تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن القصيدة التي أولها: أثلث فإن أيها الطلل ... نبكي وترزم

أثلث فإن أيها الطللنبكي وترزم تحتنا الإبل

وزنها من رابع الكامل.

قوله: أثلث من ثلثت الاثنين إذا كنت لهم ثالثًا. يقول: نحن نبكي والإبل ترزم؛ أي نحن فابك أيها الطلل أو افعل ما يدل على أسفك. ويقال: أرزمت الناقة إذا حنت. قال أبو ذؤيب:

فتلك التي لا يبرح القلب حبهاولا ذكرها ما أرزمت أم حائل
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أساءلت رسم الدار أم لم تسائل»

وقوله:

أو لا فلا عتب على طللٍإن الطلول لمثلها فعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: افعل أيها الطلل كما تفعل أو لا تفعل شيئًا, فإن الطلول عادتها ألا تظهر أسفًا على الظاعن.

وقوله:

لو كنت تنطق قلت معتذرًابي غير ما بك أيها الرجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أبكاك أنك بعض من شغفواولم ابك أني بعض من قتلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لو أنك تقدر على النطق لاعتذرت من تركك البكاء ونحوه؛ فقلت: أبكاك أيها القائل أنهم شغفوك؛ أي غلبوا على قلبك فبكيت إذ فارقوك, ولم أبك لأنهم قتلوني برحيلهم, وليس عند المقتول بكاء ولا غيره مما يفعله الأحياء. وألقى حركة الهمزة من أبك على ميم "لم" وحذفها.

وقوله:

إن الذين أقمت واحتملواأيامهم لديارهم دول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

هذا البيت يجوز أن يكون متصلًا بالكلام المحكي على الطلل ولا يمتنع أن يكون من خطاب الشاعر إياه. والبيت يحتمل ضم التاء من أقمت وفتحها.

وقوله:

الحسن يرحل كلما رحلوامعهم وينزل حيثما نزلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
في مقلتي رشأٍ تديرهمابدوية فتنت بها الحلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
تشكو المطاعم طول هجرتهاوصدودها ومن الذي تصل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
ما أسأرت في القعب من لبنٍتركته وهو المسك والعسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

أسأرت: في معنى أبقت, ولم يزل الكلام يحتمل أن يكون حكايةً عن الطلل, وعن الشاعر حتى جاء هذا البيت وهو قوله:

قالت ألا تصحو

فعلم أنه من كلام الشاعر.

وقوله:

ملك إذا ما الرمح أدركهأود ذكرناه فيعتدل

الأود: الاعوجاج, وهذه دعوى مفرطة ولكن الشعراء يفعلون ذلك. يقول: هذا الملك قد عدل في رعاياه حتى إن الرمح إذا اتأذ, أي اعوج, ذكر له فاعتدل.

وقوله:

حتى أتى الدنيا ابن بجدتهافشكا إليه السهل والجبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقال: هو ابن بجدة الأمر والأرض إذا كان عالمًا بها وبما يشكل من الأمور. يقال: بجد في المكان إذا أقام به, لأن من أقام بالأرض علم كيف تكون أحوال أهلها, وكيف يجب أن يدبرها من وليها, فلما جاء هذا الممدوح إلى الدنيا وهي محتاجة إلى العدل شكا سهلها وجبلها إليه.

وقوله:

شكوى العليل إلى الكفيل بهألا تمر بجسمه العلل

يقول: شكا إليه السهل والجبل شكوى العليل إلى الكفيل به, والهاء في به راجعة إلى العليل. والكفيل الذي يكفل أي يضمن, والمضمون أن هذا العليل لا تمر العلل بجسمه.

وقوله:

قالت, فلا كذبت, شجاعتهأقدم فنفسك ما لها أجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

ادعى الشاعر أن شجاعة هذا الممدوح قالت له: أقدم فما لنفسك أجل تخشاه كآجال الناس.

وقوله:

عدد الوفود العامدين لهدون السلاح الشكل والعقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
فلشكلهم في خيله عملولعقلهم في بخته شغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الوفود تجيء معها بالشكل والعقل, فالشكل تعدها لخيله الموهوبة لهم, والعقل تريدها لإبله التي تصير إليهم.

وقوله:

تمسي على أيدي مواهبههي أو بقيتها أو البدل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: الذي تأخذه الوفود من خيله وإبله على ثلاثة أصنافٍ: فإما أن تكون موفورةً قد كان قبلها غيرها فهي تسلم إليهم, وإما أن تكون قد بقيت منها بقية فهم المحكمون فيها, أو قد وهبها كلها واستبدل غيرها فهم يأخذون البدل.

وقوله:

نشتاق من يده إلى سبلٍشوقًا إليه ينبت الأسل

السبل: المطر. يقول: نشتاق من يده إلى مطرٍ ينبت الأسل, أي الرماح, شوقًا إلى يديه لأنه يطعن به الأعداء.

وقوله:

سبل تطول المكرمات بهوالمجد لا الحوذان والنفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الحوذان والنفل ضربان من النبت. أي: جودهذا الممدوح تطول به المكارم, وليس هو كغيره من الأمطار ينبت به الحوذان والنفل وغيرهما من النبات.

وقوله:

وإلىحصى أرضٍ أقام بهابالناس من تقبيلها يلل

يقول: ينبت الأسل شوقًا إلى يده وإلى حصى أرضٍ هو نازل بها يقبلها الناس حتى بهم يلل من تقبيلها. واليلل: انقلاب الأسنان إلى داخل. يقال: رجل أيل وامرأة يلاء. قال لبيد:

رقميات عليها ناهضتكلح الأروق منهم والأيل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقوله:

إن لم تخالطه ضواحكهمفلمن تصان وتذخر القبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: الناس يشتاقون إلى تقبيل حصى هذه الأرض, وإن لم تخالط ضواحكهم, وهي ما ظهر من أسنان الإنسان إذا ضحك, هذا الحصى المذكور فلأي شيء تذخر القبل؟

وقوله:

وإذا الخميس أبى السجود لهسجدت له فيه القنا الذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: إذا لم يسجد له الخميس, وإنما أراد بالسجود انحناءهم لتقبيل الأرض, سجدت له فيه - أي في الخميس - القنا الذبل, أي خفضت للطعن فكأنها ساجدة.

وقوله:

وإذا القلوب أبت حكومتهرضيت بحكم سيوفه القلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم رضيت القلل بأن تصيبها سيوفه, والقلل أعالي الرؤوس.

وقوله:

أرضيت وهسوذان ما حكمتأم تستزيد, لأمك الهبل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وهسوذان: الخارجي الذي خرج على بني بويه, وفي حكمت ضمير عائد إلى سيوف الممدوح وقناه.

وقوله:

وردت بلادك غير مغمدةٍوكأنها بين القنا شعل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: وردت هذه السيوف بلادك يا أيها الخارجي وكأنها شعل بين الرماح.

وقوله:

والقوم في أعيانهم خزروالخيل في أعيانها قبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الأعيان: جمع عينٍ وهو جمع القلة, وأعين أكثر في الكلام, قال الشاعر:

ولكنما أغدو علي مفاضةدلاص كأعيان الجراد المنظم

وأنشد أبو زيد:

إما تري شمطًا في الرأس حل بهمن بعد أسود داجي اللون فينان
فقد أروع قلوب الغانيات بهحتى يملن بأجيادٍ وأعيان

وقال آخر في الأعين:

ونظرن من خلل السجوف بأعينٍمرضى مخالطها السقام صحاح

والخزر أن ينظر الإنسان بجانب عينه الذي يلي الأنف.

وقوله:

فأتوك ليس لمن أتوا قبلبهم وليس لمن نأوا خلل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قد تردد في شعره مثل قوله: ليس لمن أتوا قبل, والأحسن أن يكون الفعل موحدًا في خبر من إذا أمكن ذلك. تقول: جاءني من أكرمك؛ فيكون أحسن من قولك: من أكرموك. فأما قوله: فأتوك ليس لمن أتوا فما يمكن فيه توحيد الفعل إذ كان قد سبقه قولهم: أتوك. وقوله: ليس لمن نأوا قد يمكن فيه توحيد الفعل؛ إلا أنه لما جمع في النصف الأول آثر أن يقول: نأوا في النصف الثاني.

وقوله:

لم يدر من بالري أنهمفصلوا ولا يدري إذا قفلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: أنصار هذا الملك كثير؛ فبعضهم يهزم أعداءه, وجماعة من أصحابه لم يعلموا بغزو الجيش ولا قفوله.

وقوله:

فأتيت معتزمًا ولا أسدومضيت منهزمًا ولا وعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: أتيت معتزمًا ولا أسد يعتزم كاعتزامك, ومضيت منهزمًا ولا وعل ينهزم كانهزامك.

وقوله:

تعطي سلاحهم وراحهمما لم تكن لتناله المقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: انهزمت وأعطيت سلاح هؤلاء القوم الذين هم عند عضد الدولة وراحهم, جمع راحة اليد, ما لم تكن لتناله المقل من بعده.

وقوله:

أسخى الملوك بنقل مملكةٍمن كاد عنه الرأس ينتقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

جعل وهسوذان ملكًا, وذكر أن أسخى الملوك بنقل مملكة من كاد عنه الرأس ينتقل؛ يعني وهسوذان.

وقوله:

لولا الجهالة ما دلفت إلىقومٍ غرقت وإنما تفلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لولا جهالتك أيها الخارجي مادلفت إلى قوم. يقال: دلف الرجل يدلف دلفًا إذا مشى مشيًا متقاربًا مثل مشي الشيخ الكبير. ومشى الرجل في الحرب إذا أثقله السلاح, قال أوس بن حجر:

كهمك لا عهد الشباب يضلنيولا هرم ممن توجه دالف

يقول: دلفت إلى قومٍ غرقت؛ وإنما تفلوا عليك فغرقت في تفلتهم. وتفلوا أي بصقوا.

وقوله:

لا أقبلوا سرًا ولا ظفرواغدرًا ولا نصرتهم الغيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لم يقبلوا إليك وهم يخفون أنفسهم ليختلوك بذلك, ولا نصروا عليك لغدرٍ

بك؛ وإنما أخذوك ببأسهم وقوتهم ولم تعنهم عليك غيل الدهر؛ أي لم يلحقك موت ولا مرض فيصدك عن القتال.

وقوله:

لا يستحي أحد يقال لهنضلوك آل بويه أو فضلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
قدروا عفوا, وعدوا وفوا, سئلواأغنوا, علوا أعلوا, ولوا عدلوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: استحيا الرجل واستحى وقد مر. ونضلوك أصله في النضال أي المراماة؛ يقال: ناضل فلان فلانًا إذا راماه, فإذا غلب واحد منهما الآخر قيل: نضله ينضله, وأصل النضال أن يتراميا لينظر أيهما أجود رميًا وأبعد سهمًا, ثم جعل النضال المراماة في الحرب, قال أبو حية النميري:

ألا رب يومٍ لو رمتني رميتهاولكن عهدي بالنضال قديم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «جزى الله أيام الفراق ملامة»

ثم أخرج النضال إلى المفاخرة وإن لم يكن ثم رماء, قال الشاعر:

قد ناضلوك فأبدوا من كنائنهممجدًا تليدًا ونبلًا غير أنكاس

يقال: إنهم كانوا إذا جزوا ناصية فارس جعلها أحدهم في كنانته, فإذا فاخر أظهرها وقال: هذه ناصية فلان.

والمعنى أن الشاعر قال: لا يستحي أحد يقال له: نضلك آل بويه أو نضلوك, وهذا نحو قولهم في صدر الإسلام: ما استحيا فارس انهزم من عبد الله بن خازم السلمي أو من

قطري بن الفجاءة المازني. والبيت الذي أوله: «قدروا» قلما يوجد مثله في الأشعار لأنه أخبر عن الممدوحين بعشرة أخبار في بيتٍ واحد, وهو الرابع من الكامل, ولو أنه الأول لجاز أن يجيء فيه اثنا عشر خبرًا من هذا الجنس.

وقوله:

فوق السماء وفوق ما طلبوافإذا أرادوا غايةً نزلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

ادعى أن هؤلاء القوم فوق ما يطلبون من المعالي؛ فإذا أرادوا غايةً لا يصل إليها سواهم نزلوا إليها من مراتبهم إذ كانت أشرف مما يلتمسون.

وقوله:

قطعت مكارمهم صوارمهمفإذا تعذر كاذب قبلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: هؤلاء القوم كرام تصد مكارمهم سيوفهم أن تقتل أعاديهم, فإذا تعذر إليهم المذنبون قبلوا المعاذير, وإن علموا أنها ليست بالصادقة.

وقوله:

لا يشهرون على مخالفهمسيفًا يقوم مقامه العذل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: هؤلاء القوم فيهم رفق وإحسان؛ فهم لا يشهرون سيفًا إذا كان القول يكفيهم أن يشهروه. وهذا المعنى قد سبق إليه المتقدمون, وقال بعض الملوك: إذا كفاني الكلام لم أرفع السوط, وإذا كفاني السوط لم أشهر السيف.

وقوله:

فأبو علي من به قهرواوأبو شجاعٍ من به كملوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
حلفت لذا بركات غرة ذافي المهد ألا فاتهم أمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

أبو علي هو: الحسن بن بويه والد عضد الدولة أبي شجاع. يقول: أبو علي الذي ظفرهم بالمملكة, وأبو شجاع كملت لهم به الإرادة. والقافية من المتراكب.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر ما جاء على حرف اللام

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.