من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الأخنس بن شهاب
فمن يك أمسى في بلادٍ مقامهيسائل أطلالاً لها لا تجاوب
يروى في بلادٍ مقامه والمراد: من أمسى مقامه في بلادٍ مسائلاً أطلالاً لتلك البلاد. فمقامه اسم أمسى، وخبره في بلادٍ. ويروى بلادٍ مقامةٍ على الإضافة، ويكون اسم أمسى ضمير " من " المستكن فيه. والمقامة: الإقامة، والمراد: من أمسى في بلاد إقامةٍ، أي بلاد مستصلحةٍ للإقامة مستوطنةٍ. ويسائل على الروايتين في موضع الحال. وكما يقال هو بلد مقامةٍ، يقال في ضده هو بلد قلعةٍ. والبلاد: جمع بلدٍ، وهو القطعة من الأرض اختط فيها أو لم يختط. يشهد لهذا قول الراجز:
قد ترك البرني فاه بلدا
أي لا أسنان فيه. وقول الآخر:
عرف الديار توهماً فاعتادهامن بعد ما شمل البلى أبلادها
ومعنى البيت: من كان الوقوف على ديار الأحبة من همه، فأمسى مقامه في بلاد مسائلاً أطلالاً فيها لا تجاوبه، فأميى كيت وكيت. وجواب الجزاء فيما بعده. وقد مر القول في حذف النون من يك.
فلابنة حطان بن قيسٍ منازلٌكمانمق العنوان في الرق كاتب
الفاء مع ما بعده إلى صدر البيت الذي يليه جواب الجزاء، كأنه قال: فلهذه المرأة منازل أنا وفقت بها، وقضيت حق الهوى فيها. والمعنى: من كان الوقوف على الديار من دينه في الهوى ومذهبه، حتى صار يسائل مالا يجيب، فلى في الوقوف على ديار ابنة حطان ما يزيد على كل مذهبٍ، ويعفى على كل عادةٍ. وقوله كما نمق العنوان من صفة المنازل، ويروى العنيان والعلوان. فأما العلوان فهو فعوال من علن الأمر، أي ظهر. وأما عنوانٌ فهو فعوالٌ أيضاً من عن له كذا، أي عرض. وأما عنيان فهو فعلانٌ من عناه كذا يعنيه. وفي هذا القدر من الكلام في هذا الموضع كفايةٌ إذ كنا قد بسطنا القول في شرح كتاب الفصيح. وكان الواجب أن يقول كعنوانٍ نمقه كاتبٌ، وتشبيه آثار الديار بالكتابة مألوفٌ في طرائقهم، لكنه طول الكلام تحقيقاً للتشبيه، فصار ظاهره كأنه شبه الآثار بتنميق الكاتب خطه إذا عنون كتاباً. ومثله قول الهذلي:
هبطن بطن رهاطٍ واعتصبن كمايسقى الجذوع خلال الدور نضاح
ألا ترى أن المراد تشبيه الإبل وقد دخلت في السراب بجذوع نخلٍ مسقيةٍ في أصولها الماء، فجاء ظاهره كأنه شبه الإبل بسقى النضاح للجذوع؛ لأن معنى كما يسقي كسقى، كما أن معنى كما نمق كتنميق.
وقفت بها أبكي وأشعر سخنةًكما اعتاد محموماً بخيبر صالب
يقول: وقفت بهذه الأطلال مقيما بها رسم من ثبت عهده في الهوى، ولم يغيره تقاذف الأحبة والنوى، ومظهراً التلهف والتحسر في إثر ما تقادم من أيام الوصال بالبكا، وقد أبطنت جوىً اعتادني منه حمى سخنت منها بشرتي، وحمت لها روحي
ومهجتي، كما يعتاد الصالب وهي الحمى التي معها صداع محموماً بخيبر. وإنما قال ذلك لأن خيبر محمة، وحماها موصوفة بالشدة. ويقال في المثل: " صالبي أشد من نافضك ". وحكى الأصمعي أن أعرابياً ثقلت عليه مؤن عياله لكثرتهم، فحدثته نفسه بأنه لو نقلهم إلى خيبر لنقصهم وباؤه، وأثر فيهم بالتقليل صالبه، وأوردهم خيبر، وأنشأ يقول:
ويحك حمى خيبر استعديهاك عيالي فاذهبي وجدي
وباكري بصالبٍ ووردأعانك الله على ذا الجند
فحموا بأجمعهم وسلموا، ثم تلف هو من بينهم.
وقوله وأشعر سخنةً يروى بضم السين وكسرها. فالسخنة كالحمرة، والسخنة كالجلسة. ومعنى أشعر جعل شعاري. والشعار: ما يلي الجسد من الثياب، وتوسع فيه فقيل أشعر قلبي هماً. ويقال شعرت المرأة، أي نمت معها في شعارها.
خليلاي هو جاء النجاء سملةٌوذو شطبٍ لا يجتويه المصاحب
موضع قوله خليلاي مع خبره نصبٌ على الحال من قوله وقفت بها، واستغنى بالضمير فيه عن إدخال الواو العاطفة لأنه يعلق من الحال بالأول ما يعلقه الواو. ومعنى قوله هوجاء النجاء ناقةٌ في نجائها وسرعة مرها هوجٌ واضطراب. ويقال نجاءٌ أهوج، كما يقال عدوٌ والهٌ. وقد تجاوزوا هذا الحد حتى قالوا غبارٌ مجنونٌ، وزمامٌ سفيه. والشملة: الخفيفة. وقوله وذو شطبٍ أراد به سيفاً ذا طرائق. لا يجتويه أي لا يكرهه متحمله لجودته. وهذا الكلام إشارةٌ إلى أن أصحابه خذلوه ولم يروا مساعدته في الوقوف على الدار.
وقد عشت دهراً والغواة صحابتيألئك خلصاني الذين أصاحب
قرينة من أسفى وقلد حبلهوحاذر حراه الصديق الأقارب
يذكر ما تعاطاه من البطالة أيام صباه، فيقول: بقيت زماناً فيما مضى من عمري طويلاً متباعد الأطراف، والذين أصاحبهم وأوثر معاشرتهم أهل الغواية، وأرباب
البطالة والخسارة، لا أواخي غيرهم، ولا أصالح سواهم. والصحابة مصدرٌ في الأصل، وصف به الخلصان أيضاً مصدرٌ كالكفران والشكران في الأصل، ولذلك صلح أن يقع للواحد والجميع. يقال فلانٌ خالصتي وخلصاني، إذا خلصت مودته. قال:
وعاش صافيةً لله وخلصانا
ويقال: هؤلاء خلصاني، أي أخلائي. وقوله الذين أصاحب أراد أصاحبهم، وحذف الضمير استصالةً للاسم بصلته. وقوله قرينة من أسفى فالقرينة ألحقت الهاء به لأنه جعل اسماً، فهو كالبنية والذبيحة. ومعنى أسفى: دخل في السفاء. والسفاء ممدود: السفه، والرجل سفيٌ. ومعنى قلد حبله خلى واختياره، وأصله في البعير إذا أرسل في المرعى وجعل زمامه على عنقه لتتصرف كما يشاء، ثم نقل إلى من وعظ كثيراً حتى أهمل أمره تبرماً به. ويقال أيضاً: ألقى حبله على غاربه، في هذا المعنى. ومعنى وحاذر جراه الصديق الأقارب، أي تبرءوا منه خوفاً من جرائره التي يجنيها عليهم. وكانوا يسمون مثله الخليع. وعلى هذا قول الشنفري في صفة نفسه:
طريد جناياتٍ تياسرن لحمهعقيرته لاياً بما حن أول
ومعنى تياسرن لحمه اقتسمن لحمه من الميسر. وهذا من فصيح الكلام. والصديق يوصف به الواحد والجمع. والبيت الثاني شرحٌ لقوله والغواة صحابتي، ويفيد من نهايات الغي ما لا يستفاد من ظاهره ومطلقه.
فأديت عني ما استعرت من الصبافالمال عندي اليوم راعٍ وكاسب
ترى رائدات الخيل حول بيوتناكمعز الحجاز أعوزته االزرائب
يقول: رفضت الآن ما كنت أقصر وقتي عليه، وأصرف همي إليه، من سلوك طرائق الجهل، والجري في ميادين اللهو، واستبصرت حتى عرفت من الرشاد ما حملني على رد مستعار الغي، واطراح مستعاد البطل، فصرت أحفظ من المال ما كنت أضيعه، وأصحب من الحزم ما صرت أخلفه، وأجمع من العدة للحوادث ما
بقيت أهمله وأفرقه. وقوله أديت عني حقق بدخول عن أن المؤدى وجب عليه. ألا ترى أنه لو قالا أديت كذا من دون عن لجاز أن يكون لنفسه أدى ما أدى، ولجاز أن يكون لغيره. ولأن معنى أديت عني نحيت عن نفسي. وقوله فللمال عندي اليوم راعٍ وكاسب نبه به على أنه جامعٌ له وحافظٌ. ولم يشر بقوله اليوم إلى وقتٍ معينٍ، لأنه أراد حاضر الأزمان ومؤتنفها. فأما قوله ترى رائدات الخيل فالرائدات المختلفات، ومنه المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". والمراد أن الذي يرتبطونه من المال ويقتنونه الخيل، لا الإبل والغنم، وأنها تختلف فيما بين بيوتهم لكثرتها، لأنهم غزاءون وأرباب غاراتٍ، فخيولهم مربوطةٌ بالأفنية لئلا تبعد عنهم أوان الحاجة لقصدٍ أو متعٍ؛ وهي في اختلافها وكثرتها وترددها بين البيوت كمعزى الحجاز وقد ضاق عنها محابسها ومرابضها. وقوله كمعزى الحجاز في موضع الحال من ترى، وأعوزتها في موضع الحال مما دل عليه الكاف من قوله كمعزى. والأجود أن يضمر معها قد ليقرب بناء الماضي من الحال. والتقدير تراها مشابهةً لمعزة الحجاز وقد عدمت محابسها، فهي ترود. وفي هذه الطريقة قول سلمة بن الخرشب:
يسدون أبواب القباب بضمرٍإلى عننٍ مستوثقات الأواصر
والزرب والزريبة واحد، ويقال أعوزه الدهر: أفقره. وأعوز الرجل: ساءت حاله.
فيغبقن أحلاباً ويصبحن مثلهافهن من التعداء قبٌ شوازب
يقال غبقته إذا سقيته غبوقاً، وصبحته إذا سقيته صبوحاً. والصبوح والغبوق: يشرب بالغداة والعشي، لأنهما كالفطور والذرور والسحور. فيجوز أن يريد أنها تعدى في القرتين، ويكون أحلاباً بمعنى أشواطٍ وأطلاقٍ. يقال احلب فرسك قرناً أو قرنين، واحلبها أحلاباً وحلباتٍ. ويشهد لهذا قوله فهن من التعداء قبٌ شوازب. وتحقيق الكلام أنه جعل صبوحهن وغبوقهن أن أعديت في أول النهار وآخره لتضمر،
كما قال أبو تمام:
تعليقها الإسراج والإلجام
وكما قال غيره:
فإن المندي رحلةٌ فركوب
والتندية: أن ترعى في الورد بعد السقي شيئاً ليعرض عليها الماء ثانيةً. ويجوز أن يريد أنها تسقى اللبن غدواً وعشياً، كما قال:
نطعمها اللحم إذا عز الشجر
يريد باللحم اللبن، وكما قال الآخر
يعطى دواء قفي السكن مربوب
ويكون الأحلاب جمع حلب، مصدر حلبت، والمراد به المحلوب فجمعه لاختلافها. ويكون قوله فهن من التعداء كلاماً مستأنفاً، والمعنى أنها تصنع وتضمر، فتتفد بكل ما يصلحها ويقويها ويعودها الجراء. والقب: جمع أقب وقباء. والشوازب: الضوامر.
فوارسها من تغلب ابنة وائلٍحماةٌ كماةٌ ليس فيهم أشائب
قوله من تغلب ابنة وائلٍ أخبر به أنهم لم يتكثروا بغيرهم، فليس فيهم خلطاء من سواهم ولا غرباء، وإنما هم من أصلٍ واحد. وهذا كما قال سلمة ابن الخرشب.
وأمسوا حلالاً ما يفرق بينهمعلى كل ماءٍ بين فيد وساجر
وهو خلاف قول الآخر وهو يهجو:
ولما أن رأيت بني جوينٍجلوساً ليس بينهم جليس
إذا ما قلت أيهم لأيٍتشابهت المناكب والرءوس
لأن هذا يصف أهل بيتٍ بأنهم لا يرى فيهم نديم ولا معاشرٌ، ولا يغشى فناءهم جليسٌ ولا مخالطٌ، ولا يقصدهم عافٍ ولا مجتدٍ، ولا يؤمهم راحٍ ولا معتفٍ، إنما اكتفى كلٌ منهم بصاحبه، وانفرد كل ذي بيتٍ بنسيبه. وعلى هذا الذي فسرنا يكون من تغلب ابنة وائلٍ خبراً، وحماةٌ خبراً ثانيا. والتقدير: فوارسها تغلبيون حماةٌ. ويجوز أن يكون من تغلب ابنة وائلٍ في موضع الحال، وحماةٌ الخبر، والتقدير: فوارسها وهم من بني تغلب حماة. وحماةٌ: جمع حامٍ. وكماةٌ: جمع كمىٍ. وهذا البناء من الجوع لا يكون إلا في المعتل. والاشائب: جمع أشابةٍ، وهم الذين جمعوا من شيءٍ إلى شيءٍ، على رداءةٍ فيهم وهجنةٍ تشوبهم.
فهم يضربون الكبش يبرق بيضهعلى وجهه من الدماء سبائب
وإن قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
وصفهم بأنهم يطلبون الرؤساء في الحرب بالقتل والنكاية، دون الأوساط والعجزة والسقاط، فهو كقول الآخر:
من عهد عادٍ كان معروفاً لناأسر الملوك وقتلها وقتالها
وقوله يبرق بيضه في موضع الحال من يضربون، وعلى وجهه من الدماء سبائب في موضع الحال أيضاً من قوله يبرق بيضه. والسبائب: الطرق، الواحدة سبيبةٌ، وقوله وإن قصرت أسيافنا مثل قول الآخر:
تصل السيوف إذا قصرن بخطونا
وفي طريقته قول الآخر:
إذا الكماة تنحوا أن ينالهمحد الظبات وصلناها بأيدينا
فلله قومٌ مثل قومي عصابةًإذا حفلت عند الملوك العصائب
قوله فلله قومٌ تعجبٌ وتحضيضٌ. والكلام في مثله قد تقدم مشروحاً. وانتصب عصابةً على أنه تمييز. ويجوز أن يكون حالاً أيضاً. وقوله إذا حفلت أي اجتمعت. وإذا ظرف لما دل عليه قوله لله قومٌ مثل قومي، أي ناهيك بهم من قومٍ في ذلك الوقت. والمعنى أنه يظهر من عزهم وفخرهم في مجالس الملوك ما يستحق به التعجب منهم.
أرى كل قومٍ قاربوا قيد فحلهمونحن خلعنا قيده فهو سارب
يصف عزهم وكرمهم وعظم حشمتهم في قلوب من سواهم، وأن أحداً لا يتجاسر على التعرض لأسبابهم، والتبسط في أحميتهم، فما لهم وإن عزبت في مراعيها محميةٌ، وسروبهم آمنةٌ، وإذا كانت الأقوام غيرهم يقيد فحولها تقييداً مقارباً، وتحفظ مراعيها حفظاً ملاحظاً، مخافة أن تسرب في المرتع، وتبعد عن المجمع، وتتبعها الإناث فتقرب من المغير عليها، وتمكن الطامع فيها، رأيتنا لا نبالي بشيءٍ من ذلك، فنخليها وذهابها حيث شاءت، وأني اختلفت وتصرفت، لأمننا عليها، وعلمنا بأن عزنا يحميها ويذب عنها، ويقصر الأيدي دونها. والسارب: الذاهب في الأرض، حتى قيل سرب الماء وانسرب، ومنه اشتقاق السراب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع