من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال العديل بن الفرخ العجلي
ألا يا اسلمى ذات الدماليج والعقدوذات الثنايا الغر والفاحم الجعد
قوله يا اسلمى يراد به يا هذه اسلمى، فحذف المنادى. ومعنى اسلمى: دومي سالمةً. وانتصب ذات الدماليج على أنه نداءٌ ثان، ويجوز أن يكون انتصابه على إضمار فعل، كأنه قال: أذكر ذات الدماليج. وهذا يجري مجرى الكناية لما كره التنبيه
على اسمها. والدماليج: جمع الدملوج، وهي المعضد. وقال الخليل: يقال دملجت الشيء، إذا سويت صيغته، كما يصاغ الدملج. وثوله وذاب الثنايا كان وجه الكلام أن يقول: والثنايا الغر، لكنه أعاد لفظ ذات ليكون الخطاب به أفخم وأجل قدراً، ولشدة اتصال المضاف بالمضاف إليه، كأنه عدهما اسماً واحداً لا محمل بالحذف عليه. ويجري هذا المجرى قوله تعالى: " قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم "، " والذين هم ". وقول الشاعر:
أما والذي أبكى وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
والعقد: القلادة: يقال عقدت عقداً، ثم يسمى المعقود عقداً، فهما كالنقض والنقض. والفاحم: الشعر الأسود الحسن وقد فحم فحوماً.
وذات اللثات الحم والعارض الذيبه أبرقت عمداً بأبيض كالشهد
اللثات: مغارز الأسنان. والحم: جمع أحم وحماء، وهو الأسود من كل شيء. ويروى الحو وهو جمع أحوى وحواء. والحوة: حمرةٌ تضرب إلى سواد. والعارض: ما يظهر من الثغر عند النطق من الجانبين. ومعنى أبرقت به: أطلعت البرق. والبرق: وميض السحاب أصله. ويقال: برق السحاب برقاً وبريقاً، وأبرق لغةٌ فيه، كذلك قال الخيل. وقوله عمداً مصدرٌ في موضع الحال، أي أبرقت عامدةً. ويريد بالأبيض رضاب الفم. والتشبيه بالشهد قصد به إلى العذوبة.
كأن ثناياها اغتبقن مدامةًثوت حججاً في رأس ذي قنةٍ فرد
الاغتباق: شرب العشي، وخصه بالذكر لأن القصد إلى أنها عند السحر يطيب نكهتها، فإذا تغيرت الأفواه وخلفت كانت هذه كأنها مغتبقة خمراً بقيت سنين في رأس جبل انفرد عن الجبال ورءوسها، بحصانته وتمنعه. وهذا منه إشارةٌ إلى قلعةٍ في قلة جبل شاهق، أو قصر أو حصن شبهه بحبل هذه صفته.
لعمري لقد مرت لي الطجير آنفاًبما لم يكن إذ مرت الطير من بد
كان زجاراً فلذلك قال ما قال. وخبر لعمري محذوفٌ، كأنه قال لعمري قسمي. ولقد جواب القسم مع ما بعده. والقسم كما يقع بالمفرد يقع بالجملة. وأنث الطير لأنه أراد الجماعة، فلذالك قال مرت. وآنفاً انتصب على الظرف، والمعنى فيما ائتنف من الوقت، وإنما عاف هذه العيافة التي أشار إليها فيما دار بين قومه من الشر، وكأنه آمن بما أوجبه مرور الطير في حلمه، فلذلك قال بما لم يكن من بدٍ. ومن بدٍ موضعه اسم لم يكن، وخبره محذوف، لأن التقدير بما لم يكن بدٌ من وقوعه إذ مرت الطير. وهذا كما يقال ما جاءني من رجل في اللفظ، وإن كان التقديران مختلفين. ومعنى قول القائل لا بد من كذا: لا اتساع في الاستغناء عنه. ويقال رجلٌ أبد وأمرأةٌ بداء، إذا تباعد إحدى فخذيه عن الأخرى، وبددت الشيء أبده، إذا جزأنه أجزاءً في القسم. ويقال هات بدتي، أي نصيبي، ومنه يقال استبد فلان بكذا إذا اختص.
ظلت أساقي الهم إخوتي الأولىأبوهم أبي عند المزاح وفي الجد
يقال: ظل يفعل كذا، إذا فعله نهاراً، ثم يتوسعون فيه، ويجري مجرى صار يفعل كذا يدل على ذلك قوله تعالى: " وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً " ألا ترى أن البشارة بالأنثى تتفق كل وقتٍ من ليلٍ ونهارٍ. وقوله أساقي الهم يجوز أن يريد به الغم، كأنه كان يباث إخوانه وأصفياءه لما كان يدور عليه أمر عشيرته من الخلاف المؤدي إلى التقالى والتحزب، وما كان يخافه من التفاني عليهم عند التجارب. والأولى في معنى الذين، والجملة التي بعده من صلته. وقوله أبوهم أبي عند المزاح وفي الجد يجري مجرى التأكيد للأخوة، والتحقيق للتشابك، والممازجة بالنسبة، والمعنى: على كل حالٍ إذ لا ثالث لهما. ووضع المزاح موضع الهزل. ومثل هذا في معنى التأكيد، وإن كان لفظة لفظ البدل قولهم: جاءني بنو تميمٍ صغيرهم وكبيرهم، صريحهم وهجينهم، وما أشبهه. ويجوز أن يريد بالهم مصدر هممت بالشيء، كأنه اجتمع مع إخوته ليوافقهم على رأي يبنون أمرهم عليه مع الفساد الظاهر له بين ذويه وفصيلته. ويروى المزاح بضم الميم فيكون اسماً، والمزاج بكسر الميم فيكون مصدر مازحت.
كلانا ينادي يا نزار وبينناقناً من قنا الخطى أو من قنا الهند
كلا اسم مفردٌ يؤكد به المثنى، كما أن كلاً اسم مفردٌ يؤكد به المجموع. والمراد به هنا كل واحدٍ منا، لذلك قال ينادي. والمعنى إن اعتزاء كل واحد من
طائفتينا إلى أبٍ واحد، والشر إذا وقع بين الأقارب كان في عقول ساداتهم أشد تأثيراً، وأبلغ عند الاستعمال به تحذيراً، إذ كان مفاسدة النسيب لنسيبه أفظع، وكان التقاطع حيث يجب التواصل أشنع، لأن عز السيد بتابعيه، وليس الأقارب منهم كالأجانب. وقوله وبيننا قناً من قنا الخطى الواو واو الحال، وقد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. والمراد: وبيننا اختلاف قناً خطيةٍ بالطعن، أي بلغ جهد البلاء بينهم هذا المبلغ وانتهى إلى هذه الحالة. وقال من قنا الخطى والمراد من قنا الموضع الخطى أو المكان، فأقام الصفة مقام الموصوف. يدل على هذا أنه قال بعده أو من قنا الهند. ويجب أن يكون القنا الأول وإن كان جمع قناةٍ متناولاً لما هو أقلٌ مما يتناوله القنا الثاني حتى يحصل معنى التبعيض بمن. والخط: جزيرة عمان. ويقال في الرماح هي الخطية، كأنه اسمٌ لها.
قرومٌ تسامى من نزارٍ عليهممضاعفةٌ من نسج داود والسغد
القروم في الأصل: الفحول المصاعب التي أعفيت من الحمل عليها وتركت للفحلة. ويقال أقرمت البعير فاستقرم. وعنى بها ها هنا الأبطال الكرام. وتسامى، أي تتعالى في التباري والتماري. والأصل في تسامي تتسامى فحذف إحدى التاءين استثقالاً لاجتماعهما. وقوله من نزارٍ في موضع الصفة لقروم، والتقدير قرومٌ نزاريةٌ تتسامى، وقوله عليهم مضاعفةٌ في موضع الحال والعامل فيه تسامى. ومعنى المضاعفة: التي نسجت حلقتين حلقتين. ومن نسج داود في موضع الصفة للمضاعفة، وأراد مضاعفةً داوديةً وسغديةً. وارتفع مضاعفةٌ بالظرف في المذهبين جميعاً لوقوع الظرف في موضع الصفة. ومثله من مسائل الكتاب: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً.
إذا ما حملنا حملةً ثبتوا لنابمرهفةٍ تذرى السواعد من صعد
وإن نحن نازلناهم بصوارمٍردوا في سرابيل الحديد كما نردى
أما البيت الأول فقد ألم فيه بمعنى قول الآخر:
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضهببعضٍ أبت عيدانه أن تكسرا
والمرهفة: السيوف المرققة الحد، وسيفٌ رهيفٌ، وقد رهف رهافةً. ومعنى تذرى تسقط، وهو في موضع الصفة لمرهفةٍ. ومعنى من صعد من أعلى. وهذا كما قال غيره:
يذري بإرعاشٍ يمين المؤتلىخضمة الذراع هذا المختلى
وقوله وإن نحن نازلناهم فالنزال يأتون به ويركبونه في المضايق حيث لا يتسع المجال للخيل، وإذا كان كذلك فالبيت الأول من صفة الفرسان، والثاني من نعت الرجالة. وقوله ردوا في سرابيل الحديد كما نردى، الرديان في الأصل عدو الحمار بين آريه ومتمعكه، ولم يقصد تفضيلاً لأحد الفريقين على الآخر إما لقصده إلى الإنصاف في اقتصاص ما يجري من الأحوال، وإما لأن الفرقتين كانتا من أصلٍ واحدٍ جعلهما على سواءٍ من البلاء.
كفى حزناً ألا أزال أرى القنايمج نجيعاً من ذراعي ومن عضدي
لك أن ترفع أزال على أن يكون أن مخففةً من الثقيلة، والمراد أني لا أزال. ولك أن تنصبه على أن يكون أن هي الناصبة للفعل. وموضع أن لا أزال على الوجهين جميعاً رفعٌ بكفى. وحزناً انتصب على التمييز. والمعنى: كفى من حزنٍ أنى لا أزال أرى الرماح تصب دماً من ذراعي ومن عضدي، أي من قومٍ بهم أبطش وأعتز، فهم مني بمنزلة الذراع والعضد. وهذا في الاستعارة لمن يقوى به الرجل ويعتضد أبلغ وأشبغ وإن تشاوت الطريقتان - من قول الآخر:
فإن أك قد بردت بهم غليليفلم أقطع بهم إلا بناني
وقد قيل " أخ الرجل عضده ". والمج: إخراج الماء من الفم، وتوسعوا فقالوا للمطر: هو مجاج السحاب. والنجيع: دم الجوف. ويقال تنجع الرجل، إذا تلطخ به.
لعمري لئن رمت الخروج عليهمبقيسٍ على قيسٍ وعوف على سعدٍ
وضيعت عمراً والرباب ودارماًوعدوان ودٍ كيف أصبر عن ود
لكنت كمهر بق الذي في سقائهلرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلد
نبه بهذا الكلام على قرب القرابة بينهم، وتأكد الالتحام فيهم، وأن تمازج الأنساب، وتواشج الأسباب، يوجبان أن طوائف هؤلاء الجموع كطوائف تلك، فإن أخذ يطلب الخروج عليهم، والنكاية فيهم، احتاج أن يخرج بقيسٍ على قيس، وبسعدٍ على سعد، لأن عوفاً هو ابن سعد. واحتاج أن يراغم عمراً والرباب ودارماً ووداً، وأن يضيع حظوظهم وحقوقهم، وبفيت نفسه وذويه مأمول الخير من جهتهم، والتكثر والتعزز بمكانهم، وذلك أيسر نتائج التقاطع والتدابر، والتنازع والتنابذ، والتجاذب والتحارب؛ هذا إلى ما فيه من مجانبة الرشاد، والتباعد في طرق الضلال والفساد. وقوله كيف أصبر عن ود هو الذي يسميه النقاد والبصراء بصنة الشعر وتمييز البديع فيه الالتفات. كأنه لما ذكر وداص والخلاف عليه، ونفض اليد مما يجمعه وإياه، وكشف الرأس بالمعاداة معه، رق للرحم قلبه، وضاق بالحال المتصورة صدره، والتفت إلى من بحضرته فقال: كيف يكون صبري عن مثله. ثم أخذ يمثل نفسه فيما يأتيه، ويصور نفسه إن أخذ فيه، فقال: لعمري إن صورتي إذا ركبت هذه الخطة معهم، ومثلي فيما أختاره من مفاسدة الأقارب مع هذا التحقق والتداني، والاستنامة إلى آمالٍ متخليةٍ في الأجانب، مثل رجل قد أعد ماء فمه لوقت حاجته، وهو في مفازةٍ متنائية الأرجاء، فترقرق له السراب من مكان يتوصل إليه بمشقةٍ تتكلف، وزيادة تعبٍ تتجشم، فصب ما قد استصحبه من الماء، وتيقن النجاة به، اغتراراً بما تراءى له وتظناه، وهو لا يدري هل يقدر على الوصول إليه، وإذا جاءه هل يجد له حقيقة أو لا. وقد ضرب الله المثل بالسراب لأعمال الكفار واغترارهم بها فقال: " كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ". والرابية: المكان المرتفع. والصلد: الصلب الذي لا ينبت شيئاً. والرقراق: ما ترقرق فيما يتخيل للعين ولمع، ويوصف به الدمع والماء والجارية الرائقة. يدل على ذلك قوله:
رقاق لا زرق العيون ولا رمدا
ولامرئ القيس يصف الدمع:
أو الدر رقراقه المنحدر
وقوله لكنت كمهريق الذي جواب القسم، وبعضهم رواه: فكنت كمهريق وعلى هذا يكون الجواب محذوفاً. وقد حمل الكلام على المعنى لظهور المراد منه دون اللفظ، والأول أكشف.
كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعتبني بطنها هذا الضلال عن القصد
يجوز أن يكون المرضعة امرأةً فعلت ذلك فضرب المثل بهذا، ويشهد لذلك قول الآخر:
كمرضعةٍ أولاد أخرى وضيعتبنيها فلم ترقع بذلك مرقعا
ويقال: النعام تفعل ذلك لسوء هدايتها، فتترك الواحدة منها بيض نفسها وتسوم في المرعى، فإذا أرادت العود إليها لم تهتد، فتجثم على بيض غيرها. ويشهد لهذا الوجه قول الآخر:
فإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زنداً شحاحاً
كتاركةٍ بيضها بالقراءوملبسةٍ بيض أخرى جناحا
وقوله هذا الضلال عن القصد يجري مجرى قوله كيف أصبر عن ود، في أنه من باب الالتفات. ومثلهما قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوحٍسقيت الغيث أيتها الخيام
والشاعر لم يقنعه التشبيه الأول ولم يكتف به، لأن الثاني أدل على الحال فيما يروم تصويره، وأشبه بقصته إذا فعل فعلته. والقصد: الطريق المستقيم، وهو المقصود.
فأوصيكما يا ابنى نزار فتابعاوصية مفضى النصح والصدق والود
فلا تعلمن الحرب في الهام هامتيولا ترامياً بالنبل ويحكما بعدي
جعل وصاتة شاملةً لقبائل ربيعة ومضر، وهما ابنا نزار بن معدٍ، فيقول: أبذل نصحي لكم، وأبسط وصيتي إياكم فيكم، فتابعوها واعملوا بحسبها، فإنها ممحوضةٌ لكم عن قلب رجلٍ سليم الغيب، نقي الجيب، صائب الرأي، صادق الود. وقوله مفضى النصح أي واصل نصحه إليكم، وصائر في فضاءٍ وسعةٍ. والمعنى انكشافه وخلوصه. وفي القرآن: وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ. وقوله فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي هذا صريح الوصية التي دعا إليها، وسامهم ارتسامها وحفظها. وجعل النهي لهامته، والمخاطبون هم المنهيون، فهو كقولك: لا أرينك ها هنا، والمراد: لا تكن ها هنا فأراك. وتحقيق قوله فلا تعلمن الحرب في الهام هامتي: لا تتحاربوا بعدي فتعلم هامتي بين الهام الحرب بينكم، أي عليكم بالتواصل والتعاضد، وإياكم والتقاطع والتدابر، فإن ذلك يؤدي ضعفكم، واجتراء الخصم عليكم، إن لم يؤد إلى التفاني والتهالك. وكانت العرب تقول: إن عظام الموتى تصير هاماً فتطير وتتنسم أخبار الأحياء. وقوله ولا تراميا بالنبل ويحكما بعدي، يقول: دعوا التفاخر والتنافر، والتجاذب والتحارب، فإن ذلك من آكد أسباب التلاقي والتهاجر. وهم يجعلون المناضلة مثلاً للمفاخرة، على هذا قول لبيد:
فانتضلنا وابن سلمى قاعدٌكعتيق الطير يغضى ويجل
ثم قال:
فرميت القوم رشقاً صائباًليس بالعصل ولا بالمفتعل
أما ترهبان النار في ابنى أبيكماولا ترجوان الله في جنة الخلد
فما ترب أثري لو جمعت ترابهابأكثر من ابنى نزارٍ على العد
هما كنفا الأرض اللذالو تزعزعاتزعزع ما بين الجنوب إلى السد
ذكرهم بما في صلة الرحم من الأجر، وبما في قطيعته من الإثم، فأخذ يرغبهم ويحذرهم، فيقول: أما تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد الوارد في القطيعة واستعمال البغي، وتعرضتم لسخط الله ﷿ في تجاوز مأموره، وأما ترجون أن يحل الثواب الكريم في الصلة واستعطاف أولى المحارم والقربة، إذا رعيتم
أمره، والتزمتم حتمه، واستنجزتم موعده. وإنما أخرج الخطاب بلفظ التثنية، وإن كان الوعظ متوجهاً إلى جميعهم، لأنه قال فأوصيكما يا ابنى نزارٍ.
وقوله فما ترب أثري أثري والثرى يجعلان اسمين للأرض، إلا أن أثري جعل كالعلم لها، ولذلك لم يصرف. والثرى: النتدى. وفي المثل التقى الثريان. وفسر قوله وما تحت الثرى على ما تحت الأرض. ويقال: ثرى ثريٌ، فيراد به التراب الندي. وفي الاستكثار قيل: هم أكثر من الثرى. والشاعر وصف ابنى نزارٍ بالكثرة، لأن فيها العز والغلبة، ثم لم يرض بذلك حتى قال هما كنفا الأرض. ومعنى لو جمعت ترابها لو أحطت علماً به وضبطته. ومعنى بأكثر من ابنى نزارٍ على العد بأكثر منهما معدودين؛ فموضع على العد موضع الحال. وقطع همزة ابنى نزارٍ ضرورةً، كما قال الآخر:
إذا جلوز الاثنين سرً فإنهبنث وإكثار الوشاة قمين
ويركبون هذه الضرورة في الأكثر الأعم إذا كانت الألف في اسمٍ، وذلك أن ألفات الوصل بابها الأفعال دون الأسماء حتى يمكن حصرها إذا لم تكن في مصدرٍ، فإذا كان كذلك فالمعتاد في ألفات الأسماء القطع، فعلى ذلك يستحسن قطعها فيها، وإن كانت في الوصل للضرورة.
وقوله هما كنفا الأرض فالكنف: الجانب والناحية. ومنه تكنفه بنو فلانٍ. والمعنى أنهم محدقون بالأرض. وقوله اللذا لو تزعزعا حذف النون استطالةً للاسم بصلته. وعلى هذا قوله:
أبنى كليبٍ إن عمي اللذاقتلا الملوك وفككا الأغلالا
والزعزعة: التحريك، ومنها ريحٌ زعزاعٌ. وقوله ما بين الجنوب إلى السد يريد ما بين مهب الجنوب إلى سد يأجوج. ويقال سدٌ وسدٌ لغتان، وقيل السد ما يفعله الآداميون، والسد بالضم ما لا صنع للآدمي فيه. ومراد الشاعر أن مساك الأرض وجوانبها بابنى نزارٍ، فإن تزعزعا تزلزلت الأرض. وهذا الكلام نهاية في بابه.
وإني وإن عاديتهم وجفوتهملتألم مما عض أكبادهم كبدي
لأن أبي عند الحفاظ أبوهموخالهم خالي وجدهم جدي
يقول: أنا وإن كنت متنكراً لهم مستجفياً، وجافياً معهم معادياً، ومتحاملاً عليهم مناصباً، فللعلائق الجامعة بيني وبينهم، والأواصر العاطفة ضميري عليهم، ولأني أرى أطرافي من السبب والنسب تظأرنى وتأبى إلا التحنن لهم، وتضمني فتمنع من الانحراف عنهم - يسوؤني ما يسوؤهم، وأشتكي لشكواهم، وأتألم مما ينالهم، وبحسب ذلك أختار لهم ما أختاره لنفسي، وأريد بهم ما أريد بمن لا يتميز عني، فذلك هو الذي يدعوني إلى استصلاحهم، والوصاة بما يؤدى إلى مصالحتهم، فعل الأمس سهمةً، والأخص نسبةً. وكيف لا أكون كذلك، وإذا حفظنا الحقوق، وراعينا الوسائل والحظوظ تناسقت الأبوة بيننا والأمومة، وتلاحظت البنوة والأخوة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع