبٍ:
رآها الفؤاد فاستضل ضلالهنياف من البيض الحسان العطابل
نياف أي طويلة.
وقوله:
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍأقصير طريقنا أم يطول
يقول نحن أدرى وقد سألنا عن الطريق لما هو عليه: أطويل هو أم قصير, قد طال علينا لشدة شوقنا إلى من نحن إليه سائرون.
وقوله:
وكثير من السؤال اشتياقوكثير من رده تعليل
أي إن الإنسان إذا اشتاق إلى الشيء سأل عنه علم أنه بعيد منه. وكثير من أجابة المسؤول تعليل للسائل ولا حقيقة له؛ لأنه ربما وعده وعدًا لم يصح يريد به التعليل وتفريج الهم.
وقوله:
لا أقمنا على مكانٍ وإن طاب ولا يمكن المكان الرحيل
لا أقمنا في معنى لم نقم, ومنه قول الشاعر:
وأية ليلةٍ لا كنت فيهاكحادي النجم يحرق ما يلاقي
أي لم يكن فيها. ويجوز أن يكون قوله: لا أقمنا على معنى القسم, كأنه قال: والله لا أقمنا, والمكان لا يمكنه أن يرحل معنا, وقد أبان هذا المعنى فيما بعده فقال:
كلما رحبت بنا الروض قلناحلب قصدنا وأنت السبيل
كأنهم يعتذرون إلى الأماكن والروض إذا رحب بهم؛ لأنه مسرور بنزولهم, وهم لا يقدرون على الإقامة وهو لا يمكنه الرحيل.
وقوله:
فيك مرعى جيادنا والمطاياوإليها وجيفنا والذميل
أي إنا لا نقصدك وإنما نستعين بما فيك من المراتع لنصل إلى حيث نريد. والوجيف والذميل ضربان من السير كلاهما سريع.
وقوله:
الذي زلت عنه شرقًا وغربًاونداه مقابلي ما يزول
ومعي أينما سلكت كأنيكل وجهٍ له بوجهي كفيل
يقول: هذا الأمير زلت عنه مسافرًا في المشرق والمغرب ولم يزايلني معروفه ونداه؛ فهو معي أينما سلكت كأن كل وجهٍ له بوجهي كفيل. الهاء في له تحتمل وجهين: أن يعودا إلى الندى وإلى الممدوح. وقوله: كل وجه؛ يريد: كل وجه أتوجه إليه من البلاد كأنه كفيل بوجهي للندى أو للممدوح, ويجوز أن يكون قوله: كل وجهٍ؛ يعني وجوه من يلقاه من الناس. والوجه كلمة عامة يجوز أن يدخل فيها الوجه من الأرض والوجه من وجوه الأنيس.
وقوله:
فإذا العذل في الندى زار سمعًاففداه العذول والمعذول
المعنى: أن هذا الممدوح لا يجسر أحد أن يعذله في نداه لأنه يرهب أن يعاقبه على ذلك. يقول: فإذا العذل زار سمعك في الجود ففداه العذول والمعذول؛ لأن المعذول يجوز أن يقبل
العذل, ولم تزل الشعراء تذكر أن الجواد يعذل على الجود, قال زهير:
غدوت عليه غدوة فوجدتهقعودًا لديه بالصريم عواذله
يفدينه طورًا وطورًا يلمنهوأعيا فما يدرين أين مخالته
جعلهن يفدينه؛ [أي] يتقربن إليه بالتفدية ثم يجئن باللوم في أثر ما قلن. وأبو الطيب أوجب أن العذل في الجود لا يجسر أحد أن يجريه للممدوح.
وقوله:
وموالٍ تحييهم من يديهنعم غيرهم بها مقتول
الموالي في هذا البيت في معنى العبيد. يقول: وينعم على العبيد, وغيرهم بتلك النعم مقتول, وقد فسر الشاعر ما النعم فقال:
فرس سابق ورمح طويلودلاص زغف وسيف صقيل
الفرس اسم يقع على الأنثى والذكر, قال زيد الخيل:
يا بني الصيداء ردوا فرسيإنما يفعل هذا بالذليل
عودوا مهري كما عودتهدلج الليل وإيطاء القتيل
وتقول العرب: خير المال فرس في بطنها فرس تتبعها فرس, والفرس هاهنا الأنثى.
والدلاص الدرع يقع على الواحد والجمع, والدلاص البراق وقيل الأملس, قال الراجز:
لأصبحن العاصي ابن العاصي
سبعين ألفًا عاقدي النواصي
مستلئمين حلق الدلاص
آساد غيلٍ حين لا مناص
والزغف: الواسعة, وقيل: اللينة.
وقوله:
كلما صبحت ديار عدوقال تلك الغيوث هذي السيول
يقول: هذه النعم إذا صبحت ديار العدو قال: تلك الغيوث التي هي نعم على قوم حدثت منها سيول هي نقم على آخرين؛ لأن السيل يغرق.
وقوله:
دهمته تطاير الزرد المحــكم عنه كما يطير النسيل
العدو يقع على الواحد والجميع, وقد أوقعه على الواحد في هذا البيت, ودهمته؛ أي جاءته بغتة, وتطاير في معنى تطير؛ كما قالوا: باعد في معنى بعد, وعالى رحله في معنى علاه, قال الشاعر:
رأيت غرابًا واقعًا فوق بانةٍينتف أعلى ريشه ويطايره
والنسيل والنسال: ما سقط من ريش الطائرة أو وبر البعير أو نحو ذلك.
وقوله:
وإذا الحرب أعرضت زعم الهول لعينيه أنه تهويل
الهول كل ما يهول الإنسان. والتهويل يستعملونه في الشيء الذي يعظم وليس هو كذلك؛ وإنما هو على سبيل المكر والخديعة؛ يقال: هول عليه بالسيفس؛ أي أوهمه أنه يريد ضربه به, وليس في نيته أن يفعل. والرواية الصحيحة: أنه تهويل, والهاء راجعة إلى الهول, ومن روى أنها على التأنيث فالهاء راجعة إلى الحرب, والمعنى صحيح. ويقوي التذكير أن زعم للهول؛ فوجب أن يرجع الضمير إليه, ويقوي الرواية الأخرى أن أعرضت للحرب؛ فحسن أن يؤنث الضمير لأنه إلى الحرب يعود.
وقوله:
وإذا غاب وجهه عن مكانٍفبه من نثاه وجه جميل
النثا: اسم يقع على ما يذكر به الرجل من خير وشر, وهو هاهنا من الخير. والمعنى: أن هذا الممدوح إذا غاب عن مكان فإنه يذكر فيه بذكرٍ حسنٍ فكأنه شاهد.
وقوله:
كيف لا تأمن العراق ومصروسراياك دونها والخيول
السرايا جمع سريةٍ, وأصل ذلك لقومٍ يبعثون ليلًا فيسرون فيه, ثم كثر ذلك حتى قيل للجماعة التي يرسلها الجيش إلى العدو: سرية, وإن كان سيرها بالنهار. وأنث العراق على معنى البلدة والأرض, وهذا البيت يجوز فيه وجهان: التذكير والتأنيث وهو:
إن العراق لأهلي لم يكن وطنًاوالباب دون أبي غسان مسدود
وكذلك الشام يجوز فيه التذكير والتأنيث, قال الأعشى:
وصحبنا من آل جفنة أملاكًا كرامًا بالشام ذات الرفيف
وأنشد الفراء في تذكير الشام:
يقولون إن الشام يقتل أهلهومن لي إن لم آته بخلود
تغرب آبائي فهلا صراهممن الموت أن لم يشئموا وجدودي
وقوله:
لو تحرفت عن طريق الأعاديربط السدر خيلهم والنخيل
يقول: لو ملت عن طريق الأعداء لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل, وكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيول الأعداء, كما تقول: سآني أمر كذا أي وقع السوء فيه, فهذا وجه. وفيه معنى آخر وهو أن يكون يصف الممدوح بالسعادة؛ فلو تحرف عن طريق من يعاديه؛ لكان السدر والنخيل يربط خيولهم أن تنفسخ في البلاد, وهذا نحو من قول الآخر:
تركوا جارهم يأكلهضبع الوادي وترميه الشجر
وقوله:
وسوى الروم خلف ظهرك رومفعلى أي جانبيك تميل
يقول: أعداؤك كثير, وليس الروم أعداءك دون غيرهم فلأيهم تقاتل.
وقوله:
قعد الناس كلهم عن مساعيــك وقامت بها القنا والنصول
أصل القعود ضد القيام, ثم قيل لكل من تخلف عن أمرٍ: قد قعد عنه. يقول: تخلف كل أحد عن مساعيك؛ فكأنهم قعود عنها؛ فيجوز أن يكون قعودهم باختيارهم, أو أنهم قعدوا لعجزهم عن بلوغ ما أرادوه, وقامت بها القنا والنصول؛ أي التي معك لأنك تعملها في الحرب, وغيرك لإعمالها مطرح.
وقوله:
ما الذي عنده تدار المناياكالذي عنده تدار الشمول
يقول: أنت مشغول بالحرب والملوك شغلهم بالراح. والشمول من صفات الخمر لأنها تشمل برائحتها, وقيل لأنها تعصف بالعقل كعصف الشمال, ويقال: رجل مشمول الخلائق إذا حمد, ويستعمل الشمول في معنى الذم, قال زهير:
جرت سنحًا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللقاء
وقوله:
نغص البعد عنك قرب العطايامرتعي مخصب وجسمي هزيل
يقول: مرتعي مخصب بعطاياك, وقد نغصها علي أني بعيد منك, فجسمي هزيل لذلك.
وقوله:
إن تبوأت غير دنياي دارًاوأتاني نيل فأنت المنيل
تبوأت المنزل إذا نزلت به, والمنزل مباءة, ويقال: بوأ إليه الرمح إذا هيأه للطعنة. وأصل باء أن يكون في معنى رجع. وقيل للمنزل: مباءة؛ لأن الرجل يرجع إليه, قال أبو ذؤيب في صفة النحل:
تنمى بها اليعسوب حتى أقرهاإلى عطنٍ رحب المباءة عاسل
وقوله:
من عبيدي إن عشت لي ألف كافورٍ ولي من يديك ريف ونيل
جمع الثلاثة في هذا البيت: كافورًا والريف والنيل, وزعم أن الممدوح إن عاش له فمن عبيده ألف مثل كافور, وله من نداه ريف ك ريف مصر, ونيل كنيلها الذي يسقي تلك البلاد ويغني عن المطر في مواضع كثيرة. ويقال لكل ما دنا من الأمصار: ريف؛ وكأنه مأخوذ من اللين والسهولة؛ لأن المواضع البعيدة من المياه والمدن تشتد بها المعيشة. وفي بابل نهر يقال له: النيل كأنه مشبه بنيل مصر.
وقوله:
ما أبالي إذا اتقتك المنايامن دهته حبولها والخبول
الخبول: جمع خبلٍ وهو يستعمل في أشياء كثيرة, وليس يخرج عن معنى الفساد والنقصان.
يقال: بنو فلان يطالبون غيرهم بخبلٍ؛ أي بقطع أيد وأرجلٍ, وقال متمم بن نويرة:
وكل فتى في الناس بعد ابن أمهكذاهبة إحدى يديه من الخبل
وأصل الخبل والخبال من هذا اللفظ, والحبول: جمع حبلٍ وهي الداهية, وبيت كثيرٍ ينشد على وجهين, وهو:
فلا تعجلي يا عز أن تتبينيبنصحٍ أتى الواشون أم بحبول
ويروى بالخاء, والقافية من المتواتر.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع