تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال عبد القيس بن خفاف

أحد بني حنظلة بن مالك، البرجمي:

صحوت وزايلني باطليلعمر أبيك زيالاً طويلاً
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «صحوتُ وزايلني باطلي»

يقول: وبقاء أبيك لقد أفقت من سكر البطالة، وفارقني ما كنت أتعاطاه من الصبا والجهالة، فراقاً ممتداً لا ينقطع بمعاودةٍ تعرض دونه، أو بمواصلةٍ تبطله وتزيله. فإن قيل: كيف وصف الزيال بالطول؟ قلت: الطول في الحقيقة لوقت الزيال لا له، لكنه وصفه بع على طريق التوسع. وهم يستعملون الطول والعرض على ضربين: أحدهما في المجسمات، وذلك وصفٌ لذهابها في الجهتين. والثاني أن يراد بهما الاتساع للشيء، أو امتداد الوقت به. وهذا الوجه قد يستعمل في المجسم وغير المجسم. وأكثر ما يستعمل منه العرض من دون الطول. على هذا قولهم: نعمةٌ عريضةٌ وجاهٌ عريض. وقال الله تعالى: " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " وقال: " فذو دعاءٍ عريضٍ ". وريما جمعوا بينهما فقد قالوا: عشنا زمناً طويلاً عريضاً. والدهر العريض الطويل، يراد به الكمال

والاتساع، وقد قال كثير:

بطاحي له نسبٌ مصفىًوأخلاقٌ لها عرضٌ وطول
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألم تربع فتخبرك الطلول»

فهذا على التشبيه بالمجسمات، والقصد إلى السعة، لأن الأخلاق توصف بالسعة والضيق. وقد عيب على أبي تمامٍ قوله:

بيومٍ كطول الدهر في عرض مثله

وقيل جعل للزمان عرضاً مع أنه لا حاجة به إليه، إذ كان بذكر الطول قد استوفى المعنى المقصود. وهذا من قائله ظلمٌ صريحٌ لأنه سلك مثل طريقة كثيرٍ من التشبيه بالمجسم، فكما قال في الأخلاق لها عرضٌ وطولٌ، كذلك قال في الزمان له طول كذا فيعرض مثله، ولا فصل. وقوله وزايلني باطلي قال سيبويه: يقال زايلت بمعنى بارحت، ومنه قولهم ما زال يفعل كذا، لأن معناه ما برح، ويقال زال الشيء من الشيء بزيله زيلاً، إذا مازه منه، وزال الشيء يزول زوالاً، إذا فارق. وجواب القسم مقدمٌ عليه.

وأصبحت لا نزقاً للحاءولا للحوم صديقي أكولا
ولا سابقي كاشحٌ نازحٌبذحلٍ إذا ما طلبت الذحولا
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «صحوتُ وزايلني باطلي»

أجرى أصبحت مجرى صرت. والبزق: الطياش الخفيف العقل. ويقال نزق ينزق نزقاً، ومنه نزقت الفرس، إذا ضربته حتى ينزق واللحاء: المشاتمة. يقول: استبدلت من الخفة وقاراً؛ ومن العجلة أناة وسكوناً، فلا يستخفني النزق لملاحاة الرجال، وثلب أعراض الأصدقاء بالاغتياب. ويقال للمغتاب: هو أكولٌ للحوم الناس، كالسبع الضاري. وللنمام: هو أضرب من مشي بشفةٍ، من قوله ﷿: " مشاء بنميمٍ ". وفي القرآن: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ". وقوله صديقي أراد به الكثرة لا الواحد.

وقوله ولا سابقى كاشحٌ نازحٌ فالكاشح: العدو الباطن العداوة. والنازح: البعيد الدار أو النسب. وفي البيت يحتمل الوجهين. يقول: إذا سعيت في طلب

إصابة الأوتار، لم يفتني العدو البعيد الدار، لأن المسافات لا تمنعني عن الطلب وإن شقت وثقلت.

وأصبحت أعددت للنائباتعرضاً برئياً وعضباً صقيلا
ووقع لسانٍ كحد السنانورمحاً طويل القناة عسولا
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «صحوتُ وزايلني باطلي»

يقولك وصرت كما استنكفت من مساوي الأخلق، وأخذت أنعطف على مكارمها، أعددت أيضاً لحوادث الدهر نفساً نقيةً من الدنيات، رافضة للمنكرات، وسيفاً قاطعاً مصقولاً. كأنه في وقت مساعدة الأحوال له وإقبال الزمان عليه، يعلم أن المقدور كما يعطى يرتجع، فيسعى فيما تسلم معه النفس وبطيب به النشر. وإنما قرن بذكر العرض المعد أسلحته ليرى اكتفاءه بها إذا نابت النائبات، كما قال غيره:

فلما نأت عنا العشيرة كلهاأنخنا فحالفنا السيوف على الدهر
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة
فما أسلمتنا عند يوم كريهةٍولا نحن أغضينا الجفون على وتر
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «ولما نأت عني العشيرة كلها»

وقوله ووقع لسانٍ يجوز أن يكون من وقعت الحديدة بالمطرقة، إذا ضربتها؛ ومنه حافرٌ وقيعٌ، إذا أثرت فيه الحجارة. ويجوز أن يكون من وقعت بهم وأوقعت؛ ومنه وقعات الدهر ووقائعه. يقول: وأعددت لها لساناً مؤثراً تأثيراً شديداً، إذا اغترز في ركاب القول نافذاً حديداً، نفاذ السنان. وهذا كما قال:

ولساناً صيرفياً صارماًكحسام السيف ما مس قطع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

وقد قيل: " المرء بأصغريه قلبه ولسانه ". وإذا تنقت الأعراض طالت الألسنة. وكانت الشعراء والخطباء عدةً للقبائل كالرجال والأموال، بل كان الانتفاع بمكانهم، والدفاع بألسنتهم أتم وأكمل. وقوله ورمحاً أي وأعددت رمحاً، وجعله طويل الخشبة لأن مستعمله طويلاً أفرس. والعسول: الشديد الاهتزاز؛ ومنه عسلان الذئب، وقولهم: عسل الدليل في الطريق.

وسابغةً من جياد الدروعتسمع للسيف فيها صليلا
كمتن الغدير زهته الدبوريجر المدجج منها فضولا

يقول: وأعددت لها أيضاً درعاً واسعةً من خير أجناسها، ينبو عنها السيف فلا يعمل فيها، لاستحكامها وجودة سردها، إلا ما تسمع من صليلها عند إصابتها به، صافيةً كأنها صفحة الماء من غديرٍ هبت عليه ريح الدبور، فحركته واستخفته، فصار على ظواهره حبابٌ يتدافع. وإذا لبسها المتدجج في السلاح، المستعد للكفاح، فضل عنه منها فواضل يجررها. وهذا كما قال الآخر:

تغشي بنان المرء والكف والقدم

والقصد في هذا إلى صفة الدرع وجودتها. ولو قصد مدح لابسها لكان يجعلها صداراً أو بدنة. على أن كثيراً لما أنشد عبد الملك قوله فيه:

على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةٌأجاد المسدي سردها وأذالها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ»

قال له: قول الأعشى لقيس بن معد يكرب أحسن من قولك:

وإذا تجيء كتيبةٌ ملمومةٌخرساء يخشى الذائدون نهالها
كنت المقدم غير لابس جنةٍبالسيف تضرب معلماً أبطالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال كثير: يا أمير المؤمنين وصفتك بالحزم، ووصف الأعشى صاحبه بالخرق.

ولقائلٍ أن يقول: إن المبالغة في الشعر أحسن من الاقتصاد، والأعشى أعطى المبالغة حقها، فهو أعذر، وطريقته أسلم.

؟ وقالت امرأةٌ من بني عامرٍ:

وحربٍ يضج القوم من نفيانهاضجيج الجمال الجلة الدبرات

انعطف قوله وحربٍ على مجرورٍ تقدمه، وليس على إضمار رب، بدلالة قولها سيتركها قومٌ. كأنه غلب على ظنها لما رأت من أمارات الشر بين قومها

باستعمالهم البغي، واستيطائهم الظلم، واستبدالهم بالتحاب تباغضاً وبالتعاطف تدابراً، وبالتناصر تخاذلا، وهم من جرثومةٍ واحدةٍ، أنه سيحدث في مؤتنف الأحوال منهم أحداثٌ، وتظهر على مرور الأيام لدواعي الهلك آياتٌ من كذا وكذا، وحربٍ يتشاكون من اشتمالها لهم، وتناولها بالمشاركة من عداهم معهم، وتجاوز القرباء بعد ذلك إلى البعداء فيهم. وهذا المعنى اقتضاه قوله من نفيانها لأن أصله أن يستعمل فيما يتطاير من القطر عند سيلان الماء من أعلى إلى أسفل في جوانب المصب، فشبه ما يتدافع وينتشر من أذى الحرب في جوانب القوم به. والجلة: المسان من الإبل. وتعني التي مع السن أضربها الكد، وجهدها الاستعمال، وأزمنها الدبر، فقالت: تضج العشيرة لما يقاسونه من هذا الحرب ضجيج تلك الإبل عند ما تقاسي من العمل. وهذا التشبيه الصائب المتناهى في الدلالة على حالة المشبه. وقد قال الراجز في هذه الطريقة يصف حرباً:

وأغشت الناس الضجاج الأضججاوصاح خاشي شرها وهجهجا
للشاعر العجاج، من قصيدة «ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا»
سيتركها قومٌ ويصلى بحرهابنو نسوةٍ للثكل مصطبرات

نبهت بهذا إلى استفحال الحرب التي توعدت بها وتفاقم الخطب، فقالت: تضجر بها فرقةٌ منهم فينفضون الأيدي منها تفادياً من ملابستها، ويعتزلون عنها طلباً للسلامة من عقباها، وحذراً من امتدادها إلى غاية لا تملك فيها الاستقالة منها؛ ويصبر فيها أخرى، وهم المنهمكون في إيقاد نارها، والاصطلاء بحرها، للعنون في إثارة كامنها، وإذاعة واقفها، الذين لا يبالون بما يفعلونه أو يفعل بهم، وقد تعود الثكل أمهاتهم فلا يجز عن لقتلهم، وألف الأيمة نساؤهم فلا يحزن لموتهم. ومعنى للثكل أي من أجله، وهذه اللام في هذا الموضع قد تؤدي معنى على، فاعلمه.

فإن يك ظني صادقاً وهو صادقيبكم وبأحلامٍ لكم صفرات
تعد فيكم جزر الجزور رماحناويمسكن بالأكباد منكسرات

قولها فإن يك ظني صادقاً يجري منها مجرى التحذير والوعيد، وفيه بعض الاستفاءة، لأنها إذا رهبت من القطيعة وآفاتها، فقد رغبت في الصلة وآياتها. وقد

تقدم القول في صادقاً وصادقي، وفي حذف النون من يك في الجزم مشروحا. وقولها وبأحلام لكم صفرات، أي لا خير فيها، وقد زالت المسكة عنها. ويقال صفر الإناء وغيره صفوراً، وإناءٌ صِفرٌ وصَفرٌ. وقال الخليل: هو صفرٌ صحرٌ على الإتباع، أي خالٍ. وقولها تعد فيكم جزر الجزور جواب الجزاء من قولها، فإن يك ظني صادقاً، كأنها ذكرتهم حالة منكرة تقدمت لهم، فلذلك قالت: تعد فيكم. والجزر: القطع. وقيل الجزور لأنها تقطع وتقسم. والجزرة: الشاة تذبح. ويقال. ترك بنو فلانٍ جزر الرماح، أي قتلوا واجتزرتهم السباع. وجعل الإعادة للرماح على الاتساع. وقوله ويمسكن بالأكباد يروى بفتح السين، أي يضبطن؛ ويروى بكسر السين: وهو ظاهر المعنى. وانتصب منكسرات على الحال والمراد أنهم يجرون الرمح عند الطعن ويصيبون المقاتل.

؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.