من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
تمّ بَاب الْأَدَب
النسيب ذكر الشَّاعِر الْمَرْأَة بالْحسنِ وَالْأَخْبَار عَن تصرف هَواهَا بِهِ وَلَيْسَ هُوَ الْغَزل وَإِنَّمَا الْغَزل الاشتهار بمودات النِّسَاء والصبوة إلَيْهِنَّ
كَانَ الصمَّة بن عبد الله شريفا ناسكا عابدا غزلا شَاعِرًا مقلا بدويا من شعراء الدولة الأموية وَكَانَ قد خطب بنت عَمه وَكَانَ لَهَا محبا فاشتط عَلَيْهِ عَمه فِي الْمهْر فَسَأَلَ أَبَاهُ أَن يعاونه وَكَانَ كثير المَال فَلم يعنه بِشَيْء فَسَأَلَ عشيرته فَأَعْطوهُ فَأتى بِالْإِبِلِ عَمه فَقَالَ لَا أقبل هَذِه فِي مهر ابْنَتي فسل أَبَاك أَن يبدلها لَك فَسَأَلَ ذَلِك أَبَاهُ فَأبى عَلَيْهِ فَلَمَّا رأى ذَلِك من فعلهمَا قطع عقلهَا وخلاها فَعَاد كل بعير إِلَى أَهله وَتحمل الصمَّة راحلا فَقَالَت بنت عَمه حِين رَأَتْهُ يتَحَمَّل تالله مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رجلا باعته عشيرته بأَرْبعَة ثمَّ مضى إِلَى الشَّام فَلَمَّا طَال مقَامه تبعتها نَفسه فَقَالَ هَذِه الأبيات الَّتِي تسيل حسنا وتملأ الْقلب روعة وبهجة جزالة فِي الْأَلْفَاظ وفخامة فِي الْمعَانِي ومتانة فِي التَّرْكِيب وصياغة بديعة وديباجة حَسَنَة
حننت إِلَى ريا ونفسك باعدتمزارك من ريا وشعباكما مَعًا
فَمَا حسن أَن تَأتي الْأَمر طَائِعاوتجزع أَن دَاعِي الصبابة أسمعا
قفا وادعا نجدا وَمن حل بالحمىوَقل لنجد عندنَا أَن يودعا
بنفسي تِلْكَ الأَرْض مَا أطيب الرِّبَاوَمَا أحسن المصطاف والمتربعا
وَلَيْسَت عشيات الْحمى برواجع عَلَيْكوَلَكِن خل عَيْنَيْك تدمعا
وَلما رَأَيْت الْبشر أعرض دُوننَاوحالت بَنَات الشوق يحنن نزعا
ــ
الحنين تألم من الشوق وريا اسْم امْرَأَة وباعدت أبعدت وَالْوَاو فِي الْمَوْضِعَيْنِ من الْبَيْت وَاو الْحَال والمزار الزِّيَارَة والشعب الْحَيّ يلوم نَفسه فِي بعده عَنْهَا ويقرعها فَيَقُول اشْتقت إِلَى ريا وَقرب وصالها وَقد أبعدت زيارتك مِنْهَا حِين فارقتها وَقد كَانَ شعبًا كَمَا مُجْتَمعين
المُرَاد بِالْأَمر الْفِرَاق أَو الْحبّ وَإِن الثَّانِيَة بِتَقْدِير اللَّام وَالْمعْنَى لَيْسَ بِحسن أَن تنقاد أَولا للحب مُخْتَارًا فَإِذا أسمعك دَاعِي الصبابة نداءه جزعت
الْحمى مَوضِع فِيهِ مَاء وكلأ يمْنَع النَّاس مِنْهُ والنجد كل مَا ارْتَفع من تهَامَة إِلَى أَرض الْعرَاق وَالْمعْنَى يَا خليلي قفا حَتَّى تودعا نجدا وَمن سكن حماه وَقَلِيل عندنَا أَن نودعه
الْألف وَاللَّام فِي الرِّبَا عوض عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ والربا مَا ارْتَفع من الأَرْض والمصطاف مَكَان الصَّيف والمتربع مَكَان الرّبيع وَالْمعْنَى أفدي بنفسي تِلْكَ الأَرْض لطيب رباها العجيب وَحسن فصليها صيفا وربيعا
الْمَعْنى أَنَّك وَإِن أفرطت فِي الْجزع فَإِن أَوْقَات المواصلة بالحمى مَعَ أحبابك لَا تكَاد تعود وَلَكِن أَدَم الْبكاء لَهَا مَعَ التوجع فِي أَثَرهَا تَجِد فِيهِ رَاحَة
الْبشر جبل بالجزيرة وَأعْرض أبدى عرضه وجانبه وحالت تحركت
بَكت عَيْني الْيُسْرَى فَلَمَّا زجرتهاعَن الْجَهْل بعد الْحلم أسبلتاما
تلفت نَحْو الْحَيّ حَتَّى وجدتنيوجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وأذكر أَيَّام الْحمى ثمَّ أنثنيعلى كَبِدِي من خشيَة أَن تصدعا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع