من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت عاتكة بنت عبد المطلب
سائل بنا في قومناوليكف من شرٍ سماعه
قيساً وما جمعوا لنافي مجمعٍ باقٍ شناعه
هذه الأبيات تناسب ما قبلها وتؤدي إلى مثل مؤداها، لذلك قالت سائل بنا في قومنا لأن ما تألمت منه كان في عشيرتها وذويها، وكأن الخطب كان عظيماً، والشر كان مستفحلاً شديداً، فأخذت تبعث على التسآل عنهم في قومهم، إذ كان البلاء لم يعدهم. ويجوز أن يريد: سائل بنا وعن حالنا فيما بين قومنا، كأنه يدعى أن لهم شأناً في قومهم ليس لغيرهم. وقولها وليكف من شر سماعه توجعٌ مما نالهم، واستفظاعٌ لما أجروا إليه فيما أداروا أنفسهم عليه. وظاهر لفظ الأمر للسماع، وهو في الحقيقة للمخاطب، لأن المراد: واكتف إذا سألت من الشر بالسماع دون العيان، فهو في باب الأمر - أعني ليكف - كقولهم في باب النهي: لا أرينك ها هنا، إذ كان المراد: لا تكن ها هنا فأراك. فإن قيل: لم نكر قوله من شرٍ، والذي يومي إليه يجب أن يكون معروفاً مشهوراً؟ قلت: إن فائدة المنكر مثل فائدة المعرف في مثل هذا المكان، ألا
ترى أنك تقول: فلانٌ يلبس خزاً وقزاً، والخز والقز، فلا يختلف المفهوم منهما؟ وقوله قيساً وما جمعوا لنا انتصب قيساً على إضمار فعلٍ، كأنه قال: سائل قيساً والجيش الذي جمعوه لنا في محفل أخباره تتحمل وتنشر على مر الأحقاب والأيام، وشناعته تستفظع وتذكر في المشاهد والأقوام. والشنع والشناعة والشناع والشنوع: قبح الشيء الذي يطير خبره ويعلو. ومنه شنع النجم، إذا ارتفع في السماء والشناع: الناقة الخفيفة. وتشنعت: تشمرت في السير وجدت. وإنما قالت وما جمعوا لنا لأنها أشارت بما إلى الجنس. ويجوز أن تريد: والذي جمعوا من أنواع الملامات والجرائم. وإذا فسدت ذات البين من قومٍ أخذوا يتجرمون ويعددون ما لا يكون جنايةً جناية.
فيه السنور والقناوالكبش ملتمعاً قناعه
أشار بقوله فيه السنور إلى ما اشتمل عليه ذلك المشهد من العدد والعدة. وموضع فيه السنور من الإعراب جرٌ على أنه صفةٌ لمجمع. والمراد بالسنور والقنا والكبش أجناسها. والسنور: الدرع، وقيل هو جماعة الأسلحة والكبش: الرئيس. ومعنى ملتمعاً قناعه بارقاً، أي عليهم البيض. وانتصب ملتمعاً على الحال. ويجوز أن ينوى الاستئناف بقوله والكبش، وحينئذ يروى ملتمعٌ بالرفع، فيكون خبراً عنه، وموضع الجملة يكون نصباً على الحال، وقد سميت البيضة يلمعاً لبريقه، كما سمى السراب يلمعاً. وفي المثل السائر أكذب من يلمع.
بعكاظ يعشى الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكاًقسراً وأسلمه رعاعه
ومجدلاً غادرنهبالقاع تنهسه ضباعه
قوله بعكاظ الباء منه تعلق بقوله في مجمعٍ، ويجوز أن يتعلق بملتمعاً. وشعاعه يرتفع بيعشى، والضمير منه يجوز أن يعود إلى عكاظ لكون الشعاع به، ويجوز أن يعود إلى القناع لأن اللمعان له. ويقال أشعت الشمس، أي انتشر شعاعها. ويقال لمحه ببصره ولمح البصر، ولمح البرق، وبرقٌ لماحٌ. وقولها فيه قتلنا مالكاً الضمير يعود إلى المجمع، ويجوز أن يعود إلى عكاظ. ومعنى قتلناه
قسراً، أي قصداً، لا اتفقاً. والقسر: القهر على كرهٍ. ويقال قسرته واقتسرته. وقولها وأسلمه رعاعه، إشارةٌ إلى لفائف انضموا إليه فخذلوه ولم يفوا له. والرعاع: سفلة الناس وسقاطهم. وقال الخليل: الرعاعة: الرجل الذي لا فؤاد له، ومنه رعاع الناس. ومجدلاً انتصب بفعلٍ ما بعده تفسيره، كأنه قال: وغادرن مجدلاً غادرنه. والضمير في الفعل للخيل. والمجدل: المصروع على الجدالة، وهي الأرض. والقاع: المستوى من الأرض. وموضع تنهسه نصب على الحال، والعامل فيه غادرن. والنهس: أخذ الشيء بمقدم فيك. ويروى: تنهشه بالشين معجمةً. وكان الأصمعي يقول: النهس والنهش سواءٌ، وهو أخذ اللحم بالفم. وخالفه أبو زيدٍ فقال: النهس بالسين أخذك الشيء بمقدم فمك. والضمير في قوله ضباعه يعود إلى القاع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع