تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال ابن السلماني

لعمرك إني يوم سلعٍ للائمٌلنفسي ولكن ما يرد التلوم

سلعٌ: موضعٌ أضاف اليوم إليه تعريفاً. وحكي السلع: شقٌ في الجبل، ومنه قيل: تسلعت رجله، إذا تشققت. وكأن قولهم: هادٍ مسلعٌ من هذا، أي يشق أجواز الفلاة شقاً. واللام من لعمرك لام الابتداء، وخبر المبتدأ محذوفٌ. ولا يجيء عمرو في القسم إلا مفتوح العين، وإن كان الضم لغةً فيه، ومعناه البقاء. والتلوم: تكلف اللوم، فهو كالتذمم. يقول: وبقائك إني في هذا اليوم لعاتبٌ على نفسي ومقرع لها، ولكن ماذا يغني التعتب والأمر فائتٌ. وقوله ما يرد يجوز أن يراد

به ما يرجع، ويجوز أن يكون بمعنى ما ينفع. ويقال: هذا أرد عليك، أي أنفع. وموضع " ما " يجوز أن يكون مفعولاً، ويجوز أن يكون مبتدأً.

أأمكنت من نفسي عدوي ضلةًألهفى على ما فات لو كنت أعلم

قوله أأمكنت لفظه الاستفهام، ومعناه التقريع والتوبيخ. وهذا الكلام هو صريح لومه لنفسه، فيجوز أن يكون حذف قبله لفظة قائلٍ، كأنه قال: إني لائمٌ لنفسي وقائلٌ أأمكنت. ويجوز أن يكون استأنف عذل نفسه من بعد أيضاً. وقوله ضلةً مصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون مفعولاً له، أي فعلت ذلك ضالاً أو لإضلالي. وأصل الضلال الذهاب عن القصد. ويقال ضللت مكاني، بكسر اللام وفتحها، إذا لم تهتد إليه وأضللت بعيرى، إذا شرد فذهب عنك. وقوله ألهفى على ما فات تحسرٌ وتأسفٌ، وهو كلامٌ مستقل بنفسه. وقوله لو كنت أعلم تندمٌ على ما قصر فيه من النظر والفحص، والكشف عن عقبي الأمر. وأعلم مفعوله محذوف، وهو بمعنى أعرف، فيكتفي بمفعول واحد، كأنه أراد: لو كنت أعلم مغيبه. وجواب لو محذوفٌ، أي لو علمت ما نتدمت ولا شقيت، وهذه اللفظة هجيري كل متوانٍ في الشيء حتى يفوته أو يكابد المكروه فيه. والبيت على ثلاثة فصولٍ، كل فصلٍ منها ينفرد بمبناه ولا يفتقر إلى سواه. فالأول قوله أأمكنت من نفسي عدوي ضلةً كأنه يستنكر ما أتفق منه ضلالاً، فأخذ يستفهم تقريعاً وعتاباً. والثاني ألهفى على ما فات، وقد تقدم القول في إعراب ألهفى. والثالث قوله لو كنت أعلم أي لو علمت لتحزمت.

لو أن صدور الأمر يبدون للفتىكأعقابه لم تلفه يتندم

هذا معذرةٌ فيما سها عنه ومسلاةٌ عما بلي به فتحزن له. وقوله لو أن صدور الأمر، هو حذف المضاف، والمراد: لو أن مؤديات صدور الأمر ومسبباته تظهر للفتى كما تظهر له عند أعجازه، لم تره نادماً على فائتٍ، ولا جازعاً إثر هالك. وفي طريقته قول ابن الرقيات:

في مقبل الأمر تشبيهٌ ومدبرهكأنما فيه بالليل المصابيح
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
لعمري لقد كانت فجاجٌ عريضةٌوليلٌ سخامي الجناحين أدهم
إذ الأرض لم تجهل علي فروجهاوإذ لي عن دار الهوان مراغم

هذا تذكرٌ لموارد مخلصه من الأمر الذي لز به، والبلاء الذي استأسر له، وتحسرٌ في عدوله عن مدارج الحزم فيه، وانتهاز الفرصة في الممكن منه، اغتراراً بما لم يجز السكون إليه، وانتظاراً لما لم يصلح الاعتماد عليه، حتى يتمكن طالبه من مراده فيه، وانسدت الطرقات بينه وبين ما يرومه من بعدٍ عنه، واحترازٍ منه؛ فقال متهافتاً: لعمري لقد كانت لي سبلٌ واسعةٌ يمكنني سلوكها، لا مدافع دونها ولا ممانع، وليلٌ أسود الطرفين مظلم، يسترني إذا ركبته، ويساعدني على مجانبة ما أحذره، لا مجاذب عنه ولا منازع. وكان من قوله لقد كانت فجاجٌ هو كان التامة المستغنية عن الخبر. وقوله وليلٌ سخاميٌ فالسخام: الأسود، كأنه يريد سرار الشهر؛ ومنه سخم الله وجهه، أي سوده. والسخامي المنسوب، في معناه، ومثله الدواري والدوار من قوله:

والدهر بالإنسان دواري

ويجوز أن يريد بالسخامي الجناحين، اللين وقلة الآفات في جوانبه؛ فإن السخام الريش اللين تحت الجناح، لأن قوله أدهم قد دل على الظلمة.

وقوله إذ الأرض إذ لما مضى، وقد شرح بالجملة التي أضيف إليها ومعنى لم تجهل على فروجها، أي ثغورها ومواضع المخالفة منها كانت على معالم لا مجاهل، فأدري كيف آتيها، وأنفذ في قطعها والخروج منها، لا أتهيب ولا أتحير. ويقال جهل فلانٌ على، إذا شق عليك، قال الشاعر:

جهلاً علي وجبناً عن عدوهملبئست الخلتان الجهل والجبن

وقوله وإذ لي عن دار الهوان مراغم الأصل في المراغمة الهجران، يقال فلانٌ يراغم أهله أياماً ثم يرجع. وفي القرآن: " يجد في الأرض مراغماً كثيراً "، أي متسعاً لهجرته.

فلوشيت إذ بالأمر يسرٌ لقلصتبرحلي فتلاء الذراعين عيهم
عليها دليلٌ بالبلاد نهارهوبالليل لا يخطي لها القصد منسم

يخبر عن نفسه بأنه إنما أتي من تقصيره وتهاونه فيما وجب من جده وتشميره، فيقول: لو أردت حين كان الخطب أيسر، وأسباب المنع أقصر، لخفت بي وشمرت في الانتقال عن دار المذلة والهوان، ناقةٌ في ذراعيها فتلٌ. والفتل هو تباعد المرفقين عن لزور، لئلا يصر حازاً ولا ناكتاً ولا ضاغطاً. والعيهم والعيهمة: الناقة الماضية، وكذلك العيهامة؛ وقيل هي الطويلة العنق، الضخمة الرأس، وذلك محمودٌ في صفاتها. وقوله عليها دليلٌ بالبلاد فإنه يعني به نفسه. وبالبلاد أراد به في البلاد، كما يقال فلانٌ بالبصرة وفي البصرة. ويجوز أن يكون أجرى قوله " دليلٌ " مجرى عارفٍ وعالم، فلذلك أتى بالباء. وقوله وبالليل لا يخطي لها القصد منسم، أي لبصره لا يخطئ منسم بعيره فيزيغ عن القصد. وهذا وإن جعله من صفة البعير فالمراد به أنه هادٍ خريتٌ. والدليل أصله فاعل الدلالة، فهو كالدل، وقد توسع فيه. والبلد: الأرض وإن لم تختط.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.