من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال عامر بن الطفيل
قضى الله في بعض المكاره للفتىبرشدٍ وفي بعض الهوى ما يحاذر
ألم تعلمى أني إذا الإلف قادنيإلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
معنى هذا يماثل قول الله تعالى: " عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم ". وفي مثله قال غيره:
كم فرحةٍ مطويةٍلك تحت أثناء النوائب
ومساءةٍ قد أقبلتمن حيث تنتظر المواهب
ويقال قضاه وقضى به. وقوله وفي بعض الهوى أراد به: وقضى له في بعض المحاب ما يحاذر؛ فوضع الهوى موضع المحاب لأن كل محبوبٍ يصحبه الهوى، كما أن قوله ما يحاذر موضوعٌ موضع الغواية لكونه في مقابلة الرد، إذ كان الغي من حقه أن يحاذر. وقوله ألم تعلمى تنبيهٌ على مكانة من الرأي، وأن ظنه يقوم مقام عيان غيره. وألف الاستفهام إذا اقترن بحرف النفي يقرر به فيما يجب ويحق، فيقول: أما عرفت من دأبي وطبيعتي، أني لا أتبع الغير، ولا أنقاد لما يجانب العدل، فمتى سامني أليفي مطاوعته فيما لا أستوفقه أبيت عليه، وتركته وما يختار من الاعتساف وركوب الجور والضلال. وكان يجب أن يقول: لا أنقاد وهو جائرٌ، فوضع الظاهر موضع المضمر.
غزا مجمع بن هلالٍ ابن خالد بن مالك بن هلال بن الحارث بن تيم الله، يريد بني سعد بن زيد مناة، فلم يغنم ورجع من عزاته تلك، فمر بماءٍ لبني تميمٍ عليه ناسٌ من مجاشعٍ، فقتل فيهم وأسر، فقال في ذلك:
إن أمس ما شيخاً كبيراً فطال ماعمرت ولكن لا أرى العمر ينفع
قوله ما شيخاً، ما زائدة للتأكيد. يقول: إن صرت شيخاً طاعناً في السن، وضارعاً لنائبة الدهر، مهدفاً لسهامه، مقرعاً بلياليه وأيامه، فحق ذلك واجبٌ، لأن من يعش يكبر ومن يكبر يهرم، وطول العمر لا يجدي إذا كان مؤداه إلى الضعف، وقصاراه الموت. وقوله طال ما عمرت يجوز أن يكون ما مع الفعل في تقدير المصدر، ويكون حينئذ حرفاً عند سيبويه، والتقدير: فقد طال عمري. وعلى هذا
يكتب طال منفصلاً من ما. ويجوز أن يكون ما كافةً للفعل عن العمل، ومخرجاً له من بابه، ولذلك جاز وقوع الفعل بعده، وإن كان الفعل لا يدخل على الفعل، وعلى ذلك يكتب طال متصلاً بما لأنه منه ومن تمامه. ومعنى عمرت: بقيت وحييت. والعمر، قال الخليل: هو الحياة والبقاء، ومه لعمر الله. وقول الشاعر:
وعمرت حرساً قبل مجرى داحسٍلو كان للنفس اللجوج خلود
يشهد لذلك. وقوله لا أرى العمر أراد اتصال العمر وطوله، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وذكر بعضهم أن أبا تمام أخطأ في قوله:
ما لأمرئٍ خاض في بحر الهوى عمرٌإلا وللبين منه السهل والجبل
لأن العمر اسم مدة الحياة بأسرها لا يتبعض، فكما لا يقال ما لزيدٍ رأسٌ إلا وفيه شجةٌ، كذلك لا يقال ما له عمرٌ إلا وهو قصير. قال: وليس قولهم: ما له عيشٌ إلا منغصٌ، والحياة إلا مكدرةٌ، مثل قولك ما له عمرٌ إلا قصير. لو قلته، لأن عيش الإنسان ليس هو مدة حياته بأسرها. ألا ترى أنك تقول: كان عيشي بالعراق طيباً، وكانت حياتي بمصر لذيذةً، ولا تقول كان عمري. والذي قاله هذا المعترض على أبي تمام يبطله ما حكيته عن الخليل في تفسير العمر، والبيت الذي أنشدته. ألا ترى أن قوله عمرت حرساً قبل مجرى داحسٍ يقتضي تبعيض عمره، إذ كان ما بعده من عمره قد أفرده عما قبله، وإذا كان الأمر على هذا جاز أن يقال: كان عمري قبل مجرى داحسٍ أطيب من عمري بعده. وفي القرآن: " فقد لبثت فيكم عمراً " أي بعض عمري، فحذف المضاف.
مضت مائةٌ من مولدي فنضوتهاوخمسٌ تباعٌ بعد ذاك وأربع
هذا تفصيل ما ألجمه من كبرته. يقول: أتت علي مائة سنةٍ من ميلادي فألغيتها ورائي، كأني لبستها ثم خلعتها واستتبعت بعدها تسعاً توالت، فلي عذر في ضعفٍ يظهر، أو كسلٍ يلحق، إذ كنت غابر لداتٍ فنوا، ومتعرق أعوامٍ باد أهلها فنسوا. قوله فنضيتها يروى فنضوتها. ويقال نضا ثوبه ينضو وينضي إذا نزعه، لغتان. على
هذا قول امرئ القيس:
فجئت وقد نضت لنومٍ ثيابها
ويقال نضى سيفه وانتضى بمعنىً. وقوله " بعد ذاك " إن قيل لم لم يقل بعد تلك، والإشارة إلى قوله مائةٌ؟ قلت: لم يراع تأنيث المذكور وتذكيره، بل أراد ما ذكرت. على ذلك قول ذي الرمة:
ومية أحسن الثقلين خذاًوسالفةً وأحسنه قذالا
ألا ترى أنه لم يقل وأحسنهما. وقوله وخمسٌ تباعٌ يقال تبع تباعاً، فهو مصدرٌ وصف به. ويقال أيضاً رميته بسهمين تباعاً، أي زلاءً، وتابع بينهما فلانٌ تباعاً.
وخيلٍ كأسراب القطا قد وزعتهالها سبلٌ فيه المنية تلمع
تذكر بما كان منه عند تعالي سنه وتناهي عمره، ما كان منه في ريعان شبابه، وعند استكمال قوته وترامي الأحداث به، فيقول: رب خيلٍ تمتد وتتوالى مبادرةً إلى الملتقى، وتسترسل استرسال فرق القطا عند اندفاعها للورد، أنا بعثتها وهيجتها، ولها عارض يمطر بالموت ويلمع. والسبل: المطر. ورواه بعضهم: " لها أسلٌ " وهي الرماح. وقوله قد وزعتها يجوز أن يكون معناه كففتها عن التعجل، ويجوز أن يكون قسمتها للتعبئة أو الغارة، لأنه يقال وزعت الشيء ووزعته جميعاً؛ وعنده أوزاعٌ من الناس، أي فرقٌ، وعلى الوجهين فتدبيرها كان إليه. وقوله قد وزعتها من صفة الخيل، لأن جواب رب فيما بعده، ولها سبلٌ في موضع الحال. وقوله فيه المنية من صفة السبل، ويلمع في موضع الحال للمنية، والعامل ما يدل عليه الظرف.
شهدت وغنمٍ قد حويت ولذةٍأتيت وماذا العيش إلا التمتع
قوله شهدت جواب رب، فيقول: رب خيلٍ على هذه الصفة حضرتها مدبراً لها، ورب غنيمةٍ تغنمتها وتوليت قسمتها، ورب لذةٍ أتيتها ونلت منالي منها. ثم أقبل كالمتلفت إلى غيره، فقال: وما العيش إلا التمتع بهذه الأشياء. ارتفع " العيش " على
أنه عطف البيان لذا، لأنه جعل العيش كالحاضر، فأشار به إليه وإن كان القصد إلى الجنس. والتمتع: الانتفاع بالشيء زماناً طويلاً. ومنه متع النهار: ارتفع، واستمتعت وامتتعت وتمتعت بمعنىً.
وعاثرةٍ يوم الهييما رأيتهاوقد ضمها من داخل الخلب مجزع
يقول: ورب امرأةٍ في هذا اليوم لتمكن الخوف منها، وتملك الجزع قلبها، رأيتها تعثر لوجهها ولا تستقيم في مشيها، مخافة السباء لها، وقد ضمها مجزعٌ، أي استولى عليها الحزن والقلق، حتى صار يضمها إليه ولا يدعها لغيره.
وقوله من داخل الخلب بين به منشأ الجزع ومقره، والخلب: حجاب القلب، ومنه قوله: خلبت المرأة فلاناً، أي أصابت خلبه بلطفها وخدعته، خلباً. ثم يقال: هو خلب نساءٍ، كما يقال هو زير نساء. وهذا على طريقتهم في النقض والنقض وما أشبهه.
لها غللٌ في الصدر ليس ببارحٍشجىً نشبٌ والعين بالماء تدمع
يجوز أن يكون قوله لها غللٌ في موضع الجر على أن يكون صفةً لعاثرةٍ، ويجوز أن يكون في موضع المفعول الثاني لقوله رأيتها: وأصل الغلل هو الماء يجري بين الشجر، فاستعاره لما تداخلها من الشجى. وقال الخليل: الغلل: تغلغل الماء بين الشجر. والغلغلة: سرعة السير؛ ومنه رسالةٌ مغلغلةٌ أي محمولة من بلد إلى بلدٍ. ورواه بعضهم لها غللٌ بضم الغين، جمع غلةٍ. ولو كان كذا لقال ليست ببارحةٍ. ومعنى ليس ببارحٍ أي ليس بزائلٍ، وموضع قوله شجىً نشبٌ رفعٌ على البدل من غلل. ويريد فلانٌ أنه علق به كما ينشب الصيد في الحبالة. وفي الكلام المروى: نشب فلانٌ منشب سوءٍ، أي وقع فيما لا يتخلص منه. وقوله والعين بالماء تدمع في موضع الحال، ولا بد من الواو فيه ليتعلق بذي الحال. والعامل فيه قوله شجىً نشب. ولو كان في الجملة ضمير لكنت في دخول الواو وسقوطه بالخيار، إذ كان الضمير يعلق من الحال ما يعلقه الواو.
تقول وقد أفردتها من حليلهاتعست كما أتعسني يا مجمع
قوله تقول جواب رب. والمراد: رب عاثرة هذه صفتها في يوم الهييما قالت لي بعد أن سبيتها وفرقت بينها وبين زوجها بالقتل سقطت لوجهك، ولا انتعشت من
عثرتك يا مجمع، ولحقك الانكسار والنكس كما ألحقتهما بي. وسمي الزوج حليلاً والمرأة حليلةً لأن كل واحدٍ منهما يحل مع صاحبه.
فقلت لها بل تعس أخت مجاشعوقومك حتى خدك اليوم أضرع
يقول: أجبتها بأن قلت بل التعس لك ولقومك حين ضيعوك، وفعلوا ما أدى وباله إلى أن صار خدك اليوم ضارعاً، وجدك سافلاً. وقوله بل تعس أخت مجاشعٍ تدارك ببل دعاءها عليه فنقله إليها، لأن بل للإضراب عن الأول والإثبات للثاني. وأجرى تعساً في الإضافة مجرى ويك، وذاك أن المصادر التي قد اشتق الأفعال منها إذا دعي بها تستعمل باللام لا غير، تقول: تبٌ لزيدٍ وخسرٌ لعمرٍو. وما لم يشتق الفعل منه وهو ويلٌ وويحٌ وويسٌ إذا كان معها اللام رفعت وصارت باللام جملاً، وإذا أفردت عن اللام أضيفت ونصبت. تقول ويلٌ لزيدٍ وويحٌ لعمرٍو فترفع، وويل زيدٍ وويح عمرٍو فتنصب. وهذا الشاعر قال: بل تعس أخت مجاشع فأجراه مجرى ويل الفعل يشتق منه. ومجاشع: قبيلة. فقال أختت مجاشع كما يقال يا أخا بكرٍ ويا أخا تميمٍ، وأضرع بمعنى ضارعٍ. ويقال خده ضارعٌ، وجنبه ضارعٌ. والضراعة: الاستفال في خضوعٍ. قال الهذلي:
لشانئك الضراعة والكلول
عبأت له رمحاً طويلاً وألةًكأن قبسٌٍ يعلى بها حين تشرع
أخذ يبين كيف تمكن من قتل زوجها، وماذا أعد من السلاح له. ويقال: عبأت الخيل وعبأتها، إذا هيأتها للحرب، وعبيتها أيضاً. وعبأت الطيب والمتاع لا غير. المراد: هيأت له رمحاً طويلا، وسناناً لماعاً براقاً، كأنما يعلى به نار إذا أشرع للطعن. والألة: تستعمل في الحرية وتشتهر بها. وأصل الأليل البريق. المراد بها ها هنا السنان كما ذكرت. وقوله كأن قبس يجوز فيه الرفع والنصب والجر، فإذا رفعت فعلى الضمير، يريد كأنها قبس يعلى بها حين أشرعت. والقبس: النار. ومن نصب فلأنه أعمل كأن مخففةً عملها مثقلة. يريد: كأن قبساً يعلى بها، ويكون الخبر يعلى بها. ومن
جر فقال كأن قبسٍ، جعل أن زائدة وأعمل الكاف كما زيد في قوله: لما أن جاء زيدٌ أعطيته، وفي قوله: والله أن لو جئتني لأكرمتك، يريد والله لو جئتني.
وكائن تركت من كيمة معشرٍعليها الخموش ذات حزنٍ تفجع
نبه بهذا الكلام على أن ما حكاه من حديث العاثرة يوم الهييما، واقتصه من شأن بعلها، لم يكن بدعاً منه ولا عجباً، بل ذلك دأبه مع أمثالها قبلها وبعدها. وقوله وكائن لغةٌ في كأين، وهما جميعاً بمعنى كم، وهو للتكثير. فيقول: وكم امرأةٍ كانت كريمة عشيرتها تركتها وهي تخمش وجهها، وتتفجع جزعاً على قيمها من بعلٍ أو أخٍ أو ابن. والمعنى: كان ذلك مني كثيراً. وقوله عليها الخموش الخمش في الوجه وفي سائر البدن مثل الخدش. ومعنى عليها ركبها وعلاها كما يقال على فلانٍ دينٌ أي ركبه وعلاء.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع