تجاوز إلى المحتوى

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الشيخ نجيب الدين علي بن محمد بن مكي الشامي العاملي

نجيب أعرق فضله وأنجب. وكماله في العلم معجب. وأدبه أعجب. سقى روض آدابه صيب البيان. فجنت منه أزهار الكلام أسماع الأعيان. فهو للاحسان داع ومجيب. وليس ذلك بعجيب من نجيب. وله مؤلفات أبان فيها عن طول باعه. واقتفائه لآثار الفضل واتباعه. وكان قد ساح في الأرض. وطوى منها الطول والعرض. فدخل الحجاز واليمن والهند والعجم والعراق. ونظم في ذلك رحلة أودعها من بديع نظمه ما رق وراق. وقد حذا فيها حذو الصادح والباغم. ورد حاسد فضله بحسن بيانها وهو راغم. وقفت عليها فرأيت الحسن عليها موقوفاً. واجتليت محاسن ألفاظها ومعانيها أنواعاً وصنوفاً. واصطفيت منها لهذا الكتاب. ما هو أرق من لطيف العتاب. فمنه قوله

علة شيبي قبل إبانههجر حبيبي في المقال الصحيح
ويجعل العلة في هجرهشيبي وفي ذلك دور صريح

وأنشد بعضهم في المعنى

مسألة الدور جرتبيني وبي من أحب
لولا مشيبي ما جفالولا جفاء لم أشب

ومنها قوله وهو مما كتب به إلى أهله بالشام

تفصيل ما تدري به لا يحملحملت نفسي فيك ما لم يحمل
يا بدر تم جل عن نقص فماتلقاه إلا باذلاً لا يأفل
نور الجبين وشعره من فوقهشمس ويغشى الشمس ليل اليل
مذ شام طرفي حسنه صفد القوىوحماه عنه وأين منه الوصل

سمحت له بالعين نفسي بعدهاودموعها منها دماء تهمل

أنا في هواك كما علمت وذلتيلجلال وجهك أمرها لا يجهل
ازداد فيك تعطفا وتذللاًوتزيد فيك قساوة وتدلل
وعدلت بي وعدلت عني ظالماًيا ليت عدلك كنت عنه تعدل
ومعرض عندي بذكر بثينةوهوى جميل ذكر هذا أجمل
دع ما تزخرفه ومل يا عاطفاًنحو الشفاعة لي فذلك أفضل
قول العواذل عندنا أهل الهوىفي شرعنا مردودة لا يقبل
والنصح غش منهم وصوابهمخطاء يرى وخفيفهم مستثقل
لولا اشتغالي بادكار أحبةلقياهم عندي المهمّ الأول
ما كنت يوماً عن فناه بمعزلكلا ولم يك عنه آنا معدل
هم قيدوا منى الفؤاد واطلقواجفني ولكن دمعه متسلسل
وحشاشتي كادت تذوب لبعدهملكنها بوصالهم تتعلل
شط المرار بهم فعز لقاؤهملكنهم بسواد قلبي نزّل
أقسمت لا ألوي لغير هواهميوماً إلى أن يحتويني الجندل
هم علموني العشق حتى نالنيمن بعض ما لاقيت أمر مشكل
قد كنت أشكو أمر دهر سالفعمر مضى يا ليته مستقبل
تلخيص أشواقي بديع فنونهفي شرح مختصر البيان مطول
أو هي القوى ذكرى أحبة مهجتيلا غادة حوت الجمال ومنزل
ورجائي في كرم المهيمن واسعولقاهم منه دواماً أسأل
وعليهم مني سلام نشرهما العنبر الشحري أو ما المندل

وقوله يمدح السيد مبارك بن مطلب حاكم الحويزه

يا سائلي عن أربي في سفري ومطبيلي مطلب مبارك مبارك بن مطلب
نجل علي المرتضى سبط النبي العربيالطيب بن الطيب بن الطيب بن الطيب
أمان كل خائف غياث كل مجدبمنيل كل نعمة من فضة وذهب
في عدله وجوده تسمع كل عجبالأسد الكاسر لا يخشاه فرخ الثعلب
كما السخال جملة ترعى وجود الأدوبوالفرس والترك له دانت وله العرب
إذا حللت أرضه نسيت أمي وأبيوأسرتي وولدي بنتاً يكون أو صبي
ومن يكن حيدرة أباه والجد النبيفكلما تصفه من دون أدنى الرتب

وقوله أيضاً

يا من يحاول ما أملت بالحيلدع ما تخال فهذا أول الخلل
واركب متون خيول السبق وأسر بهافي جنح ليل الهدى من غير ما كسل
وجانب الجانب الأدني فما ظفرتبالقرب منه ذوو الآمال بالأمل
واقطع رجاك من الدنيا فما صدقتفي وعدها أحداً من سالف الأزل
وصل حبالك بالحبل المتين فمايعطى ويمنع الأعلة العلل
واسلك سبيل رضاه غير متئدفإنه للبرايا أوضح السبل
وازدد على الهجر حبالاً تملّ فمافي ملة الحب أذى من أذى الملل

وقوله أيضاً

عزة النفس وانقطاع النصيبأو جبا ذلتي وهجر الحبيب
فتعوضت عن مرامي وقصديببعادي عنه وقرب الرقيب
وانقضى العمر في الأماني وماكنت إلى الله راجعاً من قريب
هو دائي إذا يشاء ودوائيفهو ما زال علتي وطبيبي

وقوله

هو الدهر رب الجاه فيه أخو الفضلولو أنه عار من الدين والعقل
ورب الحجى والفضل والعلم والتقيإذا ما خلا منه فذاك أبو جهل

وقوله

يعز علينا أن تهون نفوسنالذلك بالصبر الجميل أهنانا
وكنا نرى لو أن أتانا مفاجياًمعزلها فيها بذلك هنانا

وقال فيها عند ذكره أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه

وقلت فيه بيت شعر ما صفايحصل منه أربعون ألفا
تلحقها ثلاثة مئيناكاملة مضافة عشرينا
أبيات شعر عدها كما ذكروالبيت هذا فتأمل واختبر
عليّ رضيّ بهيٌّ وليٌّصغيٌّ وفيٌّ سخيٌّ عليٌّ

وشرح ذلك فقال يشتمل هذا البيت على أربعين ألف بيت وثلثمائة وعشرين بيتاً بيان ذلك أن البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطبق كل جزء من أجزائه مع الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات فالجزء الأول لأن علي رضي يتصور فيهما صورتان التقديم والتأخير ثم خذ الجزء الثالث فتحدث منه مع الأول ست صور لأن له ثلاثة أحوال تقدمه وتوسطه وتأخره ولهما حالان فاضرب أحواله في الحالين تكن ستة ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبعمائة وعشرين ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبعمائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين ثم خذ الثامن تجد له ثمانية أحوال فاضربها في خمسة آلاف وأربعين تكن أربعين ألفاً وثلثمائة وعشرين بيتاً والله أعلم ومن فوائده فيه عنه ذم الغيبة قوله

وجوزوا الغيبة في مواضعلكنها قليلة المواقع
كردع شخص يفعل القبائحاأو كان للشاهد أيضاً جارحا
أو وصفه مما به يمتانوبفعله كي يحصل احتراز
ففي الحديث الفاجر اذكروهيعرفه الناس فيحذروه
وكل ذا مع عدم التقيهوالخوف من ذي الشيم الرديه

ومنها أيضاً قوله

لي نفس أشكو إلى الله منهاهي أصل لكل ما أنا فيه
فجميل الخلال لا يرتضينيوقبيح الخلال لا أرتضيه
فالبرايا لذا وذاك جميعاًلي خصوم من عاقل وسفيه

وقوله

لك الله من دهر توالت صروفهعلينا فأولى ضد ما نتمناه
فقرّبنا ممن نود بعادهوأبعدنا عمن نود ونهواه

وهو من قول المتنبي

أما تغلط الأيام فيّ بأن أرىبغيضاً تنئى أو حبيباً تقرب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»

وله أيضاً

المرء لا يسلم من حاسدأو شامت في اليسر والعسر
فهو على الحالين لا بد أنيلحقه نوع من الشر

وله

واعجبا منا ومن حبناللمال ما ذلك الابوار
فآخر الدرهم همّ يرىوآخر الدينار لا شك نار

البيت الثاني من قول الأول

النار آخر دينار نطقت بهوالهم آخر هذا الدرهم الجاري
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «النار آخر دينار نطقت به»
والمرء ما دام مشغوفاً بحبهمامعذب القلب بين الهم والنار

وقال أيضاً

مدت حبائلها عيون العينفاحفظ فؤادك يا نجيب الدين
في هجرها الدنيا تضيع ووصلهافيه إذا وصلت ضياع الدين

وهو من قول الآخر

يا قلب دع عنك الهوى واسترحفلست فيه حامداً أسراً
أضعت دنياك بهجر وإننلت وصالاً ضاعت الأخرى

وعكس ذلك بعضهم فقال

يا قلب لا تدع الهوىوارفض مقال أولى الزهاده
إن كان وصل فالمنىأو كان هجر فالشهاده
للشاعر ابن رواحة الحموي، من قصيدة «لاموا عليك وما دروا»

وقال أيضاً

وإذا كانت الحياة إلى الموتفقصر الآمال أولى وأحرى
فالخطايا تزداد والعيش ضنكفهو أولى لا شك أولى وأخرى

وقال أيضاً

كل امرء دون أمرينمن الأنام مقصر
أما امرؤ متوكلأو آخر متهور

وقال في السيد خلف بن مطلب وأجاد في التورية

إذا جرى ذكر ذي فضل ومكرمةممن مضى قلت خلواً ذكر من سلفا
الحمد لله أهل الحمد إن لناعن كل ذي كرم ممن مضى خلفا

وقال لما بلغه نعي الشيخ حسن بن الشهيد رحمهما الله تعالى

جودي بدمع مستهل غزيريا عين فالخطب جليل خطير
وإن رقى الدمع فسحي دماًففادح الرزء بهذا جدير
دك لعمري جبل شامخكادت له الشم العوالي تسير
طود على بحر نهىً يا لهمن أوحد ليس له من نظير

وقال أيضاً

ما لي على هجرك من طاقةولا إلى وصلك لي مقدرة
لكنني ما بين هذا وذافرطت في دنياي والآخرة

وقال أيضاً

ما صفا الدهر لامرء قط يوماً من البشرفإذا مشرب صفا عاند الدهر في آخر

وقال أيضاً

جبت البلاد فما وجدت به صديقاً صادقاً
يا قلب فاحذر لا تكنفيها بخل واثقا

وقال أيضاً وهو مما ليس في رحلته

إذا كان ريح المسك ينكر ضائعاًلدى بلد فالمسك لا شك ضائع
وقد يعذر المجروح في ترك شمهففي البين داء ذلك الداء مانع

البيت الأول ينظر إلى قول الشريف قتاده

وما أنا إلا المسك في غير أرضكمأضوع وأما عندكم فأضيع

وقال في رحلته

كنا ببستان جلوساً إذ قدمشخص من الأعيان من أهل العجم
فقال نحن الشام ذاهبوناوحج بيت الله قاصدونا
وإن كتبتم لهناك رقعةنوصلها لكن بوجه السرعة
ولم يكن الامداد أحمروورق صافي الأديم أصفر
فجاء في رؤيتي بيتانشعراً بديعاً وهما هذان
فمدمعي مثل مدادي والورقلو ندّ لوني ولكني أرق
فطلق النوم جفوني فلذاعوضني عنه بتزويج الأرق

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.