من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقالت قابلةٌ لامرأةٍ أخذها الطلق واسمها سحابة
أيا سحاب طرقي بخير
وطرقي بخصيةٍ وأير
ولا تريني ظرف البظير
التطريق: أن يظهر عند الولادة طرقة الولد، وهي أطرافه: رأسه ويداه. ولك أن تروى " يا سحاب " بفتح الباء على أصل الترخيم، ولك أن تضمها نويت تمام الاسم بعد ذهاب الهاء ثم بنيت على الضم للنداء.
آخر:
فإنك إن ترى عرصات جملٍبعاقبةٍ فأنت إذاً سعيد
لها عينان من أقطٍ وتمرٍوسائر خلقها بعد الثريد
قوله " إن ترى " أتى بترى تاما وإن كان فى موضع الجزم. فهو كقول الآخر:
ولا ترضاها ولاتملق
وكقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمىبما لاقت لبون بنى زياد
وجمل: اسم امرأة. وعرصة الدار وحرصتها بمعنى. ويكون الذى حذفه للجزم فى ترى حركة كانت فى النية فى موضع الرفع. وحروف المد تحذف من الأواخر، ليكون بين الأفعال وهى فى موضع الرفع وبينها وهى فى موضع الجزم فصل، فلذلك جاز أن تأتى بها تامة، ولولا ذلك لكان لحنا. وقوله " فأنت إذا سعيد " جمع بين الفاء وبين إذا فى جواب الشرط تأكيدا للجزاء، ولو قال فأنت سعيد، لكفى وأغنى، ويكون إذا للحال، كأنه يحكى الكائن من الأمر فى ذلك الوقت، وكذلك لو قال فأنت إذ سعيد، لجاز كما قال الهذلى:
بعاقبة وأنت إذ صحيح
وقوله " سعيد " يجوز أن يكون اسم الفاعل من سعد، ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول، ويقال سعده الله بمعنى أسعده الله. وقوله " بعاقبة " أى بعقب ما
عرفتها ودفعت إليها. ومن روى " فأنت إذ " يريد فأنت إذ الأمر ذلك وفى ذلك الوقت. ونون إذ ليكون التنوين فيه عوضا مما كان يضاف إليه من الجمل. وعلى هذا حينئذ، ويومئذ.
آخر:
أنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوىبزيت كما يكفيك فقد الحبائب
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوىنسيت وصال الآنسات الكواعب
رواه بعضهم: " فاصطنع " كأنه يجعله من الصنع، كما قال الآخر:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلا فإني لست آكله وحدى
وليس هذا بشئ، وإنما الرواية " فاصطبغ " من الصباغ وهو الأدم، يدل على صحة هذه الرواية قوله " بزيت ". ومثل هذا قول الآخر:
كل إذا كنت عاشقاما تهيا من الدسم
وادفع الشوق والصدود عن القلب بالتخم
وصاحب الأكل فى الهوىليس يخشى من السقم
وقوله " كما يكفيك " رواه الكوفيون، ويقولون كما فى معنى كيما. ورووا أيضا حجة فيه قول الآخر:
إذا جئت فامنح طرف عينك غيرناكما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
وأصحابنا البصريون يروونه " لكى يحسبوا ". وكذلك رووا البيت الأول " لكى يكفيك "، ولا يعرفون ما ذكروه. والآنسات: ذوات الأنس. والكواعب: اللاتى نهدت ثديها.
وقال آخر:
كأن ثناياها وما ذقت طعمهالبا نعجة سوطته بدقيق
يقال: سطت الشئ، إذا جمعته مع غيره فى الإناء وضربتهما حتى يختلطا. قال الدريدى: وبه سمى السوط الذى يضرب به لأنه يسوط اللحم بالدم.
آخر:
رمتنى بسهم الحب أما قذاذهفتمر وأما ريشه فسويق
يريد أنها كانت تطعمه التمر والسويق، فلذلك أحبها. والقذاذ: جمع القذة، وهى الريش، ويقال: قذذت السهم، إذا جعلت له قذاذا. وكان أبو زيد يجيز: أقذذت أيضا، وأباه الأصمعى. وكل شئ سويته وأصلحته فقد قذذته. والسهم الأقذ، الذى لا ريش له. ومن أمثالهم ما أصبت منه أقذ ولا مريشا.
آخر:
ألا رب خود عينها من خزيرةوأنيابها الغر الحسان سويق
الخود: المرأة الناعمة الجسم. والخزيرة: دقيق يلبك بشحم. وكانت العرب تعير بأكله. وقيل: إن المقصود بذلك بنو مجاشع وقريش، وهى السخينة.
آخر:
وما العيش إلا نومة وتشرقوتمر كأكباد الجراد وماء
آخر:
قامت تمطى والقميص منخرق
فصادف الخرق مكانا قد حلق
كأنه قعب نضار منفلق
تمطى، أراد تتمطى، أى تتمدد، فحذف إحدى التاءين. والنضار: شجر يتخذ من خشبه القصاع. ومثل هذا قول الآخر:
إذا قعدت مقعدا نبا بيهكالقدح المكبوب فوق الرابيه
آخر:
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوىعلى الرجل المسكين كاد يموت
آخر:
يا رب إن قتلتها فعد لها
فلن تموت أو تشد قتلها
أراد إلا أن تشد قتلها وتبالغ فيه.
آخر:
وأبغض الضيف ما بى جل مأكلهإلا تنفجه حولى إذا قعدا
ما زال ينفج جنبيه وحبوتهحتى أقول لعل الضيف قد ولدا
قوله " إلا تنفجه " استثناء خارج. والتنفج قيل هو التجشؤ. ويقال: تنفج فلان، أى توسع فى جلوسه. ومنه: هو منتفج الجنبين. وهذا غرض الشاعر، بدلالة قوله: ما زال ينفج جنبيه وحبوته. والنفج: الكبر؛ وفى التنفج زيادة تكلف.
آخر:
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرةمخافة أن يضرى بنا فيعود
قوله " فيعود " لم يعطفه على أن يضرى بنا، لكنه قصد به إلى الاستئناف، والمراد فهو يعود، ويقال: إن بعض المتحذلقين فى زمن الأصمعى خالفه فى هذا وزعم أن الشاعر تمدح بهذا ولم يتملح، وزعم أن المراد إنا لا نتكلف للضيف ولا نحتشد له، بل نقدم إليه ما يحضرنا لئلا ينفر من احتشامنا له، فينقبض عنا، ولا يعود إلينا. قال: ومعنى " مخافة أن يضرى " أن لا يضرى بنا، ولا مضمرة، كما قال الله ﷿: " يبين الله لكم أن تضلوا ". وهذا كما تكلف
بعضهم القول فى قوله:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمهم بولى على النار
وزعم أنه مدح مع اتفاق الناس على أنه أهجى بيت.
آخر ونظر إلى جارية سوداء تخضب كفها فقال:
تخضب كفا بتكت من زندها
فتخضب الحناء من مسودها
كأنها والكحل فى مرودها
تكحل عينيها ببعض جلدها
وقوله " بتكت من زندها " منقطع مما قبله، كأنه خبر عنها، ثم دعا على كفها. ولا يجوز أن يتصل بما قبله، لأنه حينئذ يكون واقعا موقع الصفة للكف، والأمر والنهى والدعاء لا تكون صفات ولا صلات ولا أخبارا إلا بتأويل.
وقوله " فتخضب الحناء من مسودها "، يريد أن سواد لونها يغير من الحناء فيخضبه. والحناء وزنه فعال، والهمزة منه أصلية، بدلالة قولهم: حنأته بالحناء.
وقوله " فى مرودها " استقبح الزحاف فشدد الدال، ومثله:
تعرض المهرة فى الطول
آخر:
لعمرى لقد حذرت قرطا وجارهولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهماوحمام سوء ماؤه يتسعر
فما منهم إلا أتانى موقعابه أثر من مسها يتقشر
أجد كما لم تعلمنا أن جارناأبا الحسل بالصحراء لا يتنور
ولم تعلما حمامنا ببلادناإذا جعل الحرباء بالجذل يخطر
قوله " أتانى موقعا "، انتصب على الحال. ويقال: بعير موقع الظهر، إذا كان به آثىر الجرب. ورجل موقع، إذا كان به آثار الجراح. قال:
مثل الحمار الموقع السوء لايحسن مشيا إلا إذا ضربا
وقوله " لا يتنور " الأجود في هذا أن يقال: لا يتنأر، وقد قيل تنور أيضا.
وقوله " أجد كما " انتصب على المصدر من فعل مضمر، كأنه قال: أتجدان جد كما.
وذكره سيبويه فى باب ما ينتصب من المصادر توكيداً لما قبله، كقولك هذا زيدٌ حقاً لا باطلاً، وهذا القول لا قولك، وهذا زيدٌ غير ما تقول، والتقدير: هذا القول لا أقول قولك. قال سيبويه: ومثله في الاستفهام أجدك لا تفعل كذا، ولا يستعمل إلا مضافاً، والتقدير أجداً لك. وجرى هذا مجرى ما لزمته الإضافة نحو لبيك وما أشبهه، ومعاذ الله. والمعنى أعلى جدٍ لم تعلما ما ذكرت. والحرباء أعظم من العظاءة، وهو أغبر ما دام صغيراً، ثم يصفر إذا كبر، فإذا حميت الشمس عليه أخذ جلده يخضر. ولذلك قال ذو الرمة لما وصفه:
ويخضر من لفح الهجير غباغبه
وقال الطرماح:
وانتمى ابن الفلاة في طرف الجذل وأعيا عليه ملتحده
وابن الفلاة: الحرباء. والجذل: العود وأصل الشجرة. وقال آخر:
أنى أتيح له حرباء تنضبةٍلا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا
تنضبةٌ: شجرة. والحرباء يستقبل الشمس فيدور معها في سوق الأشجار.
وقوله " جعل الحرباء " بمعنى طفق.
وقوله " لا يرسل الساق " مثلٌ للملحف الذي لا يقضي حاجةً إلا سأل أخرى.
آخر:
ألا فتىً عنده خفان يحملنيعليهما إنني شيخٌ على سفر
أشكو إلى الله أحوالاً أمارسهامن الجبال وأني سيئ النظر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهمإن لم يكن لهم ضوءٌ من القمر
يروى " إنني شيخٌ على سفر " بكسر الهمزة على الاستئناف، ويروى " أنني " بفتح الهمزة، والمعنى لأنني شيخ.
وقوله " لم أبصر طريقهم "، يريد أنه لا جادة في بلادهم. وهذا خلاف قول الآخر:
ترىللسائلين إلى أبوابه طرقا
كأنه عيرهم متملحاً.
؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع