من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [الرمّاح
،]
الرمّاح، بفتح الراء وتشديد الميم، ابن ابرد بن ثريان بن سراقة أبو شرحبيل، وقيل أبو سراحيل، المرّي المعروف بابن ميادة، من الشعراء المكثرين، وميادة أمه، وهي أم ولد بربرية، وقيل فارسية. أدرك الدولتين، وذكره ابن سلام في الطبقة السابعة. مات في صدر خلافة المنصور.
وأنشد:
علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم
قال المبرد في الكامل: قال رجل من طيّ، وكان رجل منهم، يقال له زيد، من ولد عروة بن زيد الخيل، قتل رجلا من بني أسد يقال له زيد، ثم أقيد به (بعد):
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكمبأبيض مشحوذ الغرار يمان
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّماأقادكم السّلطان بعد زمان
ورواه غيره بلفظ: يوم النّقى، وبلفظ يوم الحمى، وبلفظ:
بأبيض ماضي الشّفرتين يمان
قال الزمخشري: وأجرى زيدا مجرى النكرات فأضافه. وقال غيره: الأصل زيد صاحبنا وزيد صاحبكم، فحذف الصفة وجعل الموصوف خلفا عنهما في الاضافة.
ويوم النقى، بنون وقاف: أي يوم الحرب عند النقى، وهو الكثيب من الرمل.
والأبيض: السيف. وماضي الشفرتين: بفتح الشين، نافذ الحدّين. ومشحوذ بشين وذال معجمتين وحاء مهملة، من شحذت السيف حددته. والغرار، بكسر الغين المعجمة، قال في الصحاح: الغرار أن شفرتا السيف وكل شيء له حدّ فحدّه غراره، والجمع أغرّه. واليمان: نسبة إلى اليمن، والالف فيها عوض من ياء النسب فلا يجتمعان.
وأنشد:
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلاولقد نهيتك عن بنات الأوبر
أنشده أبو زيد ولم يسم قائله. قال المصنف: أصل جنيتك، جنيت لك، أي تناولت لك، فحذف الجار توسعا، وقال ابن الدماميني: يحتمل أنه ضمن جنى معنى أعطى، فعداه الى إثنين.
قلت: ويحتمل أن يكون الحذف مناسبة لقوله: نهيتك، في المصراع الثاني، وهو نوع من البديع يسمى الموازنة. والاكمؤ: جمع كماء. كفلس، والكمأ واحد الكمأة على العكس، من باب تمر وتمرة. والعساقل: ضرب من الكمأة وأصله عساقيل، لأن واحدها عسقول، كعصفور فحذف المدّة للضرورة. وبنات أوبر:
كماة صغار على لون التراب يضرب بها المثل في الرداءة والقلة فيقال إن بني فلان بنات أوبر، ان يظنّ بهم خير فلا يوجد.
وأنشد:
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرنلم يستطع صولة البزل القناعيس
هذا من قصيدة لجرير يهجو فيها عمر بن لجا التيمي، وأوّلها:
حيّ الهدملة من ذات المواعيسفالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
حيّ الدّيار الّتي شبهتها خللاأو منهجا من يمان مح ملبوس
ومنها:
قد كنت خدنا لنا يا هند فاعتبريماذا يريبك من شيبي وتقويسي
والهدملة من الرمل: ما استدق وطال. والمواعيس من الرمل: ما وطئ، واحدها موعس. والوعس: الوطئ. والخلل، بكسر أوّله، جفون السيوف. والمنهج:
المخلق. والمح: البالي. والخدن: الترب. ومعنى البيت: قد كنت تربا فشبت كما شبت فما تنكرين مني. وابن اللبون: ماله ثلاث سنين. وإدخال اللام فيه لتعرف به الأوّل لأنه اسم جنس نكرة، بمنزلة ابن رجل، ولم يجعل علما بمنزلة ابن آوى وغيره، فلذلك خالفه في دخول اللام على ما أضيف إليه. قاله الأعلم. ولز: شدّ.
والقرن، بفتحتين، الحبل يشدّ به البعيران فيقرنان معا. والصولة: الوثوب.
والبزل: جمع بازل، وهو من الأبل ما طلع نابه. والقناعيس: الشداد، واحده قنعاس. قال الأعلم: ضرب هذا مثلا نفسه، ولئن رام مقاومته في الشعر والفخر لابن اللبون، وهو الفصيل الذي تنجت أمّه غيره، فصارت لبونا إذا لز في قرن، وهو الحبل يبازل من الجمال قويّ لم يستطع صولته ولا قاومه في سيره.
ومن أبيات القصيدة قوله:
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنيصوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
استشهد به الفارسي في الايضاح على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث، لأنه إنما أراد صوت الديكة خاصة، والديران موضع قرب دمشق. ومنها:
هل من حلوم لأقوام فتنذرهمما جرّب النّاس من عضّي وتضريسي
إنّي جعلت فما ترجى مقاسرتينكلا بمستصعب الشّيطان عرّيس
المقاسرة: المقاهرة. قال صاحب منتهى الطلب: قيل إن هذه القصيدة في شعر جرير.
وأنشد:
فإن ترفقي يا هند فالرّفق أيمنوإن تحرقي يا هند فالحرق أشأم
فأنت طلاق، والطّلاق عزيمةثلاث، ومن يحرق أعقّ وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقةوما لامرئ بعد الثّلاث مقدّم
الرفق: ضدّ العنف. يقال: رفق، بفتح الفاء، يرفق بضمها. والحرق: بالضم وسكون الراء، الاسم من حرق، بالكسر، الحرق بالفتح حرقا، بفتح الحاء والراء، وهو ضد الرفق. وفي القاموس: ان ماضيه بالكسر كفرح وبالضم ككرم. وأيمن:
من اليمن، وهو البركة. وأشأم: من الشؤم، وهو ضدّ اليمن. وذكر ابن يعيش:
إن في البيت الثاني حذف الفاء، والمبتدأ أي فهو أعق. والبينونة: الفراق. وضميرها للثلاث. وأن تعليلية واللام مقدّرة، أي: لأجل كونك غير رفيقة. والمقدم: مصدر ميمي من قدم بمعنى تقدّم، أي ليس لأحد تقدم إلى العشرة والالفة بعد إيقاع الثلاث إذ بها تمام الفرقة.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع