تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: مغاني الشعب طيباً في المغاني ... بمنزلة

مغاني الشعب طيباً في المغانيبمنزلة الربيع من الزمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الوزن من أول الوافر.

المغاني: جمع مغنى, وهو المنزل, واحدها مغنى. يقال: غني القوم بمكان كذا إذا أقاموا فيه. قال حسان:

ذاك مغنى من آل جفنة في الدهــر وحق تعاقب الأزمان
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لمن الدار أوحشت بمغان»

والرواية التي في أيدي الشاميين ينصبون فيها طيباً, ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل كأنه قال: تزيد طيباً أو تطيب طيباً؛ كما تقول: فلان سيراً؛ أي يسير سيراً. والبغداديون ينشدون طيباً بالرفع ويزعمون أن النصب غير جائز, وإنما فروا من أن ينصبوه على التمييز وليس ثم فعل يحمل عليه. وإذا كان العامل في التمييز فعلًا أجاز بعض النحويين تقدمه كقول الشاعر:

أتهجر ليلى للفراق حبيبهاوما كان نفساً بالفراق تطيب
للشاعر المَخَبَّل السَعدي، اقرأ القصيدة

ووجه رفع الطيب أنه يجعل المغاني مبتدأً وطيباً خبرها؛ فيكون المعنى: مغاني الشعب طيب في المغاني كلها كما أن الربيع طيب في الزمان. والشعب: الطريق في الجبل.

وقوله:

ولكن الفتى العربي فيهاغريب الوجه واليد واللسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

ذهب بعض الناس إلى أن اليد في هذا البيت: النعمة, وإنما أراد: أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها, لأن وجوههم بينة من وجوه العرب, ولحاهم صهب وشقر. وكان مرو أبي الطيب بالكرد وأيديهم لا تشبه أيدي العرب لأنها غلاظ جعدة.

وقوله:

ملاعب جنةٍ لو سار فيهاسليمان لسار بترجمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أراد أن أهلها كأنهم جن, ولم يرد أن الجن تلعب فيها؛ لأن المكان يوصف بذلك إذا كان خالياً. وقد وصف الشاعر هذا الموضع وصف آهل أي كثير الأهل. وفي البيت مبالغة عظيمة لأنه مشهور في الناس أن سليمان كان يعرف منطق الطير؛ فقال: لو سار في هذه البلاد سليمان لاحتاج إلى ترجمان. والتاء في ترجمان تفتح وتضم, والضم أقيس لأن فعللان بفتح الفاء وزن معدوم.

وقوله:

طبت فرساننا والخيل حتىخشيت وغن كرمن من الحران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

في طبت ضمير يعود على المغاني, يقال: طباه الشيء يطبيه ويطبوه إذا دعاه إليه بحسنه. ويقال: طبا الكلب العظم ونحوه إذا دعاه إلى عرقه. قال الشاعر:

جليلة ضاحي الجسم ليست بغثةٍولا دفنسٍ يطبي الكلاب خمارها

وقال كثير:

له نعل لا يطبي الكلب ريحهاوإن وضعت بين المجالس شمت

حرك عن نعل. والمعنى: أن هذه المغاني دعت فرساننا والخيل المركوبة إلى المقام لما شاهدته من طيب الموضع؛ فخشيت وإن كانت خيلنا كريمةً أن يدركها حران فلا تسير.

يقال: حران وحران. والكسر أعلى. وربما نقل الحران من الخيل إلى بني آدم. وكان حبيب بن المهلب يلقلب بالحرون لأنه كان يثبت في الحرب فلا ينهزم.

وقوله:

غدونا

تنفض الأغصان فيهعلى أعرافها مثل الجمان

يقول: هذه الشجر يسقط عليها ندى الليل فهي تنفض على أعراف الخيل شيئاً كأنه الجمان. وفي هذا البيت شبه من بيت ذي الرمة, وهو قوله:

وحف كأن الندى والشمس ماتعةإذا توقد في حافاته التوم
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أعن ترسمت من خرقاء منزلة»

أي: اللؤلؤ.

وقوله:

وألقى الشرق منها في ثيابيدنانيراً تفر من البنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: هذا شجر كثير الورق ملتف؛ فضوء الشمس يدخل من خلله فيكون على الثياب كأنه الدنانير؛ إلا أنه يفر من البنان, والدنانير ليست كذلك؛ أي إذا قربت بناني إليه زال من موضعه. وهذا معنى لم يسبق إليه فيما يظهر.

وقوله:

لها ثمر تشير إليك منهبأشربةٍ وقفن بلا أوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

جمع شراباً على أشربة, وقد جمعه حسان على أشربات فجاء بجمع الجمع, فقال:

إذا ما الأشربات ذكرن يوماًفهن لطيب الراح الفداء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

يقول: هذه الثمار كانها أشربة قائمة بأنفسها لا أواني لها تضبطها. والأواني: جمع

آنية. والآنية: جمع إناء. وفي هذا البيت نظر إلى قول أبي عبادة:

يخفي الزجاجة لونها فكأنهافي الكف قائمة بغير إناء
للشاعر البحتري، من قصيدة «زعم الغراب منبئ الأنباء»

وقوله:

وأمواه يصل بها حصاهاصليل الحلي في أيدي الغواني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الصليل: يستعمل في صوت الشيء اليابس كالحديد والحصى ونحو ذلك. وزعم الشاعر أن هذه الأمواه حسنة, فحصاها يصل فيها كما يصل حلي الغانية عليها. وفي هذا البيت صفة للأمواه ولحصاها؛ لأنه جعل حصاها كالحلي وجعلها كالغانيات من النساء.

وقوله:

ولو كانت دمشق ثنى عنانيلبيق الثرد صيني الجفان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: لو كانت هذه المواضع دمشق لثناني عنها من أنا له قاصد. وقد دل هذا اللفظ على أنه فضل دمشق على هذه المواطن. وقوله: لبيق الثرد من قولهم: لبقت الثريد إذا نعمته وأحكمت القيام عليه. قال الشاعر:

إذا ما الخبز تأدمه بلحمٍفذاك - أمانة الله - الثريد

وقال المقنع الكندي:

ومن جفنةٍ لا يغلق الباب دونهامكللةٍ لحماً مدفقةٍ ثردا

ووصف الممدوح بأنه صيني الجفان؛ لأن الآنية التي تجلب من الصين لها فضيلة على غيرها من آنية البلاد.

وقوله:

يلنجوجي ما رفعت لضيفٍبه النيران ندي الدخان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اليلنجوج: العود الذي يتبخر به وهو أعجمي معرب, وفيه لغات: يلنجوج, وألنجوج, ويلنجج, وألنجج. قال النمر بن تولب:

كأن ريح خزاماها وحنوتهابالليل ريح يلنجوجٍ وأهضام
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

موضع «ما» رفع بإضافة يلنجوج إليه, ولم يتعرف اليلنجوج بالإضافة لأن المعنى: لثناني لبيق ثرده, صيني جفانه, يلنجوجي ما رفعت لضيفٍ به النيران, ندي دخانه.

وقوله:

يحل به على قلبٍ شجاعٍويرحل منه عن قلبٍ جبان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هذا الملك إذا نزلت بمحله الوفود والأضياف وجدت منه من يبتهج بنزولها, فقلبه موصوف بالشجاعة لأنه يؤثر إضافة الوفود؛ فإذا حان رحيلهم كره ذلك فكأن قلبه يجبن منه.

وقوله:

منازل لم يزل منها خياليشيعني إلى النوبندجان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: هذه المنازل لما شاهدت من حسنها لا أزال أرى خيالها في النوم, فكأنه شيعني إلى النوبندجان.

وقوله:

إذا غنى الحمام الورق فيهاأجابته أغاني القيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: هذه المنازل إذا غنى حمامها أجابته قيانها بغناءٍ. وقد تكون القينة أعجميةً فيطرب صوتها السامع وهو لا يعلم ما تقول, وقد بين ذلك بقوله:

ومن بالشعب أحوج من حمامٍإذا غنى وناح إلى البيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: الحمام إذا غنى فإنما ينسب إلى الفرح, وإذا وصف بأنه ينوح فإنما ينسب إلى الأسف. وهو على أنه لا يفهم ما يريد أقل حاجةً إلى البيان من أهل الشعب. وهذا تناهٍ في وصفهم بالعجمة.

وقوله:

وقد يتقارب الوصفان جداًوموصوفاهما متباعدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

المعنى: أن الجمامة يقال لها مغنية وكذلك القينة من بني آدم, والوصفان متقاربان, والحمامة بعيدة من القينة في الخلق والخلق.

وقوله:

يقول بشعب بوانٍ حصاني:أعن هذا يسار إلى الطعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أبوكم آدم سن المعاصيوعلمكم مفارقة الجنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

ادعى أن حصانه أنكر عليه مفارقة شعب بوانٍ, وأنه قال: أتسير عن هذا الموضع إلىم كان تطاعن فيه الفرسان؟ وذكر له عصيان آدم ﵇, وأن بنيه ورثوا عنه المعصية وفراق الجنة, وأنت أيها الشاعر قد فارقت من هذا الشعب جنةً؛ فزعم أنه قال له:

فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍسلوت عن العباد وذا المكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فإن الناس والدنيا طريقإلى من ما له في الأرض ثان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

ادعى أن العالم ودنياهم طريق إلى هذا الممدوح, وقد بالغ فلم يترك ما يقدر عليه الفم إلا نطق به.

وقوله:

له علمت نفسي القول فيهمكتعليم الطراد بلا سنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

زعم أنه مدح المتقدمين من الرؤساء ليتعلم القول في هذا الملك, كما أن الذي يريد تعلم الطعن تكون قناته لا سنان فيها؛ لأنه يخشى أن يصيب بسنانها إنساناً.

وقوله:

بعضد الدولة امتنعت وعزتوليس لغير ذي عضدٍ يدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

في عضد الدولة لغات: عضد على مثال سبعٍ, وعضد: بكسر الضاد على وزن حذرٍ, وعضد: بسكون الضاد وفتح العين على وزن سعدٍ, وعضد: بضم أوله وسكون الضاد على مثال جندٍ, وعضد: بضم الحرفين الأولين مثل: عنقٍ.

يقول: بعضد الدولة امتنعت, ومن ليس له عضد فلا يدي له. وفي هذا الكلام إشارة إلى الملوك غير عضد الدولة لأنهم دونه في الرتبة؛ وقد بين ذلك بقوله:

ولا قبض على البيض المواضيولا حظ من السمر اللدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

جعل من لا عضد له بلا يدٍ, وإذا لم تكن له يد فليس يقدر أن يقبض على سيفٍ ماضٍ, ولا حظ له في حمل الرماح. وقد دخل في هذا سيف الدولة وغيره.

دعته بمفزع الأعضاء منهاليوم الحرب بكرٍ أو عوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

دعته: يعني الدولة, وجعل العضد مفزع الأعضاء الذي تستعين به على ما تروم من طعنٍ أو ضربٍ أو رميٍ. يقول: دعته بمفزع الأعضاء منها؛ أي من الدولة؛ ليوم الحرب التي لم يقاتل فيها بعد والتي قد شبت مرةً بعد مرة.

وقوله:

أروض الناس من تربٍ وخوفٍوأرض أبي شجاعٍ من أمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

جمع أرضاً على أروضٍ, وذلك نادر في المسموع, وهو القياس فيما كان على فعلٍ, مثل: سرجٍ وسروجٍ, وشرجٍ وشروج. والذي جاء على ذلك أكثر من أن يحصى؛ إلا أن أروضاً شاذ.

وقوله:

تذم على اللصوص لكل تجرٍوتضمن للصوارم كل جان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: أرض أبي شجاع من أمانٍ فهي تذم لأموال التجار وتضمن للصوارم الجناة. وقال تذم على اللصوص كم يقال: قد أجار علي فلان, أي أجار مني, ومن في هذا الموضع أشبه من على, وكلاهما يرجع إلى معنى واحد.

وقوله:

إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍدفعن إلى المحاني والرعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الهاء والميم في ودائعهم عائدة إلى التجر. يقول: إذا طلب أصحاب الودائع ثقاتٍ؛ استعار الطلب للودائع لأن المعنى مفهوم. والمحاني: جمع محنيةٍ وهي منعطف الوادي. والرعان: جمع رعنٍ وهو أنف يتقدم من الجبل. يقول: التجر يطرحون أمتعتهم في محاني الأودية ورؤوس الجبال لأنهم لا يخشون عليها لصاً, وهي ثقات تؤدي إليهم ما استودعوه. وهذا معنى غريب يجوز أن يكون لم يسبق إليه.

وقوله:

فباتت فوقهن بلا صحابٍتصيح بمن يمر: أما تراني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

ادعى للمحاني والرعان أنها تصيح بالمار: أما تراني, فتأخذ لك مما عندي شيئاً, فلا يجترئ أحد على أخذ ما فيهن.

وقوله:

رقاه كل أبيض مشرفيلكل أصم صل أفعوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الرقى: جمع رقيةٍ. يقول: إنه قد أقام السيوف مقام رقى يرقي بهن الأعداء. والناس يقولون: فلان يرقي الحيات؛ يزعمون أنه يتكلم عندها بشيء فتخرج.

وفي الناس من يدعى له أنه يرقي اللديغ فينجو من اللدغة بأمر الله سبحانه.

ويقال: حية أصم إذا كان لا يجيب الرقاة؛ فشبه أهل العصيان بالصم من الحيات.

والصل: الذكر منها, وكذلك الأفعوان.

وقوله:

وما يرقي نداه من لهاهولا المال الكريم من الهوان

يقول: هذا الملك يرقي بالسيوف من عصاه فيبلغ ما يريد منه. وهو لا يرقي نداه - أي جوده - من لهاه؛ أي من عطاياه. جعل نداه كأنه عاصٍ لأن عطاياه تهلك المال.

وقوله:

حمى أطراف فارس شمرييحض على التباقي في التفاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: رجل شمري وشمري إذا كان مشمراً في الأمور, نهاضاً فيها؛ وإنما هو مأخوذ من شمر الرجل ثوبه إذا رفعه, أو شمر كمه ليضرب بسيفٍ أو نحوه. ويحض أي يحث, ويجب أن يكون يحض على التباقي بالتفاني بالباء؛ أي إنه يحض على ترك الناس القتل بالقتل, وفي الكتاب العزيز: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾, وهذا اللفظ مشير إلى اللفظ الأول. ومن الكلام القديم: «القتل أنفى للقتل». وإن رويت: في التفاني فله معنى يؤدي إلى المعنى الآخر, ويحتمل أن يريد أنه يحض على التباقي في الدار التي فيها التفاني؛ إما من تفاني الناس بالقتل, وإما من تفانيهم بالموت.

وقوله:

بضربٍ هاج أطراب المناياسوى ضرب المثالث والمثاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

جعل صليل السيوف في الحرب يهيج أطراب المنايا فاستعار لها الطرب, وهو ها هنا: الخفة من الفرح. زعم أنها تبتهج بالقتل. وهذا الضرب ليس كضرب مثالث العود ومثانيه؛ لأن ذلك وضع لغير ما وضع له سواه.

وقوله:

كأن دم الجماجكم في العناصيكسا البلدان ريش الحيقطان

العناصي: جمع عصوةٍ, وهو الشعر المفترق في نواصي الرأس. قال أبو النجم:

إن يمس رأسي أشمط العناصيكأنما جاذبه مناصي

ويستعمل العناصي في الريش. وبيت ذي الرمة ينشد على وجهين, وهو قوله في صفة فراخ القطا:

ينؤن ولم يكسين إلا عناصياًمن الريش تنواء القلاص الهذائل

ويروى: قنازعاً من الريش, والحيقطان: ذكر الدراج, يقال بضم القاف وفتحها.

وقوله:

ولم أر قبله شبلي هزبرٍكشبليه ولا فرسي رهان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أشد تنازعاً لكريم أصلٍوأشبه منظراً بأبٍ هجان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

كان لعضد الدولة في ذلك الزمان ولدان فشبههما بالشبلين وفرسي الرهان.

وذكر أنه لم ير مثلهما أشد تنازعاً لأصلٍ كريمٍ وأشبه منظراً بوالدٍ. ويقال: رجل هجان إذا وصف بالكرم. وقيل: الهجان الأبيض. قال الشاعر:

وإذا قيل من هجان قريشٍكنت أنت الفتى وأنت الهجان
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وقولهم: رجل هجين ضد لهذه اللفظة؛ لأن الهجين الذي أبوه أفضل من أمه. ويقال: هجان اللون أي خالصه. قال الشاعر:

هجان اللون كالذهب المصفىصبيحة ديمةٍ يجنيه جان

وقوله:

وأول دايةٍ رأيا المعاليفقد علقا بها قبل الأوان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الناس يقولون للمرأة التي تلي الطفل: داية. ويجوز أن تكون مشتقةً من داية البعير لأنها تقوية للصبي كما أن داية البعير قوة له. وداية البعير: فقاره من ظهره. ويقال لعظام الصدر: دايات. ودعا لابني الممدوح فقال:

وكان ابنا عدو كاثراهله ياءي حروف أنيسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أراد: جعل الله سبحانه ابني عدو كاثرا هذا الملك له - أي للعدو - كياءي حروف أنيسيان؛ أي هما زيادة في عدده, ونقصان في قدره؛ يعني الياء التي بعد النون في أنيسيان, والياء التي بعد السين, وهو تصغير إنسان. وهذا معنى لم يأت به أحد قبل أبي الطيب. واختلف النحويون في إنسانٍ فادعى قوم أنه من النسيان وحكي ذلك عن ابن عباس. وفي الكتاب العزيز: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي﴾, وأخذ بذلك الطائي فقال:

لا تنسين تلك العهود فإنماسميت إنساناً لأنك ناس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

والبصريون ينكرون أن اشتقاق إنسانٍ من النسيان ويزعمون أنه حرف شاذ. ولو أن إنساناً من النسيان لوجب أن يقال في وزنه: إفعان؛ لأن الياء وقعت موقع اللام, واشتقاقه عند البصريين من الإنس والأنس؛ واحتد عليهم بقوله في الجمع: أناسي؛ فذهب طائفة إلى أنهم أرادوا: أناسين فأبدلوا من النون ياءً؛ وهذه دعوى يمكن أن تكون ليست بالصحيحة. والذي لا ينكسر من القياس أن يقال: أناسي جمع إنسي كنحو قولهم: كرسي وكراسي, وسيف هندي وهنادي. والقافية من المتواتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.