تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت امرأة (٢)

فقدت الشيوخ وأشياعهموذلك من بعض أقواليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
ترى زوجة الشيخ مغمومةًوتمسي لصحبته قاليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
فلا بارك الله في عردهولا في غضون استه البالية
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
وإن دمشق وفتيانهاأحب إلينا من الجاليه
نكحت المديني إذ جاءنيفيالك من نكحةٍ غاليه
للشاعر حميدة بنت النعمان بن بشير، اقرأ القصيدة
له ذفرٌ كصنان التيوسأعيا على المسك والغاليه

الكلام دعاءٌ على الشيوخ وإظهار القلى لصحبتهم والكون معهم.

وأرادت بالأشياع من يرضى مناكحتهم، أو يتعصب لهم، أو يهوى هواهم. وقولها " وذلك من بعض أقواليه " إيذانٌ منها بأن لها في الشيوخ وذمهم طرائق من القول، وألواناً من الوصف. وما أظهرته جزءٌ من تلك الجملة. والعرد: الفرج. وقال الخليل: هو الشديد المنتصب من كل شيء، ومنه ترٌ رعدٌ.

وقولها " ترى زوجة الشيخ مغمومةً " بيانٌ للعلة في الدعاء والذم. والغصون: جمع غصنٍ، وهو تكسر الجلد وتثني فضوله على الشيخ لبلاده.

وقولها " وإن دمشق "، كان هواها ثم. وكان يجب أن تقول: أحب إلينا من الجالية وفتيانها، فاكتفت بما ذكرت، إذ كان مرادها مفهوماً.

وقولها " يا لك من نكحةٍ غالية " لفظها لفظ النداء، والمعنى التعجب. وإنما قالت من نكحة غالية، لتبين أنها مكروهة كما يكره ما يشترى بغلاء. والذفر: شدة النتن هنا، ويكون الطيب أيضاً. والدفر، بالدال غير معجمة، لا يكون إلا للنتن. والصنان: ريح الإبط، ومنه الصن: بول الوبر. قال جرير:

بصن الوبر تحسبه الملابا

وقولها: " أعيا على المسك " موضعه من الإعراب نصبٌ على الحال للمضمر في أعيا. ومفعول أعيا محذوفٌ، أي أعجز ذلك االذفر ما يستعمل من الطيب.

وقال آخر:

من أينا تضحك ذات الحجلين

أبدلها الله بلونٍ لونين

سواد وجهٍ وبياض عينين

الحجل: الخلخال. وفي الكلام هزؤٌ وإزراء، ثم دعا عليها بأن يغير الله لونها ويبدلها منه لونين. وقال بعضهم " بلونٍ لونين " هو كقولك بدلك بالشباب هرماً وضعفاَ، وبالعز حخضوعاً وقلة ناصر. وشرح هذا أنه جعل اللون منتظماً للألوان، ثم أبدل منها السواد والبياض. ويجوز أن يريد بقوله " بلون " لونها المعروف، أي أبلها مما خلقت عليه من لونٍ لونين آخرين، ثم فسرهما.

آخر:

أعوذ بالله من ليلٍ يقربنيإلى مضاجعةٍ كالدلك بالمسد
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
لقد لمست معراها فما وقعتمما لمست يدي إلا على وتد
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
في كل عضوٍ لها قرنٌ تصك بهجنب الضجيع فيضحي واهي الجسد
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

الدلك: الغمز والفرك. بقال دلكت السنبل فانفرك قشره عن حبه. والمسد: الحبل، وأصله من الفتل. ويقال: مسدت الحبل مسداً، والحبل ممسود ومسدٌ، كما يقال نفضت الشيء نفضاً، والشيئ منفوضٌ ونفض. قال:

ومسدٍ أمر من أيانق

أي حبل فتل من جلود النوق. فأما قوله تعالى: " في جيدها حبلٌ من مسد ". فقيل: المسد ليف المقل. ولا يمتنع أن يكون الليف مسداً بما يؤول إليه من الفتل عند اتخاذ الحبل، ثم استمر الاستعمال به فقيل له المسد وإن لم يمسد.

وقوله " لقد لمست معراها " يريد مسحت ظاهر بدنها فما وقعت يدي مما مسحته عنها إلا على الأوتاد. ييصفها بالهزال وتعري العظام من اللحم، حتى صار لها حجومٌ فأشبهت الأوتاد. وقوله " في كل عضو لها قرنٌ " العِضو والعُضو لغتان،

والمراد بالقرن نتو عظامها. والصك: الدفع. يقال: صكه، إذا ضربه بحجرٍ أو غيره. وصك البازي صيده، إذا ضربه بكفه يحطه، قال:

إذا اجتمعوا علي فخل عنيوعن بازٍ يصك حباريات

آخر:

وإذا مررت به مررت بقانصٍمتشمسٍ في شرقةٍ مقرور
للقمل حول أبي العلاء مصارعٌمن بين مقتولٍ وبين عقير
وكأنهن لدى دروز قميصهفذٌ وتوءم سمسمٍ مقشور
ضرج الأنامل من دماء قتيلهاحنقٍ على أخرى العدو مغير

تشمس: جلس في الشمس. ويقال شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه. والشرقة والمشرقة بمعنىً، وهما المكان الذي يتشرق فيه. والفذ الفرد. والتوءم: اثنان. وقد بسطنا القول فيه في شرح الفصيح.

ويقال ضرجت الثوب، إذا صبغته بالحمرة خاصة، فضرج وانضرج. ومنه قيل تضرج الخد عند الخجل، إذا احمر. والحنق: المغتاظ الشديد الغيظ.

آخر:

خبروها بأنني قد تزوجت فظلت تكاتم الغيظ سرا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خبروها بأنني قد تزوج»
ثم قالت لأختها ولأخرىجزعاً ليته تزوج عشرا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «خبروها بأنني قد تزوجتُ،»
وأشارت إلى نساءٍ لديهاما ترى دونهن للسر سترا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خبروها بأنني قد تزوج»
ما لقلبي كأنه ليس منيوعظامي أخال فيهن فترا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «خبروها بأنني قد تزوج»

يقال: خبرته كذا وبكذا. والكتم: نقيض الإعلان. ويقال: كاتمت، إذا كان الكتمان من اثنين. وقد حذف المفعول الأول من تكاتم. ويجوز أن تكون تكاتم

بمعنى تكتم، فلا يكون من اثنين، ولكن كما يقال: قاتله الله. والكتوم في الناقة: التي لا ترغو، وفي القوس التي لا شق في نبعها. و " سراً " يجوز أن يكون مصدراً من غير لفظه، لأن تكاتم بمعنى تستر، ويكون كقوله:

ورضت فذلت صعبةً أي إذلال

ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. وجزعا انتصب على أنه مفعول له. وموضع قوله " ليته تزوج عشرا " نصبٌ على أنه مفعول ثالث، وقوله " للسر سترا "، يجوز أن يروى " ستراً " بفتح السين، فيكون مصدر سترت، ويجوز أن يروى " ستراً " بكسر السين فيكون واحد الستور، والمعنى في الوجهين ظاهر. وقوله " فيهن فتراً " يقال: فتر الإنسان، إذا لانت مفاصله وضعفت فتراً وفتوراً، وإدخال كسر الهمز منه لغة هذيل، ثم فشت في غيرها.

آخر:

جزى الله عناذات بعلٍ تصدفتعلى عزبٍ حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بما فعلت بناإذا ما تزوجنا وليس لها بعل
أفيضوا على عزابكم بنسائكمفما في كتاب الله أن يحرم الفضل

روى محمد بن حبيب أن هذا الشاعر صعد إلى مئذنةٍ وسط الحي وأنشد هذه الأبيات، فاجتمع عليه غيارى الحي وفتاكه فقتلوه.

وقوله " عزابكم " هو جمع العازب، وقصده إلى جمع العزب، وهو الأعزاب، لكنه تصور بعدهما عن الأهل وتساويهما فيه، فجعل العزب والعازب بمعنىً واحدٍ، ثم استعار بناء جمع العازب للعزب. وهذا كما قيل نَمرٌ ونُمرٌ، لأنه لما تصور أنه أنمر في لونه جمعوه جمع أنمر، فأجروه مجرى أحمر وحمرٍ.

وقوله " أفيضوا على عزابكم بنسائكم " توهم في أفيضوا معنى تصدقوا، فعداه تعديته، فلذلك زاد الباء في " بنسائكم ". ويجوز أن يكون من قولهم أفاض الإناء بمائه علينا، ويكون التقدير: أفيضوا العطاء بنسائكم. وقوله " فما في كتاب الله " يجوز أن يريد بالكتاب المصدر، والمعنى فيما كتبه وفرضه. ويجوز أن يريد به القرآن.

آخر:

أنشد بالله وبالدلو الخلق

يا رب من أحسها ممن صدق

فهب له بيضاء بلهاء الخلق

ومن نوى كتمان دلوى فاحترق

فابعث عليه علقاً من العلق

أنشد بالله، أي مستعيناً بالله أو مذكراً بالله. وقوله: " وبالدلو الخلق "، يريد وبسبب الدلو نشداني وطلبي. ففصل بين دخول الباءين.

وقوله " من أحسها " أي من رآها وأدركها بعلمه، ثم صدقني عند السؤال عنها. فقوله " ممن صدق " يجوز أن يكون " من " نكرةً، والمراد من إنسان يصدق أو عادته الصدق. ويجوز أن يكون " من " معرفة، والمراد من الذين يصدقون في المقال.

وقوله " فهب له بيضاء بلهاء " دعاءٌ له بأن يملكه الله تعالى امرأةً كريمةً مستقيمة الطريقة، سليمة الصدر، لا غائل لها ولا غلول لديها.

ومثل هذا قول الآخر:

بلهاء لم تحفظ ولم تضيع

وقوله " ومن نوى كتمان دلوى فاحترق " يريد فأحرقه الله ولا تهنأ بعيش. والعلق: دويبة حمراء تكون في الماء وتأخذ بالحلق. ويجوز أن يكون العلق مصدر علقت به العلوق الداهية. وسمي الأذى نفسه العلق، واسم الحدث قد يجعل صفةً للفاعل، ويكون على هذا علقاً يتناول واحداً من الجنس. والعلق يتناول الجنس كله.

إن لم يصبحه بما ساء طرق

وبات في جهد بلاءٍ وأرق

وهب له ذات صدارٍ منخرق

مشئومةً تخلط شؤماً بخرق

فاعل يصبحه العلق المذكور. والطروق يكون بالليل. وقوله " في جهد بلاء "، أي فيما يجهده ويشق عليه من مقاساة البلاء. والأرق: السهر بالليل. والصدار: الثوب الذي يبلغ الصدر. وجعله منخرقاً لجنون صاحبته، لأنه دعا على من يكتم دلوه بأن يهب له امرأة مجنونة تخرج يدها من جيب صدارها فتمزق على نفسها.

وفي هذه الطريقة قول الآخر:

كجيب الدفنس الورهاء ريعت بعد إجفال
للشاعر الفند الزماني، من قصيدة «تقيم المأتم الأعلى»

وإنما وصف طعنةً. فشبه سعتها بسعة جيب الورهاء. ويقال: رجلٌ مشئوم، وقد شئم، وشأم فلانٌ أصحابه إذا أصابهم شؤمٌ من قبله. وتقول: هذا طائرٌ أشأم، وطيرٌ أشائم، أي جاريةٌ بالشؤم. والخرق: ضد الرفق.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الملح

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.