تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ يزِيد بن الحكم الثَّقَفِيّ يعظ ابْنه بَدْرًا

ــ

الْمَعْنى لَا ينفع الْبَخِيل مَاله وَلَا يعيب السخاء صَاحبه

النوك بِالضَّمِّ وَالْفَتْح الْحمق وَالْمعْنَى بعض الدَّاء يعرف شفاؤه فتطلب إِزَالَته وداء الْحمق لَا دَوَاء لَهُ

وجده أَبُو العَاصِي صَاحب رَسُول الله ﷺ من بني ثَقِيف شَاعِر إسلامي زمن الفرزدق وَجَرِير مر عَلَيْهِ الفرزدق ذَات يَوْم وَهُوَ ينشد فِي الْمجْلس شعرًا فَقَالَ من هَذَا الَّذِي ينشد شعرًا كَأَنَّهُ من أشعارنا فَقَالُوا يزِيد بن الحكم فَقَالَ نعم أشهد الله أَن عَمَّتي وَلدته وَكَانَ شَاعِر ثَقِيف فِي الْإِسْلَام ذكرُوا أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ ذَات يَوْم كَانَ شَاعِر ثَقِيف فِي الْجَاهِلِيَّة خيرا من شَاعِرهمْ فِي الْإِسْلَام فَقيل لَهُ من يَعْنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُم أما شَاعِرهمْ فِي الْإِسْلَام فيزيد بن الحكم وَله عدَّة قصائد يُعَاتب فِيهَا أَخَاهُ عبد ربه بن الحكم وَابْن عَمه عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أبي العَاصِي وَكلهَا شعر متوسط وَكَانَ فِيهِ أباء وأنفة دَعَاهُ الْحجَّاج فولاه كورة فَارس وَدفع إِلَيْهِ عَهده فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ ليودعه قَالَ لَهُ الْحجَّاج أَنْشدني بعض شعرك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن ينشده مديحا لَهُ فأنشده قصيدة يفخر فِيهَا بِنَفسِهِ وبآبائه فَلَمَّا سمع الْحجَّاج فخره نَهَضَ مغضبا وَخرج يزِيد من غير أَن يودعه فَقَالَ الْحجَّاج لحاجبه ارتجع مِنْهُ الْعَهْد فَإِذا رده فَقل لَهُ أَيهمَا خير لَك مَا ورثك أَبوك أم هَذَا فَرد على الْحَاجِب الْعَهْد وَقَالَ قل لَهُ

ورثت جدي مجده وفعالهوورثت جدك أَعْنُزًا بِالطَّائِف
يَا بدر والأمثال يضْربهَالذِي اللب الْحَكِيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
دم للخليل بودهمَا خير ود لَا يَدُوم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
واعرف لجارك حَقهوَالْحق يعرفهُ الْكَرِيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وَاعْلَم بِأَن الضَّيْف يَوْمًاسَوف يحمد أَو يلوم
وَالنَّاس مبتنيان مَحْمُودالبناية أَو ذميم
وَاعْلَم بني فَإِنَّهُبِالْعلمِ ينْتَفع الْعَلِيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

ــ

وَخرج عَنهُ مغضبا وَلحق بِسُلَيْمَان بن عبد الْملك ومدحه فَأجرى عَلَيْهِ عطاءه مُدَّة حَيَاته

قَوْله والأمثال يضْربهَا جملَة مُعْتَرضَة بَين المنادى وَبَين قَوْله دم وَنبهَ بِهَذَا الِاعْتِرَاض على أَن وَصيته وَصِيَّة حَكِيم

وَمعنى الْبَيْتَيْنِ يَا بدر والأمثال لَا تبين إِلَّا لِذَوي الْعُقُول لفهمهم مَعَانِيهَا إِذا اخْتَرْت أحدا لصداقتك فَكُن لَهُ مخالطا وثابتا على الود فَإِن الَّذِي لَا دوَام لوده لَا خير فِيهِ

وَالْحق يعرفهُ الخ هَذَا يجْرِي مجْرى الْمثل وَفِيه حض على تعرف حق الْجَار ومواساته وَالْمعْنَى فَيجب عَلَيْك أَن تعرف حق جَارك وَلَا يعرف الْحق غير الْكَرِيم

وَاعْلَم الخ هَذِه الْوَصِيَّة قد عللها بقوله سَوف يحمد أَو يلوم يَقُول أحسن إِلَى الضَّيْف وقم بِمَا يجب لَهُ عَالما بِأَن نُزُوله بك يجلب لَك حمدا إِن أَحْسَنت إِلَيْهِ ولوما وذما إِن قصرت فِي حَقه يُرِيد وَاعْلَم بِأَن ضيفك إِن تقم بِحَق كرامته أثنى عَلَيْك وَإِن أهملت أمره ذمك

مَحْمُود البناية الخ بدل مِمَّا قبله وَالْمعْنَى أَن النَّاس صنفان مِنْهُم من يحمد وَمِنْهُم من يذم وَذَلِكَ مَوْقُوف على أَخْلَاقهم وأحوالهم

فَإِنَّهُ بِالْعلمِ الخ الْهَاء ضمير الشَّأْن وَالْجُمْلَة اعْتِرَاض بَين اعْلَم ومفعوليه وَالْمرَاد بِالْعلمِ اسْتِعْمَاله لِأَن من علم طرق الرشاد ثمَّ لم يسلكها كَانَت

إِن الْأُمُور دقيقهامِمَّا يهيج لَهُ الْعَظِيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
والتبل مثل الدّين تقضاهوَقد يلوى الْغَرِيم
وَالْبَغي يصرع أَهلهوَالظُّلم مرتعه وخيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وَلَقَد يكون لَك الْبعيدأَخا ويقطعك الْحَمِيم
والمرء يكرم للغنىويهان للعدم العديم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
قد يقتر الْحول التقيوَيكثر الْحمق الأثيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

ــ

مَعْرفَته بهَا وبالا عَلَيْهِ

الْمَعْنى أَن الشَّرّ يبدؤه أصغره كَمَا أَن السَّيْل أَوله مطر ضَعِيف وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ حض على النّظر فِي أعقاب الْأُمُور قبل الشُّرُوع فِيهَا

التبل الثار ويلوي يمطل والغريم من لَهُ الدّين وَالْمعْنَى أَن طلب الثار كَالدّين الَّذِي لَا بُد من قَضَائِهِ وَقَبضه مِمَّن عَلَيْهِ وَقد يبطئ أَخذ الثار كَمَا يمطل الْغَرِيم بِدِينِهِ

الْبَغي تجَاوز الْحَد والوخيم الثقيل الَّذِي لَا يمريء وَالْمعْنَى أَن الْبَغي مهلك وَالظُّلم وبيء أَي لَا بُد للظالم أَن يُؤْخَذ يَوْمًا بظلمه

الْحَمِيم الْقَرِيب الَّذِي تهتم لأَمره وَالْمعْنَى لَا تثق بعهود الْأَيَّام والليالي فقد يصلك الْغَرِيب صلَة الْأَخ ويقطعك الْحَمِيم بغدره

العديم الْفَقِير والمغنى سَبَب الْكَرَامَة والفقر سَبَب الذلة فيكرم الْغَنِيّ لغناه ويهان الْفَقِير لعدمه وَفَقره وَفِي هَذَا نهي عَن ضيَاع المَال والتبذير فِيهِ

أقتر الرجل ضيق فِي النَّفَقَة وَيُقَال أَيْضا اقتر اقتارا إِذا قل مَاله وَهُوَ المُرَاد هُنَا وَيُقَال أَكثر الرجل إِذا كثر مَاله والحول الْكثير الْحِيَل والحمق الأحمق والأثيم كثير الْإِثْم وَالْمعْنَى أَن الرزق غير مَوْقُوف على الْعقل وَالتَّدْبِير فقد يفْتَقر الْمُحْتَال الحذر ويستغني الأحمق السَّيئ الْفِعْل

يملى لذاك ويبتلىهَذَا فَأَيّهمَا المضيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
والمرء يبخل فِي الْحُقُوقوللكلالة مَا يسيم
مَا بخل من هُوَ للمنونوريبها غَرَض رجيم
وَيرى الْقُرُون أَمَامههمدوا كَمَا همد الهشيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وتخرب الدُّنْيَا فَلَابؤس يَدُوم وَلَا نعيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة

ــ

يملى أَي يمد فِي عمره والمضيم من أَصَابَهُ الضَّرَر وَالْمعْنَى أَن الأثيم أمْهل لِيَزْدَادَ إِثْمًا والتقى ضيق عَلَيْهِ للامتحان وَقَوله فَأَيّهمَا المضيم أبهم للتقريع والتشنيع وَيُشِير إِلَى أَن الَّذِي يصاب بِالضَّرَرِ فِي عَاقِبَة أمره مَعْلُوم

الْكَلَالَة الْوَارِث مَا عدا الْوَالِد وَالْولد وَمَا فِي قَوْله مَا يسيم يجوز أَن تكون زَائِدَة فَيكون الْمَعْنى أَن الرجل يبخل بِمَا يلْزمه من أَدَاء الْحُقُوق وَيتْرك مَاله لكلالته وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة فَكَأَنَّهُ قَالَ وإسامته لما لَهُ لغيره لَا لنَفسِهِ والإسامة إِخْرَاج المَال إِلَى المرعى

مَا استفهامية على طَرِيق الْإِنْكَار والمنون إِذا ذكر فَالْمُرَاد بِهِ الدَّهْر وَإِذا أنث فَالْمُرَاد بِهِ الْمنية والريب صرفه وَالْغَرَض الهدف والرجيم بِمَعْنى المرجوم وَالْمعْنَى كَيفَ يبخل من هُوَ للحوادث كالهدف الْمَنْصُوب للرمي

الْقرن من النَّاس أهل زمَان وَاحِد وهمدوا بادوا وَأَصله من همدت النَّار إِذا ذهبت الْبَتَّةَ وَلم يبْق مِنْهَا شَيْء والهشيم مَا يتفتت من ورق الشّجر إِذا وطئ وَالْمعْنَى أَنه يعلم من التَّارِيخ أَن من مضى قبله من الْأُمَم باد وَهلك كهلاك ورق الشّجر المتفتت فَكيف حَاله

الْمَعْنى أَن الدُّنْيَا لَا بَقَاء لَهَا وكل مَا فِيهَا يفنى فَلَا دوَام للفقر والغنى

كل امْرِئ ستئيم مِنْهُالْعرس أَو مِنْهَا يئيم
مَا علم ذِي ولد أيثكلهأم الْوَلَد الْيَتِيم
وَالْحَرب صَاحبهَا الصَّلِيبعلى تلاتلها العزوم
من لَا يمل ضراسهاولدى الْحَقِيقَة لَا يخيم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وَاعْلَم بِأَن الْحَرْب لَايسطعها المرح السؤم
للشاعر يزيد بن الحكم الثقفي، اقرأ القصيدة
وَالْخَيْل أَجودهَا المناهبعِنْد كبتها الأزوم

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.