من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الإيجاز والإطناب والمساواة (٢)
وَمَا أبدع قَول أبي الْقَاسِم بن هَانِئ فِيهِ
أَيْن المفر وَلَا مفَرَّ لهاربٍولكَ البسيطانِ الثرَي والماءُ) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
فَلَو كُنْتُ فوقَ الرّيح ثمَّ طَلَبتنيلَكُنْت كمن ضَاقَتْ عَلَيْهِ المذاهِبُ) // الطَّوِيل //
وبديع قَول أبي الْعَرَب الصّقليّ
كَأَن بلادَ الله كفَّاكَ إِن يَسِرْبهَا هاربٌ تجمعْ عَلَيْهِ الأنامِلُ
وأبن يَفِرُّ المرءُ عَنْك بجرمِهِإِذا كَانَ تُطْوَي فِي يديكَ المراحل) // الطَّوِيل //
والنابغة اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة بن ضباب يَنْتَهِي نسبه إِلَى ذبيان ثمَّ لمضر ويكنى أَبَا أُمَامَة وَإِنَّمَا سمي النَّابِغَة لقَوْله
(وَقد نَبَغَتْ لَهُم منَّا شُؤون ...)
وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين غض مِنْهُم الشّعْر وَهُوَ من الطَّبَقَة الأولى المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء
عَن ربعي بن خرَاش قَالَ قَالَ لنا عمر ﵁ يَا معشر غطفان من الَّذِي يَقُول
أتَيتكَ عَارِيا خَلَقاً ثِيَابِيعلى خوفٍ تُظن بيَ الظنونُ) // الوافر //
قُلْنَا النَّابِغَة قَالَ ذَاك أشعر شعرائكم
وَعَن جرير بن يزِيد بن جرير بن عبد الله البَجلِيّ قَالَ كُنَّا عِنْد الْجُنَيْد
أَرَادَ لملتنا وأدفأتنا وأظلتنا إِلَّا أَنه حذف الْمَفْعُول من هَذِه الْمَوَاضِع ليدل على مَطْلُوبه بطرِيق الْكِنَايَة
والبحتري هُوَ الْوَلِيد بن عبيد بن يحيى يَنْتَهِي نسبه إِلَى طَيئ ويكنى أَبَا عبَادَة وَهُوَ شَاعِر فصيح فَاضل حسن المشرب وَالْمذهب نفي الْكَلَام مطبوع وَله تصرف فِي ضروب الشّعْر سوى الهجاء فَإِن بضاعته فِيهِ نزرة وجيده مِنْهُ قَلِيل وَكَانَ ابْنه أَبُو الْغَوْث يزْعم أَن السَّبَب فِي قلَّة بضاعته فِي هَذَا الْفَنّ أَنه لما حَضَره الْمَوْت دَعَا بِهِ وَقَالَ لَهُ اجْمَعْ كل شَيْء قلته فِي الهجاء فَفعل فَأمره بإحراقه
وَكَانَ البحتري يتشبه بِأبي تَمام فِي شعره ويحذو حَذْو مذْهبه وينحو نَحوه فِي الْبَدَائِع الَّتِي كَانَ أَبُو تَمام يستعملها وَيَرَاهُ صاحباً وإماماً ويقدمه على نَفسه وَيَقُول فِي الْفرق بَينه وَبَينه قَول منصف إِن جيد أبي تَمام خير من جيده ووسطه ورديئه خير من وسط أبي تَمام وردئيه وَكَذَا هُوَ حكم لنَفسِهِ
وَسُئِلَ أَبُو الْعَلَاء المعري أَي الثَّلَاثَة أشعر أَبُو تَمام أم البحتري أم المتنبي فَقَالَ هما حكيمان والشاعر البحتري
ابْن عبد الرَّحْمَن بخراسان وَعِنْده بَنو مرّة وجلساؤه من النَّاس فتذاكروا شعر النَّابِغَة حَتَّى أنشدوا قَوْله
(فَإنَّك كالليل الَّذِي هُوَ مدركي ...)
الْبَيْت فَقَالَ شيخ من بني مرّة وَمَا الَّذِي رأى فِي النُّعْمَان حَتَّى يَقُول مثل هَذَا وَهل كَانَ النُّعْمَان إِلَّا على منظرة من مناظر الْحيرَة وَقَالَت ذَلِك القيسية أَيْضا فَأَكْثَرت فَنظر إِلَيّ الْجُنَيْد فَقَالَ يَا أَبَا خَالِد لَا يهولنك قَول هَؤُلَاءِ الأعاريب وَأقسم بِاللَّه لَو عاينوا من النُّعْمَان مَا عاين صَاحبهمْ لقالوا أَكثر مِمَّا قَالَ وَلَكنهُمْ قَالُوا مَا تسمع وهم آمنون
وَقَالَ عمر بن الْمُنْتَشِر الْمرَادِي وفدنا على عبد الْملك بن مَرْوَان فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقَامَ رجل فَاعْتَذر إِلَيْهِ من أَمر وَحلف عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك مَا كنت حرياً أَن تفعل وَلَا تعتذر ثمَّ أقبل على أهل الشَّام فَقَالَ أَيّكُم يروي من اعتذار النَّابِغَة إِلَى النُّعْمَان
حَلَفت فَلم أترك لنَفسك رِيبَةوَلَيْسَ وَرَاء الله للمرء مَذْهَب) // الطَّوِيل //
فَلم يجد فيهم من يرويهِ فَأقبل عَليّ فَقَالَ أترويه قلت نعم فَأَنْشَدته القصيدة كلهَا فَقَالَ هَذَا أشعر الْعَرَب
وَعَن أبي عُبَيْدَة وَغَيره أَن النَّابِغَة كَانَ خَاصّا بالنعمان وَكَانَ من ندمائه وَأهل أنسه فَرَأى زَوجته المتجردة يَوْمًا وَقد غشيها شَيْء شَبيه بالفجاءة فَسقط نصيفها فاستترت بِيَدَيْهَا وذراعيها فَكَادَتْ ذراعها تستر وَجههَا لعبالتها
وغلظها فَقَالَ قصيدته الَّتِي أَولهَا
من آلِ مَيَّةَ رائحٌ أَو مُغتديعَجْلان ذَا زادٍ وغيرَ مُزوَّدِ
زعم البَوارحُ أَن رحْلَتَنا غَداوبذاك تَنْعاب الغرابِ الأسودِ
لَا مرْحَبًا بغد وَلَا أَهلا بهِإِن كانَ تفريقُ الأحبةِ فِي غدِ
أزفَ الترحُّلُ غيرَ أَن ركابَنالما نزل برحالِنا وَكَأن قد
فِي إنرغانية رَمَتك بِسهمهافَأصَاب قلْبَكَ غيرَ أَن لم تقصِد
بالدُّر والياقوت زُيْنَ نحرُهاومُفَصَّلٍ مِن لؤلؤٍ وزبرجَدِ
سقط النصيف وَلم ترد إِسْقَاطهفتناولته واتَّقتنا باليَدِ
بُمخَضَّبٍ رَخْصٍ كَأَن بَنَانَهُعنمٌ على أغصانه لم يُعقَدِ
وبفاحِمٍ رَجْلٍ أثيثٍ نَبْتُهُكالكرم مَال على الدِّعام المسَندِ
نَظرتْ إليكَ لحَاجةٍ لم تَقضهانَظرَ السَّقيم إِلَى وُجوهِ الْعودِ) // الْكَامِل //
وَهِي طَوِيلَة فأنشدها النَّابِغَة مرّة بن سعد القريعي فأنشدها مرّة النُّعْمَان فَامْتَلَأَ غَضبا وأوعد النَّابِغَة وتهدده فهرب فَأتى قومه ثمَّ شخص إِلَى مُلُوك غَسَّان بِالشَّام فامتدحهم
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على الْبَيْت الْأَخير من هَذِه الأبيات فَقَالَ أما تشبيهه مرض الطّرف فَحسن إِلَّا أَنه هجنه بِذكر الْعلَّة وتشبيهه الْمَرْأَة بالعليل
وَأحسن مِنْهُ قَول عدي بن الرّقاع العاملي
وَكَأَنَّهَا بَين النِّساءِ أَعارَهاعَينيهِ أحْوَر مِنْ جآذِر جاسم
وسْنانُ أقْصدهُ النُّعاسُ فرنقتفِي عَيْنَيْهِ سِنَةٌ ولَيسَ بِنائم) // الْكَامِل //
وَأما قَوْله سقط النصيف الْبَيْت فيروى أَن عبد الْملك بن مَرْوَان قَالَ يَوْمًا لجلسائه أتعلمون أَن النَّابِغَة كَانَ مخنثاً قَالُوا وَكَيف ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْله يَعْنِي هَذَا الْبَيْت وَالله مَا عرف هَذِه الْإِشَارَة إِلَّا مخنث
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى أَبُو حَيَّة النميري فَقَالَ
فألقتْ قناعاً دُونهُ الشَّمسُ واتقتْبأحْسن مَوْصولين كفٍّ ومِعصمِ) // الطَّوِيل //
ثمَّ أَخذه الشماخ فَقَالَ
إذَا مَرَّ مَنْ تخشى اتَّقته بِكفهاوَسِبٍّ بنضْحِ الزَّعفران مُضرَّج) // الطَّوِيل //
وأظرف مَا يعرف من هَذَا الْمَعْنى مَا أنْشدهُ القَاضِي التنوخي لنَفسِهِ
لم أنسَ شمسَ الضُّحى تُطالعنيوَنحنُ فِي رَوضةٍ على فَرقِ
وَجفنُ عَيني بِمائهِ شَرِقٌوَقدْ بَدَت فِي مُعصفرٍ شرِق
كَأَنَّهُ دَمعتي وَوجنتهاحِين رَمتنا العيونُ بِالحدقِ
ثمَّ تَغطَّتْ بِكمها خَجلاًكالشمسِ غابتْ فِي حمرَة الشَّفق) // المنسرح //
رَجَعَ إِلَى أَخْبَار النَّابِغَة
عَن الْمفضل أَن مرّة الَّذِي وشى بالنابغة كَانَ لَهُ سيف قَاطع يُقَال لَهُ ذُو الريقة من كَثْرَة فرنده وجودته فَذكره النَّابِغَة للنعمان فاضطغن من ذَلِك مرّة حَتَّى وشى بِهِ إِلَى النُّعْمَان وحرضه عَلَيْهِ
وَقيل إِن الَّذِي من أَجله هرب النَّابِغَة من النُّعْمَان أَنه كَانَ هُوَ والمنخل بن عبيد ابْن عَامر الْيَشْكُرِي جالسين عِنْده وَكَانَ النُّعْمَان دميماً أبرش قَبِيح المنظر وَكَانَ
المنخل من أجمل الْعَرَب وَكَانَ يَرْمِي بالمتجردة زَوْجَة النُّعْمَان وتتحدث الْعَرَب أَن ابنى النُّعْمَان مِنْهَا كَانَا من المنخل فَقَالَ النُّعْمَان للنابغة يَا أَبَا أُمَامَة صف المتجردة فِي شعرك فَقَالَ قصيدته هَذِه وَوصف فِيهَا بَطنهَا وروادفها وفرجها فلحق المنخل من ذَلِك غيرةٌ فَقَالَ للنعمان مَا يَسْتَطِيع أَن يَقُول هَذَا الشّعْر إِلَّا من جرب فوقر ذَلِك فِي نفس النُّعْمَان وَبلغ النَّابِغَة فخافه فهرب فَصَارَ إِلَى غَسَّان فَنزل بِعَمْرو بن الْحَارِث الْأَصْغَر ومدحه ومدح أَخَاهُ النُّعْمَان وَلم يزل مُقيما مَعَ عَمْرو حَتَّى مَاتَ وَملك أَخُوهُ النُّعْمَان فَصَارَ مَعَه إِلَى أَن استعطفه النُّعْمَان فَعَاد إِلَيْهِ
وَعَن أبي بكر الْهُذلِيّ قَالَ قَالَ حسان بن ثَابت ﵁ قدمت على النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَقد امتدحته فَأتيت حَاجِبه عِصَام بن شهير فَجَلَست إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أرى عَرَبيا أَفَمَن الْحجاز أَنْت قلت نعم قَالَ فَكُن قحطانياً قلت فَإِنِّي قحطاني قَالَ فَكُن يثربياً قلت فَإِنِّي يثربي قَالَ فَكُن خزرجياً قلت فَإِنِّي خزرجي قَالَ فَكُن حسان بن ثَابت قلت فَأَنا هُوَ قَالَ أجئت بمدحة الْملك قلت نعم قَالَ فَإِنِّي سأرشدك إِذا دخلت عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سيسألك عَن جبلة بن الْأَيْهَم ويسبه فإياك أَن تساعده على ذَلِك وَلَكِن أمرر ذكره إمراراً لَا توَافق فِيهِ وَلَا تخَالف وَقل مَا دُخُول مثلي أَيهَا الْملك بَيْنك وَبَين جبلة وَهُوَ مِنْك وَأَنت مِنْهُ فَإِن دعَاك إِلَى الطَّعَام فَلَا تواكله فَإِن أقسم عَلَيْك فأصب مِنْهُ الْيَسِير إِصَابَة مبر قسمه متشرف بمواكلته لَا أكل جَائِع سغب وَلَا تبدأه بأخبار عَن شَيْء حَتَّى يكون هُوَ السَّائِل لَك وَلَا تطل الْإِقَامَة فِي مَجْلِسه فَقلت أحسن الله رفدك قد أوصيت واعياً وَدخل ثمَّ خرج إِلَيّ فَقَالَ ادخل فَدخلت وحييت بِتَحِيَّة الْملك فجاراني فِي أَمر جبلة مَا قَالَه لي عِصَام كَأَنَّهُ كَانَ حَاضرا فأجبت بِمَا أَمرنِي ثمَّ استأذنته فِي الإنشاد فَأذن لي فَأَنْشَدته ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ فَفعلت مثل ذَلِك فَأمر لي بجائزة سنية وَخرجت فَقَالَ لي عِصَام بقيت عَلَيْك وَاحِدَة لم أوصك بهَا بَلغنِي أَن النَّابِغَة الذبياني
وَرَنَّة تَحت غنة قدرتْمن هَالك الرَّاء ذامر الألفِ
كَأَن فِي فِيهِ لقْمَة عقلتلِسَانه فالتوى على حنفِ
محركٌ رأسَهُ توهمهْقدْ قامَ من عطسة على شرف) // المنسرح //
وَهُوَ بليغ التَّشْبِيه فِي مَعْنَاهُ
وَأنْشد البحتري شَيْئا من شعر أبي سهل بن نوبخت فَجعل يُحَرك رَأسه فَقيل لَهُ مَا تَقول فِيهِ فَقَالَ هُوَ يشبه مضغ المَاء لَيْسَ لَهُ طعم وَلَا معنى
وَقد نظمت هَذَا لغَرَض عرض لي فَقلت
ربّ خُذ للشعر من زُمَرِأسمعونا مِنْهُ مَا أضني
مثلُ طعم المَاء لَيْسَ لَهُفِي فمٍ طعمٌ وَلَا معنى) // المديد //
وَرَأَيْت بعد ذَلِك بَيْتا آخر فِي الْمَعْنى وَهُوَ
حَدِيث مثلْ لعق المَاء بحتاًوَلَيْسَ للعق بحت المَاء طعم) // الوافر //
والبحت بِالْمُثَنَّاةِ فَوق الصّرْف
وَذكرت بِأَبْيَات البحتري فِي الحبسة مَا نظمته قَدِيما وَهُوَ
إِن قالَ شعرًا خلتهعلكاً قَوِيا يعلك
وإنَ شدا فصوتهُصَوت دَجَاج يمسك) // الرجز //
واجتازت جاريةٌ بالمتوكل مَعهَا كوز مَاء وَهِي أحسن من الْقَمَر فَقَالَ مَا اسْمك قَالَت برهَان قَالَ وَلمن هَذَا المَاء قَالَت لستي قبيحة قَالَ صَبِيه فِي حلقي فشربه عَن آخِره ثمَّ قَالَ للبحتري قل فِي هَذَا شَيْئا فَقَالَ
مَا قهوةٌ من رحيق كأسها ذهبٌجَاءَت بهَا الْحور من جنَّات رضوانِ
يَوْمًا بأطيب من مَاء بِلَا عطشٍشربته عَبَثا من كف برهانِ) // الْبَسِيط //
قادم عَلَيْهِ وَإِذا قدم عَلَيْهِ فَلَيْسَ لأحد مِنْهُ حَظّ سواهُ فَاسْتَأْذن حِينَئِذٍ وَانْصَرف مكرماً خير من أَن تَنْصَرِف مجفوا قَالَ فأقمت بِبَابِهِ شهرا ثمَّ قدم عَلَيْهِ خَارِجَة ابْن سِنَان ومنظور بن زبان الفزاريان وَكَانَ بَينهمَا وَبَين النُّعْمَان دخلل أَي خَاصَّة وَكَانَ مَعَهُمَا النَّابِغَة قد استجار بهما وسألهما مسالة النُّعْمَان أَن يرضى عَنهُ فَضرب عَلَيْهِمَا قبَّة وَلم يشْعر أَن النَّابِغَة مَعَهُمَا فَدس النَّابِغَة قينة تغنية بِشعرِهِ
(يَا دارمية بالْعلياء فالسَّندِ ...)
فَلَمَّا سمع الشّعْر قَالَ أقسم بِاللَّه إِنَّه لشعر النَّابِغَة وَسَأَلَ عَنهُ فَأخْبر أَنه مَعَ الفزاريين وَكَلَّمَاهُ فِيهِ فَأَمنهُ ثمَّ خرج فِي غب سَمَاء فعارضه الفزاريان والنابغة بَينهمَا قد خضب بحناء وأقنى خضابه فَلَمَّا رَآهُ النُّعْمَان قَالَ هِيَ بِدَم كَانَت أَحْرَى أَن تخضب فَقَالَ الفزاريان أَبيت اللَّعْن لَا تَثْرِيب قد أجرناه وَالْعَفو أجمل قَالَ فَأَمنهُ واستنشده أشعاره فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ حسان بن ثَابت فحسدته على ثَلَاث لَا أَدْرِي على أيتهن كنت أَشد لَهُ حسداً على إدناء النُّعْمَان لَهُ بعد المباعدة ومسايرته لَهُ وإصغائه إِلَيْهِ أم على جودة شعره أم على مائَة بعير من عصافيره أَمر لَهُ بهَا
قَالَ وَكَانَ النَّابِغَة يَأْكُل وَيشْرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة من عطايا النُّعْمَان وَأَبِيهِ وجده لَا يسْتَعْمل غير ذَلِك
وَقيل إِن السَّبَب فِي رُجُوع النَّابِغَة إِلَيْهِ بعد هربه مِنْهُ أَنه بلغه أَنه عليل لَا يُرْجَى فأقلقه ذَلِك وَلم يملك الصَّبْر على الْبعد عَنهُ مَعَ علته وَمَا خافه عَلَيْهِ وأشفق من حُدُوثه بِهِ فَصَارَ إِلَيْهِ فألفاه مَحْمُولا على سَرِير ينْقل مَا بَين الْعمرَان وقصور الْحيرَة فَقَالَ لعصام حَاجِبه
ألم أقسمْ عَليكَ لَتخبرنِّيأمحمولٌ على النَّعش الهمامُ
فإِني لَا ألامُ على دُخوليوَلكنْ مَا وَراءكَ يَا عِصامُ
فإِنْ يَهلكْ أَبو قابوسَ يَهلكرَبيعُ النَّاسِ والشَّهرُ الحَرامُ
ونُمْسِكْ بَعدُه بذناب عَيشأجْبِّ الظَّهرِ لَيسُ لهُ سَنامُ) // الوافر //
وَمَات النَّابِغَة الذبياني على جاهليته وَلم يدْرك الْإِسْلَام
أنَا ابْنَ جَلَا.... ...) هُوَ أول بَيت لسحيم بن وثيل الريَاحي وَلَفظه
أَنا ابنُ جلا وطلاع الثنايامَتى أَضَع الْعِمَامَة تَعرفونِي
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة من الوافر أَولهَا
أفاطِمَ قبل بَيْنك متعينيومنعُكِ مَا سألتُ كَأَن تبيني) // الوافر //
يَقُول فِيهَا أَيْضا
فإنَّ عُلالتي وجرَاء حَوليلذُو شقّ عَلى الضَّرع الظَّنونِ
أَنا ابنُ الغرّ من سلفي رياحٍكنصلِ السيفِ وضاح الجبين) // الوافر //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وإنَّ مكانَنا من حِميرِيّمكانُ الليثِ من وَسطِ العرينِ
وإِن قَناتنا مَشِظٌ شَظاهاشديدٌ مدّها عنقَ القرِين
وَإِنِّي لَا يعودُ إليَّ قِرنيغداةَ الغبِّ إِلَّا فِي قَرين
بِذِي لِبَدٍ يَصُدُّ الرَّكبَ عنهُوَلَا تُؤتي فريستهُ لحينِ
عذرت البُزلَ إِذْ هيَ صاوَلتنيفَمَا بالي وبالُ ابنْي لَبون
وماذا يَبْتَغِي الشعراءُ منيوَقد جاوزتُ حدَّ الْأَرْبَعين
أَخو الْخمسين مجتمعٌ أشِدّيونَجَّذَنِي مُداوَرَةُ الشؤونِ
سأجني مَا جنيتُ وإنَّ ظَهْريلذُو سندٍ إِلَى نضد أَمِين) // الوافر //
وَكَانَ السَّبَب فِي قَوْله هَذِه الأبيات أَن رجلا أَتَى الأبيرد الريَاحي وَابْن عَمه الْأَحْوَص وهما من ردف الْمُلُوك من بني ريَاح يطْلب مِنْهُمَا قطراناً لإبله فَقَالَا لَهُ إِن أَنْت أبلغت سحيم بن وثيل الريَاحي هَذَا الشّعْر أعطيناك قطراناً فَقَالَ قولا فَقَالَا اذْهَبْ فَقل لَهُ
فَإِن بُداهتي وجراءَ حَوليلذُو شقّ على الحطمِ الحَرُون
فَلَمَّا أَتَاهُ وأنشده الشّعْر أَخذ عَصَاهُ وَانْحَدَرَ فِي الْوَادي يقبل فِيهِ وَيُدبر ويهمهم بالشعر ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فَقل لَهما وَأنْشد الأبيات قَالَ فَأتيَاهُ فاعتذرا فَقَالَ إِن أحد كَمَا لَا يرى أَنه صنع شَيْئا حَتَّى يقيس شعره بشعرنا وحسبه بحسبنا ويستطيف بِنَا استطافة الْمهْر الأزب فَقَالَا لَهُ فَهَل إِلَى النزع من سَبِيل فَقَالَ إِنَّا لم نبلغ أنسابنا
وَذكر ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشّعْر وَالشعرَاء مطلع هَذِه القصيدة فِي أَبْيَات أخر ونسبها للمثقب الْعَبْدي وَقَالَ لَو كَانَ الشّعْر كُله على هَذِه القصيدة لوَجَبَ على النَّاس أَن يتعلموه وَصُورَة مَا أوردهُ ابْن قُتَيْبَة
أفاطمَ قبلَ بَيْنك متعينيومنعك مَا سَأَلت كَأَن تبيني
وَلا تُبدي مواعدَ كاذباتتمرُّ بهَا رياحُ الصيفِ دوني
فَإِنِّي لَو تُخالفني شِماليبنصرٍ لم تصاحبْها يَمِيني
إِذاً لقطعتُها ولقلتُ بينيكَذَلِك أجتوِي من يجتوِيني
فإِما أَن تكون احي بِحَقفأعرف مِنْك غثِّي مِن سَميني
وَإِلَّا فاطرحني واتركننيعدوا أتقيك وتتقيني
وَما أَدْرِي إِذا يمَّمت أَرضًاأُرِيد الْخَيْر أيُّهما يليني
أألخير الَّذِي أَنا أبتغيهأم الشرُّ الَّذِي هُوَ يبتغيني
والأبيات الْمَارَّة تقَوِّي أَنَّهَا لسحيم الْمَذْكُور فَلَعَلَّ اتِّفَاقهمَا فِي المطلع من بَاب توارد الخواطر وَالله أعلم
وجلا هُنَا غير منون لِأَنَّهُ أَرَادَ الْفِعْل فحكاه مُقَدرا فِيهِ الضَّمِير الَّذِي هُوَ فَاعل وَالْفِعْل إِذا سمي بِهِ غير منتزع عَنهُ الْفَاعِل لم يكن إِلَّا حِكَايَة كَقَوْل تأبط شرا
كَذبْتُمْ وبيتِ الله لَا تأخذونهابني شابَ قرناها تُصَرُّ وتحلب) // الطَّوِيل //
وكقول الشَّاعِر
وَالله مَا زيدٌ ينَام صاحبهْوَلَا مخالطِ النيام جَانِبه) // الرجز //
وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنا ابْن الَّذِي جلا وَبني الَّتِي يُقَال لَهَا شَاب قرناها وَوَاللَّه مَا زيد بِالَّذِي يُقَال فِيهِ نَام صَاحبه
وَابْن جلا يُقَال للرجل الْمَشْهُور أَي ابْن رجل قد انْكَشَفَ أمره أَو جلا الْأُمُور أَي كشفها والثنايا جمع ثنية وَهِي الْعقبَة يُقَال فلَان طلاع الثنايا أَي ركاب لصعاب الْأُمُور
وَالشَّاهِد فِيهِ إيجاز الْحَذف والمحذوف مَوْصُوف وَهُوَ هُنَا رجل من قَوْله أَنا ابْن جلا
وَهَذَا الْبَيْت تمثل بِهِ الْحجَّاج على مِنْبَر الْكُوفَة حِين دَخلهَا أَمِيرا حدث
عبد الْملك بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ قَالَ بَيْنَمَا نَحن بِالْمَسْجِدِ الْجَامِع بِالْكُوفَةِ وَأهل الْكُوفَة يَوْمئِذٍ ذَوُو حَالَة حَسَنَة يخرج الرجل مِنْهُم فِي الْعشْرَة وَالْعِشْرين من موَالِيه إِذْ أَتَانَا آتٍ فَقَالَ هَذَا الْحجَّاج قدم أَمِيرا على الْعرَاق وَإِذا بِهِ قد دخل الْمَسْجِد معتماً بعمامة قد غطى بهَا أَكثر وَجهه مُتَقَلِّدًا سَيْفا متنكباً قوساً يؤم الْمِنْبَر فَمَال النَّاس نَحوه حَتَّى صعد الْمِنْبَر فَمَكثَ سَاعَة لَا يتَكَلَّم فَقَالَ بعض النَّاس لبَعض قبح الله بني أُميَّة كَيفَ تسْتَعْمل مثل هَذَا على الْعرَاق حَتَّى قَالَ عُمَيْر بن ضابئ البرجمي أَلا أحصبه لكم فَقَالُوا أمْهل حَتَّى نَنْظُر فَلَمَّا رأى الْحجَّاج أعين النَّاس تَدور إِلَيْهِ حسر اللثام عَن وَجهه ونهض فَقَالَ أَنا ابْن جلا وَأنْشد الْبَيْت وَقَالَ يَا أهل الْكُوفَة إِنِّي لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وَإِنِّي لصَاحِبهَا وَكَأَنِّي أنظر إِلَى الدِّمَاء بَين العمائم واللحى
هَذَا أَوان الشَّد فاشتدِّي زِيَمْقد لفها اللَّيْل بسواق حُطَمْ
لَيْسَ براعي إبل وَلَا غنموَلَا بجزَّار على ظهر وَضَمْ
ثمَّ قَالَ
قد لفَّا اللَّيْل بعصلبيِّأروعَ خرَّاج من الدَّوِّيِّ
مُهاجر لَيْسَ بأعرابيمعاودٍ لِلطَّعْنِ بالخطىّ
ثمَّ قَالَ أَيْضا
قد شمرت عَن سَاقيهَا فشدّواوجَدَّتِ الْحَرْب بكم فجدّوا
والقوس فِيهَا وترٌ عُرُدٌّمثل ذِرَاع الْبكر أَو أشدُّ
إِنِّي وَالله يَا أهل الْعرَاق لَا يقعقع لي بالشنان وَلَا يغمر جَانِبي كتغماز التنين
وَلَقَد فَرَرْت عَن ذكاء وفتشت عَن تجربة وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ نثل كِنَانَته بَين يَدَيْهِ فعجم عيدانها عوداً عوداً فرآني أمرهَا عوداً وأصلبها مكسراً وأبعدها مرمى فرماكم بِي لأنكم طالما أوضعتم فِي الْفِتْنَة واضطجعتم فِي مراقد الضلال وَالله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الْإِبِل فَإِنَّكُم لكأهل قَرْيَة كَانَت آمِنَة مطمئنة يَأْتِيهَا رزقها رغداً من كل مَكَان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لِبَاس الْجُوع وَالْخَوْف بِمَا كَانُوا يصنعون وَإِنِّي وَالله مَا أَقُول إِلَّا وفيت وَلَا أهم إِلَّا أمضيت وَلَا أخلق إِلَّا فريت وَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بإعطائكم أعطياتكم وَأَن أجهزكم إِلَى عَدوكُمْ مَعَ الْمُهلب بن أبي صفرَة وَإِنِّي أقسم بِاللَّه لَا أجد رجلا تخلف بعد أَخذ عطائه ثَلَاثَة أَيَّام إِلَّا ضربت عُنُقه يَا غُلَام اقْرَأ عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَرَأَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد الله عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى من بِالْكُوفَةِ من الْمُسلمين سَلام عَلَيْكُم فَلم يقل أحد مِنْهُم شَيْئا فَقَالَ الْحجَّاج اكفف يَا غُلَام ثمَّ أقبل عَليّ النَّاس فَقَالَ أيسلم عَلَيْكُم أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلم تردوا عَلَيْهِ شَيْئا هَذَا أدب ابْن سميَّة أما وَالله لأؤدبنكم غير هَذَا الْأَدَب أَو لتستقيمن
اقْرَأ يَا غُلَام كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا بلغ إِلَى قَوْله سَلام عَلَيْكُم لم يبْق فِي الْمَسْجِد أحد إِلَّا قَالَ وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّلَام ثمَّ نزل فَوضع للنَّاس أعطياتهم فَجعلُوا يأخذونها حَتَّى أَتَاهُ شيخ يرعش كبرا فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي من الضعْف على مَا ترى ولي ابْن هُوَ أقوى على الْأَسْفَار مني أفتقبله مني بَدَلا فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج نَفْعل أَيهَا الشَّيْخ فَلَمَّا ولي قَالَ لَهُ قَائِل أَتَدْرِي من هَذَا أَيهَا الْأَمِير قَالَ لَا قَالَ هَذَا عُمَيْر بن ضابئ البرجمي الَّذِي يَقُول أَبوهُ
هَمَمْت وَلم أفعل وكدت وليتنيتركت على عُثْمَان تبْكي حلائُلهْ
وَدخل هَذَا الشَّيْخ على عُثْمَان ﵁ يَوْم الدَّار وَهُوَ مقتول فوطئ بَطْنه وَكسر ضلعين من أضلاعه وَهُوَ يَقُول أَيْن تركت ضابئاً يَا نعثل فَقَالَ ردُّوهُ فَلَمَّا ردُّوهُ قَالَ لَهُ الْحجَّاج أَيهَا الشَّيْخ هلا بعثت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بَدَلا يَوْم الدَّار إِن فِي قَتلك لصلاحاً للْمُسلمين يَا حرسي اضْرِب عُنُقه فَسمع الْحجَّاج ضوضاء فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذِه البراجم جَاءَت لتنصر عُمَيْرًا فِيمَا ذكرت فَقَالَ أتحفوهم بِرَأْسِهِ فَرَمَوْهُمْ بِرَأْسِهِ فَوَلوا هاربين وَجعل الرجل يضيق عَلَيْهِ أمره فيرتحل وَيَأْمُر وليه أَن يلْحقهُ بزاده وازدحم النَّاس على الجسر للعبور إِلَى الْمُهلب بن أبي صفرَة وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الله بن الزبير الْأَسدي
أقولُ لإِبْرَاهِيم لما رأيتهُأرى الْأَمر أَمْسَى داهياً متشعباً
تخير فإمَّا أَن تزور ابْن ضابئعُمَيْرًا وَإِمَّا أَن تزور المهلبا
هما خطتا خسف نجاؤكَ مِنْهُمَاركوبك حولياً من الثَّلج أشهبَا
فَأضحى وَلَو كانتْ خراسانُ دونهُرَآهَا مَكَان السُّوق أَو هِيَ أقربا) // الطَّوِيل //
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداةُ بهِكَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نارُ
الْبَيْت للخنساء من مرثية فِي أَخِيهَا صَخْر وَهِي قصيدة من الْبَسِيط أَولهَا
قذًى بعينكِ أم بِالْعينِ عُوَّارُأم ذرّفت إِذْ خلتْ من أَهلهَا الدارُ
كأنَّ عَيْني لذكراهُ إِذا خطرَتْفيضٌ يسيل على الخَدين مدرارُ
تبْكي خناسُ على صَخْر وحُق لَهَاإِذْ رأبها الدهرُ إنَّ الدَّهْر ضرِّارُ
تبْكي لصخر هِيَ العبرى وَقد ثكلتودونهُ من جَدِيد الترب أستارُ
لَا بدّ من ميتةٍ فِي صرفهَا غيرٌوالدهرُ فِي صرفهِ حولٌ وأطوارُ
يَا صخرُ وَارد مَاء قدْ تنَاذرهُأهلُ المواردِ مَا فِي وِردِهِ عارُ
مَشى السبنتيَ إِلَى هيجاء معضلةلهُ سِلاحان أَنْيَاب وأظفار
فَمَا عجول على بوٍّ تُطيفُ بهِلهَا حَنينانِ إصغار وإكبَارُ
ترْعى إِذا نَسِيت حَتَّى إِذا ذكرتْفَإِنَّمَا هِيَ إقبال وَإِدبارُ
لَا تسمنُ الدهرَ فِي أَرض وَإِن ربعتفَإِنَّمَا هِيَ تَحْنَان وتسجارُ
يَوْمًا بأوجدَ مني حينَ فارَقنيصَخْر وللدهر إحلاء وإمرار
وإنّ صَخراً لوالينا وسيدُناوإِنَّ صَخراً إِذا نشتو لنحَّارُ) // الْبَسِيط //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
لمْ ترَهُ جَارة يمشي بساحتهالريبةِ حينَ يُخلِي بيتَهُ الجارُ
وَلا ترَاهُ وَمَا فِي الْبَيْت يأكلهُلكنهُ بارز بالصحن مِهمَارُ
مِثلُ الرديني لم تنفذ شبيبتهُكَأَنَّهُ تحتَ طيِّ البرْدِ أسوارُ
فِي جَوف رمسٍ مُقيم قدْ تضمنهُفيِ رمسهِ مقمَطرَّات وأحجار
طلق الْيَدَيْنِ بفعلِ الْخَيْر ذُو فجرضخم الدسيعة بالخيرات أمار) // الْبَسِيط //
وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل وَقيل هُوَ عَام فِي كل جبل
وَالشَّاهِد فِيهِ زِيَادَة الْمُبَالغَة فِي الإيغال وَهُوَ قَوْلهَا فِي رَأسه نَار
فَإِن قَوْلهَا علم واف بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ تَشْبِيه بِمَا هُوَ مَعْرُوف بالهداية لَكِنَّهَا أَتَت بالتتمة إيغالاً وَزِيَادَة للْمُبَالَغَة
وَقد ضمن عز الدّين الْموصِلِي عجز الْبَيْت فِي سامري اسْمه نجم فَقَالَ
وسامريّ أعارَ البدرَ فضلَ سنَاسَمَّوْهُ نجماً وذاكَ النجْمُ غَرَّارُ
تهتز قامَتهُ من تَحت عِمتهِكَأَنَّهُ علم فِي رَأسه نَار) // الْبَسِيط //
والخنساء اسْمهَا تماضر بنت عَمْرو بن الْحَارِث بن الشريد يَنْتَهِي نَسَبهَا لمضر والخنساء لقب غلب عَلَيْهَا وفيهَا يَقُول دُرَيْد بن الصمَّة وَكَانَ خطبهَا فَردته وَكَانَ رَآهَا تهنأ بَعِيرًا
حيُّوا تماضرَ وارْبَعُوا صحبيوقفُوا فإِنّ وقوفكم حسبي
أخُنَاسُ قد هامَ الفؤادُ بكموأصابه تَبلٌ من الْحبّ
مَا إِنْ رأيتُ وَلَا سمعتُ بهِكَالْيَوْمِ طالي أنيق جُرْبِ
متبذلاً تبدو مَحاسنهُيضعُ الهناء مَوَاضِع النقب) // الْكَامِل //
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمُحَمّد بن سَلام لما خطبهَا دُرَيْد بعثت خَادِمًا لَهَا وَقَالَت انظري إِلَيْهِ إِذا بَال فَإِن كَانَ بَوْله يخرق الأَرْض ويخد فِيهَا فَفِيهِ بَقِيَّة وَإِن كَانَ بَوْله يسيح على الأَرْض فَلَا بَقِيَّة فِيهِ فَرَجَعت إِلَيْهَا وأخبرتها أَن بَوْله ساح على وَجه الأَرْض فَقَالَت لَا بَقِيَّة فِي هَذَا وَأرْسلت إِلَيْهِ مَا كنت لأدع
بني عمي وهم مثل عوالي الرماح وأتزوج شَيخا فَقَالَ
وقاكِ اللهُ يَا ابْنة آل عَمْرومنَ الفتيَان أشبَاهي وَنفسي
وقالَتْ إِنَّنِي شيخٌ كبيرٌومَا نبأتها أَنِّي ابنُ أمس
فَلَا تلدي وَلَا ينكحك مِثليإذَا مَا ليلةٌ طرفت بنخس
تُرِيدُ شَرّ نبث الْقَدَمَيْنِ شَثناًيبَاشرُ بالعشية كل كرسِ) // الوافر //
فَقَالَت الخنساء
مُعَاذَ الله ينكحني حَبَرْكَىيقَال أَبوهُ منْ جُشَم بن بكرِ
ولوْ أصبحتُ فِي جُشم هديّاإِذَا أصبحتُ فِي دنس وفقر) // الوافر //
وَكَانَت الخنساء فِي أول أمرهَا تَقول الْبَيْتَيْنِ وَالثَّلَاثَة حَتَّى قتل أَخَوَاهَا مُعَاوِيَة وصخر وَكَانَ صَخْر أخاها لأَبِيهَا وَكَانَ أحبهما إِلَيْهَا لِأَنَّهُ كَانَ حَلِيمًا جواداً محبوباً فِي الْعَشِيرَة
وَكَانَ من حَدِيث قَتله مَا ذكره أَبُو عُبَيْدَة قَالَ غزا صَخْر بن عَمْرو وَأنس ابْن عَبَّاس الرعلي بني أَسد بن خُزَيْمَة فَأَصَابُوا غَنَائِم وسبياً وَأخذ صَخْر يَوْمئِذٍ بديلة امْرَأَة من بني أَسد وأصابته يَوْمئِذٍ طعنة طعنة بهَا رجل يُقَال لَهُ ربيعَة بن ثَوْر ويكنى أَبَا ثَوْر فَأدْخل جَوْفه حلقا من الدرْع فاندمل عَلَيْهِ حَتَّى شقّ عَلَيْهِ بعد سِنِين وَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته وروى أَن صخرا مرض من تِلْكَ الطعنة قَرِيبا من حول
حَتَّى مله أَهله فَسمع صخرا امْرَأَة تسْأَل سلمى امْرَأَته كَيفَ بعلك فَقَالَت لَا حيٌ فيرجى وَلَا ميت فيسلى وَقد لَقينَا مِنْهُ الْأَمريْنِ فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
أَرى أمَّ صخرٍ لَا تمَلُّ عيادتيومَلَّتْ سُلَيمى مِضْجَعي ومَكاني
وَما كنتُ أخشَى أَن أكونَ جَنَازَةعليكِ وَمن يَغترُّ بالحَدَثان
أهُمُّ بِأَمْر الحزم لَو أستطيعهوَقد حيلَ بينَ العْيرِ والنَّزَوان
لعمري بقد نَبُهْتَ من كَانَ نَائِماوأسمعت من كَانَت لَهُ أذُنان
وللموتُ خيرٌ من حَيَاة كَأَنَّهَامحلّة يَعسوبٍ بِرَأْس سِنان
وأيُّ امْرِئ سَاوَى بأمٍّ حَلِيلَةفَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقا وهوان) // الطَّوِيل //
وَزعم قوم أَن الَّتِي قَالَت هَذِه الْمقَالة بديلة الأَسدِية الَّتِي كَانَ سباها من بني أَسد واتخذها لنَفسِهِ وَأنْشد مَكَان الْبَيْت الأول
أَلا تلكُمُ عرسي بديلةُ أوْجَسَتْفراقي وملت مضجعي ومكاني
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فَمَا طَال عَلَيْهِ الْبلَاء وَقد نتأت قِطْعَة مثل الْيَد فِي جنبه من مَوضِع الطعنة فتدلت وَاسْتَرْخَتْ قَالُوا لَهُ لَو قطعتها لرجونا أَن تَبرأ فَقَالَ شَأْنكُمْ وَهِي فأشفق عَلَيْهِ بَعضهم فنهاهم فَأبى صَخْر وَقَالَ الْمَوْت أَهْون على مِمَّا أَنا فِيهِ فأحموا لَهُ شفرة ثمَّ قطعوها فيئس من نَفسه قَالَ وَسمع صَخْر أُخْته الخنساء وَهِي تَقول كَيفَ كَانَ صبره فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك
أجارتنا إِن الخطوب تنوبعلى النَّاس كلِّ المخطئين تُصيبُ
فَإِن تسأليني هَل صَبرتُ فإننيصبورٌ على ريب الزَّمَان أريبُ
كَأَنِّي وَقد أدْنَوْا إلىَّ شِفارهممن الصَّبْر دامي الصفحتين ركُوب
أجارتنا لستُ الغداةَ بظاعنٍوَلَكِن مقيمٌ مَا أَقَامَ عسيب) // الطَّوِيل //
فَمَاتَ فَدفن هُنَاكَ فقبره قريب من عسيب وَهُوَ جبل بِأَرْض بني سليم إِلَى جنب الْمَدِينَة المنورة
وروى أَنه لما طعن وَدخلت حلق الدرْع فِي جَوْفه ضجر مِنْهَا زَمَانا وَبعث إِلَى ربيعَة الْأَسدي الَّذِي طعنه إِنَّك أخذت خلقا من دِرْعِي بسنانك فَقَالَ لَهُ ربيعَة اطلبها فِي جوفك فَكَانَ ينفث الدَّم وَتلك الْحلق مَعَه فملته امْرَأَته وَكَانَ يكرمها ويعينها على أَهله فَمر بهَا رجل وَهِي قَائِمَة وَكَانَت ذَات كفل وأوراك فَقَالَ لَهَا أيباع هَذَا الكفل فَقَالَت عَمَّا قَلِيل وصخر يسمع ذَلِك فَقَالَ لَئِن اسْتَطَعْت لأقدمنك أَمَامِي ثمَّ قَالَ لَهَا ناوليني السَّيْف أنظر هَل تقله يَدي فَدَفَعته إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ لَا يقلهُ فَعندهَا أنْشد الأبيات السَّابِقَة ثمَّ لم يلبث أَن مَاتَ وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَة قد قتل قبله ورثته الخنساء أَيْضا وَكَانَ صَخْر قد أَخذ بثأره وَقتل قَاتله
ثمَّ لما كَانَت وقْعَة بدر وَقتل عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة أَقبلت هِنْد بنت عتبَة ترثيهم وَبَلغهَا تسويم الخنساء هودجها فِي الْمَوْسِم ومعاظمتها الْعَرَب بمصيبتها بأبيها وأخويها وَأَنَّهَا جعلت تشهد الْمَوْسِم وتبكيهم وَقد سومت هودجها براية وَأَنَّهَا تَقول أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَأَن الْعَرَب عرفت ذَلِك لَهَا فَقَالَت هِنْد بل أَنا أعظم الْعَرَب مُصِيبَة فَأمرت بهودجها قسوم براية أَيْضا وَشهِدت الْمَوْسِم بعكاظ وَكَانَت عكاظ سوقاً تَجْتَمِع فِيهِ الْعَرَب فَقَالَت
اقرنوا جملي بجمل الخنساء فَفَعَلُوا فَلَمَّا دنت مِنْهَا قَالَت لَهَا الخنساء من أَنْت يَا أخية قَالَت أَنا هِنْد بنت عتبَة أعظم الْعَرَب مُصِيبَة وَقد بَلغنِي أَنَّك تعاظمين الْعَرَب بمصيبتك فَبِمَ تعاظمينهم قَالَت بِأبي عَمْرو بن الشريد وأخوي صَخْر وَمُعَاوِيَة فَبِمَ تعاظمينهم أَنْت قَالَت بِأبي عتبَة وَعمي شيبَة وَأخي الْوَلِيد قَالَت الخنساء لسواهم عنْدك ثمَّ أنشأت تَقول
أبكِّى أبي عمْراً بعينٍ غزيرةٍقليلٍ إِذا نَام الخليُّ هُجودهَا
وَصِنَويَّ لَا أنسي مُعَاوِيَة الَّذِيلَهُ من سَرَاة الحرتين وفودُهَا
وصخراً وَمن ذَا مثلُ صَخْر إِذا غَدَابسَلْهَبةِ الآطال قُبٍّ يقودُها
فَذلك يَا هِنْدُ الرَّزِيَّةُ فاعلميونيران حَرْب جين شب وقودها) // الطَّوِيل //
فَقَالَت هِنْد بنت عتبَة تجيبها
أُبكِّي عَميدَ الأبْطَحينِ كليهمَاوحاميَهَا من كل بَاغ يريدُهَا
أبي عُتبةُ الْخيرَات ويحَكِ فاعلميوشَيْبةُ والحامي الذمار وليدهَا
أُولَئِكَ آل الْمجد من آل غَالبوَفِي الْعِزّ مِنْهَا حِين يُنْمي عديدُهَا) // الطَّوِيل //
وَقَالَت الخنساء أَيْضا يَوْمئِذٍ
(من حس لي الْأَخَوَيْنِ كالغصنين أَو من رآهمَا ...)
قرمين لَا يتظالمانوَلَا يُرام حماهُمَا
وَيلي على الْأَخَوَيْنِ والقبرالَّذِي وارَاهُما
لَا مِثلَ كهَلي فِي الكهولوَلَا فَتى كفتاهُما
رُمْحَيْنِ خطيين فِيكبد السَّمَاء سناهُما
مَا خَلَّفَا إِذْ ودَّعافِي سؤود شرواهما
سَادًّا بغيرِ تَكلُّفٍعَفواً يفِيض نداهما) // من مجزوء الرمل //
وَقد أجمع أهل الْعلم بالشعر أَنه لم تكن امْرَأَة قبلهَا وَلَا بعْدهَا أشعر مِنْهَا
ووفدت على رَسُول الله ﷺ مَعَ قَومهَا من بني سليم فَأسْلمت مَعَهم وَذكروا أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يستنشدهما وَيُعْجِبهُ شعرهَا وَكَانَت تنشده وَهُوَ يَقُول هيه يَا خناس ويومئ بِيَدِهِ ﷺ
وَعَن أبي وجرة عَن أَبِيه قَالَ حضرت الخنساء بنت عَمْرو السليمية حَرْب الْقَادِسِيَّة وَمَعَهَا بنوها أَرْبَعَة رجال ﵃ أَجْمَعِينَ فَقَالَت لَهُم من أول اللَّيْل يَا بني إِنَّكُم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره إِنَّكُم لبنو رجلٍ وَاحِد كَمَا أَنكُمْ بَنو امْرَأَة وَاحِدَة مَا خُنْت أَبَاكُم وَلَا فضحت خالكم وَلَا هجنت حسبكم وَلَا غيرت نسبكم وَقد تعلمُونَ مَا أعد الله تَعَالَى للْمُسلمين من الثَّوَاب الجزيل فِي حَرْب الْكَافرين وَاعْلَمُوا أَن الدَّار الْبَاقِيَة خير من الدَّار الفانية لقَوْله ﷿ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابطُوا وَاتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ فَإِذا أَصْبَحْتُم غَدا إِن شَاءَ الله سَالِمين فاغدوا إِلَى قتال عَدوكُمْ مستبصرين وَبِاللَّهِ على أعدائه مستنصرين فَإِذا رَأَيْتُمْ الْحَرْب قد شمرت عَن سَاقهَا واضطرمت لظى مساقها فَتَيَمَّمُوا وطيسها وجالدوا رئيسها عِنْد احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة فِي دَار الْخلد والمقامة فَخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قَوْلهَا فَلَمَّا أَضَاء لَهُم الصُّبْح بَادرُوا مراكزهم وَأَنْشَأَ أَوَّلهمْ يَقُول
يَا إِخوتي إنَّ العجوزَ الناصحَهْقَدْ نَصحتنا إِذْ دَعَتْنا البارحهْ
بِقالةٍ ذَاتِ بَيانٍ وَاضحهْفَباكُروا الحَربَ الضَّرُوس الكالحهْ
وَإِنما تَلقونَ عِندَ الصَّائحهْمنْ آل ساسان كِلابا نابحهْ
قدْ أيْقنوا مِنكم بوَقع الجَائحهْوَأنْتمُ بينَ حَياةٍ صالحهْ
(وَميتةٍ تورثُ غُنما رابحة ...) // الرجز //
وَتقدم فقاتل حَتَّى قتل رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّانِي وَهُوَ يَقُول
إنَّ العجوزَ ذَاتُ حَزْم وَجَلَدْوالنَّظر الأوْفق والرُأي السَّدَد
قَدْ أمَرَتنْا بِالسَدَاد وَالرَّشدْنَصيحةً مِنْها وَبِرَّاً بِالوَلدْ
فَباكرُوا الحَربَ كماةً فِي العُدَدْإِمَّا بِفوز باردٍ على الْكبدْ
أَوْ مِيتةٍ تورثكم غُنْم الأبدْفِي جَنة الفردَوْس والعيش الرغد) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى اسْتشْهد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ حمل الثَّالِث أَيْضا وَهُوَ يَقُول
واللهِ لَا نَعصي العجوزَ حَرْفاًقَدْ أمرتنا حَربًا وَعطف
نُصحاً وَبراً صَادِقا وَلطفاًفَبادِرُوا الحَربَ الضَّرُوس زَحفْا
حَتى تَلفُّوا آلَ كِسرَى لفّاًأوْ تكشفوهمْ عنْ حِماكم كَشفا
إِنا نَرى التَّقصيرَ مِنكم ضَعفاًوالقَتلَ فِيكم نجْدَة وَعرفَا) // الرجز //
وَقَاتل أَيْضا حَتَّى اسْتشْهد ﵀ ثمَّ حمل الرَّابِع وَهُوَ يَقُول
لَسنا لخَنساء ولَا للأحَزمِوَلَا لعَمْرو ذِي السَّناء الأقدَم
إنْ لم أرَى فِي الجَيش جَيش الْأَعْجَممَاض على هول خضم خِضرم
إِمَّا لِفوز عَاجل ومَغنمأوْ لوفاةٍ فِي السَّبيل الأكرم) // الرجز //
وَقَاتل حَتَّى قتل أَيْضا رَحْمَة الله عَلَيْهِ وعَلى إخْوَته فبلغها الْخَبَر ﵂ فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي شرفني بِقَتْلِهِم وَأَرْجُو من رَبِّي أَن يجمعني مَعَهم فِي مُسْتَقر رَحمته
وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يُعْطِيهَا أرزاق أَوْلَادهَا الْأَرْبَعَة لكل وَاحِد مِنْهُم مِائَتي دِرْهَم إِلَى أَن قبض ﵀ وَرَضي عَنهُ
وَكَانَت وفاتها فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان نَحْو سنة خمسين من الْهِجْرَة
كأَنَّ عُيُونَ الوَحْشِ حَوْلَ خُبَائِنَاوَأرْحُلِنَا الجزَّعُ الَّذِي لم يِثَقَّبِ
الْبَيْت لامرىء الْقَيْس من قصيدة من الطَّوِيل أَولهَا
خليلي مرا بِي على أم جُنْدُبلِنقضيَ حاجاتِ الفؤادِ المُعذَّبِ
فإِنكما إنْ تَنظرانيَ سَاعَةمِنَ الدَّهر تَنفْعني لدَى أمِّ جُندبِ
ألم تريانِي كلَّما جِئتُ طَارِقًاوَجدتُ بِها طِيباً وَإِنْ لم تَطيَّبِ
عَقيلة أخذان لَهَا لَا ذَميمةٌوَلا ذَاتُ خَلْق إِن تأملتَ جَانِّب) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن يَقُول فِيهَا
وَقلتُ لِفتيانٍ كِرَام ألَا انْزلوافَعالوا عَلينا فَضلّ بُردٍ مُطنَّبِ
فَفِئْنا إِلَى بَيت بعلياء مُرْدَحٍسماوتهُ منْ أتْحمىٍّ مُعَصَّبِ
وَأَوتادهُ عاديَّة وعِمادهُرُدينية فِيها أسِنةُ قَعضبِ
فَلما دَخلناه أضَفنا ظُهورَناإِلى كلِّ حاريٍّ جَدِيدٍ مُشطبِ
فَظَل لنَا يومٌ لذِيذٌ بِنعمةٍفَقل فِي مَقيل نحْسُه متغيب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
نمش بأعرافِ الجِياد أكُفَّناإِذَا نحنُ قُمنا عنَّ شِواءِ مُضِّهبِ) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
قَالَ الْأَصْمَعِي الظبي وَالْبَقَرَة إِذا كَانَا حيين فعيونهما كلهَا سود فَإِذا مَاتَا بدا بياضها وَإِنَّمَا شبهها بالجزع وَفِيه سَواد وَبَيَاض بعد مَا موتت وَالْمرَاد كَثْرَة الصَّيْد يَعْنِي مِمَّا أكلناه كثرت الْعُيُون عندنَا كَذَا فِي شرح ديوَان امرىء الْقَيْس وَبِه يتَبَيَّن بطلَان مَا قيل إِن المُرَاد أَنَّهَا قد طَالَتْ مسايرتهم حَتَّى ألفت الوحوش رحالهم وأخبيتهم
وَالشَّاهِد فِيهِ تَحْقِيق التَّشْبِيه فِي الإيغال لِأَنَّهُ شبه عُيُون الْوَحْش بالجزع وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وتكسر الخرز الْيَمَانِيّ الصيني فِيهِ سَواد وَبَيَاض تشبه بِهِ عُيُون الْوَحْش لكنه أَتَى بقوله لم يثقب إيغالاً وتحقيقاً للتشبيه لِأَن الْجزع إِذا كَانَ غير مثقوب كَانَ أشبه بالعيون
وَقد اشْتَمَل هَذَا الْبَيْت على نوع من أَنْوَاع البديع يُسمى التَّبْلِيغ والتتميم وَيُسمى الإيغال أَيْضا وَهُوَ أَن يتم قَول الشَّاعِر دون مقطع الْبَيْت ويبلغ بِهِ القافية فَيَأْتِي بِمَا يتمم بِهِ الْمَعْنى وَيزِيد فِي فَائِدَة الْكَلَام لِأَن للقافية محلا من الأسماع والخواطر فاعتناء الشَّاعِر بهَا آكِد وَلَا شَيْء أقبح من بنائها على فضول الْكَلَام الَّذِي لَا يُفِيد
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع