من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
الباب الثامن عشر في وصف الدنيا
أيا من عاش في الدنيا طويلاًوأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه في ما سيفنىوجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفواًأليس مصير ذاك الانتقال
إن لله عباداً فطناطلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علمواأنها ليست لحيّ وطنا
جعلوها لجّة واتخذواصالح الأعمال فيها سفنا
عجبت للمرء في دنياه تطعمهفي العيش والأجل المحتوم يقطعه
يمسي ويصبح في عشواء يخطبهاأعمى البصيرة والآمال تخدعه
يغتر بالدهر مسروراً بصحبتهوقد درى أنه للغير يجمعه
تراه يشفق من تضييع درهمهوليس يشفق من دين يضيعه
وأسوأ الناس تدبيراً لعاقبةمن أنفق العمر في ما ليس ينفعه
ألا إنما الدنيا كأحلام نائموما خير عيش لا يكون بدائم
تأمل إذا ما نلت بالأمر لذّةفأفنيتها هل أنت إلا كحالم
فمن غافل عنه وليس بغافلومن نائم عنه وليس بنائم
ومن يذق الدنيا فإني طعمتهاوسبق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غروراً وباطلاًكما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلةعليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلهوإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنهاحرام على نفس التقي ارتكابها
ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّهفسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةوإن أقبلت كانت كثيراً همومها
هي الدنيا تقول بملء فيهاحذارِ حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركمو مني ابتسامفقولي مضحك والفعل مبكي
سألت عن الدنيا الدنية قيل ليهي الدار فيها الدائرات تدور
إذا أضحكت أبكت وإن أحسنت أستوإن أعدلت يوماً فسوق تجور
يا خاطب الدنيا الدّنية إنهاشرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى أضحكت في يومهاأبكت غداً تباً لها من دار
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع