تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال معبد بن علقمة

غيبت عن قتل الحتات وليتنيشهدت حتاتاً يوم ضرج بالدم
وفي الكف مني صارمٌ ذو حقيقةٍمتى ما يقدم في الضريبة يقدم
فيعلم حيا مالكٍ ولفيفهابأن لست عن قتل الحتات بمحرم

إنما قال هذا لأنه كان يستبعد وقوع قتله من جهته، إذ كان منه ذا رحمٍ محرم. فجمع في كلامه هذا بين تلهفٍ على فائتةٍ، وتمن على شرط عقده به له، فيقول: أخرت عن قتل هذا الرجل يوم أصيب ولطخ بالدم، فذهبت نفسه فيه وتغيبت، وكنت أود وأتمنى أن أكون حاضره، ومشاهداً وقته وحينه، ومعي سيفٌ قاطع ينفذ في الضريبة إذا أعمل بحقه من المضاء وحقيقته، ويأتي على المضروب بحده وصرامته، فيتيقن الجيشان ومن لف لفهم وانضاف إليهم من أوباشٍ تجمعوا لهم، وقماش تكثروا بهم، بأني لست عن قتل هذا الرجل بذاهب ولا ممتنع حتى كأني في حرمٍ. وقوله يوم ضرج فهو من الضرج، وهو الحمرة. والإضريج: ضربٌ من الخز أحمر. ويقال: ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصةً، وتضرج الخد عند الخجل. وقوله

ذو حقيقةٍ فالحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه، وتوسعوا فقيل: حاققت الرجل، إذا جاذبته حقاً بينكما. ويقال هو نزق الحقاق، إذا جاذب في صغار الأمور. وقوله بمحرم يقال: أحرم الرجل، إذا دخل في الحرم، أو في الشهر الحرام. وفسر قول الراعي:

قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً

على أنه كان له حرمة الإمامة والبلد والشهر، لأنه قتل ﵁ في ذي الحجة. وانتصب فيعلم على أنه جواب التمني.

فقل لزهيرٍ إن شتمت سراتنافلسنا بشتامين للمتشتم
ولكننا نأبى الظلام ونعتصيبكل رقيق الشفرتين مصمم

يقول: أبلغ هذا الرجل أنك إن اعتمدت على ركوب السفه معنا، وتعمدت في مجاذبتنا سب خيارنا، وثلب أعراضنا، فإنا نربأ بأنفسنا عن مجاراتك في هذا الميدان، ومكايلتك بمكيال السباب. والمتشتم: المتحكك بالشتم والمتعرض له. ويصلح أن يكون للجنس فيدخل فيه زهيرٌ وغيره، ويصلح أن يراد به زهيرٌ خاصةً. وقوله ولكننا نأبى الظلام يريد: لا نرضى بالدنيات، ونمتنع من التزام الظلامات، وندافع عن أحسابنا بكل سيفٍ رقيق الحدين، نافذٍ في الضريبة. والظلام والظلامة والمظلمة واحد، وهو ما تظلم الناس بسببها بينهم. ويروى: الظلام بكسر الظاء، مصدر ظالمته مظالمةً وظلاماً. وقوله ونعتصي يقال عصيت بالسيف، واعتصيت وعصوت بالعصا. ومر يعتصي على العصا، أي يتوكأ عليها. والتصميم: المضي في الأمر. ويقال صمم في عضته، إذا نيب.

وتجهل أيدينا ويحلم رأبناونشتم بالأفعال لا بالتكلم

؟ وإن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك فاستأخر له أو تقدم أفعال جملة الإنسان تنسب إلى جوارحهم على المجاز والسعة، فلذلك نسب الجهل إلى الأيدي. والمعنى أن ما يذم من أفعال القلوب لا نكتسبه بوجهٍ، بل فينا الرأي الثاقب، والوقار الغالب، والأناة والحلم، والسكينة والعلم؛ فأما اليد فإذا بطشنا

بها بطشنا جبارين. أي نحلم بجهدنا ومقدار طاقتنا فإذا أحرجنا فخرجنا عن العادة كانت أفعال أيدينا أفعال الجهال الذين لا رعة تردعهم، ولا رقة تضبطهم. وقوله ونشتم بالأفعال، يقول: نجعل جزاء الشتم والمنقصة والثلب الفعل لا القول، إذ كان القول يذهب أدراج الرياح، والفعل يبقى أثره على مر الأيام. وقوله إن التمادي في الذي كان بيننا بكفيك توعدٌ. يقول: أمر اللجاج والاستمرار فيما يزيد ما بيننا فساداً أنت قادرٌ عليه، ومتمكنٌ من اختياره، فإن شئت فتقدم فيه، وإن شئت فتأخر عنه. ويقال استأخر واستقدم وتأخر، بمعنىً واحدٍ.

؟؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.