من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال كعب بن زهير
لقد ولى أليته جوىمعاشر غير مطلول أخوها
كان جوى على ما دل عليه الكلام حلف في وجوه ناكبيه والعازمين على قتله، أنهم لا يستمرئون فعلهم ذلك، وأن عشيرته وأصحابه سيطلبون دمه ويدركون ثأره، فكانوا عند ظنه بهم من غير إهمال ولا تضجيع. فيقول: جعل جوى ولاية يمينه التي أقسم بها إلى معاشر لا يبطل دم صاحبهم ولا يهدر، بل لا ينامون ولا ينيمون حتى
ينالوا الوتر. وقوله غير مطلول أخوها أي دم أخيها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قال:
دماؤهم ليس لها طالبمطلولة مثل دم العذره
وقال:
تلكم هريرة لا تجف دموعهاأهرير ليس أبوك بالمطلول
أي لا ينسى دمه ولا يبطل ديته. والألية: اليمين، وجمعها ألايا. والفعل منه آليت أولى إيلاء، وائتلى. وفي بعض اللغات يقال الألوة.
فإن تهلك جوى فإن حرباًكظنك كان بعدك موقدوها
خاطب بعد أن أخبر على طريق التسلية، فيقول: إن ذهبت لما دعيت له فإن الذين شبوا نار الحرب بعدك في التقاضي بك كانوا كما ظننتهم، وعند أملك فيهم. فقوله " موقدوها " ارتفع بكان، وكظنك في موضع خبر كان وقد تقدم، والجملة أعني كان موقدوها بعدك كظنك خبر إن، واسم إن وهو حرباً نكرة غير موصوفة أيضاً، وساغ ذلك لما كان المراد بها مفهوماً معلوماً. ويجوز أن يجعل قوله " كظنك كان بعدك موقدوها " من صفة حرباً، ويجعل خبر إن محذوفاً، كأنه قال: إن حرباً هذه صفتها وقعت. وبيت الأعشى حجة في الوجهين جميعاً. وهو:
إن محلا وإن مرتحلاوإن في السفر إذ مضى مهلا
ألا ترى أن معناه إن لنا محلاً إن لنا مرتحلاً، فحذف الخبر، ومحل ومرتحل نكرتان.
وما ساءت ظنونك يوم تولىبأرماح وفى لك مشرعوها
ولو بلغ القتيل فعال قوملسرك من سيوفك منضوها
كأنك كنت تعلم يوم بزتثيابك ما سيلقى سالبوها
قوله وما شاءت ظنونك تشكر للعشيرة وإن كان لفظه إعلام جوى ما كان منهم وثناء عليهم، فيقول: لقد حسن ظنك بأرماح وفى لك مهيئوها ومعلموها يوم حلفك، فلا جرم أنهم صدقوا ظنك بهم، وحققوا اعتقادك فيهم، وجدوا في طلب الأمر وانكمشوا، حتى برت يمينك، وطابت نفوس أودائك والمفجوعين بك. وجعل الباء من قوله بأرماح متعلقا بقوله ظنونك، وإنما الظن كان بأربابها، مجازاً واتساعا.
وقوله ولو بلغ القتيل فعال قوم يريد لو أمكن إبلاغ المقتولين ما يفعله الأحياء بعدهم لقمت في ذلك وقعدت، علماً بأن ما أتاه قومك إذا تأدى إليك سرك وقوعه وحمدتهم له. ويقال: نضا سيفه وانتضاه، إذا جرده من غمده. وقال من سيوفك وأضافها إليه لما كان أربابها من أسبابه، وما للسبب مثل ما للمسبب.
وقوله كأنك كنت تعلم يوم بزت ثيابك أراد بالثياب السلاح، وهذا كما يقال له البز. قال الهذلي:
فوقر بز ما هنالك ضائع.
يعني به السيف، ومعنى وقر وقع وقرات وهزمات فيه. ويقال بزه كذا وابتزه. وفي المثل: " من عز بز "، أي من غلب سلب. وقال الدريدي: البز السلاح، يدخل فيه الدرع والمغفر والسيف. وجعل تعلم بمعنى تعرف، لذلك اكتفى بمفعول واحد، كقول الله تعالى: " لا تعلمونهم الله يعلمهم ". وما سيلقى ما بمعنى الذي، وما بعده من صلته، وحذف المفعول من سيلقى استطالة للاسم بصلته، أراد ما سيلقاه، ويعني بذلك ما يصيبهم في مكافأة فعلهم، وعند الانتقام منهم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع