من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
الكتاب الثاني
وأنشد:
فبينا نحن نرقبه أتانا
قال الزمخشري: هو لرجل من قيس عيلان، وتمامه:
معلّق وفضة وزناد راعي
قال: (عطف وزناد) على محل. وفضة: وهي خريطة تكون مع الرعاة للزاد، وعلى ذلك استشهد به سيبويه. واستشهد به الزمخشري في المفصل على استعمال بينا بغير إذ. قال ابن يعيش: وهو الأفصح. وقال الأندلسي في شرح المفصل: هذا البيت لنصيّب. وزناد: بالنصب حملا على المعنى. والوفضة: الجعبة التي يجعل فيها السهام، وأراد بها في البيت شبه خريطة أو نحوها تكون مع الفقراء.
وأنشد:
أهي سرت أم عاد لي حلم؟
تقدم شرحه في شواهد أم.
وأنشد:
بين ذراعي وجبهة الأسد
هو للفرزدق، وصدره:
يا من رأى عارضا أسرّ به
العارض: السحاب. وأسر: من السرور. وذراعا الأسد: الكوكبان الدالان على المطر، وكذا جبهة الأسد. والذراعان والجبهة من منازل القمر. والبيت استشهد به على حذف المضاف إليه وإبقاء الأول بحاله، فكونه عطف عليه مضاف إلى مثل المحذوف.
وأنشد:
إذا غاب عنكم أسود العين كنتمكراما، وأنتم ما أقام ألائم
هو للفرزدق وبعده:
تحدّث ركبان الحجيج بلومكموتقري به الضّيف اللّقاح العواتم
وأسود العين: اسم جبل. وضمير ما أقام إليه، يقول: لا تكونون كراما حتى يغيب هذا الجبل، وهو لا يغيب من مكانه أبدا. وغلط من ظنه اسم رجل. وألائم:
جمع ألأم، بمعنى اللئيم، مجردا عن معنى التفضيل. وقوله: وتقرى به الضيف قال القالي في أماليه: يعني ان أهل الأندية يتشاغلون بذكر لؤمكم عن حلب لقاحهم حتى عصوا، فإذا طرقهم الضيف صادف الألبان بحالها لم تحلب، فنال حاجته. فكان لؤمكم قرى الأضياف والاشتغال بوصفه.
وأنشد:
ألا عمر ولّى مستطاع رجوعه
تقدم شرحه في شواهد ألا.
وأنشد:
زعم العواذل أنّني في غمرةصدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي
وأنشد:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى
هو لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة، وأولها:
لخولة أطلال ببرقة ثهمدوقفت بها أبكي وأبكي إلى الغد
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهميقولون لا تهلك أسى وتجلّد
ومنها:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنّنيعنيت، فلم أكسل ولم أتبلّد
ولست بحلّال التّلاع مخافةولكن متى يسترفد القوم أرفد
ومنها:
رأيت بني غبراء لا ينكروننيولا أهل هذاك الطّراف الممدّد
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغىوأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تستطيع دفع منيّتيفدعني أبادرها بما ملكت يدي
ولولا ثلاث هنّ من عيشة الفتىوجدّك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهنّ سبقي العاذلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزبد
وكرّي إذا نادى المضاف محنّباكسيد الغضا نبّهته المتورّد
وتقصير يوم الذّجن والدّجن معجبببهكنة تحت الطّراف المعمّد
ومنها:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفيعقيلة مال الفاحش المتشدّد
ومنها:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةعلى المرء من وقع الحسام المهنّد
ومنها:
أنا الرّجل الضّرب الّذي تعرفونهخشاش كرأس الحيّة المتوقّد
ومنها:
فإن متّ فانعيني بما أنا أهلهوشقّي عليّ الجيب يا ابنة معبد
ومنها وهو آخرها:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ويأتيك بالأنباء من لم تبع لهبتاتا ولم تضرب له وقت موعد
أرى الموت إعداد النّفوس ولا أرىبعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد
خولة: امرأة من كلب. والبرقة: بضم الباء، رابية فيها رمل وطين، أو طين وحجارة يختلطان. والجمع: برق. وثهمد: بالمثلثة، موضع. والبيت الثاني توارد فيه مع امرئ القيس في بيت من معلقته فانه قال فيها:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهميقولون لا تهلك أسى وتجمّل
وكان أبو هلال العسكري صاحب الصناعتين ينكر المواردة، حتى وارد غيره في قوله:
سفرن بدورا وانتقبن أهلّةومسن غصونا والتفتن جآذرا
فاعترف بها. قال المتنبي: الشعر ميدان، والشعراء فرسان، فربما اتفق توارد الخواطر، كما قد يقع الحافر على الحافر. ونصب: (وقوفا) على المصدر، أو الحال على أنه جمع واقف. وتجلّد: تصبّر. قوله: (ولست بحلال التّلاع) أي لست أحل بحيث يخفى مكاني خشية السؤال، بل أنزل المكان الظاهر. ومتى يسألني القوم أعطهم. وحلّال:
بالمهملة والتشديد، فعّال، من حل يحل بالضم، إذا نزل. وروى: (بمحلال) بالميم، من قولهم: مكان محلال، اذ كان يحلّ به الناس كثيرا. وضبطه بعضهم (بجلال) بالجيم، أي لست ممن يستره التلاع
مخافة الضيف. والتّلاع: بكسر التاء، جمع تلعة، وهي مجرى الماء من الأودية الى الرياض، أو مسايل الماء من الجبل الى الأودية. والرفد: العطية. وقيل المعونة. وقد أورد المصنف هذا البيت في الكتاب الخامس. واستشهد به ابن مالك على جزم متى الشرطية فعلين. وبنو غبراء: الفقراء. والغبراء: الأرض، نسبهم الى التراب لأنهم يجلسون عليه. وقيل: الغبراء السنة المجدبة. والطّراف: بكسر المهملة وراء، بيت من أدم، ولا يكون ذلك الا للملوك والاغنياء وهم أهله.
ومعنى البيت: أنه يعرفه الفقراء لأنه يرفدهم، والأغنياء والملوك لأنه يجالسهم وينادمهم. وقيل: أراد ببني غبراء الأضياف. وقال المبرد: اللصوص. وقال غيره:
أراد بهم أهل الأرض لأن الغبراء من أسماء الأرض. وقد استشهد النحاة بهذا البيت على دخول هاء التنبيه على اسم الاشارة المقرون بالكاف المجرّد من اللام.
و (أهل) مرفوع بالعطف على فاعل ينكرونني، للفصل بينهما. والزاجري:
اللائمي. وقوله: (أحضر) أي عن أن احضر، حذف الجار ثم أن. وقوله:
فذرني أبادرها بما ملكت يدي
أي أبادر قبل حلولها بالتمتع في مالي بلذات نفسي، وإنفاق ما ملكت يدي.
وقوله: (فلولا ثلاث) أي خصال من عيشة الفتى، أي لذته. وجدّك: قسم، و (لم أحفل) لم أبال متى قام عوّدي، أي في المأتم والنوح عليه. (فمنهنّ) أي من الخصال سبقى العاذلات بشربة، أي أغدو على شرب الخمر قبل أن تلمني اللائمات. وكميت: من أسماء الخمر. وتعل بالماء: تصب وتمزج. وتزبد:
يصير على رأسها كالزبد، وهي الفقاعات. وكرّى: أي عطفى. والمضاف:
المستغيث. وقيل: الذي أضافته النجوم ونزلت به. والمحنّب: الذي في قوائمه وضلوعه انحناء وعوج. والسيد:
الذئب. والغضا: شجر. ويقال: ذئب الغضا أخبث الذئاب. ونبهته: هيجته. والمتورّد: المتقدم على قرنه. وقيل: الذي يرد الماء، وهو صفة لسيد. و (تقصير يوم الدّجن) أي المطر، أي اقصره باللهو.
والبهكنة: التامة الخلق الحديثة السن. ويقال: البيضاء، تقدم تفسيره. والمعمّد:
المرفوع بالعماد. وهذه تمام الخصال الثلاث. يقول: لولا هذه الثلاث لم أبال أي وقت جاءني الموت، وهي شرب الخمر والحرب والتمتع بالنساء. قوله: يعتام:
بعين مهملة، أي ينتقي ويختار. وعقيلة كل شيء: كريمته وخياره. ويقال للمرأة الخيرة العفيفة: هي عقيلة قومها. والفاحش: السيء الخلق. والمتشدّد: المتمسك.
والمضاضة: ألم المصيبة. والضرب: الخفيف اللحم. والمتوقد: الزكي الخفيف الروح. والخشاش: الخفيف غير البليد، وأراد خفة الرجولية والصرامة، لا خفة العجلة والطيش. وإنما قال: كرأس الحية، لأنها فيما يقال شديدة التيقظ. وقيل:
الضّرب: الصلب الخشن الثابت في الأمور. ويقال: كل خشاش في الكلام مكسور الأخشاش، الطير. وانعيني: اندبيني. والجيب: القميص. وقد أوردت الفقهاء هذا البيت ممثلين به للنوح الذي يعذب عليه الميت لإيصائه به. وتبع: بمعنى تشتر. والبتات: بموحدة ومثناتين، الزاد والمتاع. وقوله: (ستبدي لك الأيام ... البيت) هو من الأبيات التي اشتهرت وصارت مثلا شائعا.
وأخرج أحمد في مسنده بسند صحيح عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل ببيت طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يتمثل من الأشعار:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا. إلا البيت طرفة:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
فجعل يقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فقال أبو بكر: ليس هكذا، قال: إني لست بشاعر، ولا ينبغي لي.
فائدة:
طرفة هو ابن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أحد شعراء الجاهلية. وخاله المتلمس الشاعر، تقدمت قصتهما مع عمرو بن هند التي قتل فيها طرفة في ترجمة المتلمس في شواهد إذا. قال ابن دريد في الوشاح: اسم طرفة، عمرو، وإنما سمى طرفة لقوله:
لا تعجلا بالبكاء اليوم مطّرفاولا أميريكما بالدّار إذ وقفا
وقال في باب الكنى: منه كنية طرفة أبو عمرو، فإن ثبت اتحد اسمه وكنيته.
قتل وهو ابن عشرين سنة، ولذلك قيل له ابن عشرين. ورأيت له ترجمة في كتاب (فضل الشبان وتقديمهم على ذوي الأسنان) وهو كتاب ذكر مؤلفه في خطبته انه ألفه للخليفة جعفر المقتدر، لأنه تولى الخلافة وسنه ثلاث عشرة سنه، ولم يل الخلافة قبله أصغر سنا منه، نقل فيه عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم نجد أحدا من الشعراء تعجل في حداثة السن إلا طرفة، فإنه قال الشعر حدثا، وشهر في سنوات، وقتل وهو ابن بضع وعشرين سنة. ولذا لم يذكر في شعره الشيب ولا بكى عليه.
وسئل حسان: من أشعر الناس؟ فقال: قبيلة أم قصيدة؟ قيل: كلاهما، قال:
أما أشعرهم قبيلة فهذيل، وأما أشعرهم قصيدة فطرفة.
وسئل جرير: من أشعر الناس؟ قال الذي يقول: ستبدي لك الأيام ...
البيت. وقال بعضهم: اتفقت العرب على أن أشعر الشعراء في الجاهلية طرفة
وبعده الحارث بن حلّزّة وعمرو بن كلثوم. وقال القالي في أماليه: حدّثنا أبو بكر الأنباري، نبأنا أبو حاتم، نبأنا عمارة بن عقيل، نبأنا أبي، يعني عقيل بن بلال سمعت أبي، يعني بلال بن جرير، يقول: دخلت على بعض خلفاء بني أميّة فقال:
ألا تحدّثني عن الشعراء؟ قلت: بلى، قال: فمن أشعر الناس؟ قلت: ابن العشرين، يعني طرفة. قال: فما تقول في ابن أبي سلمى والنابغة؟ قلت: كانا ينيران الشعر ويسديانه، قال: فما تقول في امرئ القيس بن حجر؟ قلت:
اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف يشاء. قال: فما تقول في ذي الرّمّة؟ قلت:
قدر من الشعر على ما لم يقدر عليه أحد. قال: فما تقول في الأخطل؟ قلت: ما باح بما في صدره من الشعر حتى مات. قال: فما تقول في الفرزدق؟ قلت: بيده نبعة الشعر قابضا عليها. قال: فما أبقيت لنفسك شيأ! قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين، أنا مدينة الشعر التي يخرج منها ويعود إليها، ولأنا سبّحت الشعر تسبيحا ما سبّحه أحد قبلي. قال: وما التسبيح؟ قلت: نسبت فاظرفت، وهجوت فاذريت - يعني أسقطت - ومدحت فأسنيت، ورملت فأغزرت، ورجزت فأبحرت، فأنا قلت ضروبا من الشعر لم يقلها أحد قبلي.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع