من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الاستعاره (٢)
الصغار
وَقَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز رحمهمَا الله تَعَالَى إِنِّي لأعرف صَالح بني هَاشم من فاسدهم بحب كثير من أحبه مِنْهُم فَهُوَ فَاسد وَمن أبغضه فَهُوَ صَالح لِأَنَّهُ كَانَ خشبياً يُؤمن بالرجعة
وَحدث رجل من مزينة قَالَ ضفت كثيرا لَيْلَة وَبت عِنْده ثمَّ تحدثنا وَنِمْنَا فَلَمَّا طلع الْفجْر تضور ثمَّ قُمْت فَتَوَضَّأت وَصليت وَكثير نَائِم فِي لِحَافه فَلَمَّا طلع قرن الشَّمْس تضور ثمَّ قَالَ يَا جَارِيَة اسجري لي مَاء أَي سخني قَالَ فَقلت تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم وَبعده وَركبت رَاحِلَتي وَتركته
وَكَانَ كثير عاقاً لِأَبِيهِ وَكَانَ أَبوهُ قد أَصَابَته قرحَة فِي أصْبع من أَصَابِع يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ كثير أَتَدْرِي لم أصابتك القرحة فِي أصبعك قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ مِمَّا ترفعها إِلَى الله فِي يَمِين كَاذِبَة
وَعَن طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ مَا رَأَيْت أَحمَق من كثير دخلت عَلَيْهِ فِي نفر من قُرَيْش وَكُنَّا كثيرا مَا نهزأ بِهِ وَكَانَ يتشيع تشيعاً قبيحاً فَقلت لَهُ كَيفَ تجدك يَا أَبَا صَخْر وَهُوَ مَرِيض فَقَالَ أجدني ذَاهِبًا فَقلت كلا فَقَالَ هَل سَمِعْتُمْ النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا قلت نعم يتحدثون بأنك الدَّجَّال قَالَ أما إِذْ قلت ذَاك فَإِنِّي لأجد فِي عَيْني هَذِه ضعفا مُنْذُ أَيَّام
وَعَن عبد الْعَزِيز بن عمر رحمهمَا الله أَن أُنَاسًا من أهل الْمَدِينَة المنورة كَانُوا يهزأون بِكَثِير فَيَقُولُونَ وَهُوَ يسمع إِن كثيرا لَا يلْتَفت من تيهه فَكَانَ الرجل يَأْتِيهِ من وَرَائه فَيَأْخُذ رِدَاءَهُ فَلَا يلْتَفت من الْكبر ويمضي فِي قَمِيص
وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان معجباً بِشعرِهِ قَالَ لَهُ يَوْمًا كَيفَ ترى شعري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أرَاهُ يسْبق السحر ويغلب الشّعْر
وَقَالَ عبد الْملك لَهُ يَوْمًا من أشعر النَّاس يَا أَبَا صَخْر قَالَ من يروي أَمِير الْمُؤمنِينَ شعره فَقَالَ لَهُ عبد الْملك إِنَّك لمنهم
وَحدث كثير قَالَ مَا قلت الشّعْر حَتَّى قولته قيل لَهُ وَكَيف ذَاك قَالَ بَينا أَنا نصف النَّهَار أَسِير على بعير لي بالغميم أَو بقاع حمْرَان إِذْ رَاكب قد دنا إِلَيّ حَتَّى صَار إِلَى جَنْبي فتأملته فَإِذا هُوَ من صفر وَهُوَ يجر نَفسه فِي الأَرْض جراً فَقَالَ لي قل الشّعْر وألقاه عَليّ قلت من أَنْت قَالَ قرينك من الْجِنّ فَقلت الشّعْر
وَكَانَ أول أمره مَعَ عزة الَّتِي يتعشقها أَنه مر بنسوة من بني ضَمرَة وَمَعَهُ جلب غنم فأرسلن إِلَيْهِ عزة وَهِي صَغِيرَة فَقَالَت لَهُ يقلن لَك النسْوَة بعنا كَبْشًا من هَذِه الْغنم وأنسئنا بِثمنِهِ إِلَى أَن ترجع فَأَعْطَاهَا كَبْشًا وأعجبته فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَتْهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ بدراهمه فَقَالَ وَأَيْنَ الصبية الَّتِي أخذت مني الْكَبْش قَالَت وَمَا تصنع بهَا هَذِه دراهمك قَالَ لَا آخذ دراهمي إِلَّا مِمَّن دفعت إِلَيْهِ وَولى وَهُوَ يَقُول
قَضى كلُّ ذِي دَينِ فَوَفَّى غَريمَهُوعَزةُ ممطُولٌ مُعنَّى غريمها) // الطَّوِيل //
فَقُلْنَ لَهُ أَبيت إِلَّا عزة وأبرزنها لَهُ وَهِي كارهة ثمَّ إِنَّهَا أحبته بعد ذَلِك أَشد من حبه لَهَا
وَعَن الْهَيْثَم بن عدي أَن عبد الْملك سَأَلَ كثيرا عَن أعجب خبر لَهُ مَعَ عزة فَقَالَ حججْت سنة من السنين وَحج زوج عزة بهَا وَلم يعلم أحد منا بِصَاحِبِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق أمرهَا زَوجهَا بابتياع سمن يصلح بِهِ طَعَاما لأجل رفقته فَجعلت تَدور الْخيام خيمة خيمةً حَتَّى دخلت إِلَيّ وَهِي لَا تعلم أَنَّهَا خَيْمَتي وَكنت أبري سَهْما لي فَلَمَّا رَأَيْتهَا جعلت أبري وَأنْظر إِلَيْهَا وَلَا أعلم حَتَّى بريت ذراعي وَأَنا لَا أشعر بِهِ وَالدَّم يجْرِي فَلَمَّا تبينت ذَلِك دخلت إِلَيّ فَأَمْسَكت بيَدي وَجعلت تمسح الدَّم بثوبها وَكَانَ عِنْدِي نحيٌ من سمن فَحَلَفت لتأخذنه فَجَاءَت بِهِ إِلَى زَوجهَا فَلَمَّا رأى الدَّم سَأَلَهَا عَن خَبره قَالَ فكاتمته حَتَّى حلف عَلَيْهَا لتصدقنه فَلَمَّا أخْبرته ضربهَا وَحلف لتشتمني فِي وَجْهي فوقفت عَليّ وَهُوَ مَعهَا فَقَالَت لي يَا ابْن الزَّانِيَة وَهِي تبْكي ثمَّ انصرفا فَذَلِك حَيْثُ أَقُول
أسِيئِي بِنا أَو أحسني لَا مَلومةًلدَينا وَلَا مَقْليَّةً إِن تَقَلّت
هَنِيئاً مَريئاً غيْرَ داءٍ مخامرٍلعَزَّةَ منْ أعراضنا مَا استحلتِ) // الطَّوِيل //
وَمِنْه قَوْله فِيهَا أَيْضا
وددْت وحَقَّ الله أَنَّك بكْرَةٌوأنِّي هَجانٌ مُصْعَبٌ ثمّ نَهْرب
كِلَانَا بِه عرٌّ فَمن يرَنا يقلْعلى حسنِها جرباء تُعْدِى وأجْرَب
نَكُون لذِي مالٍ كثير مغَفّلٍفَلَا هوَ يرعانا وَلَا نَحْنُ نُطْلَب
إِذا مَا وردْنا منْهلاً صَاح أَهلهعلينا فَمَا ننفك نرمى ونضرب) // الطَّوِيل //
يحْكى أَن عزة لما بلغَهَا ذَلِك وَحضر إِلَيْهَا أنشدته الأبيات وَقَالَت لَهُ وَيحك لقد أردْت بِي الشَّقَاء أما وجدت أُمْنِية أوطأ من هَذِه فَخرج من عِنْدهَا خجلاً
وأسوأ من هَذِه الأمنية أُمْنِية الْفَزارِيّ حَيْثُ قَالَ
منْ حبَّها أتمنّى أنْ يُلاقَيِنِيمنْ نَحْو بلدنها ناعٍ فيَنْعاها
كَيْمَا أَقُول فراقٌ لَا لِقَاء لَهُوتضمرَ النفْس يأساً ثمَّ تَسلاها) // الْبَسِيط //
وَلكنه استدرك بعد ذَلِك فَقَالَ
وَلَو تَموتُ ورَاعتْني لَقلت لَهَايَا بؤْسِ للمْوت لَيتَ الدَّهر أبقاها) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الآخر
تمَنّيت من حبيِّ بثينةَ أنناوئِدْنا جَمِيعًا ثمَّ تَحيا وَلَا أَحْيَا
فَترْجع دنياها عَلَيْهَا وإننيبساعة ضَمِّيها رَضيتُ من الدُّنْيَا) // الطَّوِيل //
وكل امْرِئ أمانيه تلِيق بمعاليه قيل للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ مَا تتمنى قَالَ سنداً عَالِيا وبيتاً خَالِيا وَقيل لبَعض الوراقين مَا تتمنى قَالَ قَلما مشاقاً وحبراً براقاً وجلوداً وأوراقا وَقيل لبَعض الصُّوفِيَّة مَا تتمنى قَالَ دقنا ودلقا وَلَا أُرِيد رزقا وَقَالَ بَعضهم
لَو قَالَ لي خَالِقي تَمنىقلْت لهُ سَائِلاً بصِدْق
أُريدُ فِي صُبحِ كلِّ يوْمٍفُتُوحَ خيْر يَأْتِي برزْقِ
كف حشيش وَرِطل لحمومَنّ خبز ونيك علق) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول الآخر
لَو قيل مَا تَتَمَنَّى قلت فِي عجَلأَخا صدُوقا أَمينا غيرَ خوّان
إِذا فَعَلت جَميلاً ظلّ يشكرنيوَإن أسأتُ تَلَقّاني بغفران) // الْبَسِيط //
وَمَا أحسن قَول ابْن سارة فِي الْأَمَانِي
أمانِيّ منْ ليلى حسان كَأَنَّمَاسقني بهَا ليلِي على ظمإِ برْدَا
مُنىً إِن تكن حقّاً تكن أحسَنَ المنىوَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بهَا زَمنا رغدا) // الطَّوِيل //
وبديع قَول الْوَزير مؤيد الدّين الطغرائي رَحمَه الله تَعَالَى
أعَلِّلَ النفسَ بالآمال أَرْقبهامَا أَضيَقَ العَيْشَ لوْلا فُسْحَةُ الأمل) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه الْعِمَاد الْكَاتِب فَقَالَ
وَمَا هذِهِ الْأَيَّام إلَاّ صحائفٌنؤرخُ فِيهَا ثمَّ تُمْحَى وَتُمْحق
وَلم أرَ عَيْشًا مِثلَ دَائرَةِ المنىتوسِّعُها الآمالُ والعيش ضيق) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الْعَفِيف إِسْحَاق بن خَلِيل كَاتب الْإِنْشَاء للناصر دَاوُد
لَوْلَا مواعيدُ آمالٍ أعيشُ بهَالُمتُّ يَا أهلَ هَذَا الحيِّ من زَمنِ
وَإِنَّمَا طِرْفُ آمالي بِهِ مرحٌيَجْرِي بِوَعد الْأَمَانِي مطلقَ الرسن) // الْبَسِيط //
وَقَالَ آخر
فِي المنى راحةٌ وَإِن عللتنامِنْ هَوَاها بِبَعْض مَا لَا يكون) // الْخَفِيف //
وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد بن زيدون أَيْضا
أمَّا مُنَى قلبِي فأنتِ جميعُهُيَا لَيْتَني أصبحتُ بعضَ مُناكِ
يُدني مزارَك حِين شط بِهِ النَّوَىوهْمٌ أكادُ بِهِ أقبلُ فاكِ) // الْكَامِل //
وَمن هُنَا أَخذ الحاجري قَوْله
يمِّثُلَك الشوقُ الشديدُ لناظريفَأَطْرَقَ إجلالا كَأَنَّك حَاضر) // الطَّوِيل //
وَقَالَ ابْن رزين من شعراء الذَّخِيرَة
لأسَرِّحَنَّ نواظريفِي ذَلِك الروضِ النَّضِير
ولآكلنَّكَ بالمنىولأشْرَبَنَّكَ بالضمير) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَالَ علم الدّين أيدمر المحيوي
كم لَدَيْنَا أمانياًقد حَوَتْ مُحكم العملْ
فارغاتٍ من الدَّنانيرِ مَلأى من الأمل) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَهُوَ عكس قَول الآخر
وإنَّ رَجَاء كامناً فِي نوالهلكالمالِ فِي الأكياسِ تَحت الْخَوَاتِم) // الطَّوِيل //
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار
(لَيْت شعري مَا العذرُ لَوْلَا قَضَاء الله فِي رزقِهِ وَفِي حرماني ...)
(وَلَقَد كدت أَن أهيمَ بِحمْل الْهم لَوْلَا تعللي بالأماني ...) // الْخَفِيف //
وَله أَيْضا
حَسْبُ الْفَتى حسن الْأَمَانِي إِنَّهلَا يَعْتَرِيه مدى الزَّمَان زَوَال) // الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو البركات مُحَمَّد بن الْحسن الخاتمي
لي حبيب لَو قيل مَا تتمنىمَا تعدَّيْتُه وَلَو بالمنوِن
أشتهي أَن أحلَّ فِي كل طَرْفٍفَأرَاهُ بِلحظ كل الْعُيُون) // الْخَفِيف //
وَقَالَ غَيره
أُعلل بالمنى قلبِي لِأَنِّيأُفرجُ بالأماني الهمَّ عني
وَأعلم أَن وصلك لَا يرجَّىوَلَكِن لَا أقل من التَّمَنِّي) // الوافر //
وَقَالَ الآخر وَهُوَ أصرح مِمَّا قبله
إِذا مَا عَن ذكرك فِي ضميريوقابلني محيَّاكَ الجميلُ
أصير لفرط أشواقي أيوراًلِعلمي أنَّ نيكك مُسْتَحِيل) // الوافر //
وَهُوَ يشبه قَول الصفي الْحلِيّ أَيْضا
إِذا صدَّ الحبيب لغير ذنبٍوقاطعني وَأعْرض عَن وصالي
أمثله وأنكسح عِنْد صلحيبأيْرِ الْفِكر فِي ثقُب الخيال) // الوافر //
وَقد سد ابْن المعتز بَاب المنى بقوله
لَا تأسفنَّ من الدُّنْيَا على أملفَلَيْسَ بَاقِيه إِلَّا مثل ماضيه) // الْبَسِيط //
وَتَابعه الخالدي فَقَالَ
وَلَا تكن عبد المنى فالمنيرُءُوس أَمْوَال المفاليس) // السَّرِيع //
وَقَالَ الآخر
من نَالَ من دُنْيَاهُ أُمْنِيةأسقطت الْأَيَّام مِنْهَا الْألف) // السَّرِيع //
وَقَالَ شرف الدّين القيرواني أَيْضا
غلف تمنوا فِي الْبيُوت أمانياًوجميعُ أعمارِ اللئامِ أمانِي) // الْكَامِل //
وَقَالَ الآخر
أَلا يَا نفسُ إِن تَرْضَي بقوتٍفَأَنت عزيزة أبدا غنيَّهْ
دعِي عَنْك المطامع والأمانيفكم أمنيةٍ جلبت مَنِيَّهْ) // الوافر //
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الجزار
أَنا فِي راحةٍ من الآمالأيْنَ من همتي بلوغُ الْمَعَالِي
(ليَ عجز أراح قلبِي من الْهم وَمن طول فكرتي فِي الْمحَال ...)
(مَا لِبَاس ُالحرير مِمَّا أرجيِّه فيُرْجَى وَلَا ركوبُ البغال ...)
(رَاحَة السِّرّ فِي التَّخَلُّف عَن كل محلٍّ أضحى بعيدَ المنال ...) // الْخَفِيف //
وَقَالَ بَعضهم
وَأكْثر مَا تلقى الْأَمَانِي كواذبافإِن صدقت جَازَت بصاحبها القدرا) // الطَّوِيل //
(وَقَالَ آخر
ولي من تمنِّي النفسِ دُنْيَا عريضةٌومستفتيح يَغْدُو عليَّ ويَطْرُقُ
فقدت المنى لَا النفسُ تلهو عَن المنىلتجربةٍ مِنْهَا وَلَا هِيَ تصدُقُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي
أَلا فاطَّرِح عَنْك التَّمَنِّي وَلَا تَبِتْبكاساته نَشْوَان غير مُفيقِ
فإنْ كَانَ مِمَّا لَا غِنَى عَنهُ فَلْيَكُنوفاةَ عدوٍّ أَو حياةَ صديق) // الطَّوِيل //
وَقد أكثرنا فِي طول الأمل وضده فلنرجع إِلَى أَخْبَار كثير عزة
يحْكى أَنه خرج فِي الْحَج بجمل يَبِيعهُ فَمر بسكينة بنت الْحُسَيْن ﵄ وَمَعَهَا عزة وَهُوَ لَا يعرفهَا فَقَالَت لَهَا سكينَة هَذَا كثير سوميه بالجمل فسامته فاستام بِمِائَتي دِرْهَم فَقَالَت ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى فدعَتْ لَهُ بِتَمْر وزبد فَأكل فَقَالَت لَهُ ضع عَنَّا كَذَا وَكَذَا لشَيْء قَلِيل فَأبى أَيْضا فَقَالَتَا لَهُ قد أكلت بِأَكْثَرَ مِمَّا نَسْأَلك فَقَالَ مَا أَنا بواضع شَيْئا فَقَالَت سكينَة اكشفوا فكشفوا عَنْهَا وَعَن عزة فَلَمَّا رَآهَا استحيا وَانْصَرف وَهُوَ يَقُول هُوَ لكم هُوَ لكم
وَحدث مُحَمَّد بن سَلام قَالَ كَانَ كثير يتقول وَلم يكن عَاشِقًا وَكَانَ جميلا صَادِق الصبابة والعشق وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جميل يصدق فِي حبه وَكَانَ كثير يكذب فِي حبه
ويروى أَنه نظر ذَات يَوْم إِلَى عزة وَهِي تميس فِي مشيتهَا فَلم يعرفهَا فاتبعها وَقَالَ لَهَا يَا سيدتي قفي لي أُكَلِّمك فَإِنِّي لم أر مثلك قطّ فَمن أَنْت قَالَت وَيحك وَهل تركت عزة فِيك بَقِيَّة لأحد فَقَالَ بِأبي أَنْت لَو أَن عزة أمة لوهبتها لَك قَالَت فَهَل لَك فِي المخاللة قَالَ وَكَيف لي بذلك قَالَت وَكَيف بِمَا قلته فِي عزة قَالَ أقلبه كُله وأحوله إِلَيْك فَكشفت عَن وَجههَا وَقَالَت أغدراً يَا فَاسق وَإنَّك لهكذا فَأبْلسَ وَلم ينْطق وبهت فَلَمَّا مَضَت أنشأ يَقُول
أَلا لَيْتَني قبل الَّذِي قلتُ شِيبَ ليمن السم جرعاتٌ بِمَاء الذَّرارحِ
(
فمتُّ وَلم تعلم عليَّ خِيَانَةوَكم طَالب للربح لَيْسَ برابحِ
أبوءُ بذنبي إِنَّنِي قد ظلمتُهاوَإِنِّي بباقي سِرِّها غير بائح) // الطَّوِيل //
وَكَانَ كثير بِمصْر وَعزة بِالْمَدِينَةِ المنورة فاشتاق إِلَيْهَا فسافر ليلقاها فصادفها فِي الطَّرِيق وَهِي متوجهة إِلَى مصر فَجرى بَينهمَا كَلَام طَوِيل الشَّرْح ثمَّ إِنَّهَا
انفصلت عَنهُ وقدمت مصر ثمَّ عَاد كثير إِلَى مصر فوافاها توفيت وَالنَّاس منصرفون عَن جنازتها فَأتى قبرها وأناخ رَاحِلَته وَمكث سَاعَة ثمَّ رَحل وَهُوَ يَقُول أبياتاً مِنْهَا قَوْله
أقولُ ونِضْوي وَاقِف عِنْد قبرهاعَلَيْك سَلام الله والعينُ تسفحُ
وَقد كنت أبْكِي من فراقك حَيَّةفأنتِ لعَمري الْآن أنأى وأنزحُ) // الطَّوِيل //
وَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن مَرْوَان يَوْمًا بِحَق عَليّ بن أبي طَالب هَل رَأَيْت أحدا أعشق مِنْك قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو أنشدتني بحقك لأخبرتك بَيْننَا أَنا أَسِير فِي بعض الفلوات إِذْ أَنا بِرَجُل قد نصب حبالته فَقلت لَهُ مَا حَبسك هَا هُنَا فَقَالَ أهلكني وَأَهلي الْجُوع فَنصبت حبالتي هُنَا لأصيب لَهُم شَيْئا يكفينا ويعصمنا يَوْمنَا هَذَا قلت أَرَأَيْت إِن أَقمت مَعَك فَأَصَبْت صيدا تجْعَل لي جُزْءا مِنْهُ قَالَ نعم فَبينا نَحن كَذَلِك وَقعت ظَبْيَة فِي الحبالة فخرجنا نَبْتَدِر فبدرني إِلَيْهَا قحلها وأطلقها فَقلت مَا حملك على هَذَا قَالَ دخلتني لَهَا رقة لشبهها بليلى وَأَنْشَأَ يَقُول
أيا شِبه ليلى لَا تُرَاعِي فإننيلَكِ الْيَوْم من وحشَّيةٍ لصديقُ
أقولُ وَقد أطلقتُها من وِثاقِهافَأَنت لليلىَ مَا حييت طليقُ) // الطَّوِيل //
وَحدث عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الزُّهْرِيّ قَالَ بَكَى بعض آل كثير عَلَيْهِ حِين نزل بِهِ الْمَوْت فَقَالَ لَهُ كثير لَا تبك فَكَأَنِّي بك بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا تسمع خشفة نَعْلي من تِلْكَ الشعبة رَاجعا إِلَيْكُم
وَحدث يزِيد ين عُرْوَة رَحِمهم الله تَعَالَى قَالَ مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي يَوْم وَاحِد فَقيل مَاتَ الْيَوْم أعلم النَّاس وأشعر النَّاس وَلم تتخلف امْرَأَة وَلَا رجل عَن جنازتيهما وَغلب النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه ويذكرن عزة فِي ندبهن فَقَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ افرجوا لي عَن جَنَازَة كثير لأرفعها
قَالَ فَجعلنَا ندفع عَنْهَا النِّسَاء وَجعل مُحَمَّد بن عَليّ ﵄ يضربهن بكمه وَيَقُول تنحين يَا صويحبات يُوسُف فانتدبت لَهُ امْرَأَة مِنْهُنَّ فَقَالَت يَا ابْن رَسُول الله لقد صدقت إننا لصويحباته وَقد كُنَّا خيرا مِنْكُم لَهُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَر لبَعض موَالِيه احتفظ بهَا حَتَّى تجيئني بهَا إِذا انصرفنا فَلَمَّا انْصَرف أَتَى بِتِلْكَ الْمَرْأَة كَأَنَّهَا شرر النَّار فَقَالَ لَهَا أَيَّة أَنْت القائلة إنكن ليوسف خيرٌ منا قَالَت نعم تؤمنني غضبك يَا ابْن رَسُول الله قَالَ أَنْت آمِنَة من غَضَبي فأبيني قَالَت نَحن يَا ابْن رَسُول الله دعوناه إِلَى اللَّذَّات من الْمطعم وَالْمشْرَب والمتمتع والمتنعم وَأَنْتُم معاشر الرِّجَال ألقيتموه فِي الْجب وبعتموه بأبخس الْأَثْمَان وحبستموه فِي السجْن فأينا كَانَ عَلَيْهِ أحن وَبِه أرأف فَقَالَ لَهَا مُحَمَّد لله دَرك لن تغالب امْرَأَة إِلَّا غلبت ثمَّ قَالَ أَلَك بعل فَقَالَت لي من الرِّجَال من أَنا بعله فَقَالَ لَهَا مَا أصدقك مثلك من تملك زَوجهَا وَلَا يملكهَا فَلَمَّا انصرفت قَالَ رجل من الْقَوْم هَذِه ربيبة فُلَانَة بنت معيقب الْأَنْصَارِيَّة
وَكَانَت وَفَاة كثير سنة خمس وَمِائَة فِي ولَايَة يزِيد بن عبد الْملك رَحِمهم الله تَعَالَى
(قَتَلَ البُخْلَ وَأَحْيَا السَّماحا ...)
هُوَ لِابْنِ المعتز من قصيدته السَّابِقَة فِي التَّشْبِيه وصدره
(جُمع الحقُّ لنا فِي إمامِ ...)
وَبعده قَوْله
إِن عَفا لم يُلْغِ لله حقَاًأَو سَطَا لم يخْش مِنْهُ جنَاحا
ألف الهيجاء طفْلا وكهلاًيحسبُ السيفَ عَلَيْهِ وشاحا
وَالشَّاهِد فِيهِ مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة على الْمَفْعُول فَإِن الْقَتْل والإحياء الحقيقيين لَا يتعلقان بالبخل والجود
(نَقْرِيهُمُ لَهْذَمِيَّاتِ)
قَائِله الْقطَامِي وَلَفظه
نقريهمُ لهذميات نَقُدُّ بهَامَا كانَ خاطَ عَلَيْهِم كلُّ زَرَّادِ
وَهُوَ من قصيدة من الْبَسِيط يمدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي أَولهَا
مَا اعْتادَ حُبُّ سُلَيْمَى غير مُعتادِوَلَا تَقَضَّى بوافي دْينهْا الطَّادِي
بَيْضَاء مَحْطُوطَةٌ المتْنَينِ بهْكَنَةٌريَّا الرَّوادِف لم تمغلْ بأولادِ
مَا للكَواعِبِ ودَّعْنَ الحياةَ كَمَاودَّعْنَني واتَّخَذْنَ الشَّيب ميعادِي
أبصارُهُنَّ إِلَى الشبانِ مائِلةٌوَقد أراهُنَّ عني غيرَ صُدَّادِ
إِذْ باطلِيِ لم تَقَشَّعْ جاهِلِيَّتهُعني وَلم يترُكِ الخُلَاّنُ تَقْوادِي
كَنِيَّةِ الحيِّ مِنْ ذِي اليَقْظَة احْتملوامُسْتَحْقبينَ فؤاداً مَا لَهُ فادي
باتوا وَكَانَت حَيَاتي فِي اجتماعِهِمُوَفِي تَفَرُّقهمْ قَتْلِي وإقصَادِي
يَقْتُلْنَنا بحديثٍ ليسَ يُعلمهُمن يتقين وَلَا مكنونه بَادِي
فهن ينبذن من قَول يصبن بِهِمواقع المَاء من ذِي الْغلَّة الصادي) // الْبَسِيط //
وَهِي طَوِيلَة
واللهذم الْقَاطِع من الأسنة وَأَرَادَ بلهذميات طعنات منسوبة إِلَى الأسنة القاطعة أَو أَرَادَ نفس الأسنة والتشبيه للْمُبَالَغَة وَالْقد الْقطع والزراد صانع الدروع
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مدَار قرينَة الِاسْتِعَارَة التّبعِيَّة فِي الْفِعْل وَمَا يشتق مِنْهُ على الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول كَمَا هُنَا فَإِن الْمَفْعُول الثَّانِي وَهُوَ اللهذميات قرينَة على أَن نقريهم اسْتِعَارَة
وَقد تقدم ذكر الْقطَامِي فِي شَوَاهِد الْقلب وَالله أعلم
(غمْرُ الرِّداء إِذا تَبَسم ضَاحِكا ...)
هُوَ من الْكَامِل وَتَمَامه
(غلِقَتْ لضحْكَتِهِ رقابُ المالِ ...)
وَهُوَ من قصيدة لكثير عزة وَأَرَادَ بغمر الرِّدَاء كثير الْعَطاء
وَالشَّاهِد فِيهِ الِاسْتِعَارَة الْمُجَرَّدَة وَهِي مَا قرنت بملائم الْمُسْتَعَار لَهُ فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للعطاء لِأَنَّهُ يصون عرض صَاحبه كَمَا يصون الرِّدَاء مَا يلقى عَلَيْهِ ثمَّ وَصفه بالغمر الَّذِي يلائم الْعَطاء دون الرِّدَاء تجريداً للاستعارة والقرينة سِيَاق
الْكَلَام وَهُوَ قَوْله إِذا تَبَسم ضَاحِكا أَي شَارِعا فِي الضحك آخِذا فِيهِ غلقت لضحكته رِقَاب المَال يُقَال غلق الرَّهْن فِي يَد الْمُرْتَهن إِذا لم يقدر على انفكاكه وَهُوَ يُرِيد فِي الْبَيْت أَن ممدوحه إِذا تَبَسم غلقت رِقَاب أَمْوَاله فِي أَيدي السَّائِلين
وَمن اسْتِعَارَة الرِّدَاء قَوْله
يُنَازعني رِدَائي عَبْدُ عمرٍورُويْدَكَ يَا أَخا عمرِو بن بكرِ
لِيَ الشطْرُ الَّذِي مَلَكت يَمِينيفدونك فاعتجز مِنْهُ بِشَطْر) // الوافر //
فَإِنَّهُ اسْتعَار الرِّدَاء للسيف وَأثبت لَهُ الاعتجاز وَهُوَ من صفة الرِّدَاء
وَمَا أحسن اسْتِعَارَة الرِّدَاء فِي قَول أبي الْوَلِيد بن الْجنان الشاطبي وَهُوَ
فَوقَ خَدِّ الوَرْدِ دَمْعٌمن عيونِ السُّحْبِ يَذْرِفْ
برداء الشَّمْس أضْحَىبعدَ مَا سالَ يُجَفَّفْ) // من مجزوء الرمل //
وَفِي معنى عجز الْبَيْت قَول امرىء الْقَيْس
غلقن بَرَهْنٍ من حَبيبٍ بِهِ ادَّعَتْسُليمى فأضْحَى حَبلُها قد تبترا) // الطَّوِيل //
وَقَول زُهَيْر
وفارَقَتكَ برَهنٍ لَا فكاكَ لَهُيومَ الوداعِ فأمْسَى الرهنُ قد غلقا) // الْبَسِيط //
وَقَول الْوَلِيد
(وَمن يَكُ رهنا للحوادث يغلق ...) // الطَّوِيل //
وَقَول عمر بن أبي ربيعَة
وَكم من قَتيلٍ لَا يُبَاءُ بهِ دَمٌوَمن غلق رهن إِذا ضمه مبْنى) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي جَعْفَر بن مسلمة بن وضاح يُخَاطب ساجع حمام من أَبْيَات
(وهاجَ مَبْكاك ببُسْتَان إبراهيمَ للنَّجْدِيِّ ذكْرَ القَطِينْ ...)
فرج فَساعِدْني على لوْعتيفإنَّ رهني غَلِقٌ فِي الرهونْ) // السَّرِيع //
وَقَول أبي نصر السَّاجِي
تَشْكُو إِلَيْك جُمْلتي مَا نالهافيا لهَا إِن صَبَرَتْ ويالها
لِأَنَّهَا مرْهونْةٌ بحُبكمطُوبَى لَهَا إِن غَلِقَتْ طُوبَى لَهَا) // الرجز //
وَمَا ألطف قَول الصّلاح الصَّفَدِي مَعَ زِيَادَة إِبْهَام وإيهام الطباق
سهامُ لحظِكِ أصْمَتْقَلبي وَلم تَتَرفَّقْ
مَا تَفتحُ الجفن إِلَاّوَرهن قلبِي يغلق) // المجتث //
لَدَى أَسد شاكي السِّلاحِ مُقذَّفِلَهُ لبد أظْفَارُهُ لم تقُلَم
تقدم قَرِيبا أَن قَائِله زُهَيْر بن أبي سلمى من قصيدة من الطَّوِيل
واللبد بِالْكَسْرِ شعر زبرة الْأسد وكنيته أَبُو لبد والتقليم مُبَالغَة الْقَلَم وَهُوَ قطع الْأَظْفَار
وَالشَّاهِد فِيهِ اجْتِمَاع التَّجْرِيد والترشيح فِي الِاسْتِعَارَة فالتجريد قد عرف قبله والترشيح هُوَ مَا قرن بملائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ فَقَوله هُنَا لَدَى أَسد شاكي السِّلَاح تَجْرِيد لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار لَهُ وَهُوَ الرجل الشجاع وَبَاقِي الْبَيْت ترشيح لِأَنَّهُ وصف يلائم الْمُسْتَعَار مِنْهُ وَهُوَ الْأسد الْحَقِيقِيّ
وَمعنى الْبَيْت أَخذه زُهَيْر من قَول أَوْس بن حجر حَيْثُ قَالَ
لَعَمْرُكَ إِنَّا والأحاليفَ هؤلالفي حِقْبَةِ أظفارها لم تُقَلم) // الطَّوِيل //
أَي نَحن فِي حَرْب وَكَذَلِكَ أَخذه النَّابِغَة حَيْثُ قَالَ أَيْضا
وَبَنُو قُعَينِ لَا محَالة إِنَّهُمآتوكَ غير مُقَلمي الأظفارِ) // الْكَامِل //
ويَصْعَدُ حَتَّى يَظُنَّ الجَهُولُبأنَّ لهُ حاجَةً فِي السَّمَاء
الْبَيْت لأبي تَمام الطَّائِي من قصيدة من المتقارب يرثي بهَا خَالِد بن يزِيد الشَّيْبَانِيّ وَيذكر أَبَاهُ وأولها
نَعَاِء إِلَى كلِّ حَيٍّ نَعاءفَتى العَرَب اخْتَطَّ ربْعَ الفناءِ
أُصِبْنا جَمِيعًا بسهمِ النِّضالفَهلا أصبنَا بِسَهْم الغِلَاءِ
أَلا أَيهَا الموْتُ فَجْعَتنابماءِ الحياةِ وماءِ الحياءِ
فَمَاذَا حَبَوتَ بِهِ حَاضراوماذا خَبأتَ لأهلِ الخِباء
نعاء نعاء شَقيقَ النِّدَىإِلَيْهِ نعيَّاً قَليلَ الجَدَاءِ
وَكَانَا زَماناً شريكَيْ عِنانٍرضيعى لبان خليلى صفاء) // المتقارب //
إِلَى أَن قَالَ يُخَاطب وَلَده
أَبَا جَعْفَر ليعزك الزَّمَانعزّاً ويكْسُكَ طول البَقاء
فَمَا مُزْنُكَ المرْتَجَى بالجَهَاموَلَا ريحنُا منكَ بالجِرْبِيَاء
فَلَا رجعَتْ فِيك تِلْكَ الظنونحيارَى وَلَا انْسَدَّ شِعْبُ الرَّجَاء
وَقد نُكِسَ الثُغْر فَابْعَثْ لهُصُدُور القنا فِي ابْتِغَاء الشَّقَاء
فقَدْ ماتَ جَدُّك جد الملوكِونجمُ أبيكَ حَدِيثُ الضياء
وَلم يَرْض قَبضَتهُ للحساموَلَا حَمْل عَاتِقه لِلِّواء
فَمَا زَالَ يقرع تِلْكَ العُلَامَعَ النَّجْم مرتديا بالعماء) // المتقارب //
وَبعده الْبَيْت وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَهَذَا الْبَيْت فِي مدح أَبِيه وَذكر علوه
وَالشَّاهِد فِيهِ أَن مبْنى الترشيح على تناسي التَّشْبِيه حَتَّى إِن المرشح يبْنى على علو الْقدر الَّذِي يستعار لَهُ علو الْمَكَان مَا يبْنى على علو الْمَكَان والارتقاء إِلَى السَّمَاء فلولا أَن قَصده أَن يتناسى التَّشْبِيه ويصر على إِنْكَاره فَيَجْعَلهُ صاعداً فِي السَّمَاء من حَيْثُ الْمسَافَة المكانية لما كَانَ لهَذَا الْكَلَام وَجه
وَمثله قَول بشار
أتَتني الشمسُ زائرَةًوَلم تَكُ تبرَحُ الفلكا) // من مجزوء الوافر //
وَقَول ابْن الرُّومِي يمدح بِهِ بني نوبخت
شافهتمُ البدرَ بالسؤال عَن الْأَمرإِلَى أنْ بلغتمُ زحلا) // المنسرح //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي أَيْضا
كبَرْتُ حَوْلَ ديارهمْ لما بدَتْمِنْهَا الشموس وَلَيْسَ فِيهَا الْمشرق) // الْكَامِل //
وَقَول الآخر
وَلم أرَ قبلي مَنْ مشي البدرُ نحوهُوَلَا رَجلاً قامتْ تعْانقُهُ الأسْدُ) // الطَّوِيل //
وَقد اتّفق عُلَمَاء البديع على تَقْدِيم الِاسْتِعَارَة المرشحة على غَيرهَا فِي هَذَا الْبَاب وَأَنه لَيْسَ فَوق رتبتها رُتْبَة ولنذكر نبذة مِنْهَا وَمن غَيرهَا فَمن محَاسِن مَا ورد فِيهَا قَول أبي جَعْفَر الشقري
يَا هلْ ترَى أظرَفَ منْ يَوْمناقلدَ جِيدَ الأفقِ طَوْقَ العقيقْ
وأنقَ الْوَرق بِعِيدانِهِمُرْقصةً كل قضيبٍ وَريقْ
والشمسُ لَا تشرَبُ خمرَ الندَىفِي الرَّوْض إِلَّا بكؤوس الشَّقِيق) // السَّرِيع //
وَمثله فِي الرشاقة قَول ابْن رَشِيق
باكِرْ إِلَى اللَذَات واركَبْ لَهَاسَوَابقَ اللهوِ ذواتِ المزَاحْ
من قبل أَن ترْشفَ شمسُ الضُّحَىرِيقَ الغَوادي من ثغور الأقاح) // السَّرِيع //
ولطيف قَول بَعضهم أَيْضا
شَرَابُنَا الرَيقُ وكاساتُناشفاهُنا والقُبَلُ النَّقْلُ) // السَّرِيع //
وَيقرب من الْبَيْت الأول من قَول ابْن رَشِيق قَول ابْن المعتز
وقدْ رَكضتْ بِنَا خيلُ الملَاهيوَقد طِرْنا بأجنحةِ السُّرُورِ) // الوافر //
وبديع أَيْضا قَول ابْن وَكِيع
غَرّدَ الطيرُ فَنَبُهْ من نعَسْوأدِرْ كأسكَ فالعيشُ خُلسْ
سُلْ سيفُ الْفجْر من غِمْد الدجىوتعرّى الصبحُ من ثَوب الغَلَسْ
وانجَلي عنْ حُلَلٍ فضَّيةٍنالها من ظُلَم اللَّيْل دنس) // الرمل //
وَقَول أبي نواس
بِصَحْنِ خد لم يغض مَاؤُهُوَلم تخصه أعين النَّاس) // السَّرِيع //
وَقَوله أَيْضا
فَإِذا بدا اقتادت محاسنهقسرا إِلَيْهِ أَعِنَّة الحدق) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا وَهُوَ عَجِيب هُنَا
مَا زلتُ أستَلُّ رُوحَ الزْقّ فِي لَطَفٍوأستقي دَمَهُ من جَفنِ مجْروحِ
حَتَّى انثنيت ْولي رُوحانِ فِي جَسَدِيوَالزِّقّ مُنطرحٌ جسم بِلَا روح) // الْبَسِيط //
وَقَول الْبَدْر الذَّهَبِيّ وأجاد
مَا نظرت مُقلتي عجيباًكاللوز لما بدَا نَوّارُهُ
اشتعلَ الرأسُ منهُ شيباًواخضَرَّ من بعد ذَا عذاره) // من مخلع الْبَسِيط //
وَقَول ابْن خفاجة الأندلسي
وَقد جالَ من حولِ الغمامة أدهمٌلهُ البرقُ سوطٌ والشَّمالُ عِنانُ
وضمخَ درعُ الشَّمْس نحرَ حديقةٍعَلَيْهِ من الطلّ السقيط جُمَانُ
ونَمّتْ بأسرار الرياض خميلةٌلَهَا النَّوْرُ ثغرٌ والنسيم لسانُ) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن قرناص
قد أَتَيْنَا الرياضَ حِين تجلَّتْوتحلَّتْ من الندى بجُمَانِ
ورأَينا خواتمَ الزهر لماسقطتْ من أنامل الأغصان) // الْخَفِيف //
وبديع أَيْضا قَول ابْن نباتة السَّعْدِيّ
خرَقنا بأطراف القنا لظهورهمعيُونا لَهَا وقعُ السيوف حواجبُ
لقوا نبلنَا مرْدَ الْعَوَارِض وانْثَنَوالأوجُههم مِنْهَا لحي وشوارب) // الطَّوِيل //
وَقَول الشريف أبي الْحسن الْعقيلِيّ
وفرّق تيجانَ نَوْارهِفَلم ينسَ من غُصْن مفرقا) // المتقارب //
وَقَوله أَيْضا
إِذا أبدَى مُؤامرَةَ التجنيأقمتُ لهُ وُجوه الاحتمالِ
وَقَوله أَيْضا
خَلَصْ بجاه الوصلِ قلب متيمغمر الصّدُودُ عَلَيْهِ أعوانَ الضنى) // الْكَامِل //
وَقَوله أَيْضا
كلما لاحَ وَجههُ بمكانٍكثرت زحمةُ الْعُيُون عَلَيْهِ) // الْخَفِيف //
وَقَوله أَيْضا
فَلَمَّا تبدّى لنا وَجههنبهنا محاسنه بالعيون) // المتقارب //
وَقَول السّري الرفاء فِي يَوْم بَارِد من أَبْيَات
متلون يبدى لناطرفا بأطراف النهارِ
فهواه منكسب الرِّدَاءوغيمهُ جافي الإِزارِ
يبكي فيجمدُ دمعهُوالبرقُ يكحله بنارِ) // من مجزوء الْكَامِل //
وَقَول أبي الْقَاسِم الدينَوَرِي
من عذيري من بديع الْحسنذِي قدٍّ رشيقِ
أنبتَتْ فِي فمهِ اللُّؤْلُؤأرضٌ من عقيقِ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول أبي زَكَرِيَّاء المغربي من قصيدة أَولهَا
نامَ طفلُ النبتِ فِي حجرِ النعامىلاهتزاز الطلّ فِي مهد الخزامى) // الرمل //
يَقُول فِيهَا
كحّلَ الفجرُ لَهُم جفنَ الدّجىوغدَا فِي وجنة الصُّبْح لثامَا
تحسبُ البدرَ مُحَيَّا ثَمِلٍقد سقتهُ راحةُ الْفجْر مدامَا
وَقَول السلَامِي وَهُوَ بديع
والكأسْ للسََّكِر التبريِّ صائغةٌوَالماء للحَبَبِ الدرّي نَظَّامُ
بتنا نكفكفُ بالكاسات أدمُعَناكأننا فِي حجور الرَّوْض أيتامُ) // الْبَسِيط //
وَمَا أبدع قَوْله أَيْضا
تبسطنا عَلى الآثامِ لمّارأيْنَا العَفْوَ مِنْ ثَمَر الذُّنُوبِ) // الوافر //
قيل كَانَ الصاحب بن عباد يستحسن هَذَا الْبَيْت وَكَانَ يستشهد بِهِ كثيرا وَيَقُول مَا درى قَائِله أَي درة رمى بهَا وَأي غرَّة سَيرهَا وخلدها
وَقَول التنوخي وَهُوَ من غَرِيب الاستعارات
وَريَاضٍ حَاكَتْ لَهُنّ الثُّرَياحُلَلاً كانَ غَزْلُها لِلرُّعودِ
نثَرَ الغَيْثُ دُرَ دَمْع عَلَيْهَافتخلت بمِثْل دُرّ العُقُودِ
أقحوانُ مُعانقُ لشقيقٍكثغورٍ تعض ورد الخدود
وعيونٌ من نرجسٍ تتراأىكعيونٍ مَوْصُولَة التسهيد
وَكَأن الشَّقِيق حِين تبدّىظلمةُ الصدغ فِي خدود الغيدِ
وكأنّ الندَى عَلَيْهَا دموعٌفِي عيونٍ مفجوعةٍ بفقيد) // الْخَفِيف //
وَقَول السَّيِّد أبي الْحسن عَليّ بن أبي طَالب الْبَلْخِي من أَبْيَات
وكَمْ قد مضى ليلٌ على أبرُقِ الحِمَىمُضِيء ويومٌ بالمشذرق مُشْرِقُ
تسرَّقْتُ فِيهِ اللهوَ أَملس نَاعِمًاوأطيَبُ أنس الْمَرْء مَا يتسرَّقُ
وَيَا حُسْنَ طيفٍ قد تعرَّض مَوْهناًوقلبُ الدُّجى من صَوْلَةٍ الصُّبْح يخْفق) // الطَّوِيل //
وَقَول ابْن الساعاتي
وَلَوْلَا وُشاةٌ بل رُواةٌ تَخَرَّصواأحاديثَ ليستْ فِي سماعِ وَلَا نقلِ
لثْمتُ ثغورَ النَّوْر فِي شَنَب الندَىخلالَ جبين النَّهر فِي طرر الظل) // الطَّوِيل //
وَقَول القَاضِي كَمَال الدّين بن النبيه
تبسّمَ ثغرُ الروضِ عَن شَنبِ القَطْرِوَدَبّ عِذارُ الظلّ فِي وَجْنَةِ النهرِ) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
والنهرُ خدٌّ بالشعاعِ مُوَرّدُقد دَبّ فِيهِ عذارُ ظلّ البَانِ
وَالْمَاء فِي سُوقِ الغصون خلاخلٌمن فضةٍ والزهرُ كالتيجان) // الْكَامِل //
وَقَول ابْن قرناص أَيْضا
لقد عقدَ الربيعُ نطاقَ زهرٍيضمُّ بغصنه خصراً نحيلَا
ودبَّ مَعَ العشيّ عذارُ ظلّعلى نهرٍ حكى خَدَّاً أسيلا) // الوافر //
وَكلهمْ قد أخذُوا الْوَجْه والعذار من ابْن خفاجة حَيْثُ قَالَ
وَإِنِّي وَإِن جئتُ المشيبَ لمولعٌبطُرَة ظلّ فَوق وَجه غَدِير) // الطَّوِيل //
وَمَا أحسن قَول الشهَاب مَحْمُود الْوراق
إِذا الْكرَى ذرَّ فِي أجفاننا سِنَةًمن النعاس نفضناها عَن الهدب) // الْبَسِيط //
وَقَول ابْن نباتة الْمصْرِيّ أَيْضا
وَلما جنى طرفى رياضَ جمَالكمْجعلتُ سُهادي فِي عُقُوبَة مَنْ جَنَى
أأحبابَنَا إِن عفتمُ السفحَ منزلاوأخليتمُ من جَانب الْجذع موطنّا
فقد حزتم دمعي عقيقاً ومهُجتيغَضىً وسكنتم من ضلوعي منحنى) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
هذِي الحمائم فِي مَنَابِر أيكهاتُمْلي الْغِنَا والطلُّ يكتبُ فِي الورَقْ
والقَضبُ تخْفض للسلام رُؤوسهاوالزهرُ يرفعُ زائريه على الحدق) // الْكَامِل //
وَهُوَ أحسن من قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
إِنِّي لأشهدُ للحِمَى بفضيلةٍمن أجلهَا أصبحتُ من عشاقهِ
مَا زارَهُ أيامَ نرجسهِ فَتىإِلَّا وأجلسهُ على أحداقهِ) // الْكَامِل //
وَقَول مجد الدّين الأربلي
أصْغِي إِلَى قَول العذولِ بجملتيمستفهماً عَنْكُم بِغَيْر ملالِ
لتلقُّطِي زهرات وَردٍ حديثكمْمن بَين شوك مَلامةِ العذّالِ) // الْكَامِل //
وَقَول ماني الموسوس
دعتني إِلَى وَصلهَا جَهْرَةًوَلم تدر أَنِّي لَهَا أعشقُ
فقمتُ وللسكر من مفرقيإِلَى قدمي ألسنٌ تنطق) // المتقارب //
وَمَا أَجود قَول أبي طَاهِر الْبَغْدَادِيّ فِي نَار الْقرى
خطرتْ فكادَ الوُرقُ تَسْجَعُ فَوْقهَاإِن الحمامَ لمولعٌ بالبانِ
من معشرٍ نَشَرُوا على تَاج الرياللطارقين ذوائبَ النيرانِ) // الْكَامِل //
وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول
يبيتُونَ فِي المَشْتَى خِماصاً وعندُهمْمن الزَّاد فضلَاتٌ تعدُّ لمن يقْرَى
إِذا ضلَّ عَنْهُم طارقٌ رفعوا لَهُمن النَّار فِي الظلماء ألوية حمرا) // الطَّوِيل //
وَقَول صر در فِيهَا
قومٌ إِذا حَيا الضيوفُ جفانَهُمْرَدَّتْ عَلَيْهِم ألسنُ النيرَان) // الْكَامِل //
وَمِنْه قَول التهامي
نادَته ُنارُكَ وهيَ غيرُ فصيحةٍوَهنا بخَفْقٍ ذوائب النيرَان) // الْكَامِل //
وَقد بَالغ مهيار الديلمي فِي قَوْله
ضرَبوا بمَدْرَجة الطريقِ قِبَابهمْيتقارعونَ على قرِى الضيفانِ
ويكادُ موقدُهمْ يَجُودُ بنفسهِحُبّ القرَى طَرَباً على النيرَان) // الْكَامِل //
وَمَا أحسن قَول ابْن سكرة وَهُوَ صَاحب الْبَيْتَيْنِ الجامعين لكافات الشتَاء
قيلَ مَا أعددتَ للبردفقد جَاءَ بشدّهْ
قلتُ دُرّاعةَ عُرْيٍتحتهَا جُبة رعْدَهْ) // من مجزوء الرمل //
وَمَا ألطف قَول ابْن عمار
أدرِ الزجاجة فالنسيم قد انبرَىوالنجمُ قد صرف العِنَانَ عَن السُّرَى
والصبحُ قد أهْدى لنا كافورهُلما اسْتردَّ الليلُ منَّا العنبرا) // الْكَامِل //
وَمن بديع الِاسْتِعَارَة على سخفه ومجونه قَول سعيد بن سناء الْملك
يَا هَذِه لَا تَسْتَحيمني قد انْكَشَفَ المُغَطَّى
إِن كَانَ كُسُّكِ قد تثاءبإِن أبري قد تمطى) // من مجزوء الْكَامِل //
فاستعارة التثاؤب والتمطي هُنَا من أحسن الاستعارات قَالَ ابْن جبارَة أَنْشدني هَذَا ابْن سناء الْملك وَزَاد فِي الْإِعْجَاب بِهِ فَلَمَّا عدت إِلَى الْبَيْت أخذت جُزْءا من البصائر والذخائر لأبي حَيَّان التوحيدي فَوجدت فِيهِ أَن بغدادية قَالَت لأخرى خرجت الْيَوْم إِلَى الْعِيد قَالَت إِي وحياتك قَالَت لَهَا فَمَا رَأَيْت قَالَت أحراحاً تتثاءب وأيوراً تتمطى فَلَمَّا اجْتمعت بِهِ قلت لَهُ قد عرفت وعثرت على الْكَنْز الَّذِي انتهبته وحكيت لَهُ الْحِكَايَة قَالَ سيدنَا يفتش عَن أَمْرِي
وَمن ظريف الاستعارات قَول الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم
كيفَ السبيلُ لأنْ أُقَبلَ خَدَّ مَنْأَهوى وَقد نَامَتْ عيونُ الحرّسِ
وأَصابعُ المنثور تُومِي نحوَناحسداً وتغمزها عُيُون النرجس) // الْكَامِل //
وبديع قَول السلَامِي أَيْضا فِي وصف الْحَرْب
وَالنَّقْع ثوبٌ بالنُّسُورِ مُطَرَّزٌوالأرضُ فَرْشٌ بالجياد مخيلِ
وسطورُ خيلكَ إِنَّمَا ألفِاتهَاسمْرٌ تنقط بالدماء وتشكل) // الْكَامِل //
وأجاد الْبَدْر بن يُوسُف الذَّهَبِيّ بقوله
هلمّ يَا صَاح إِلَى روضةٍيجلو بهَا العاني صداهمه
نسيمها يَعثر فِي ذيلهِوزَهرها يضحكُ فِي كمه) // السَّرِيع //
وَمن ظريف الِاسْتِعَارَة أَيْضا قَول ابْن الغويرة
عاينتُ حبةَ خالهِفِي رَوضةٍ من جُلَّنارِ
فغدا فؤادِي طائراًفاصطاده شركُ العذار) // من مجزوء الْكَامِل //
وَمَا أبدع أَيْضا قَول الشريف الرضي الموسوي
أرسى النسيمُ بواديكمْ وَلَا برِحتْحواملُ المزنِ فِي أجداثكم تضعُ
وَلَا يزالُ جَنِين النبت ترْضِعهعلى قبوركُمُ العرَّاضةُ الهمع) // الْبَسِيط //
وَقد أَخذه ابْن أسعد الْموصِلِي فَقَالَ من قصيدة يتشوق فِيهَا إِلَى دمشق
سقى دمشقَ وأياماً مضتْ فِيهَاحواملُ السُّحب باديهَا وعادِيهَا
وَلَا يزَال جَنِين النبت تُرضعهُحواملُ المزن فِي أحشا أراضيها) // الْبَسِيط //
ومحاسن هَذَا الْبَاب كَثِيرَة والاقتصار على هَذِه النبذة أولى
هيَ الشَّمْسُ مَسكنها فِي السَّمَاءفعزِّ الفؤادَ عَزاءَ جميلَا
فلنْ تستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعودَولنْ تستطيعَ إليكَ النزولَا
البيتان للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من المتقارب
وَالشَّاهِد فيهمَا جَوَاز الْبناء على الْفَرْع وَهُوَ الْمُشبه بِهِ مَعَ جحد الأَصْل وَهُوَ الْمُشبه لِأَنَّهُ هُنَا طوى ذكر الأَصْل وَجعل الْكَلَام خلوا مِنْهُ وَيُسمى هَذَا الْمجَاز الْمُفْرد وَمِنْه قَول الفرزدق
أَبى أحمدُ الغيثين صعصعة الَّذِيمَتى تبخلِ الجوزاءُ والدَّلْو يُمْطِرِ) // الطَّوِيل //
وَقَول عدي بن الرّقاع يصف حِمَارَيْنِ وحشيين
يتعاوَرانِ من الغبارِ مُلَاءةًبَيْضَاء محكمَة إِذا نسجاهَا
تُطوَى إِذا وَرَدَا مَكَانا محزناًوَإِذا السنابكُ أسهلت نشراها) // الْكَامِل //
وَقَول سعيد الْكَاتِب التسترِي النَّصْرَانِي
قلتُ زوري فأرسلتْأَنا آتِيك سُحرَهْ
(قلتُ فالليلُ كَانَ أخْفى وَأدنى مسرّه ...)
فأجَابتْ بحجةٍزَادتِ القلبَ حسرَهْ
أَنا شمْسٌ وإِنَماتطلعُ الشَّمْس بكرَة) // من مجزوء الْخَفِيف //
وَله فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
وعدَ البدرُ بالزيارة لَيْلًافَإِذا مَا وفى قضيتُ نذورِي
(قلت يَا سَيِّدي فَلِمْ تُؤثر الليلَ على بهْجةٍ النَّهَار المنيرِ ...)
قَالَ لي لَا أحبُّ تَغْيِير رسميهَكَذَا الرَّسمُ فِي طُلُوع البدور) // الْخَفِيف //
وَقَالَ فِي مَعْنَاهُ أَيْضا
قلتُ للبدر حينَ أعتبَ زرنيواشمت الوصلَ بالقلا والتجافي
قالَ إِنِّي معَ الْعشَاء سآتيفانتظرني وَلَا تخفْ من خلافِ
قلتُ يَا سَيِّدي فزرني نَهَارافَهُوَ أدنى لقربةِ الإيلافِ
قالَ لَا أستطيعُ تغييرَ رسميإِنَّمَا البدرُ فِي الظلام يوافي) // الْخَفِيف //
وَقد جمع أَبُو الْعَلَاء المعري الْمَعْنيين فِي قَوْله
هِيَ قَالَت لما رَأَتْ شيبَ رَأْسِيوأرادتْ تنكراً وازورارَا
(أَنا بدرٌ وَقد بدا الصبحُ من شيبكَ وَالصُّبْح يطرد الأقمارَا ...)
قلتُ لَا بل أراكِ فِي الْحسن شمساًلَا تَرَى فِي الدُّجى وتبدو نَهَارا) // الْخَفِيف //
وَإِذا الْمنية انشبت أظفارَهَاألفيتَ كل تميمةٍ لَا تنفعُ
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع