من «سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)
أبو الطيب بدر الدين بن رضى الدين الغري العامري الشامي
شاعر فصيح. مجاله في الأدب فسيح. يسحر ببيانه العقول. ويبهر الألباب بما يقول. إن نظم فالدر الثمين كأسد. وزهر النجوم له حواسد. سار شعره مسير الشعرتين. وجلا عن قلوب أولي الأدب كل رين. ولم يزل معدوداً من أرباب الصدور. مسفرة محاسن فضله أسفار البدور. حتى أفسدت السوداء عقله. وأوجبت من مناصب العقلاء عزله. فأصبح في عقال الجنون. إلى أن فاجأه رائد المنون. وكان أول ما ظهر من خباله. وفساد عقله وباله. أن ادعى مزيناً فحلق لحيته. وغير صورته وحليته. ثم جمع شعره في منديل. وبدل هيئته أقبح تبديل. وقصد القاضي شاكياً شانه من أخيه. زاعماً أنه الذي شوه وجهه ذلك التشويه. فدعى القاضي أخاه. وتحرى جلية الأمر وتوخاه. فأنكر أن يكون رأى هذه الشناعة. أو علم بها إلا في تلك الساعه. وظهرت منه حركات دلت على فساد ذهنه. واختلال عقله ووهنه. فعلموا بحاله. وتزوير محاله ثم تفاقم داؤه وطوحت به سوداؤه حتى قيدت قدماه وانقطع عنه أصحابه وندماه أخبرني الشيخ حسن الشامي أن الشيخ العلامة محمد الحرفوشي مر عليه يوماً هو وصاحب له فوقفا بحاله وسألاه عن حاله فشكا إليهما الوحشة والانفراد وخيبة الأمل والياس من المراد وطلب منهما أن يجلسا بقربه وينفسا من خناق كربه فتقدم ذلك الرجل إليه وجلس بين يديه فتشبث به وطرحه وضربه حتى برحه ولم يفلت منه إلا بعد حين وكاد حينه أن يحين ثم التفت إلى الشيخ محمد الحرفوشي فقال له أنت شيخنا المبجل الأغر المحجل على عهد الله أن لا أفعل بك ما فعلت بصاحبك فادن مني وأزل دهشة الوحشة عني فمال عنه وانحرف وضحك من قوله وانصرف واستدعى يوماً بنورة ليطلى بها فطلى جميع بدنه حتى لحيته وشاربيه واشفار عينيه وحاجبيه فلما أنكروا عليه فعله. قال أردت أن أزبل الشعور جمله. وله في جنونه أفانين عد بها من عقلاء المجانين وهذا حين أثبت من شعره ما تستحليه وتقلد به جيد الدهر وتحليه فمن قوله مادحاً أبا السرور البكري
ألا طرقتنا قبل منبلج الفجرمعطرة الأردان طيبة النشر
وحيت فاحيت من حشا مدنف قضىوما خلتها تقضى على الموت والنشر
وجادت بما ضن الزمان بمثلهوفاءً بلا مطل ووصلاً بلا هجر
وجاءت كما شاء المنى في مطارفمن الحسن أدناها أدق من السحر
ولاحت من العذر العلي في دياجرفأشرق بدر التم في غسق الفجر
وماست قضيباً فوق دعص فاتلعتمن الغيد ريماً لا من الشدن العفر
فبادرتها والقلب جم سرورهوقل أن يوفي حين وافته بالنذر
وقلت لها اسعي وقلت ألا اسلميوأيقظت اقريها الهوادج بالنحر
وعاطيتها صفراء بكراً كأنهاإذا جليت في كاسها الشمس في البدر
وجاذبتها أطراف عتب كأنهنسيم الصبا غب الملث من القطر
ومازجتها ضما فرحنا كأنناخليطان من ماء الغمامة والخمر
ونازعتها ذيل العفاف ولم أخلخليلين مثلينا استقالا من الوزر
إلى أن نضا كف الصباح حسامهوأسفر داجي الأفق عن فلق الفجر
فقامت تهادي تنفض البرد تنثنيمرنحة الأعطاف ناحلة الخصر
وهمت بتوديعي فسالت مدامعيوسار فؤادي خلفها حيث لا تدري
فيا ليلة ما كان أزهر متنهالقد أذكرتني موهناً ليلة القدر
وبارورة لم أنس لا أنس أنسهاعدى عودة أم أنت لي بيضة العقر
ووالله ما سببت إلا علالةوفي عمره من غير بحر الهوى فكري
وفي همتي والله يعلم شاغلعن الغادة العذراء والأغيد العذري
ارتع في روض الحسان وانثنيعن الذروة الشماء يعلو بها قدري
أحدث نفسي بالمعالي وأبتغيرفيقاً رفيقاً بي معيناً على أمري
وما الناس إلا الشوك عند اختبارهمعلى أنهم في منظر العين كالزهر
سأضرب وجه الأرض أبغي مطالبيفريداً ولا أعبؤ بزيد ولا عمرو
أبى الله لي إلا سيادة أصيدمجد إلى قنص العلى بالقنا السمر
ولا مجد عن ارث وإن طبت محتداًفانمي إلى حبر يقلب بالبدر
وما الفخر إلا في مقارعة الوغىوما المجد إلا بالسباء وبالأسر
فإن أنت صاففت الأسود وخضتهابطعن فقل ما شئت في عالم البدر
ولم تغتمض عيناي ليلة لم أبتأقلّب في قلب الهزبر على جمر
وكم لي من صيدات عز وسوددومن دونها وقع المهندة البتر
ولما رأيت الذل في جانب الغنىتنكبت أبغي العز في جانب الفقر
مناقب هماتي حكين مقانباًنظمن قلادات من الأنجم الزهر
يبارين أحداث الزمان فتنبريكما ارتعد العصفور من صولة الصقر
وما هي من همات قطب العلى أبيالسرور ولا دعوى سوى عيثر العسر
هو الأسد الضرغام أن عن حادثملّم شديد الباس حتى على الدهر
هو الشمس في أفق السماء وضؤهاعلى الخلق من بيض وسمر ومن حمر
هو العالم الشهم المبرز في النهيأخو الحسب الوضاح والشيم الغر
هو البحر أما ريم ادراك شأوهفأين الثماد الجعفري من البحر
ولا عيب فيه غير أن يمينهتنوف على ما في الكنبهور باليسر
ومن جوده الداني الهياذ فمصر لاتبالي أمد النيل أم كان ذا جزر
وكم من صفات راح يحوي زمامهاعديمة أمثال تجل عن الحصر
وشفد ألفاظ المديح ولا تفيإذا أطربت يوماً بشيء سوى النزر
فصاحة قس في سماحة حاتمواغضاء قيس في اقتدار يدي عمرو
وفقه ابن ادريس وزهد ابن أدهموحلم أبي بحر وصدق أبي ذر
خليلي عوجاً بارك الله فيكماعلى ساكني الفسطاط من قاطني مصر
وهباً إلى كنز المآثر واقرآعليه سلاماً كاللطايم في القطر
وبثاً إليه فرط شوقي ولوعتيعلى ما هما فالصدق أجرد بالحر
أصدر الموالي المحرزي قصب العلافداء محب مخلص السر والجهر
لعلك لا تنسي المسيىء من الرضىوعلك لا تنسى الكسير من الجبر
وإني لأستعفيك مما وجدتنيحنيذا إلى النعما بطيأ عن الشكر
وما أنا نظاماً لشعر وإنمامديحك الوى بي على صنعة الشعر
وما الشعر يا مولاي إلا تجارةفطوراً إلى ربح وطوراً إلى خسر
فدونك يا ركن المعالي حوائلاًتؤمك بالتسليم قطراً إلى قطر
قواف إذا ما أنشدوها تخالهاعقود الدراري لا عقوداً من الدر
ترق بماء الطبع حتى كأنماترقرق في أرجائها ذائب التبر
لها رونق الطلاومنها استعير الظلم في شنب الثغر
ودونكها بكراً إليك زففتهاولا غرو فهي البكر زفت إلى البكري
تروم قبولاً مهرها وجديرةمجانبة إلا جانبك بالمهر
ودم سالماً ما جاد روضاً ربابهوما ناح شحرور وما غرد القمري
وقال يمدح عبد الوهاب أفندي
مؤنبي لا برحت في عذليفحبذا حبه عليّ ولي
هتفت في طي ما تزخرفهباسم يعفي جراحة العذل
عدمت الاداء يزاولهمنه دواء يزول بالعلل
لله قلب بنوبه كلفاًمطال مثر إلى ملام خلي
كأنه في يديهما كرةفمن هلال الدجى إلى زحل
يلفه في هواه أونةحقاً دبوراً وحلتا شمل
وذي دلال أغر طلعتهشمس الضحى فوق ناعم خضل
يجول في عطفه النشاط إذايحل نقويه فترة الكسل
رقمت في طرس خده قبلاًفظل يمحو بنانه قبلي
وأخجل الورد في نضارتهنبات خد في وردتي خجل
وعاطيات يمسن عن مرحفيختلسن النهي على مهل
سخن دون الغدير في حبركما يشاء الهوى وفي حلل
فجين أقلابهن في خرسوالرشح مما يجلن في زجل
ما لحن في الحلي وهو مؤتلقإلا وزن الحلي بالعطل
حلفن لأرحن دون سفك دميأو يعود الكحل كاسي الكحل
يا بابي معهد نعمت بهمرفه المال خالع الجدل
أجر ذيل الغرام منبعثاًعلى أزاهير روضه الجذل
أقوت مغانيه من أوانسهوحل منها الغراب في طلل
لبئس ما اعتاض من تسائمهعواصف السافيات من بدل
حبست عبدي في ملاعبهعلى فواظ الهوى بلا أجل
خلعت مستنكفاً لتربتهنعلاً من ضيم وطء منتعل
سقفاه حتى يؤوب غاز بهمزاج صرف الشباب بالعزل
قضى أخو العقل دون لذتهونالها كل خالع عذل
وعاق دون الأريب اربتهزمان سوء يليق بالسفل
أن يدرك الدينون ما انتجعواحيناً فقد يقنعون بالقفل
وقائل كم ونيت عن طلب الأرزاق تعلو غوارب الابل
تقتعد الكور جنح كل دجىتأكل بالميس أظهر البزل
لو كان في منزل بلوغ منىلم تبرح الشمس دارة الحمل
غل غول مختالة الخطا أبداولو دهتك الغيلان بالفيل
وصرف الدهر ما حييت بهما بين حل وبين مرتحل
فقلت عبد الوهاب ما ولي القضاء بالشام منتهى أملي
أحلني من حماه مرتبعاًمن دون مرماه معقل الوعل
وعاج بي عن لظى الخطوب إلىظل من الأمن غير منتقل
وأشاشني من يد الزمان وأغناني حيا جوده عن الرحل
ورد مني المنى على ثقةمنه وأمر المنى إلى وجل
وسامني دام مجده جهةوجاد عفواً بها ولم يسل
طوبى لأهل الشام ما وثقوابموثق منه غير منتقل
أضجرنا باللهى بتابعهاحتى لكدنا نثني على البخل
كأن كفيه ديمتا هطليساويان الوهاد بالقلل
مهذب ما رأيت طلعتهإلا رأيت الأنام في رجل
لو كان للشمس ضوء غرتهلم تغتمض عينها من الطفل
أو كان لليل جاش عزمتهفي مستجاش الخصام لم يحل
أجار هذا الورى وليس لهمن ناقة فيهم ولا جمل
يبيت فيما جنوه مشتغلاًبالاً وعما اقتنوه في شغل
ما لابن عبد العزيز مجتهداًبزهده والجنيد من قبل
يحوز صمتاً وليس ذا حصرإلى مقول وليس ذا خطل
ناهيك من نافذ أوامرهعلى الصفاح الرقاق والذبل
عف بريط النجاح متزرطب ببرد العفاف مشتمل
وصاحب الفكر صين عن خطلوصادق القول صالح العمل
وشيخ الاسلام غير متبعإلا طريق الأماجد الأول
تالله لن يعثر الزمان ولابنوه يوماً له على مثل
رأي إذا دب في كعوب قنايجل عن وصمة وعن خطل
يمضي بلا كلفة لطيتهمن حيث تنبو مضارب البطل
وقال في صدر أخرى
غنينا بدر من مقبلك العذبعن الشذر والياقوت واللؤلؤ الرطب
وشمنا بروق البشر رقراقة السناتلوح لنا لألاها في دجى العتب
وفزنا بزور كان أيمن زائرألمّ بنا وقع القطار على الجدب
وقال متغزلاً
هات اسقني حلب العصير ولا سوىزهر النجوم تجاه زهر المجلس
انظر إليه كأنه متبرممما تغازله عيون النرجس
وكان صفحة خده ياقوتةوكان عارضه خميلة سندس
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع