تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أمية بن أبي الصلت

غذوتك مولوداً وعلتك يافعاًتعل بما أدني إليك وتنهل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»
إذ اليلةٌ نابتك بالشكو لم أبتلشكوك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذيطرقت به دوني وعيني تهمل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»

اعتد عليه بما تجشمه فيه بعد أن كان السبب في إبدائه وإنشائه، وبما أعد له وتكفل به، من ابتداء الطفولة إلى انتهاء الشباب واستكمال القوة، إذ كان جارحه ومربيه، والقائم بمؤنه على اختلاف سنيه. ويقال غذوتك غذواً. والغذاء: الطعام والشراب. ويقال غلامٌ يافعٌ ويفاعٌ ويفعٌ، وقد أيفع وأصله الارتفاع، ومنه اليفاع من الأرض والجبل. وقوله علتك أي أنفت عليك. يقول: ربيتك لما ولدت، ومنتك حين أيفعت، وفي تلك المدة تسقى العلل والنهل، وتطعم الحار والبارد، وتكسى اللين والخشن، كل ذلك مما أجمعه لك، وأدنيه منك، وبعد أن أقيك من المحاذر، وأحفظك دون المتالف، شفقةً عليك، واهتماما بشأنك، فإن طرقتك ليلةٌ بشكاةٍ تؤذيك، أو عارضٍ يضنيك، سهرت طول تلك الليلة لا أهدأ قلقا، ولا أستنهض لدفع ما أجده سكناً، ولا أستلين مهاداً، ولا أثني لمقر رأسي وساداً، بل أتلوى وأضطرب، وأتململ على فراشي وأتقلب، حتى كأني المختص بما أشكاك، والمدهي بما دهاك، لا يحف مدمعي، ولا يوطؤ مضجعي. وقوله تعل بما أدني يجوز أن

يكون موضع تعل صفةً لقوله يافعاً، أي معلولاً؛ ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف كأنه قال: وأنت تعل وتهل بما أدنيه. وقوله لم أبت لشكوك فالشكو والشكوى والشكاة واحدٌ. والتململ: القلق وترك الهدو. ويروى تعل بما أجني عليك والمعنى أجني لك. وهذا كما يقال: سعى فلانٌ على ذويه، إذا سعى لهم في مصالحهم: ويقال جنى الثمر يجني جنياً وجنايةً. قال الأخطل:

داني الجناية مونع الأثمار

فلما بلغت السن والغاية التيإليها مدى ما كنت فيك أومل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»
جعلت جزائي منك جبهاً وغلظةًكأنك أنت المنعم المتفضل

يقول: فلما تكامل منك الشباب، وتعلقت بك الآمال، وبلغت المدى المنتظر للانتفاع بك، والاستظهار بمكانك، والاضطلاع بكفايتك، وصلحت لأن تكون عدةً وعدداً، وبأساً مخوفاً، وطمعاً مرجواً، أقبلت تجازبني بإحساني إساءةً، ومما استلنت من جانبي غلظةً، ومما ترفرف عليك من رحمتي ورقتي نبواً وقسوةً، حتى كأن ما سال عليك من نعمتي كان لك، وما أسبل عليك من فضلي وإفضالي كان منك؛ لا مراجعة في الأول تردك، ولا ملاحظة لعقباك تفيء بك.

والجبه: مقابلة الإنسان بما يكرهه.

فليتك إذ لم ترع حق أبوتيفعلت كما الجار المجاور يفعل
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «غذوتك مولودا وعلتك يافعا»
تراه معداً للخلاف كأنهابردٍ على أهل الصوب موكل

يقول: وددت أنك إذ لم تنلني إكبار الآباء، ولم ترع مني حقوق الولاد والإنشاء سرت معي بسيرة المجاور لجاره، والمرافق لرفيقه؛ فإن ذلك إذا عد درجات المبار، ومدت علائق التحاب، وتؤمل ذمم القرابة، وحرم الصداقة، أضعف الأواخي، وأدون المراقي. ثم أخذ ينبه على سوء اختياره، وتمادي لجاجه، وتناهي جهله والتوائه، فقال: تراه معداً للخلاف أي جعل الخلاف على ذوي الرأي وأرباب العقل، وأولي

الحزامة والحلم، عدةً فكأنه وكل برد صوابهم. واستقباح المحسن عندهم. فإن قيل: بماذا دخل هذه الأبيات وما يتلوها - وهو في معناه - في باب الحماسة؟ قلت: دخلت فيه بالمشاكلة التي بينها وبين ما تقدمها من الأبيات، المنبئة عن المفاسدة بين العشائر، وما يتولد فيها من الإحن والضغائن، المنسية للتواشج والتناسب، المنشئة لهتك المحارم، المبيحة لسفك الدماء وقطع العصم؛ إذ كان عقوق البنين للآباء، وتناسي الحرم، فيه مثل ذلك. وهو ظاهرٌ بينٌ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٤)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.