من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت امرأةٌ من بني هزان
يقال لها أم ثواب في ابنٍ لها عقها:
ربيته وهو مثل الفرخ أعظمهأم الطعام ترى في جلده زغبا
حتى إذا آض كالفحال شذبهأباره ونفى عن متنه الكربا
أنشا يمزق أثوابي يؤدبنيأبعد شيبي عندي تبتغي الأدبا
يقال رببته وربيته بمعنىً. ومعنى البيت: كان ابني حين ولده في ضعفه وصغره، وتساقط قوته، وتخلخل بنيته، ورخاوة مفاصله، كفرخ القطاة ولم يستبدل بعد بزغبه شكيراً، ولا بانحلال عقده تماسكاً، فأقبلت أربيه وأعظم شيءٍ فيه بطنه، وأرقيه في مدارج النشء والترشيح وهو لا يميز ما ينفعه مما يضره، متردداً في الأحوال التي تجري إليه، وتتغير عليه، بين صيانةٍ كاملةٍ، وشفقةٍ بارعةٍ، وحفظٍ متصلٍ، وإشفاقٍ مطردٍ. وتسميته البطن بأم الطعام، كما قيل للجلدة الرقيقة الملبسة الدماغ أم الدماغ، وكما سمي المجرة أم النجوم، وكل ذلك لما في المضاف والمضاف إليه من الانضمام والاحتواء. وقد سمى الشنفري تأبط شراً بأم عيالٍ، فقال:
وأم عيالٍ قد شهدت تقوتهمإذا أطعمتهم أوتحت وأقلت
لما كان يجمع من أمر أصحابه ويتكفل به لهم ويدبره. وقولها حتى إذا آض كالفحال حتى وضع للغاية، وأضيف إلى إذا وما بعده من الجملة التي انشرح إذا
بها. والمعنى إلى هذا الوقت. وموضع كالفحال نصبٌ على الحال. يقول: لم أزل أجري معه في تربيته وتفقده، إلى أن استكمل شبابه، وبرع نباته، وامتد قوامه، فصار كفحل النخل وقد قطع متعهده منه شذبه، وألقى عن ظهره كربه، ليكمل طوله، ويتم غراسه. والكرب: أصول الأعذاق تترك كالأوتاد ليرتقى بها في النخل. والفحال: فحل النخل خاصةً، ولا يقال لغير فحلها فحال. والابار والمؤبر: الملقح للنخل. والفحال لا يؤبر، ولكن لما كان يؤبر به النخل أضاف الأبار إلى ضميره، على عادتهم في إضافة الشيء إلى غيره لأدنى تفلق بينهما. ألا ترى إلى قوله تعالى: " فإذا جاء أجلهم " وفي موضعٍ آخر: " فإن أجل الله ". ومعنى آض، قال الخليل: الأيض صيرورة الشيء شيئاً غيره وتحوله عن حاله. وقوله أنشا يمزق أثوابي هو جواب قوله حتى إذا آض كالفحال، وهو العامل في إذا، أعني أنشأ. ويقال أنشأ الله الخلق، ونشأ فلانٌ حديثاً، ثم يقال: أنشأ يفعل كذا ويقول كذا. يقول: لما بلغ هذا المبلغ ابتدأ يضربني ويخرق ثيابي، مرشداً ومؤدباً ثم قالت وكأنها أقبلت على إنسانٍ غيره بحضرتها تخاطبه منكرةً ومتعجبةً: أبعد المشيب يطلب تأديبي. وهذا الكلام منها كالإشارة إلى المثل المضروب السائر في الأمم: " من العناء رياضة الهرم "، وهو مع ذلك يجري مجرى الالتفات.
إني لأبصر في ترجيل لمتهوخط لحيته في خده عجبا
قالت له عرسه يوماً لتسمعنيمهلاً فإن لنا في أمنا أربا
ولو رأتني في نارٍ مسعرةٍثم استطاعت لزادت فوقها حطبا
قولها إني لأبصر، يقال أبصرت الشيء وبصرت به. والبصر: العين ونفاذ القلب. وحكي أن معاوية قال لابن عباسٍ وقد كف بصره: ما لكم يا بني هاشمٍ تصابون بأبصاركم إذا أسننتم؟ فقال: كما تصابون ببصائركم عنده!! والترجيل: غسل
الشعر ومشطه. وعجبا مفعول أبصر. ويقال أمرٌ عجبٌ وعجيبٌ وعجابٌ، إذا تجاوز حد العجب. والاستعجاب: شدة التعجب. تقول: أرى بعد ما شاهدته من طفولته وضعف حراكه وتنقل الأحوال به وقتاً بعد وقت، ونشئاً بعد نشءٍ، عجباً في لمته ولحيته المختطة. أي أتعجب كيف تحول عن تلك الحالة إلى ما أجده عليه الساعة. ثم قالت حاكيةً عن زوجته ما كانت تتفوه به سمعةً ورياءً، وتقيم به سوقها حيلة ونفاقاً، إظهاراً لخلاف ما ينطوي عليه قلبها، ويشتمل عليه ضميرها: كف عن أيذاء أمنا فإنا لا نستغني عنها، ولا تتمشى أمورنا إلا بها وبحياتها. ومعنى مهلاً رفقاً لا تعجل. وأصل المَهْل والمَهَل السكينة والوقار، ومنه الإمهال في الدين. والأرب: الحاجة. ثم صرحت بما عرفته من سوء نيتها فيها، وحرصها على الزيادة في مساءتها، فقالت: تكلفت ذلك المقال منها ملقاً منها ومجاملة، ولو وجدتني في نارٍ محرقةٍ ثم قدرت لزادت في وقودها وإضرامها. ويقال. سعرت النار والشر وأسعرتهما، وإنه لمسعر حرب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع